المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت) - التيسير في أحاديث التفسير - جـ ٤

[محمد المكي الناصري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الرابع

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة مريم

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة طه

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأنبياء

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحج

- ‌الربع الأول من الأول من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المؤمنون

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والثلاثسنفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النور

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والثلاثسنفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الفرقان

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)(القسم الأول من هذا الربع)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)(القسم الأول من هذا الربع)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)(القسم الثاني من هذا الربع)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)(القسم الثاني من هذا الربع)

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الشعراء

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النمل

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الأول في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الأول من الربع الأول في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأول في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأول في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الثاني في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الأول من الربع الثاني في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثاني في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القصص

- ‌الثمن الثاني من الربع الثاني في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌تعليق وتحقيق

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة العنكبوت

- ‌الربع الثاني من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ت)

الفصل: ‌الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

‌الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين

في المصحف الكريم (ت)

عباد الله

فى حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في ختام سورة النور المدنية:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} إلى قوله تعالى في سورة الفرقان المكية: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} .

ــ

في نهاية الربع الماضي حث كتاب الله السابقين الأولين، الذين نالوا من العناية الإلهية أوفر نصيب، بصحبة خاتم الأنبياء والمرسلين، وكذلك من يأتي بعدهم من كافة المؤمنين، على عدم الانصراف من أي جمع إسلامي عام تعالج فيه الشؤون العامة للمسلمين، إلى أن ينتهي الجمع إلى النتيجة التي التأم من أجلها، وأمرهم بأن لا يفارق أي واحد منهم مقر الجمع، إلا بإذن صريح من رسول الله الذي هو رئيس الجماعة الإسلامية الأول والأصيل، وواضح أن هذا التوجيه الإلهي ينسحب بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى على خلفائه من بعده، وذلك قوله تعالى:{وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} .

ص: 300

وفي بداية هذا الربع كشف كتاب الله النقاب عن حقيقة فريق من الناس ضعاف الإيمان لا تهمهم شؤون المسلمين العامة، ولا يحملون لرؤسائهم المسلمين في قلوبهم وقارا، لكن تضطرهم الظروف إلى حضور مثل هذه الجموع كي لا يوصموا بالعار، حتى إذا ما حضروها أحسوا في أنفسهم بالضيق والملل، وحاولوا التسلل منها في خفية عن الأنظار، وإلى هذه الطائفة التي في قلبها مرض، وجه كتاب الله تحذيره الصريح، إذ قال تعالى:{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} ، إشارة إلى أنه إذا غفلت عين الرئيس المسلم الذي يرأس الجمع، أو غفلت أعين المسلمين المجتمعين فيه، عن تسلل أولئك المذبذبين، وخروجهم من الجمع مختفين مستترين، دون اعتذار ولا استئذان، حذرا من الفضيحة والهوان، فإن الله تعالى الذي يعلم السر والنجوى لا يخفى عليه من أمرهم شيء، وسيحاسبهم، بمقتضى علمه، على ما في ضمائرهم حسابا عسيرا. وكلمة (لواذا) في هذه الآية من الملاوذة، وهي أن تستتر بشيء مخافة من يراك، وقد كان المنافقون أول من دشن على عهد الرسالة هذا النوع من الالتواء والمخاتلة، فتركوه سنة لمن بعدهم.

وفي سياق الحديث عن " الأمر الجامع " الذي يدعو الرسول إلى حضوره وتدور حوله المناقشة والحوار نبه كتاب الله إلى أن مخاطبة رسوله الأعظم يجب ان تكون مصحوبة بالأدب اللائق بمقامه الكريم، ويشمل ذلك اللقب الذي يدعى به، واللهجة التي يخاطب بها، فلا يدعى إلا بوصفه " رسول الله " ولا يدعى إلا برفق

ص: 301

ولين، دون تهجم أو رفع للصوت، وذلك قوله تعالى هنا:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} على غرار قوله تعالى في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الآية: 2]، وقد استحسن العلماء ملاحظة هذا المعنى في مخاطبة ذوي الخطط والولايات المختلفة، حيث يفضل أن يدعى كل واحد منهم بلقب خطته تكريما له، ومن ذلك الخليفة والأمير والوزير، وهكذا، كما نبه على ذلك القاضي أبو بكر (ابن العربي).

ويمكن أن يكون المراد بقوله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} هو أن الجمع الذي يوجه الرسول الدعوة لحضوره يجب أن ينال من الاهتمام والاعتبار ما لا تحظى به دعوات غيره من الناس، ولذلك لا يسوغ التخلف عن حضوره إلا لعذر مشروع، ولا تجوز مفارقته إلا بإذن صريح، ويقاس عليه ما يدعو إليه من الاجتماعات المتعلقة بالمصالح العامة أمراء المؤمنين، ورؤساء المسلمين، ولا مانع من أن تحمل هذه الآية على كلا المعنيين، إذ لا تعارض بينهما ولا تناقض، ويكون ذلك من باب الإيجاز والإعجاز.

وبعد ان استوفى كتاب الله في الستين آية التي مضت من سورة النور المدنية جملة الضوابط التي تضبط الحياة الخاصة والحياة العامة للأسرة المسلمة، الصغرى والكبرى، وما يلزم أن تطبقه من التعليمات الدقيقة في علاقاتها الاجتماعية والسياسية،

ص: 302

سواء فيما بين أفرادها بعضهم مع بعض، أو فيما بين الراعي منهم والرعية، حذر كتاب الله من التمرد على تلك الضوابط والمخالفة لتلك التعليمات، مبينا ما يؤدي إليه عدم اتباعها والخروج عليها والإعراض عنها من أسوأ العواقب، في الدنيا والآخرة، فقال تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} لأن اعتقاد ما هو مخالف لقول الله كفر، وفعل ما هو مخالف لأمره معصية. وتصدق هذه الآية الكريمة أيضا على الاجتماعات التي تعقد للنظر في (أمر جامع) تتوقف عليه مصلحة المسلمين العامة، طبقا لأصول الإسلام الثابتة، فلا يسوغ الخروج على مقرراتها، ولا مخالفة توجيهاتها، إذ الغرض الأساسي منها متى دعا إليها الرسول وصالحو المؤمنين هو الحصول على الإجماع والاتفاق، وتفادي الخلاف والشقاق، ومتى وقع الخروج عليها منيت الأمة بالانحلال والفشل، وأصيبت الدولة بمختلف الأدواء والعلل. ومن قوله تعالى هنا:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [الآية: 63]، استنبط المحققون من علماء الأصول أن " الأمر " صريح في الاقتضاء والطلب، وأن كونه للوجوب إنما يؤخذ من توجه اللوم والذم، وترتيب العقاب على مخالفته.

ثم ذكر كتاب الله كل من في قلوبهم مرض، ممن يخيل إليهم أنهم بمنجاة من رقابته وسطوته، أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، وإن بالغوا في التستر بها، والتظاهر بغيرها، وأنه سينبئهم بما عملوا ويؤاخذهم عليه، فقال تعالى: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ

ص: 303

فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، إذ كيف يخفى عليه أمرهم وجميع ما في السماوات والأرض في قبضته، خلقا وملكا وعلما، وواضح أن لفظ (قد) في قوله تعالى هنا:{قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} لا يعني في هذا السياق إلا توكيد علمه سبحانه بما هم عليه من المخالفة والنفاق، وكما أفاد لفظ (قد) في قوله تعالى من قبل:{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} تحقيق علمه سبحانه بهم وتوكيده، أفاد لفظ (قد) هنا نفس المعنى، والمغزى المراد من توكيد العلم في كلتا الآيتين هو توكيد الوعيد الذي تتضمنه الواحدة تلو الأخرى، حسبما نبه على ذلك جار الله الزمخشري.

والآن وقد أشرفنا على نهاية "سورة النور" المدنية ننتقل إلى "سورة الفرقان" المكية، ملتمسين من الله التوفيق والسداد، ومن لطائف التفسير ما يلاحظ من أن فاتحة الفرقان التي نحن بصدد تفسيرها الآن جاء في غاية المناسبة لسورة النور في فاتحتها وخاتمتها معا، فكما قال تعالى في فاتحة سورة النور السابقة:{سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وفي خاتمتها: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الآية: 64]. قال سبحانه في بداية سورة الفرقان: {بسم الله الرحمن الرحيم تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الآية: 1] وإنما سمى الله القرآن (فرقانا) لأنه يفرق بين الحلال والحرام، والحق والباطل، والهدى والضلال، والرشد والغي،

ص: 304

أضف إلى ذلك أن نزول القرآن وضع حدا فاصلا للجاهلية الأولى التي كانت عليها البشرية، وفتح عهدا جديدا من الحضارة والمدنية، فهو فرقان بين عهدين لا يشبه أحدهما الآخر، وهذا هو المعنى المقصود من نذارة رسوله ونذارة كتابه للعالمين.

وعندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة:

- المحور الأول: (القرآن) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية.

- المحور الثاني: (الرسالة) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية.

- المحور الثالث: (التوحيد) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية.

- المحور الرابع: (المعاد) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية.

ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل

ص: 305

التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول، وقوله تعالى على التوالي:{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} صريح في إثبات التوحيد، بما يتضمنه من ألوهية وربوبية، ومنافاة تامة للشرك والوثنية، وبديهي أن الإيمان بالوحي يستلزم الإيمان بجميع محتوياته، وفي طليعتها الإيمان بالمعاد، كما أن الاعتراف بقدرة الله البالغة، وبانفراده بالخلق والإبداع في النشأة الأولى، يستلزم الإيمان بقدرته على النشأة الثانية، إذ ليست أشق ولا أصعب من النشأة الأولى {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27].

وكلمة {تَبَارَكَ} في بداية الآية الأولى من هذه السورة مأخوذة من " البركة " التي هي الزيادة من كل خير، فهي تعبير عما لله من عظمة وجلال، وعطاء متواصل، وإنعام دائم على ممر العصور والأجيال، وقد تكرر ذكرها في هذه السورة وحدها ثلاث مرات، كما وردت فيما سبق عند قوله تعالى في سورة الأعراف:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}

ص: 306

[الآية: 54]، وقوله تعالى في سورة المومنون {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [الآية: 14]، وسيأتي ذكرها مرات أخرى في سورة غافر [الآية: 64]، وسورة الزخرف [الآية: 85]، وسورة الرحمن [الآية: 78]، وسورة الملك [الآية: 1]، ولا شك أن تنزيل القرآن، من أعظم البركات والخيرات التي أنعم الله بها على الإنسان.

ولنستعرض الآن ما ورد في هذا الربع من الآيات المتعلقة بالموضوعات الأربعة التي تناولتها سورة الفرقان.

- ففي موضوع إنزال القرآن وإبطال الشبهات الموجهة ضد الوحي، جاء في هذا الربع قوله تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} .

- وفي موضوع إرسال الرسول وتزييف الشبهات الموجهة ضد الرسالة، جاء في هذا الربع قوله تعالى:{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} ، {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

ص: 307

إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ}.

- وفي موضوع التوحيد وتزييف الشرك والوثنية، جاء في هذا الربع قوله تعالى:{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} .

- وفي موضوع إثبات المعاد وقيام الساعة وما يكون عليه حال المصدقين والمكذبين والكافرين، جاء في هذا الربع قوله تعالى:{بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} ، وكما أن راحة الجنة مقرونة بسعتها، فإن وحشة النار مقرونة بضيقها، و " الثبور " هو الويل والحسرة والخيبة {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} .

وقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} إشارة إلى

ص: 308

أنه ما من شيء خلقه في هذا الكون، كبر شأنه أو صغر، طال حجمه أو قصر، إلا وقد حددت الحكمة الإلهية شكله وحجمه، وطبيعته ووظيفته، والفائدة المترتبة على وجوده، والعلاقة التي تربطه بغيره من الكائنات، كل ذلك في نظام متناسق ثابت لا خلل فيه ولا اضطراب. وقال جارالله الزمخشري: " المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدرالمسوى الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير، فقدره لأمر ما، ومصلحة ما، مطابقا لما قدره له، غير متجاف عنه.

وقوله تعالى: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} رد على الشاكين في الوحي الذي بهرتهم آياته البينات، بما تحتوي عليه من حقائق كونية، ومبادئ أخلاقية، وتشريعات مثالية، فلم تستطع عقولهم القاصرة لهذه الظاهرة القرآنية الفريدة من نوعها تحليلا ولا تفسيرا، وأوسعوها بجهلهم وعنادهم طعنا ونكيرا، ولو آمنوا بالله لأدركوا أنه لا أحد يستطيع أن يعرف سر الكون، بما فيه من جماد ونبات وحيوان وإنسان، وأرض وسماء، أكثر من خالقه ومولاه، ولا أحد يستطيع أن يصف سر الكون بأصدق وأبلغ مما يصفه به كتاب الله {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} [الزمر: 23]، وهذا هو السر في كون كثير من الكشوف العلمية

ص: 309

الحديثة التي ثبتت صحتها بعد مرور عدة قرون على إنزال الذكر الحكيم جاءت مطابقة لما في القرآن، غير مناقضة لما فيه من إشارة وبيان.

وقوله تعالى حكاية على لسان المشركين يوم القيامة: {وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} يتضمن الاعتراف بأن ما أنعم الله به عليهم وعلى آباءهم من النعم المتواصلة، لم يثمر الشكر والإيمان، وإنما ساعدهم على الغرور والغفلة والنسيان، وأغراهم بالكفر والعصيان، ولما استمروا لذكر الله ناسين وعنه غافلين، أبادهم وكانوا من الهالكين.

وقوله تعالى في ختام هذا الربع: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} تقرير لحقيقة طبيعية وبشرية اقتضتها حكمة الله في الكون، ألا وهي أن الناس بحكم ما رزقهم الله من حرية الاختيار، إذ جعلهم مخيرين غير مسيرين، لا بد أن تتباعد اتجاهاتهم، وتتضارب اختياراتهم، فيوجد فيهم الضال والمهتدي، والمومن والكافر، والشقي والسعيد، الأمر الذي ينشأ عنه ابتلاء المرسلين بمن أرسلوا إليهم، وابتلاء الدعاة إلى الحق بالدعاة إلى الباطل في كل عصر وجيل، لكن الله تعالى حض حملة رسالاته الإلهية، وورثتهم من بعدهم في الأجيال الآتية، على التزام الصبر والمثابرة في مغالبة المبطلين، ومكافحة المضلين، فالنصر معقود بنواصيهم إلى يوم الدين، لأنم موضع رعاية الله وعنايته في كل حين،

ص: 310

وإلى ذلك يشير قوله تعالى: {أَتَصْبِرُونَ} وهذا الاستفهام في معنى الأمر، أي اصبروا وصابروا {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} على غرار قوله تعالى في آية ثانية:{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48]، وقوله تعالى في آية ثالثة:{وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186]، وقوله تعالى في آية رابعة:{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21].

ص: 311