الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حديث هذا اليوم نتناول تفسير الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة "ق" المكية:{قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} ، إلى قوله جل علاه في سورة "الذاريات" المكية أيضا:{قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} .
ــ
في نهاية الربع الماضي تحدث كتاب الله عن الملك الموكل بتسجيل عمل ابن آدم، وأنه سيشهد على ابن آدم يوم القيامة، بكل ما فعل، إذ يكون السجل الذي أعده عن حياته مهيئا حاضرا من غير إبطال ولا انتظار، ودون زيادة ولا نقصان {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} ، فيصدر حكم العلي الأعلى في حقه بما هو أهل له من ثواب أو عقاب.
وفي بداية هذا الربع تحدث كتاب الله عن قرين للإنسان من نوع آخر، ألا وهو " قرين السوء " الذي يزين له الشر، ويوقعه في شباك الخبال والضلال، وقرين السوء الأكبر هو الشيطان الرجيم، ثم أولياؤه ومساعدوه الأقربون، المجندون تحت لوائه
لإغواء الخلق، من الدعاة المفسدين، فهذا القرين الذي يكون من بين قرناء السوء مستشارا للإنسان، ومحلا لثقته طيلة حياته، هو نفسه الذي يتبرأ من ابن آدم يوم القيامة أمام الله، ملقيا على عاتقه وحده تبعة أعماله وتصرفاته، متهما إياه بأنه هو الذي اختار لنفسه بمحض إرادته الضلال على الهدى، والشر على الخير:{قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} ، وقد جاء ما يشبه هذا المعنى في قوله تعالى:{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} (إبراهيم: 22).
ثم أشارت الآيات الكريمة إلى ما ينتظر أن يقوم يوم القيامة بين الشيطان وضحاياه، من تلاؤم وتخاصم أمام الله، فيأمر الحق سبحانه بوضع حد للخصام والملام، إذ لا محل لهما في ذلك المقام:{قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} .
ويصف كتاب الله الحالة التي تكون عليها جهنم، وهي تستقبل أفواج المشركين والكافرين، والمصرين على الذنب والعصيان من العصاة المذنبين، {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} .
وينتقل كتاب الله إلى وصف الجنة التي أعدت للمتقين، وما يلقونه فيها لدى ملائكة الرحمن من الثناء العاطر وحسن
الاستقبال، جزاء ما قاموا به وما مارسوه في حياتهم من صالح الأعمال، {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} ، إذ كل ما هو آت قريب، وفي خلال هذا الوصف نوهت الآيات الكريمة بالأوصاف التي رشحت أهل الجنة للجنة، وذلك قوله تعالى:{هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} ، و " الأواب " هو الذي إذا أذنب بادر إلى الإقلاع عن ذنبه وتاب منه توبة نصوحا، و " الحفيظ " هو الذي إذا عاهد الله حفظ العهد، وحافظ عليه من المهد إلى الحد، {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} ، أي: من راقب الله وإن كان غائبا عن أعين الرقباء، وهذه الآية شبيهة بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:" ورجل ذكر الله تعالى خاليا ففاضت عيناه "، من بين السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله. {وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} ، أي لقي الله بقلب سليم يملؤه الخشوع والخضوع.
وقوله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} إشارة إلى التحية التي يتلقى بها ملائكة الرحمن ضيوفهم من أهل الجنة، عندما يأذنون لهم بالدخول إلى دار الخلود، التي لا يفارقونها ولا يبغون عنها حولا:{لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا} ، أي: مهما اختاروا وجدوا، ومهما طلبوا أحضر لهم، وقوله تعالى هنا:{وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} كقوله تعالى في سورة يونس (26): {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} وقوله جل علاه في سورة التوبة (72): {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .
وعادت الآيات الكريمة مرة أخرى إلى تذكير المشركين بمصارع الأمم الغابرة التي أصرت قبلهم على الضلال، فأصبحت
مضرب الأمثال بين بقية الأجيال، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ} ، على غرار قوله تعالى في آية أخرى سابقة:{كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (غافر: 82)، قال قتادة:" نقبوا في البلاد "، أي: ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمكاسب والمتاجر أكثر مما طفتم، يقال لمن طوف في البلاد " نقب فيها ". وقوله تعالى:{هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} ، أي: لا مفر لهم ولا لكم من عذاب الله، وكما أن قوتهم، وثروتهم لم تحولا دون قضاء الله وقدره، فلن تفلتوا أيها المشركون من قبضة الله القاهر فوق عباده.
ثم عقب كتاب الله على ما استعرضه من أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، وعلى ما وصفه من مصارع الغابرين، ومواقف المكذبين بالرسالة من السابقين واللاحقين، بما يفيد أن الحكمة في هذا الاستعراض إنما هي تنبيه من له قلب حي وذهن متيقظ، إلى استخلاص العبرة والانتفاع بالذكرى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} .
وانتقلت الآيات الكريمة إلى التذكير بقدرة الله، بديع السماوات والأرض، والتذكير بكونه سبحانه منزها عن أن يلحقه أي تعب أو إعياء، لا بالنسبة لإيجاد المخلوقات، ولا بالنسبة لإمدادها، لا بالنسبة للنشأة الأولى، ولا بالنسبة للنشأة الآخرة، ويدخل في ذلك دخولا أوليا عملية البعث والنشور، وذلك قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} ، أي ما مسنا تعب ولا نصب، وإلى
نفس هذا المعنى يشير قوله تعالى في سورة (الأحقاف: 33): {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، وقوله تعالى في سورة (النازعات: 27) {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ} ، وقوله تعالى في سورة (غافر: 57): {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} .
وقد نبهنا في حديث سابق إلى أن " الأيام الستة " التي خلق الله فيها السماوات والأرض وما بينهما ليست من جنس أيامنا التي نقضيها فوق هذا الكوكب الأرضي، وإنما هي من الأيام التي أشار إليها قوله تعالى:{وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} (الحج: 47)، وقوله تعالى:{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} (المعارج: 4).
واتجه الخطاب الإلهي إلى الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام داعيا إياه إلى المزيد من الصبر على أذى المشركين، وإلى الإلتجاء إلى الله بالعبادة والتسبيح والدعاء:{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} .
وخُتِمت سورة (ق) بنفس الموضوع الذي كان فاتحة لها، وهو موضوع البعث والحياة بعد الموت: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا
ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ}.
ومن هنا ننتقل إلى سورة " الذاريات " المكية أيضا، وفي بدايتها نجد التذكير بنفس البعث والمعاد، والقسم من الله على وقوعهما:{بسم الله الرحمن الرحيم وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} ، والمراد " بالذاريات ذروا " الرياح، والمراد " بالحاملات وقرا " السحب، لأنها تحمل المياه، والمراد " بالجاريات يسرا " السفن، لأنها تجري في البحر بسهولة، والمراد " بالمقسمات أمرا " الملائكة، لأنها تنزل بأوامر الله الكونية والشرعية وهذا التفسير مروى عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
وتحدث كتاب الله عن " الخراصين " المرتابين الذين يكذبون على الله ورسوله: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} ، وعن المتقين وما ادخر لهم الحق سبحانه في دار النعيم، جزاء إيمانهم وإحسانهم، {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} .
وأشار كتاب الله إلى ما لله من آيات ناطقة بقدرته، متجلية في الأرض والسماء والأنفس، فقال تعالى:{وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} .
وخُتم هذا الربع بالحديث عن قصة إبراهيم وضيوفه من الملائكة المكرمين، وكيف أن إبراهيم الخليل عليه السلام استقبل ضيوفه أحسن استقبال، حتى أصبح عمله دستورا في " آداب الضيافة " معمولا به عند السلف والخلف، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في هذه القصة:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} ، ثم قوله تعالى:{فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ} ، أي أن إبراهيم جاء لضيوفه بالطعام بسرعة ودون سابق إشعار، {فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} أي أنه أتى بأفضل ما عنده، وهو عجل فتي مشوي {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} أي وضعه بين أيديهم، ثم قال لهم على سبيل العرض والتلطف، لا على سبيل الأمر والتكلف:{أَلَا تَأْكُلُونَ} ؟.
واشتمل سياق هذه القصة على تبشير الملائكة لإبراهيم بغلام يولد له: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} ، لكن امرأته استغربت من هذه البشرى، نظرا لكونها تشعر أنها {عَجُوزٌ عَقِيمٌ} إلا أن الملائكة ردوا عليها ردا يزيل من ذهنها كل تعجب واستغراب، {قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} ، وقد حقق الله لإبراهيم وزوجه هذه البشرى بولادة إسحاق عليه السلام، لأن الأقدار الإلهية هي التي تكون نافذة الأحكام على الدوام، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (يس: 82)