المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت) - التيسير في أحاديث التفسير - جـ ٦

[محمد المكي الناصري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السادس

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأحقاف

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة محمد

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الفتح

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحجرات

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة ق

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الذاريات

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الطور

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النجم

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القمر

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الرحمن

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الواقعة

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحديد

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المجادلة

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحشر

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الممتحنة

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الصف

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الجمعة

- ‌ سورة المنافقون

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة التغابن

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الطلاق

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة التحريم

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الملك

- ‌ سورة القلم

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحاقة

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المعارج

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة نوح

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الجن

- ‌ سورة المزمل

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المدثر

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القيامة

- ‌ سورة الإنسان

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المرسلات

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النبأ

- ‌ سورة النازعات

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة عبس

- ‌ سورة التكوير

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الانفطار

- ‌ سورة المطففين

- ‌ سورة الانشقاق

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البروج

- ‌ سورة الطارق

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الستّينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأعلى

- ‌ سورة الغاشية

- ‌ سورة الفجر

- ‌الربع الأول من الحزب الستّينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الستينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البلد

- ‌ سورة الشمس

- ‌ سورة الليل

- ‌ سورة الضحى

- ‌الربع الثاني من الحزب الستينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الشرح

- ‌ سورة التين

- ‌ سورة العلق

- ‌ سورة القدر

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البينة

- ‌ سورة الزلزلة

- ‌ سورة العاديات

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القارعة

- ‌ سورة التكاثر

- ‌ سورة العصر

- ‌ سورة الهمزة

- ‌ سورة الفيل

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة قريش

- ‌ سورة الماعون

- ‌ سورة الكوثر

- ‌ سورة الكافرون

- ‌ سورة النصر

- ‌ سورة المسد

- ‌ سورة الإخلاص

- ‌ سورة الفلق

- ‌ سورة الناس

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

الفصل: ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستين

بالمصحف الكريم (ت)

عباد الله

موضوع حديث اليوم تفسير الثمن الأول من الربع الثالث فى الحزب الستين بالمصحف الكريم، ويشتمل هذا الثمن على سورة "الشرح" وسورة "التين" وسورة "العلق" وسورة "القدر"، وكلها سور مكية، وبدايته قوله تعالى:{بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ، ونهايته قوله جل علاه:{سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}

ــ

وسورة " الشرح " المكية التي هي فاتحة هذا الثمن تتضمن خطابا من الحق سبحانه لنبيه، فيه مناجاة له من ربه، تنسجم كل الانسجام، وتتناسب كل التناسب، مع الخطاب الإلهي الذي وجهه إليه في سورة " الضحى " قبلها، حتى لكأنهما سورة واحدة في موضوع واحد.

وأول ما يسجله الخطاب الإلهي في هذه السورة ما آتاه الله لنبيه من رحابة صدر، وانشراح خاطر، وهدوء بال، وطمأنينة قلب، حتى يستطيع أن يواجه مسؤوليات الرسالة الملقاة على عاتقه، ويتحمل أعباءها برضى تام وعزم راسخ، وذلك ما يشير إليه قوله

ص: 438

تعالى في خطابه لنبيه: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ، وإن " شرح الصدر " بالنسبة لأي إنسان كيفما كان، لدليل على هداية الله له وتوفيقه في الحياة، {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} (الأنعام: 125)، فما بالك بمقام الرسول عليه السلام.

وثاني شيء يسجله الخطاب الإلهي في هذه السورة ما آتاه الله من صبر جميل، وقدرة خارقة على مواجهة الشدائد، ومعاناة المتاعب، في سبيل تبليغ الرسالة الإلهية، وإعلان الدعوة الإسلامية، رغم معارضة أقطاب الشرك، ومقاومة قادة الوثنية، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} ، أي: خففنا عنك العناء الذي أثقل ظهرك، وأعناك على حمله، بما أمددناك به في كل حين، من تيسير وصبر وثبات ويقين.

وثالث شيء يسجله الخطاب الإلهي في هذه السورة ما أكرم الله به نبيه من الذكر الجميل الخالد على مر الدهر: الذكر الخالد في اللوح المحفوظ والملأ الأعلى، والذكر الخالد في أرجاء الأرض شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا:{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ، وإلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى في آية أخرى:{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} (الزخرف: 44).

وهل هناك ذكر أجمل وأرفع من ذكر اسمه بعد اسم الله، كلما تحركت بذكر الله الشفاه، (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)،

ص: 439

وهل هناك ذكر أجمل وأرفع من ذكر اسمه من أعلى ملايين المآذن الشاهقة، المرتفعة في دنيا الإسلام الواسعة، عند النداء لكل صلاة، (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله). قال قتادة: " رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ".

وهل هناك ذكر أجمل وأرفع من ذكره عليه السلام في مجمع الأنبياء والمرسلين، وهو لا يزال في عالم الغيب في أصلاب آبائه الأولين، ومن أخذ الله على أنبيائه ورسله ميثاقا غليظا بالإيمان به وبدعوته، وتأييده ونصرته، مصداقا لقوله تعالى في سورة (آل عمران: 81): {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} ، وفي مثل هذا المقام قال حسان ابن ثابت:

أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَةِ خَاتَمٌ

مِنَ اللَّهِ مِنْ نُور يَلوحُ وَيشْهَد

وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ

إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ "أَشْهَدُ"

وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ

فَذُو الْعَرْشِ "مَحْمُودٌ" وَهَذَا "مُحَمَّدُ"

ثم انتقل كتاب الله إلى تبشير الرسول والمؤمنين بأنهم إذا واجهتهم شدة في الحياة، وكانت وجهتهم في أعمالهم خالصة لوجه الله، فإن العناية الإلهية تتعهد دائما بتحويل شدتهم إلى رخاء، وعسرهم إلى يسر، وإذن فلا ينبغي لهم أن يقنطوا من

ص: 440

رحمة الله، ولا أن يسيئوا الظن بالله، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} ، قال قتادة: (ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية فقال: " لن يغلب عسر يسرين "، ذلك أن لفظ " العسر " ورد معرفا في الحالين، فهو " واحد "، وأن لفظ " اليسر " ورد منكرا في كلا الموضعين، فهو " متعدد "، ف " العسر الأول " هو عين الثاني، و " اليسر الثاني " زائد على " اليسر الأول ".

واتجه الخطاب الإلهي مرة أخرى إلى الرسول عليه السلام، يأمره بمواصلة الكفاح والعمل في سبيل الدعوة دون انقطاع، بحيث أنه كلما فرغ من أمر تصدى لما بعده، {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} ، إذ إن أعباء الرسالة متعددة، وتكاليف الدعوة متنوعة، ووجوه النشاط الإسلامي متسلسلة يسلم بعضها لبعض، وقد وفّى الرسول عليه السلام بما عاهد عليه الله، فلم يذق طيلة عهد الرسالة للراحة طعما، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى حتى ترك من ورائه عقيدة راسخة، وشريعة قائمة، ودولة حاكمة.

ودعا الله نبيه في ختام هذه السورة إلى أن يجعل همه الأكيد في كل أعماله ومساعيه ابتغاء مرضاة الله، والتقرب إليه دون سواه، بكل تجرد وإخلاص، ودون أي اعتبار خاص، وذلك قوله تعالى في إيجاز وإعجاز، والخطاب له ولكل مؤمن من أمته:{وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} .

ومن هنا ننتقل إلى سورة " التين " المكية أيضا، معتمدين على الله.

ص: 441

وهذه السورة الكريمة يتصدرها قسم عظيم " بالتين والزيتون، وطور سينين، والبلد الأمين " والمحور الذي يدور عليه القسم فيها هو خلق الإنسان، وما يتعرض له في حياته من فوز أو خذلان، وربح أو خسران.

فالله تعالى يمتن هنا على الإنسان بأنه قد خلقه أحسن خلق، وأبدعه أكمل إبداع، وميزه بمزايا خصوصية على غيره من أنواع الحيوان، عسى أن يعرف فضل الله عليه، فيتحلى بحلية الإيمان، عن اقتناع وإذعان، ويقبل على طاعة الله بكل اغتباط وامتنان، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:{بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} ، ونقل ابن كثير عن بعض الأئمة أن المقسم به هنا هي محال ثلاثة، بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولى العزم، أصحاب الشرائع الكبار، فالأول محل التين والزيتون وهو بيت المقدس، حيث بعث الله عيسى ابن مريم، والثاني طور سيناء، حيث كلم الله موسى بن عمران، والثالث مكة، وهي البلد الأمين، الذي من دخله كان آمنا، حيث بعث فيه محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ثم ينبه كتاب الله إلى أن الإنسان قد يسيء إلى نفسه بتصرفه تصرف السفهاء، فيما آتاه الله من طاقات، وملكات، وممتلكات، فيتخذها ذريعة للكفر والفساد، بدلا من اتخاذها عونا على الإيمان والصلاح، ويتردى من قمة المكارم والفضائل، إلى هوة الفساد والرذائل، وإذ ذاك ينزل بمحض اختياره من أعلى

ص: 442

عليين، فيعاقبه الله على ذلك، ويجعله أسفل سافلين، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى:{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} .

وقوله تعالى: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} ، سئل مجاهد عن الخطاب الوارد في هذه الآية: هل هو موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: " معاذ الله، إنما عني به الإنسان ". وهكذا قال عكرمة وغيره، أي: إن الخطاب موجه إلى ابن آدم عموما، وإلى من يكذب بيوم الدين على وجه الخصوص.

وخُتمت هذه السورة الكريمة بذكر ما ينعم به في الجنة المؤمنون6 من الأجر المتواصل غير الممنون: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} ، كما ختمت بالتنويه بحكمة الله البالغة، التي لا تماثلها حكمة، وبحكم الله العادل، الذي ليس كمثله حكم:{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} ، بلى. وإنا على ذلك من الشاهدين.

ولننتقل الآن إلى سورة " العلق " المكية أيضا، مستعينين بالله.

ومطلع هذه السورة الكريمة هو أول نفحة من نفحات السماء المباركة، التي نزلت على خاتم الأنبياء والمرسلين، شفاء لما في الصدور ورحمة للعالمين، حيث تلقى الرسول عليه السلام من ربه لأول مرة تكليفه بالرسالة، ونزل عليه هذا القسم الأول من القرآن الكريم، الذي هو " براعة الاستهلال " لدينه القويم، فقال تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ

ص: 443

الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}، وتعليقا على هذه الآيات الكريمة قال ابن كثير:" أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهي أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم عن الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبيان، فهو ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي -نسبة للرسم والكتابة- يستلزمهما من غير عكس ".

فقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، توجيه من الله لرسوله إلى أن " القراءة " هي شعار الإسلام البارز، المميز له من بين الأديان، وتنبيه إلى أن دعوته تقوم على أساسها، وتنتشر بقدر انتشارها، فهي دعوة هداية ونور، لا دعوة ضلال وظلام.

وذكر " اسم الله " هنا تعريف بأن الله وحده هو منبع الهداية والنور، فحيثما كانت الحجة البالغة، والبرهان الساطع، والعقيدة الصحيحة، والشريعة السمحة، فثم وجه الله جل جلاله، وهناك اسمه الأعلى، وحيثما كانت الأوهام والأباطيل، والمعتقدات الفاسدة والأضاليل، فهناك الأصنام والأوثان، وأولياء الشيطان، وطواغيت الجهلة من بني الإنسان، التي لا يجتمع معها اسم الله في أي مكان. {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ

ص: 444

لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (الزمر: 45).

وقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} ، إشارة -أولا- إلى صفة " الخلق " البارزة، التي هي إحدى صفات الكمال الإلهي، والتي بفضلها، كان بدأ الخليقة من أصلها، وكان العالم العلوي والعالم السفلي وفق تصميمها، وإشارة -ثانيا- إلى خلق الإنسان، الذي توج الله بخلقه نشأة الأكوان، وجعله محور الرسالة، ومستودع الأمانة، ومستقر الخلافة، ومن أجل هدايته أرسل الرسالة وأنزل الكتب:{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} (الأنفال: 42).

وقوله تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} ، حض من الله لرسوله والمؤمنين على مواصلة القراءة باستمرار ودون انقطاع، لأنها إكرام عظيم من الله للإنسان، لا تتحقق إنسانيته على الوجه الكامل إلا بتحقيقها واستمرارها على مر الزمان.

وقوله تعالى: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} ، تعريف للرسول والمؤمنين بقيمة " القلم " عند الله، وأثره العميق في تهذيب الإنسان وتمدينه وتحضيره، وحفظ تراثه الفكري عبر القرون والأجيال، وإشارة إلى الدور العظيم الذي سيلعبه القلم في إنشاء الحضارة الإسلامية العريقة، {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} ، ولولا القلم الذي أكرم الله به الإنسان، وهداه إلى اكتشافه واستعماله، لبقي الإنسان عبارة عن حيوان أعجم، لا رصيد له من الثقافة ولا من الحضارة، ولا أثر له في سجلات الحياة.

ص: 445

وقوله تعالى: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ، امتنان من الله على الإنسان، أي: إنسان كان، بأنه سبحانه هو منبع العلم ومصدر المعرفة، فهو -أولا- الذي جهز الإنسان بجميع الحواس والملكات والطاقات القابلة للتعليم، والملائمة لإدراك المعلومات وتصور الحقائق، وهو - ثانيا- الذي يفتح لعباده بقدر ما يشاء من مغلقات الأسرار في الوجود، فتتفتح عيونهم وعقولهم كل يوم على حقائق جديدة، ومعلومات مفيدة، ولو لم يكشفها لهم بنوره لما اكتشفوها إلى الأبد، على حد قوله تعالى:{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} (البقرة: 255)، وقوله تعالى:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه: 114)، فمصدر التعليم الأول والأخير هو الله العليم الحكيم، الذي أحاط بكل شيء علما.

وانتقلت الآيات الكريمة إلى وصف ما يصيب الإنسان من انحراف في السلوك، وخبال في التصور، وما يضيفه إلى ذلك كله من تثبيط غيره عن العمل الصالح، فقال تعالى:{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} .

وعقَّب كتاب الله على ذلك بإنذار خطير وجهه إلى الإنسان الطاغي، الباغي على الخلق، المنحرف عن الحق، فقال تعالى:{كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} ، أي: لنجعلن في ناصيته سمة سوداء تفضحه يوم القيامة بين الناس، {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} ، أي: فليدع قومه وعشيرته لينصروه، إن كانوا

ص: 446

يستطيعون له نصرا، لكنهم لن يستطيعوا، {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} .

ووجه كتاب الله الخطاب إلى المؤمن الذي يثبطه غيره عن العمل الصالح، محذرا إياه من طاعة المثبطين، والسير في ركاب المعوقين، داعيا إياه إلى الثبات على الإيمان، والاعتصام بحبل الله في كل آن، فقال تعالى:{كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} .

ولننتقل الآن إلى سورة " القدر " المكية أيضا، معتمدين على الله.

وهذه السورة الكريمة تبين فضل ليلة القدر ومكانتها عند الله، بما دشنته القدرة الإلهية فيها من نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت ليلة مباركة، عمت بركتها الإنسانية جمعاء.

و" ليلة القدر " هي إحدى ليالي شهر رمضان، الذي فرض الله صيامه على المسلمين شكرا لله، واحتفاء بذكرى نزول القرآن:{بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} .

وإنما سميت " ليلة القدر " لما أعلن فيها من تقدير الله وتدبيره الحكيم، ولما لها من القيمة الكبرى والمقام العظيم، وقيل: إنها سميت بذلك لأن الله أنزل فيها كتابا " ذا قدر "،

ص: 447

على رسول " ذي قدر "، لأمة " ذات قدر "، فهي " ليلة القدر " العظيم، والفضل العميم، وإليها يشير قوله تعالى في سورة (الدخان: 3): {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .

وفي فضل قيامها ورد في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ". وفي الحض على تحريها ورد في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ".

ص: 448