الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثاني من الحزب الثامن والثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حمة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الثامن والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الشعراء المكية:{أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} إلى قوله تعالى في سورة النمل المكية: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} .
ــ
في الآيات الخمس الأخيرة من الربع الماضي تحدث كتاب الله إلى خاتم أنبيائه ورسله عن قصة شعيب مع أصحاب الأيكة، وواصل الحديث عنها في الإحدى عشرة آية الأولى من هذا الربع. وعلى غرار ما سبقها من قصص نوح وهود وصالح ولوط افتتحها كتاب الله بنفس الأسلوب قائلا:{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، واختتمها بنفس الطريقة قائلا:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .
وقد نبه جار الله الزمخشري إلى " أن السر في كون كل قصة من هذه القصص جاء أولها وآخرها على نمط واحد هو تقرير معانيها في الأنفس، وتثبيتها في الصدور، قائلا: ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم - أي استظهارها شيئا فشيئا - إلا ترديد ما يراد تحفظه منها، وكلما ازداد ترديده كان أمكن له في القلب، وأرسخ في الفهم، واثبت للذكر، وأبعد عن النسيان، لا سيما وان هذه القصص طرقت بها آذان وقر عن الإنصات للحق، وقلوب غلف عن تدبره، فكوثرت بالوعظ والتذكير، وروجعت بالترديد والتكرير، لعل ذلك يفتح أذنا، أو يفيق ذهنا، أو يصقل عقلا طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما قد غطى عليه تراكم الصدأ ".
وكما استنكر الرسل السابقون من أقوامهم ما وجدوا مناقضا للتعاليم السماوية، مضادا للتوجيهات الإلهية، وأمروهم بما فيه الخير والصلاح، والسداد والفلاح، ها هو شعيب عليه السلام يخاطب " أصحاب الأيكة "، معرضا بما درجوا عليه من استغلال للخلق، وتضييع للحق، داعيا إياهم إلى العدل والإنصاف، في معاملة الناس لا فرق بين الأقوياء والضعاف، فقال لهم كما حكى عنه كتاب الله:{أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} فركز دعوته على وجوب تطهير التجارة والاقتصاد، من الغش والاستغلال المنافيين لمصلحة العباد وأمرهم في حالة البيع بإيفاء الكيل والوزن وعدم التطفيف في أي واحد منهما، طبقا لمقتضى العدل والإنصاف، كما أمرهم في
حالة الشراء بإعطاء كل ذي حق حقه دون غبن ولا إجحاف، ونهاهم عن الفساد في الأرض نهيا عاما كيفما كان نوع الفساد، بما في ذلك الإخلال بالأمن العام وهناء البلاد، إذ لفظ (الفساد) في لغة القرآن يشمل معناه الإخلال بالأمن العام، مثل قطع الطرق والاعتداء على الممتلكات والأرواح، التي تتمتع بالقداسة والاحترام. فقوله تعالى هنا حكاية عن شعيب عليه السلام:{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} يلتقي معناه مع قوله تعالى في سورة المائدة: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الآية: 33].
ثم ذكر شعيب عليه السلام " أصحاب الأيكة " بأن كل ما يتمتعون به ويتقلبون فيه من الرخاء والنعيم إنما هو من فضل الله، فهو الذي انعم عليهم وعلى أسلافهم خاصة، والنوع الإنساني عامة، بنعمة الإيجاد، ثم بنعمة الإمداد، مما لو تدبروه وقدروه لعبدوا الله وشكروه وما كفروه، وذلك قول شعيب مخاطبا لهم:{وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ} و " الجبلة " قال مجاهد هي الخليقة، ويشبه قول شعيب هنا ما قاله موسى لفرعون وملائه فيما سبق:{رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 26].
ويلاحظ في خطاب شعيب " لأصحاب الأيكة " أنه لم يأمرهم إلا بإيفاء الكيل، فأمرهم بما هو واجب، ولم ينههم إلا عن التطفيف، فنهاهم عما هو محرم، وذلك هو مقتضى العدل، أما
الزيادة في الكيل فهي من باب الإحسان، ولذلك لم يأمرهم بها، ولم ينههم عنها، فإن زادوا أحسنوا ونالوا حظا من الثواب، وإن لم يزيدوا لم يتعرضوا لأي إثم أو عقاب، إذ ما جرى على المثل يجري على المماثل. لكن " أصحاب الأيكة " كانوا مصرين على ما هم فيه من الضلال لا يهمهم إلا جمع المال، ولو بطريق الغش والاحتيال، وهم فوق ذلك لا يقرون لله بوجود ولا بنعمة، ولا يومنون لما له من قدرة وحكمة، ولذلك ردوا على شعيب أقبح رد قائلين:{قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} ثم أرادوا أن يتحدوه بطلب ما لا طوق له به، حتى إذا ما عجز عن تلبية طلبهم سجلوا عليه تهمة الكذب والادعاء، واعتبروا رسالته عبارة عن هذيان وهراء، ولذلك تحدوا شعيبا قائلين:{فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} أي أسقط علينا جانبا من السماء على اعتبار أن السماء بمنزلة السقف للأرض. وبديهي ان أمرا كهذا لا يمكن أن يتم على يد أي واحد من البشر ولو علت منزلته، وثبتت نبوته، فما كان من شعيب إلا أن فوض أمره إلى الله قائلا:{قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} .
وبعد ان أقام عليهم الحق سبحانه وتعالى الحجة، وأصروا على تنكب المحجة، فاجأهم بنوع غريب من العقاب ظاهره نعمة، وباطنه نقمة: ذلك أن الله سلط عليهم موجة عالية من الحر الشديد عمت ما فوق الأرض من المساكن والعمائر، وما تحت الأرض من الكهوف والمغاور، ولما اختنقت أنفاسهم في مساكنهم
ولم ينفعهم ظل ولا ماء، خرجوا إلى البرية في الصحراء، يبحثون عن النسيم وبرد الهواء، وإذا بسحابة كثيفة أقبلت عليهم من السماء، فهرعوا إليها مسرعين عسى أن تكون لهم ظلا ظليلا، ويستنشقوا نسيما عليلا، لكنها أخذتهم أخذا وبيلا، فقد سيقت إليهم للإحراق والاحتراق، بعدما أصابهم من ضيق التنفس، والاختناق، وإذا كانوا قد تحدوا نبيهم شعيبا من قبل وقالوا له:{فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} ها هي السماء ترد على تحديهم بتحد أخطر واكبر، هو تحدي الهلاك والفناء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا:{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} والظلة هنا هي السحابة التي اجتمعوا تحتها ولجأوا إلى ظلها، فأصلتهم نارا، ولم تذر منهم على الأرض ديارا {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .
و (الأيكة) واحدة (الأيك) وهو الشجر الملتف الكثير، ونص ابن كثير على أن أصحاب الأيكة إنما أطلق عليهم هذا اللقب، نسبة إلى شجرة مخصوصة كانوا يعبدونها، وورد لفظ " الأيكة " في هذه السورة وسورة (ص) بصيغة (ليكة) على وزن ليلة، حيث خففت همزة الأيكة وألقيت حركتها على اللام فسقطت الهمزة بالمرة، ولم تبق حاجة إلى ألف الوصل، وكتبت بالحذف تبعا للنطق المخفف بدلا من الأصل، وبذلك جاء قوله تعالى هنا:{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} نظير قوله تعالى في سورة (ص): {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو
الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ} [الآيتان: 12 - 13]، بينما كتبت في سورة الحجر [الآية: 78] وسور ق [الآية: 14] طبقا لأصلها الأول، وحسب نطقها العادي.
ولما أنهى كتاب الله قصص الرسل السابقين مع أقوامهم، وبين أن الرسالات التي جاؤوا بها ودعوهم إليها إنما كان لإنقاذهم وإصلاحهم، كشأن الرسالة المحمدية التي هي خاتمة الرسالات تصدى كتاب الله مرة أخرى للحديث عن الذكر الحكيم، الذي هو عماد هذه الرسالة ودعامتها الأولى، وكما قال تعالى في الآيات الأولى من هذه السورة (سورة الشعراء):{طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} قال: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} قال تعالى في الآيات الأخيرة من هذه السورة عودا على بدء: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} ، وقال تعالى:{وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} ، وقال تعالى:{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} .
ومن دقائق التفسير ورقائقه ما علق به جار الله الزمخشري على قوله تعالى هنا {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ} فقال: " إن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على
قلبك لأنك تفهمه ويفهمه قومك، ولو كان أعجميا لكان نزل على سمعك دون قلبك، لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها، وقد يكون الرجل عارفا بعدة لغات، فإذا كلم بلغته التي لقنها أولا ونشأ عليها وتطبع بها ذهب قاصدا إلى معاني الكلام، يتلقاها بقلبه، ولا يكاد يفطن للألفاظ كيف جرت، وإن كلم بغير تلك اللغة وإن كان ماهرا بمعرفتها كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها، فهذا تقرير أنه (نزل على قلبه)، لنزوله بلسان عربي مبين ".
وقوله تعالى هنا: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} يحتمل معنيين كلاهما صحيح: المعنى الأول أن الكتب السماوية السابقة تنبأت بظهور خاتم الأنبياء والمرسلين، ونوهت بنزول الكتاب المبين، والمعنى الثاني أن القرآن الكريم جاء ما فيه مصدقا لما بين يديه، ومهيمنا عليه. ويرتبط بهذين المعنيين أوثق ارتباط قوله تعالى في نفس السياق:{أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} والمراد " بعلماء بني إسرائيل " المنوه بهم هنا علماؤهم الذين لم يكتموا ما عندهم من العلم، فبادروا إلى الاعتراف بنبوة نبينا عليه السلام، وآمنوا برسالته وبالكتاب الذي أنزل عليه، وكانوا من السابقين إلى الدخول في دينه، تصديقا لما عرفوه وتناقلوه من وصفه عليه الصلاة والسلام ووصف رسالته. وقد كان عيسى عليه السلام آخر نبي بشر باسم نبينا وبرسالته فيما حكى عنه كتاب الله {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا
بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6]. وهذه الفئة من أهل الكتاب التي آمنت مرتين هي التي وصفها كتاب الله في آية أخرى إذ قال: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص: 53].
وتعبيرا عن تمكن الكفر من قلوب المشركين ومن حذا حذوهم في كل عصر، من أعداء الإسلام وخصوم القرآن، وتفسيرا لإصرار هؤلاء المجرمين على الجحود والعناد، وتضليل العباد، قال تعالى:{كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ} ، أي يتمنون لو انهم أعطوا مهلة أخرى لإعادة النظر، عسى أن يقتنعوا بصدق الخبر، لكن الله تعالى الذي يعلم سرهم ونجواهم لا يحقق لهم هذه الأمنية، لأنه يعلم انهم غير صادقي النية، وإلى ذلك يشير قوله تعالى هنا:{أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} .
وليؤكد كتاب الله لجميع الفئات والأجيال، انه لا يظلم أحدا من خلقه بأي حال، قال تعالى هنا:{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} على غرار قوله تعالى في سورة القصص: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [الآية: 59].
وقوله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا
يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}، تنزيه لكتاب الله تعالى عن أن تقرب الشياطين ساحته، أو تنهك حرمته وحصانته.
وتوكيدا لنفس المعنى، وتعريفا بطبيعة الشياطين وما يوحون به إلى أوليائهم، من الكهنة والمتنبئين، والمشركين والكافرين، خاطب كتاب الله عقلاء البشرالمنصفين، الذين ليسوا كغيرهم من السخفاء المجانين، فقال تعالى:{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} .
وكما بين كتاب الله استحالة وجود أي علاقة بينه وبين الكهانة والكهان، بين انه لا نسبة بين شعر الشعراء ووحي القرآن، فكتاب الله يعرض على الناس عقيدة ثابتة لا تتبدل، وشريعة حق خالدة لا تتحول، وهو يعبر عن حقائق كلية إلهية وكونية لا سبيل إلى إبطالها أو نقضها ولا مناص من قبولها وعدم رفضها، أما الشعر فالشأن فيه أن يتقلب بتقلب الظروف والاوقات، وان يخضع قبل كل شيء لتأثير العواطف والانفعالات، وأن يتحول من مدح إلى قدح، ومن قدح إلى مدح حسب الأهواء والشهوات، وكثيرا ما يكون منبثقا من الأساطير والأوهام والخيالات، فلا يلبث أثره ان ينقطع وبناؤه أن ينهار، لأنه قام على شفا جرف هار، وإذن فلا شبه بينه وبين كتاب الله لا شكلا ولا موضوعا، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في إيجاز وإعجاز:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} وإذا كان كتاب الله يبطل كل شبه أو
مقارنة بينه وبين الشعر لنزوله عن مرتبته، ومغايرة طبيعته لطبيعته، حتى لا يختلطا في الأذهان، عند ضعفاء الإيمان، فإنه مع ذلك لا يحكم على الشعر بالإعدام، بل يضفي عليه حلة من الاحترام، إذا التزم الشاعر بخدمة الإسلام، وبقدر ما يقترب الشعر من مقاصد القرآن ويضع الشاعر نفسه في خدمته، ويمجد المكون وهو يصف جمال كونه وعظيم قدرته، يعيد للشعر كامل كرامته وحركته، ويعد في عداد المؤمنين الصالحين من أمته، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} .
وقبل أن يختم كتاب الله هذه السورة (سورة الشعراء) وجه الخطاب إلى الرسول الأمين، يذكره بعشيرته الأقربين ومن اتبعه من المؤمنين، ويدعوه إلى المزيد من التوكل على الله، ويبشره سبحانه بالنصر على الأعداء، بعدما أعلن أنه منهم براء، لأنهم أصروا على الظلم والعصيان، ولم يستجيبوا لله ورسوله فيهتدوا بهدى القرآن، وذلك قوله تعالى:{فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} وقوله تعالى: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} .