الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثاني من الحزب الثالث والثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثاني من الحزب الثالث والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} إلى قوله تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} .
ــ
من المشاهدات والبديهيات أن قوام الإنسان على خلاف قوام الحيوان، فقوام الحيوان (أفقي) تضطر عينه إلى أن تتجه دائما إلى الأسفل، وقوام الإنسان (رأسي) يسمح له بأن تتجه عينه إلى أعلى وأن يحني رأسه إلى أسفل، كما قال الدكتور أحمد زكي في كتابه (مع الله في السماء): " فالذي صمم جسم الحيوان وركب هيكله كأنه لم يرد في هذا التصميم أن يتمكن الحيوان من النظر إلى السماء، لأن الحيوان لا يستفيد من هذا النظر شيئا، وعلى غير هذا الطراز صمم المصمم جسم الإنسان وركب هيكله، فالإنسان له عقل واع، كثير الوعي، وهو قادر، كثير القدرة، فهو يستفيد من النظر إلى السماء أكبر استفادة، لا سيما والأرض بالنسبة للسماء، كقطرة في محيط ماء، وساكن المحيط
لا يكاد يتعرف على قطرات مائه، أو هي كحصاة في رمال صحراء، وساكن الصحراء لا يكاد يتعرف على حصوات رماله، وهذا الكون بسمائه وأرضه، على اختلاف أشيائه وتباعد أشيائه شيء واحد، أبدعه مبدع واحد، وأجراه مجر واحد، ونسق بين سننه منسق واحد، وهندسه مهندس واحد ".
وعليه فالإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض، مطالب من ربه بالنظر في عالم الملك والملكوت، مسؤول عن تقصيره في هذا النظر، لأنه بتقصيره فيه يكون عاصيا لله، جاهلا أو متجاهلا لحكمة الله، إذ لا عذر له يعتذر به في هذا الصدد، بعدما أمده الله بكل ما يلزمه للنظر، من أدوات ومدد، وحول هذا المعنى يدور قول الله تعالى في هذا الربع:{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} ، وقوله تعالى:{وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} .
ويفهم من " الرتق والفتق " الواردين في الآية الأولى أن الجميع كان في بدء الخلق متصلا بعضه ببعض، متراكما بعضه فوق بعض، ثم وقع الفتق والفرق، وفصلت السماوات عن الأرض بأمر الملك الحق. قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة:" يعني أنهما كانا شيئا واحدا ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء " وروى ابن أبي حاتم في كتابه عن ابن عباس أنه قال: " كانت السماوات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلما
خلق الله للأرض أهلا فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات " على حد قوله تعالى في آية أخرى:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} [الطارق: 11، 12]. ونبه ابن عطية إلى المناسبة الموجودة بين قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} وقوله تعالى قبله: {كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} وهي أن الماء الذي هو أصل الأحياء، نتيجة من نتائج فتق السماء، ويتصل بمعنى هذه الآية قوله تعالى في سورة النور:{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [الآية: 45].
ويرى المؤمنون بكتاب الله من الباحثين المعاصرين في العلم الحديث، أن هذه الآية الكريمة هي إحدى الآيات البينات التي تثبت لكل منكر أن القرآن العظيم كتاب منزل من عند الله، وأنه لا مجال للشك في وجود الله، فقد سبقت هذه الآية بعدة قرون ما اهتدى إليه العم الحديث، من أن الأرض والشمس ومختلف الكواكب والأجرام إنما كانت سديما في الفضاء، وأن الأرض انفصلت عن هذا السديم عندما انقسم إلى عدة أجزاء، بدليل ما يوجد في باطن الأرض من حرارة شديدة، وما يقذف به جوف الأرض من براكين عديدة، وما يجري من المياه الساخنة في عدة عيون، مما لا يرقى إليه الشك ولا تختلط به الظنون، يضاف إلى ذلك أن تحليل طيف الشمس أدى إلى التأكد من أن هذه العناصر التي تتكون منها الشمس نفسها هي نفس العناصر التي تتكون منها الأرض، وهذه النظرية تعتبر عند القائلين بها رأيا مسلما لا يقبل الرفض، وهي على كل حال، وعلى وجه الإجمال، لا تعارض
الآية الكريمة التي سبقتها بأجيال. ووصف السماء بكونها سقفا محفوظا في قوله تعالى هنا: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} يفسره قوله تعالى في سورة الرعد: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الآية: 2] إذ إن السماء في تصور سكان الأرض هي منزلة سقف الأرض، لكنه سقف محفوظ من كل تصدع وخلل، إلى أن يحل الأجل.
وإمعانا في إقامة الحجة على الكافرين والمشركين، والمنكرين والشاكين، عرض كتاب الله جملة من مظاهر عنايته بالإنسان، ورعايته له في كل آن، فقال تعالى:{وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} ، وقال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} مشيرا بذلك إلى أنه قد سخر للإنسان كلا من المكان والزمان، فجعل طبيعتهما ملائمة لطبيعته، وجعل أحوالهما موافقة لمصلحته، فما بال الناس لا يزالون يشركون بالله ويكفرون، ويشكون في وجوده وينكرون؟ {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} .
ويذكر كتاب الله الناسين والغافلين بأن الدنيا ليست دار إقامة وقرار، وإنما هي دار سباق بين الرفاق، وقنطرة عبور يمر بها الأبرار والفجار:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} فالعاقل كل العاقل من اغتنم شبابه قبل هرمه، وصحته قبل سقمه، وفراغه قبل شغله، وحياته قبل موته،
كما جاء في الحديث الشريف، وبذلك يحق له أن يقول مع القائلين من المؤمنين الصادقين:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].
ويكشف كتاب الله النقاب عما يندفع إليه الإنسان من العجلة وعدم التأني في كثير من المواقف والتصرفات، بدلا من الأناة والتثبت في تحديد الوسائل والغايات، حتى إذا ما أنذر بعقاب إلهي آجل، تحدى القدرة الإلهية في أن تنزل به ذلك العقاب حالا وفي العاجل، كأن قدرة الله ينبغي أن تكون طوع يديه، وينسى أنها لو واجهت تحديه بتحد مثله لأبادته وقضت عليه، وذلك قوله تعالى هنا:{خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . ونفس المعنى ورد في قوله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11]، وقوله تعالى:{وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يونس: 11].
ويصور كتاب الله للكافرين والشاكين بكل دقة ووضوح ما ينتظرهم يوم القيامة من الأهوال والمفاجآت، مما ستذهب نفوسهم عليه حسرات، فيقول الحق سبحانه وتعالى:{لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} .
ويصف كتاب الله ما يكون عليه الطغاة الظالمون، الغافلون
عن مجرى سنن الله في الأرض، وأنه قد يمهل الظالمين، حتى إذا ما حان مصرعهم لم يفلتهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وذلك قوله تعالى هنا:{بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} . والنقص من أطرافها يصدق بالنقص من الأموال والأنفس والثمرات، كما يصدق بالاستئصال والإبادة، والاستعباد وفقدان الحريات، وهكذا يصبح الطاغية مستضعفا، وينقلب الغالب مغلوبا. ومن ذلك أيضا تقلص اليابسة والخضرة أمام زحف البحار والصحارى.
ويجدد كتاب الله الدعوة إلى الخلق أجمعين، مبينا لهم ما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين، من هدايتهم إلى الله، وإنذارهم سوء العاقبة حتى لا يحل عليهم غضب الله، داعيا إياهم إلى أن يسمعوا ويعوا، حتى يهتدوا وينتفعوا، وذلك قوله تعالى هنا:{قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ} ، فالله تعالى هو الذي ينذرهم، والرسول إنما يبلغهم {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 2، 3، 4].
ويذكر كتاب الله ما يصيب الظالمين الذين كانوا يستعجلون العذاب، من هلع وجزع، بمجرد ما يتعرضون لأقل امتحان، إذ ينزل بهم من الحسرة والندم والانهيار ما لم يكن في الحسبان، وذلك قوله تعالى هنا:{وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} ، و (النفحة) في قوله تعالى " نفحة من عذاب " هي الدفعة اليسيرة منه، قال أبو حيان في تفسيره:
" وفي قوله - ولئن مستهم نفحة - ثلاث مبالغات، لفظ المس، وما في مدلول النفح من القلة، وبناء المرة منه، فالمعنى أنه بأدنى إصابة من أقل العذاب أذعنوا وخضعوا، وأروا بأن سبب ذلك ظلمهم السابق ".
ويسجل كتاب الله في هذا المقام ما يقوم عليه حساب الخلق وجزاؤهم عند الله، من مبالغة في العدل التام، دون أي اعتبار خارج عن حدود الطاعة والعصيان، مما يؤثر غالبا في عدالة الإنسان، وذلك قوله تعالى:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} .
وخُتِم هذا الربع بالتنويه برسالة موسى وهارون، ورسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، وبهذه المناسبة حدد كتاب الله الصفات الجوهرية التي خص الله بها وحيه الإلهي المنزل على أنبيائه ورسله، وهذه الصفات تتلخص في أن الوحي الإلهي (فرقان) يفرق به الناس بين الحق والباطل، و (ضياء) يضيء عقولهم وقلوبهم فيخرجهم من الظلمات إلى النور، و (ذكر) تخشع له الجوارح وتطمئن به القلوب، و (بركة) تنمو بها الإنسانية وتزدهر دينا ودنيا، روحا ومادة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} .