المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت) - التيسير في أحاديث التفسير - جـ ٦

[محمد المكي الناصري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السادس

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأحقاف

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة محمد

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الفتح

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحجرات

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة ق

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الذاريات

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الطور

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النجم

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القمر

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الرحمن

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الواقعة

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحديد

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المجادلة

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحشر

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الممتحنة

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الصف

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الجمعة

- ‌ سورة المنافقون

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة التغابن

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الطلاق

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة التحريم

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الملك

- ‌ سورة القلم

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحاقة

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المعارج

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة نوح

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الجن

- ‌ سورة المزمل

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المدثر

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القيامة

- ‌ سورة الإنسان

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المرسلات

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النبأ

- ‌ سورة النازعات

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة عبس

- ‌ سورة التكوير

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الانفطار

- ‌ سورة المطففين

- ‌ سورة الانشقاق

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البروج

- ‌ سورة الطارق

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الستّينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأعلى

- ‌ سورة الغاشية

- ‌ سورة الفجر

- ‌الربع الأول من الحزب الستّينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الستينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البلد

- ‌ سورة الشمس

- ‌ سورة الليل

- ‌ سورة الضحى

- ‌الربع الثاني من الحزب الستينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الشرح

- ‌ سورة التين

- ‌ سورة العلق

- ‌ سورة القدر

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البينة

- ‌ سورة الزلزلة

- ‌ سورة العاديات

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القارعة

- ‌ سورة التكاثر

- ‌ سورة العصر

- ‌ سورة الهمزة

- ‌ سورة الفيل

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة قريش

- ‌ سورة الماعون

- ‌ سورة الكوثر

- ‌ سورة الكافرون

- ‌ سورة النصر

- ‌ سورة المسد

- ‌ سورة الإخلاص

- ‌ سورة الفلق

- ‌ سورة الناس

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

الفصل: ‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين

في المصحف الكريم (ت)

عباد الله

موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} ، ونهايته قوله جل علاه:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} .

ــ

تتحدث الآيات الكريمة في مطلع هذا الربع عن " بيعة الرضوان " التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة للهجرة كل من رافقه من المسلمين عندما كانوا بالحديبية، وذلك في فترة انتظاره لجواب قريش، بعدما بلغهم عزمه على زيارة البيت الحرام محرما بالعمرة، وبصحبته ألف وأربعمائة من أصحابه، وكانت قريش قد احتبست عندها عثمان بن عفان الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها لإبلاغها ما عزم عليه، وراجت إشاعة قوية مؤداها أن قريشا قد قتلت عثمان بن عفان مبعوث رسول الله إليها

ص: 49

في هذه المهمة، فنادى منادي رسول الله:" ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى " وكان المسلمون قد تفرقوا في ظلال الشجر، فما كادوا يسمعون المنادي حتى ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، وأحدقوا به من كل جانب، وتسابقوا إلى بيعته، فبايعوه على الاستماتة والثبات معه إلى النهاية، فأرعب ذلك المشركين من أهل مكة، وأرسلوا من احتبسوه عندهم من المسلمين، ودعوا رسول الله والمؤمنين إلى الموادعة والصلح، فكان من ذلك كله " صلح الحديبية ".

ومما يستحق الذكر في هذا المقام أن عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله إلى قريش بمكة كان غائبا حين ابتدأ عقد هذه البيعة، إذ لم يزل عثمان آنذاك محتبسا عندهم، فلما بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى الرسول بنفسه النيابة عن عثمان في بيعته إياه، وقال صلى الله عليه وسلم:" اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله "، ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى، إيذانا ببيعة عثمان له، فحلت يد رسول الله محل يد عثمان، وكانت بالنسبة إليه خيرا من أيدي بقية المسلمين لأنفسهم، كما روى ذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.

ومن لطائف " بيعة الرضوان " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يبلغه خبر البيعة كان قد وجه ابنه عبد الله بن عمر، للإتيان بفرس له عند أحد الأنصار المرافقين للرسول عليه الصلاة والسلام، إذ كان عمر يستلئم للقتال، واحتاج إلى فرسه ليقاتل

ص: 50

عليه إذا دعت الضرورة، نظرا للإشاعات القوية التي بلغت المسلمين عن عزم قريش على مقاومتهم، والإشاعة التي راجت عن قتل قريش لعثمان بن عفان مبعوث الرسول إلى مشركي مكة، وبينما عبد الله بن عمر في طريقه للإتيان بفرس أبيه إذا به قد وجد المسلمين يبايعون رسول الله فبايعه أولا، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى أبيه عمر، وأخبره أن رسول الله يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. والحق أن الوالد أسلم قبل ولده، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال:" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة " الحديث. وروى مسلم أيضا عن معقل بن يسار قال: " لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة " الحديث. وحدث جابر بن عبد الله أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بيعة الرضوان: " أنتم خير أهل الأرض اليوم " وما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ هو مصداق قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} ، ومن أجل رضى الله عن المؤمنين بسبب هذه البيعة سميت " بيعة الرضوان ". أما الشجرة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى البيعة -وهو مستظل بظلها- فقد كانت شجرة سمرة كما سبق في حديث جابر الذي رواه مسلم، وأما ما انطوت عليه قلوب المؤمنين وهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فهو

ص: 51

الوفاء والصدق، والثبات على الحق، وكظم غيظهم أمام حرب الأعصاب التي شنها المشركون عليهم، عن طريق الاستفزاز والتهديد، والتزام السمع والطاعة لله ورسوله في المنشط والمكره، وأما " السكينة " التي أنزلها الله على المؤمنين فهي ما ألقاه في قلوبهم من الطمأنينة على مصير الإسلام، ومن الثقة بوعد الله الذي لا يستطيع أحد أن يحول دون إنجازه مهما بلغ من القوة والعناد، وأما " الفتح القريب " الذي عوضهم به الحق سبحانه وتعالى عن زيارة بيت الله الحرام في ذلك العام، فهو صلح الحديبية نفسه، الذي أجراه الله على أيديهم بينهم وبين أعدائهم، إذ كان بداية لفتوح كثيرة متتالية، من بينها فتح " خيبر " وكان على رأسها فتح مكة الذي تم بعد سنتين من صلح الحديبية فقط، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم في دنيا الإسلام، قال الزهري:" ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة - أي: صلح الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين، أي: بين صلح الحديبية وفتح مكة مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر "، قال بن هشام:" والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ".

وقوله تعالى في التعقيب على ذلك: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} فيه إشارة إلى ما أكرم الله به المؤمنين من " العزة "

ص: 52

المنافية للذلة، فقد أمدهم من عزته بما أدى إلى حفظ كرامتهم وحفظ كرامة الإسلام، كما أن فيه إشارة إلى " الحكمة الإلهية " التي كانت تقود خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عزم على زيارة بيت الله الحرام، استعمالا لحق المسلمين الذي أنكره عليهم المشركون منذ الهجرة، ثم عندما قرر تأجيل هذه الزيارة إلى العام القابل، على أساس صلح الحديبية الذي فتح في وجه الدعوة الإسلامية آفاقا جديدة، وكسب لها حقوقا واسعة، هي بداية النهاية للشرك والمشركين.

وقوله تعالى: {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} ، قال مجاهد " هي جميع الغنائم إلى اليوم، يريد جميع المغانم التي تقع عليها أيدي المجاهدين أثناء جهادهم في سبيل الله إلى يوم الدين، وها هنا لابد من التنبيه إلى أن كتاب الله عندما يذكر " المغانم " في سياق الجهاد لا يذكرها باعتبار أنها هدف أساسي من الجهاد في سبيل الله، وإنما يذكرها عرضا في هذا السياق، إيحاء للمسلمين بضمان الفوز والغلبة لهم، والنصر على أعداءهم، إذ " الغنيمة لا تقع تحت يد الغالب إلا بعد هزيمة المغلوب، فالغنيمة إنما تكون بعد الهزيمة ".

وقوله تعالى: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} ، إشارة إلى صلح الحديبية نفسه كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، وقوله تعالى:{وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} ، إشارة إلى أن الله كفى المؤمنين القتال هذه المرة فلم ينلهم أعداؤهم بسوء رغما عما أضمروه واستعدوا له من الحرب والقتال.

ص: 53

وقوله تعالى: {وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} إشارة إلى نفس وقعة الحديبية وصلحها الشهير، فقد كان هذا الصلح مفاجأة كبرى لبعض المسلمين أول الأمر، حتى خيل إليهم أن فيه شيئا من التراجع إلى الوراء، لكن الله الذي يسدد خطوات نبيه بالوحي من عنده، هو الذي كان يعلم ما لهذا الصلح من عواقب محمودة الأثر، سريعة الظهور، وها هو الحق سبحانه وتعالى يثبت للمؤمنين أن هذا الصلح نفسه سيكون آية لهم، ومعجزة جديدة للإسلام، وكذلك كان الأمر، فصدق الله وعده، ونصر جنده.

وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} ، إشارة إلى ما أقدم عليه فريق من مشركي مكة: حيث تسللوا وهم مسلحون إلى المكان الذي ينزل فيه رسول الله ومن معه بالحديبية، عسى أن ينالوا منه ومن المسلمين شيئا، فسيقوا أسارى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم عليه السلام: ّهل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانا؟ فقالوا: لا " فعفا عنهم وخلى سبيلهم، كما رواه النسائي في سننه.

وانتقل كتاب الله إلى وصف هذه الواقعة المؤثرة، والدور الذي لعبته قريش فيها، وإلى ذكر ما أنزله الله من السكينة على رسوله والمؤمنين، حتى أخذت الأحداث مجرى آخر لصالح الإسلام والمسلمين، فقال تعالى:{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} ، وقال

ص: 54

تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} .

ثم عرج كتاب الله على قصة الرؤيا التي رآها الرسول عليه الصلاة والسلام في منانه، وأخبر بها أصحابه وهو بالمدينة قبل عام الحديبية، وهو " أنه دخل مكة وطاف بالبيت "، فلما سار في طريقه إلى مكة ظن جماعة منهم أن تعبير تلك الرؤيا سيتم في نفس العام، ونبه كتاب الله إلى أن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم تتحقق في نفس هذا العام، أي: في السنة السادسة للهجرة، فإنها ستصدق في فرصة أخرى، لأنها رؤيا صالحة، " والرؤيا الصالحة جزء من النبوة "، وهي واقعة لا محالة بحول الله وقوته:{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ} ، فلما كان ذو القعدة من العام السابع للهجرة، وهو العام التالي لصلح الحديبية، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة معتمرا هو ومن كان معه في الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي إلى ذي طوى، ودخل مكة ومعه أصحابه يلبون، وهو على ناقته القصواء، وهي نفس الناقة التي كان يركبها عليه الصلاة والسلام في الحديبية من العام الماضي، وعبد الله بن رواحة الأنصاري يقود ناقته، وكل من في مكة من الرجال والنساء والولدان يتطلعون إلى طلعته البهية من مختلف المنازل والطرق، ما عدا رؤوس الشرك الذين لم يستطيعوا رؤية ذلك المشهد العظيم، ففارقوا مكة طيلة

ص: 55

زيارة الرسول، وبذلك تحققت رؤيا رسول الله، وتم وعد الله وأكد كتاب الله أن الخطة التي اختطها رسوله لحل أزمة الحديبية عن طريق الصلح كانت بوحي الله وتوفيقه:{فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} .

وتنبأ كتاب الله بنصرة دينه وإظهاره على بقية الأديان، وذلك ما تم على يديه وعلى أيدي خلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} ، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} .

ص: 56