المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت) - التيسير في أحاديث التفسير - جـ ٦

[محمد المكي الناصري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السادس

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأحقاف

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة محمد

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الفتح

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحجرات

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة ق

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الذاريات

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الطور

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النجم

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القمر

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الرحمن

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الواقعة

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحديد

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المجادلة

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحشر

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الممتحنة

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الصف

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الجمعة

- ‌ سورة المنافقون

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة التغابن

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الطلاق

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة التحريم

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الملك

- ‌ سورة القلم

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحاقة

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المعارج

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة نوح

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الجن

- ‌ سورة المزمل

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المدثر

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القيامة

- ‌ سورة الإنسان

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المرسلات

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النبأ

- ‌ سورة النازعات

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة عبس

- ‌ سورة التكوير

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الانفطار

- ‌ سورة المطففين

- ‌ سورة الانشقاق

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البروج

- ‌ سورة الطارق

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الستّينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأعلى

- ‌ سورة الغاشية

- ‌ سورة الفجر

- ‌الربع الأول من الحزب الستّينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الستينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البلد

- ‌ سورة الشمس

- ‌ سورة الليل

- ‌ سورة الضحى

- ‌الربع الثاني من الحزب الستينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الشرح

- ‌ سورة التين

- ‌ سورة العلق

- ‌ سورة القدر

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البينة

- ‌ سورة الزلزلة

- ‌ سورة العاديات

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القارعة

- ‌ سورة التكاثر

- ‌ سورة العصر

- ‌ سورة الهمزة

- ‌ سورة الفيل

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة قريش

- ‌ سورة الماعون

- ‌ سورة الكوثر

- ‌ سورة الكافرون

- ‌ سورة النصر

- ‌ سورة المسد

- ‌ سورة الإخلاص

- ‌ سورة الفلق

- ‌ سورة الناس

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

الفصل: ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسين

في المصحف الكريم (ت)

عباد الله

موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "الواقعة" المكية:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} ، إلى قوله عز وجل في سورة "الحديد" المدنية:{فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

ــ

أول ما يفتتح به هذا الربع قسم من الله تعالى: {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} على أن القرآن الكريم إنما هو تنزيل من عند الله، نزله على رسوله الصادق الأمين وليس كما يزعم المشركون ومن لف لفهم، شعرا أو سحرا أو كهانة، أو من أساطير الأولين، وذلك قوله تعالى:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

والمراد " بمواقع النجوم " منازلها ومطالعها ومشارقها، وقد كان أغلب الذين عاصروا هذا الخطاب الإلهي عند نزوله لا

ص: 157

يعرفون عن النجوم ومواقعها الشيء الكثير، وتبعا لذلك لا يستطيعون أن يقدروا قسم الله بها كامل التقدير، إذ لم تكن لديهم مراصد عظيمة، ولا آلات دقيقة لرصد النجوم وتتبع حركاتها في الأجواء البعيدة، ولكن خطاب الله موجه إلى كل عصر وجيل، والعصر الذي نعيش فيه أصبح يعرف عن النجوم ومواقعها ما يجعل الإنسان مبهوتا حائرا أمام قدرة الله وحكمته، ويستطيع أن يقدر تقديرا أوفى قسم الله العظيم، الذي أقسمه " بمواقع النجوم "، ومن ذلك أن مجموعة واحدة من مجموعات النجوم التي لا تحصى وهي " مجموعة المجرة " التي تنتمي إليها الشمس تبلغ ألف مليون من النجوم، وهذه النجوم منها ما يمكن أن تراه العين المجردة، ومنها ما لا تراه العين إلا بالأجهزة الفلكية والمجاهر، ومنها ما لا تراه العين ولوعن طريق الأجهزة الفلكية، وإنما تحس به الأجهزة وحدها دون أن تراه، وما من نجم إلا وهو منسق بقدرة الله -في آثاره وتأثيراته- مع بقية النجوم والكواكب، فلا اصطدام في الفضاء الواسع بين نجم وآخر، ولا تطاول من أي نجم على المجال المغناطيسي الخاص بغيره من النجوم، بل الكل يسير طبقا لتدبير الله وتقديره نحو هدفه المرسوم، إلى ميقات يوم معلوم، فمن عرف أسرار الأفلاك وعجائب النجوم أدرك إلى أي حد كان قسم الله عظيما " بمواقع النجوم "، وأن ذلك القسم يعد أكبر تزكية لخاتم الأنبياء والمرسلين، وأصدق شاهد على صحة الوحي المبين، وهكذا كلما مرت الأيام، وتقدمت معارف البشر، ازداد برهان القرآن وضوحا، وازداد نوره توهجا، وازدادت عقيدة الإيمان نصرا وفلجا.

ص: 158

وقوله تعالى: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} ، نفي قاطع لمزاعم المشركين والكافرين الذي ادعوا أنه قد تنزلت به الشياطين، إذ لا يتصور عاقل أن كتاب الله المصون في علمه، والمحفوظ بحفظه، يمكن أن تسطو عليه الشياطين من قريب أو بعيد، وهي على ما هي عليه من الرجس والخبث والشر والطرد من رحمة الله، وإنما تتنزل بكلام الله على رسله الملائكة الأبرار الأطهار، فهذه إحدى المهام السامية الموكولة إليهم، والمقصورة عليهم، ولذلك جاء التعقيب المباشر بقوله تعالى:{تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وإلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى في آية أخرى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} . (الشعراء: 210، 211، 212).

ثم وجه كتاب الله الخطاب إلى المشركين المكذبين بالنشأة الآخرة والبعث والنشور، يستغرب تكذيبهم لما يقصه عليهم الحق سبحانه في كتابه المبين، ويستغرب جحودهم لنعم الله الظاهرة والباطنة، دون أي اعتراف بمنته عليهم، وذلك قوله تعالى:{أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ} ، أي: مكذبون غير مصدقين، {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} ، أي: بدلا من أن تشكروا الله، تكذبون كلام الله.

وتساءل كتاب الله عماذا سيفعلون عندما تبلغ الروح حلوقهم حين الاحتضار، وهم في منتهى العجز والحيرة والجزع والاضطراب والذهول، ينظرون ذلك المشهد الرهيب، دون أن

ص: 159

يستطيعوا لشبح الموت ولا لسكراتها ردا، وملائكة الرحمن حاضرة لذلك المشهد قريبة منه، لكنها لا تقع عليها أنظار البشر المحدودة، وذلك قوله تعالى:{فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} .

ويواصل كتاب الله تقريع المشركين وإحراجهم بالسؤال، عندما يستفسرهم هل أنتم قادرون على إرجاع الروح إلى مقرها الأول، بعد أن بلغت الحلقوم وهي في طريقها إلى مفارقة الجسد بالمرة؟. هل في إمكانكم أن تحجزوا الروح في مكانها فلا تدعوها تفلت من صاحبها، وتحولوا بينها وبين ما هي ذاهبة إليه بأمر الله، من حساب وجزاء عند الله؟. هذا وأنتم حولها مبهوتون مقهورون، وعن ردها عاجزون، وذلك قوله تعالى:{فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ، ومعنى " غير مدينين " أي غير محاسبين كما قال ابن عباس، من " الدين " بمعنى الجزاء.

وعادت الآيات الكريمة إلى الحديث عن الأصناف الثلاثة الذين ينقسم إليهم البشر يوم القيامة، دون أي اعتبار خاص في التقسيم والتصنيف، ما عدا اعتبار العمل الذي قاموا به في الدنيا، والجزاء الذي استحقوه في الآخرة. وذلك قوله تعالى عن " السابقين " المقربين:{فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} ، وقوله تعالى عن " أصحاب الميمنة ":{وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} ، وقوله تعالى عن " أصحاب المشأمة ": {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ

ص: 160

الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}.

وختمت سورة " الواقعة " المكية بما يؤكد أن ما جاء به كتاب الله من حقيقة البعث والنشور والنشأة الآخرة هو عين الحق ومنتهى اليقين، وأن ما خالفه من المعتقدات الباطلة هو الضلال المبين، وذلك قوله تعالى:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} .

والآن فلننتقل لسورة " الحديد " المدنية، مستعينين بالله، سائلين منه الهداية والتوفيق، وقد أطلق عليها هذا الاسم، أخذا من قوله تعالى في آيتها الخامسة والعشرين:{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} .

وأول ما نلاحظه في هذه السورة الكريمة أنها بدأت بتنزيه الله وتقديسه، والتوجه إليه بالتسبيح والتعظيم، على غرار ما جاء في خاتمة سورة " الواقعة " السابقة، ففاتحة سورة " الحديد " في غاية التناسب والتناسق مع تلك الخاتمة، وذلك قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.

والفرق الوحيد بين خاتمة سورة " الواقعة " المكية وفاتحة سورة " الحديد " المدنية أن تلك الخاتمة تتضمن أمرا للرسول عليه الصلاة والسلام -ولجميع المؤمنين عن طريقه- بتسبيح الله وتعظيمه، وهذه الفاتحة تتضمن الإخبار بأن جميع المخلوقات في الأرض والسماوات تدين لله بالطاعة، وتعترف له بالعبودية، وتلتزم

ص: 161

السير بموجب السنن التي سنها لتسيير الكون، لا تتخلف عن أمره، ولا تتصرف على غير مراده، وذلك بالنسبة إليها هو منتهى " التسبيح " والتنزيه.

وقوله تعالى في نفس السياق: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، إشارة إلى الصفة التي جعلت الحق سبحانه هو وحده المستحق لأن يكون منزها معظما مطاعا من كافة خلقه، فهو سبحانه الذي خضع كل شيء لعزته، وهو الذي تجلى في تقديره وتدبيره وتشريعه بالغ علمه وحكمته.

واستعرضت الآيات الكريمة بعد ذلك جملة من أسماء الله وصفاته، ومظاهر قدرته، ليزداد الذين آمنوا إيمانا، وليعيد المشركون النظر فيما هم عليه من جحود وعناد، وذلك قوله تعالى:{لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ، إلى قوله جل علاه:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . ونقل البخاري في صحيحه تفسير معنى " الظاهر والباطن " عن يحيى حيث قال: " الظاهر على كل شيء علما، والباطن على كل شيء علما "، والمراد بيحيى هنا يحيى بن زياد الفراء صاحب كتاب " معاني القرآن ". وقال ابن كثير: " قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} ، أي: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين ما كنتم، من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم

ص: 162

وجهركم كما قال تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} (الرعد: 10) ".

ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين، داعيا إياهم إلى البذل في سبيل الله، والإنفاق مما رزقهم الله، مذكرا لهم بأن الرزق رزقه، والمال ماله، وإنما هو وديعة بين أيديهم استخلفهم فيها، ليبلغوها إلى أهلها، وليصرفوها في الوجوه المشروعة لصرفها، وذلك قوله تعالى:{آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} ، وقوله تعالى أيضا:{وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} .

وتحدث كتاب الله عن الحالة التي يكون عليها المؤمنون في دار النعيم، وما أكرمهم الله به من نور يسعى بين أيديهم، وبأيمانهم، كما وصف كتاب الله الحالة التي يكون عليها المنافقون والكافرون في دار الجحيم، حيث يلتمسون النور دون جدوى، فلا يجدون بين أيديهم ولا من حولهم إلا ظلمات، بعضها فوق بعض، فقال تعالى في وصف المؤمنين السعداء:{يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .

وقال تعالى في وصف المنافقين والكافرين الأشقياء: {يَوْمَ

ص: 163

يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}.

وبين كتاب الله ما يصيب المنافقين من خيبة وحسرة، وما يحاولونه من التطفل على المؤمنين السعداء والسير في ركابهم، وما يسمعونه من تقريع وتوبيخ، جزاء وفاقا:{يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

ص: 164