الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة "الحجرات" المدنية:{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} ، ونهايته قوله جل علاه في سورة "ق" المكية:{أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ} .
ــ
كما تحدث كتاب الله في سورة " الفتح " عن المخلفين من الأعراب الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله عام الحديبية، لظنهم بالله ظن السوء، تحدث كتاب الله في مطلع هذا الربع من سورة " الحجرات " المدنية عن طائفة أخرى من الأعراب دخلوا في الإسلام، ثم أخذوا يتبجحون ويمنون على رسول الله، بأنهم انضموا إلى صفوف المسلمين ولم يقاتلوهم، كما قاتلهم غيرهم من العرب.
وقد فهم الإمام البخاري من الآيات الواردة في هذا الربع،
بشأن هذه الطائفة من الأعراب أنهم داخلون في عداد المنافقين، بينما فهمها ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة على أن القصد منها هو أن أولئك الأعراب لم يكونوا منافقين، وإنما لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، وادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدّبوا على ذلك حتى لا يمنوا على الله ورسوله بشيء، ولو كانوا منافقين بالمرة لعنفوا وفضحوا كما عنف غيرهم في سورة أخرى، وهذا الفهم هو الذي اختاره ابن جرير الطبري في تفسيره وارتضاه ابن كثير، {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} ، فقيل لهم تأديبا:{قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} ، أي: لم تؤمنوا الإيمان الكامل، {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} ، أي استسلمنا وسالمنا، فالإسلام هنا لا يزيد على الاعتراف باللسان، والانقياد والجوارح، وعصمة الدم والمال، {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} ، أي ولم يتمكن الإيمان الكامل من قلوبكم بعد، {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} ، أي أن الله تعالى -رغما عن أن إيمانكم لم يصل بعد إلى درجة الكمال- لا ينقصكم من أجوركم شيئا إذا التزمتم الطاعة لله ورسوله، فلن تضيع أعمالكم كما تضيع أعمال الكفار، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} " غفور " لمن تاب، " رحيم " لمن أناب.
ثم وصفت الآيات الكريمة خصال المؤمنين الكاملين الذين يضرب بهم المثل في الإيمان، فقال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} ، أي: المؤمنون الكاملون إيمانا، {الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} ، أي ثبتوا بعد إيمانهم على وثيرة واحدة من
التصديق القلبي الخالص، دون تردد ولا تزعزع ولا اضطراب، فقد يؤمن الشخص العادي ثم تعرض له عوارض وطوارئ تزعزع إيمانه، وتهز كيانه، أما المؤمن الحق فلا يزعزع إيمانه أي شيء، لا في الشدة ولا في الرخاء، لا في السراء ولا في الضراء، وهذه الآية:{الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} ، واردة على غرار قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ} (فصلت: 30)، فالسر كله في " الاستقامة " إذ عن طريقها ومن خلالها يبرز ما ينطوي عليه القلب من عقيدة صالحة وإيمان صحيح.
وقوله تعالى: {وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، هذه صفة أخرى مميزة لكاملي الإيمان، فهم يؤمنون بأن كل ما يملكونه من نفس ونفيس إنما هو عطية من الله وهبة منه، ولذلك فهم لا يبخلون ببذل هباته وعطاياه، بما فيها المهج والأرواح، ما دامت في سبيله وابتغاء مرضاته.
وعقب كتاب الله على هذه الصفات المثالية لأهل الكمال من المؤمنين، بما يفيد أن المتصفين بها قولا وعملا، والعاملين بمقتضاها سرا وعلنا، هم " الصادقون " في إيمانهم، إذ تشهد بذلك تصرفاتهم وتضحياتهم، كما يشهد به وفاؤهم وثباتهم، فقال تعالى:{أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} ، بخلاف أولئك الأعراب الذين يمنون على رسول الله بإعلان إسلامهم، وكونهم لا يقاتلونه مثل بقية العرب، فهؤلاء لا زالوا في المرحلة الأولى من مراحل الإيمان، وهم يتدرجون في طريقهم إلى بقية المراحل، بقدر ما
تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم يوما بعد يوم.
ثم خاطب كتاب الله أولئك " الأعراب السذج "، مبينا لهم أن الحق سبحانه وتعالى الذي يعلم السر وأخفى- غني عن أن يكشفوا له عما في ضمائرهم، فمن أحاط بكل شيء علما، وهو يعلم ما في السماوات وما في الأرض، لا يتوقف على تصريحاتهم، ليطلع على مكنوناتهم، {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .
وكشفت الآيات الكريمة الستار عن طبيعة الموقف الساذج الذي وقفه أولئك الأعراب، والذي دعا إلى تأديبهم وتهذيبهم حتى لا يعودوا لمثله، فقال تعالى:{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ} ، ثم يتجه إليهم خطاب الله على سبيل التنزل، بأنهم على فرض أنهم صادقون في الجمع بين الإسلام والإيمان، فإن المنة في إسلامهم وإيمانهم إنما هي لله ورسوله، إذ هو الذي هداهم إلى طريق الإيمان أولا وأخيرا، وذلك قوله تعالى:{بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
وخُتِمَت سورة " الحجرات " المدنية بما يؤكد إحاطة علم الله بكل شيء، ولا سيما العلم بغيب السماوات والأرض، بما فيه غيب السرائر والضمائر، وذلك قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .
والآن فلنقبل على تفسير سورة (ق) المكية، مستعينين بالله جلت قدرته وأول شيء يستلفت النظر في هذا المقام هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه السورة الكريمة يوم الجمعة على المنبر إذا خطب الناس، كما روى ذلك مسلم في صحيحه، وأبو داود والنسائي وابن ماجة في السنن، وقد تلقاها من لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظها عدد من الصحابة عن هذا الطريق، قال ابن كثير:" والقصد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار كالعيد والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور، والمعاد والقيام، والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب ".
وأول ما تتحدث عنه آيات هذه السورة الكريمة، كتاب الله المجيد، الملتف في حلل المجد والعظمة، وها هنا نجد الحق سبحانه يقسم به، دلالة على عظيم منزلته عنده، وإرشادا إلى المنزلة العظمى التي يجب أن يحتلها في قلوب الناس وفي حياتهم اليومية.
وحرف (ق) الذي هو أول حرف في كلمة " قرآن " وأول حرف ورد في هذه السورة حتى سميت باسمه، إشارة إلى أن كتاب الله المعجز للبشر يتألف لفظه من نفس الحروف التي ننطق بها، غير أنه لا يقدر على تأليفه المعجز أحد سوى الله، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} ، (الشورى: 52)، كما أن المادة التي يتكون منها الأحياء ملقاة على قارعة الطريق، بحيث يراها الناس ويعيشون معها، ولكنهم لا يستطيعون أن يؤلفوا
منها ولو كائنا حيا واحدا في أبسط صوره وأشكاله، لأن ذلك من صنع الله وحده.
ويشير كتاب الله إلى تعجب المشركين واستغرابهم من إرسال رسول إليهم من بينهم، أي من البشر لا من الملائكة، ومن العرب، لا من بني إسرائيل، بعد أن ظلت النبوة والرسالة مستمرة في بني إسرائيل زمنا طويلا، وذلك قوله تعالى:{بسم الله الرحمن الرحيم ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} .
وعرج كتاب الله على عقيدة " البعث " التي هي عقيدة أساسية في دين الله الذي لا يتبدل، والتي دعا إلى الإيمان بها كافة الأنبياء والرسل، وتحدث عن الشبه السخيفة والحجج الواهية، التي يلوكها بألسنتهم من لا يؤمنون بهذه العقيدة الثابتة، ومرد شبههم كلها إلى استبعاد الحياة من بعد الموت، نظرا لما يلحق جثث الأموات من تحلل وفناء، ناسين أو متناسين أن الله الذي أنشأ الحياة قبل الموت هو الذي تكفل بأن ينشئ الحياة بعد الموت، فنشأة الحياة بالنسبة إلى قدرته سبحانه وتعالى عملية سابقة أولا، ومكررة ثانيا، وليس فيها ما يستغرب ممن هو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم، وذلك قوله تعالى حكاية عنهم:{أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} ، أي: بعيد الوقوع، ثم يتولى الحق سبحانه وتعالى الرد عليهم قائلا:{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} ، وهذا هو الجواب عن القسم الذي جاء في مطلع سورة " ق " حسبما حكاه
ابن جرير الطبري عن بعض النحاة، كما رد الحق سبحانه على منكري البعث ردا مفحما إذ قال:{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} .
ويعرض كتاب الله بعض آيات الله البارزة في الآفاق، مما يدل على قدرته وعلمه وحكمته، ويصف بالخصوص كيف يحيي الله الأرض بعد موتها، مبينا أن حياة الإنسان بعد موته شبيهة بها كل الشبه:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} ، فخروج الإنسان من تحت الأرض بعد موته، وبعثه في الوقت المعلوم، عملية لا تختلف في جوهرها كثيرا عما يراه الناس في كل وقت دون أن ينتبهوا إليه، إذ تكون الأرض هامدة قاتمة ميتة من أثر القحط والجدب، فينزل عليها المطر من عند الله، وإذا بها تصبح مضرب الأمثال في الخصب والنماء والإنتاج، {كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} .
وأشارت الآيات الكريمة إلى مصير المكذبين بالرسالة، وفي طليعتهم:{قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} ، والمراد " بالرس " هنا البئر المطوية، غير المبنية والمراد " بالأيكة " الشجر الملتف الكثيف، وسبق ذكر " أصحاب الأيكة " في الآية الثامنة والسبعين من سورة " الحجر " وفي الآية السادسة والسبعين بعد المائة من سورة " الشورى "، وفي الآية الثالثة عشرة من سورة " ص ".
واستعرض كتاب الله حالة الإنسان المتمرد على طاعة الله، كيف يكون أثناء حياته، وعند موته، وحين بعثه، ووقت حسابه:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ، أي: أقرب إليه من العرق الذي يجري فيه دمه، وتتم بواسطته دورته الدموية، {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} ، {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} ، {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} ، {فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ} .
وأجمل كتاب الله في إحدى آيات هذا الربع ما يكون عليه المكذبون بالحق في كل عصر وجيل، أفرادا وأمما، من اضطراب في الفكر، وتناقض في الرأي، وقلق في النفس، وحيرة في الاتجاه، بسبب أنهم لم يعتصموا بالحق، فتقاذفتهم الأهواء المختلفة من كل جانب، وتجاذبتهم التيارات المتعارضة من كل فج، وذلك قوله تعالى:{بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} ، قال ابن كثير:" والمريج المختلف المضطرب الملتبس، كقوله تعالى في سورة " الذاريات " التالية: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} . وهذا حال كل من خرج عن جادة الحق، وارتمى في أحضان الباطل، مهما قال أو فعل بعد ذلك فهو باطل، لأنه دخل في تيه الحيرة والغواية، الذي لا تعرف له بداية ولا نهاية.