المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت) - التيسير في أحاديث التفسير - جـ ٦

[محمد المكي الناصري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السادس

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأحقاف

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة محمد

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الفتح

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحجرات

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة ق

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الذاريات

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الطور

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النجم

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القمر

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الرحمن

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الواقعة

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحديد

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المجادلة

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحشر

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الممتحنة

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الصف

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الجمعة

- ‌ سورة المنافقون

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة التغابن

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الطلاق

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة التحريم

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الملك

- ‌ سورة القلم

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحاقة

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المعارج

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة نوح

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الجن

- ‌ سورة المزمل

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المدثر

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القيامة

- ‌ سورة الإنسان

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المرسلات

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النبأ

- ‌ سورة النازعات

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة عبس

- ‌ سورة التكوير

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الانفطار

- ‌ سورة المطففين

- ‌ سورة الانشقاق

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البروج

- ‌ سورة الطارق

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الستّينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأعلى

- ‌ سورة الغاشية

- ‌ سورة الفجر

- ‌الربع الأول من الحزب الستّينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الستينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البلد

- ‌ سورة الشمس

- ‌ سورة الليل

- ‌ سورة الضحى

- ‌الربع الثاني من الحزب الستينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الشرح

- ‌ سورة التين

- ‌ سورة العلق

- ‌ سورة القدر

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البينة

- ‌ سورة الزلزلة

- ‌ سورة العاديات

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القارعة

- ‌ سورة التكاثر

- ‌ سورة العصر

- ‌ سورة الهمزة

- ‌ سورة الفيل

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة قريش

- ‌ سورة الماعون

- ‌ سورة الكوثر

- ‌ سورة الكافرون

- ‌ سورة النصر

- ‌ سورة المسد

- ‌ سورة الإخلاص

- ‌ سورة الفلق

- ‌ سورة الناس

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

الفصل: ‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسين

في المصحف الكريم (ت)

عباد الله

موضوع حديث اليوم تفسير الربع الأول من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في فاتحة سورة "الجمعة" المدنية:{بسم الله الرحمن الرحيم يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} ، إلى قوله جل علاه في سورة "المنافقين" المدنية أيضا:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} .

ــ

وفاتحة هذا الربع التي هي بداية " سورة الجمعة " تنطق بحقيقة كونية رائعة، ألا وهي اعتراف جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، علويها وسفليها، بألوهية الحق سبحانه وتعالى وربوبيته، وبعبوديتها له، وافتقارها إليه، إذ هو سبحانه " مالك " أمرها، والمتصرف فيها على الحقيقة في كل حين، وهو سبحانه المتصف بجميع صفات الكمال، " والمقدس " عن النقائص والمنزه عنها على اختلاف أنواعها، وهو سبحانه " العزيز " الذي يخضع له، ويضطر إلى طرق بابه، والتمرغ على أعتابه، أشد الخلق

ص: 229

سطوة، وأكثرهم قوة، فضلا عن الضعفاء والمستضعفين، وهو سبحانه " الحكيم " في جميع تصرفاته الكونية، وكافة أحكامه الشرعية، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} .

ثم تحدث كتاب الله ممتنا على المسلمين الأولين، الذين اختارهم الله لتلقي رسالة الإسلام ونقلها إلى العالمين، فبعد ما كانوا محرومين من نور الله، يعيشون في صحرائهم منعزلين على هامش الحياة، وبعدما ظلوا فترة طويلة " أمّيّين " محرومين من الوحي والرسالة، أكرمهم الله برسالة سيدنا محمد عليه السلام، وأنزل الله عليه " الذكر الحكيم " ليكون دستور الإنسانية وقانونها العام، وبين الحق سبحانه أن كتاب الله إنما أنزله ليؤدي مهمتين اثنين في وقت واحد، فهو من جهة: كتاب يعلم الإنسانية ما لم تكن تعلم، إذ ينقذها من الجهل والضلال، ومن جهة أخرى: يزكّي الإنسانية، إذ يهذب أخلاقها ويطهرها من تقاليد الجهالة والفساد، وبذلك كانت مهمة القرآن الكريم مهمة مزدوجة: مهمة تعليمية تثقيفية، ومهمة أخلاقية تربوية، وبفضله تكونت المدرسة الإسلامية المثالية، الجامعة بين تثقيف الفكر وتهذيب النفس، على أساس من التناسق والتكامل والانسجام، وذلك قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} .

ولا بد من لفت النظر إلى حكمة يتضمنها قوله تعالى هنا:

ص: 230

{وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ} ، فقد جاء اللفظ الدال على التزكية " ويزكيهم " مقدما، بينما اللفظ الدال على التعليم " ويعلمهم " جاء مؤخرا، والسر في ذلك -والله أعلم- أن الإسلام يهتم بتربية النفس وتهذيب الأخلاق في الدرجة الأولى، ويهتم بتثقيف العقل وتوسيع معلوماته في الدرجة الثانية، بحيث إذا خيّر الإنسان بين علم واسع مع خلق فاسد، وعلم محدود مع خلق فاضل، كانت الأولوية لمكارم الأخلاق ولو مع قليل من العلم، لا لكثرة العلم مع فساد الأخلاق، إذْ فساد الأخلاق يضيع ثمرة العلم، ويجعل صاحبه أخطر من الجاهل بالمرة.

وقوله تعالى هنا: {الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} ، إشارة إلى ما أكرم الله به هذه الأمة، فقد آتاها (الكتاب)، وبالكتاب أخرجها من " الأمية "، كما آتاها (الحكمة)، وبالحكمة أخرجها من " الجاهلية ".

وقوله تعالى: {رَسُولًا مِنْهُمْ} ، امتنان خاص على العرب، فبفضل رسول الله وخاتم رسله أصبحت الأمة العربية ذات مكانة خاصة بين الأمم، وبفضل الإسلام الذي كان العرب أول من حمل لواءه قام العرب بدور بارز في تاريخ الإنسانية يغبطهم عليه أكثر الأمم، وبفضل القرآن الكريم الذي نزل " بلسان عربي مبين " أصبحت اللغة العربية لغة الدين والعلم والحضارة في دنيا الإسلام الواسعة.

ثم أشار كتاب الله إلى الأجيال الإسلامية القادمة بعد الجيل الإسلامي الأول من عرب وعجم، ومن كافة الأمم، وهي

ص: 231

الأجيال التي ستتلقى شعلة الإسلام من أيدي العرب، لتنير أرجاء العالم عبر القرون، فقال تعالى:{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . قال مجاهد: " هم الأعاجم وكل من صدق النبي صلى الله عليه وسلم من غير العرب ". وأشار ابن كثير إلى الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي في شأن نزول سورة " الجمعة " على رسول الله، وفيها هذه الآية، ودليل على عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم يدعوهم إلى الله عز وجل، وإلى إتباع ما جاء به ".

وعقّب كتاب الله على هذا الموضوع كله بقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} ، فهو سبحانه ذو " العزة " التي لا تضام، و " الحكمة " التي لا ترام، وهو المتفضل على خلقه، يمنح فضله لمن يشاء، فنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، من فضل الله عليه، واختيار المسلمين الأولين لحمل الرسالة وتبليغها إلى غيرهم من الأمم، من فضل الله عليهم، وتقدير الله في أزله هداية الأجيال القادمة من مختلف الشعوب، ودخولها في الدين الحنيف، من فضل الله عليها، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .

وضرب كتاب الله المثل للمسلمين بما وقع لبني إسرائيل، حيث أنزل الله التوراة على نبيهم موسى عليه السلام، وبدلا من أن يحافظوا عليها، ويعملوا بمقتضاها، ويتفادوا تحريفها، ضيعوا

ص: 232

أمانتها، ولم يحملوها على الوجه المطلوب، بل حرفوها وأولوها طبقا للهوى المتبع والرأي المرغوب، وكتاب الله بذكره للتوراة وما أصابها من الإهمال، وإشارته إلى العوامل التي قضت على كثير من أحكامها بالإبطال، يريد أن يحذر المسلمين من الوقوع في نفس الغلط وارتكاب نفس الهفوة، بالنسبة للقرآن الكريم، ويريد أن يحضهم على التمسك بكتاب الله وشريعته قولا وفعلا، وعلى حمل أمانته باستمرار، وحفظه والمحافظة عليه جيلا بعد جيل، وذلك قوله تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

ومن هنا اتجه الخطاب الإلهي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، يلقنه ما ينبغي أن يرد به على بعض دعاوى اليهود، فقد كانوا يفخرون على غيرهم بأن الله يخصهم بالحب والموالاة دون بقية الناس، وهذه الدعوى تقتضي أن يحرصوا على مفارقة الحياة الدنيا بسرعة، وأن يحبوا الموت العاجل، رغبة في لقاء الله، حتى يتمتعوا في الآخرة برضوان الله، لكنهم على العكس من ذلك يفرون من الموت، ويكرهون لقاءها والتعرض لها، بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات، وهم " أحرص الناس على حياة "، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ

ص: 233

الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

وانتقل كتاب الله إلى تقعيد قاعدة أساسية من قواعد الإسلام، وتأصيل أصل عظيم من أصول الدين، ذلك أن الدين الإسلامي دين توازن وتوسط واعتدال، لا يرجح جانب الروح على حساب المادة، ولا جانب المادة على حساب الروح، بل يعطي لكلا الجانبين حقهما المشروع، ويحض المؤمن على أن يعمل لينال في الدنيا حسنة، ويعمل لينال في الآخرة حسنة. وهذا المعنى واضح كل الوضوح فيما دعا إليه كتاب الله من إيقاف البيع عند النداء لصلاة الجمعة، والسعي إلى ذكر الله مع جمهرة المؤمنين المصلين، ثم ما دعا إليه من الانتشار في الأرض، وابتغاء فضل الله عند الانتهاء من صلاة الجمعة، وبذلك جمع كتاب الله بين مصلحة المؤمن المادية وحاجته الروحية، دون إجحاف بأي واحد منهما، فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، ولذكر " الجمعة " وصلاتها في هذه الآية سميت السورة " سورة الجمعة "، والمراد بقوله تعالى هنا:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} : أي تأهبوا لصلاة الجمعة واهتموا بالسير إلى حيث تقام، قال ابن كثير: " وليس المراد بالسعي هنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها كقوله تعالى:{وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} (الإسراء: 16)، فأما المشي السريع إلى

ص: 234

الصلاة فقد نهي عنه، لما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال:" إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتمّوا ".

وبهذه المناسبة عاتب الله فريقا من المؤمنين كانت لهم علاقات تجارية مع قافلة لدحية بن خليفة وصلت المدينة، والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، واستعملت الطبول لإعلام زبنائها، فتركوا رسول الله قائما يخطب على المنبر، وذهبوا لقضاء مصالحهم خشية الفوت، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} ، أي: ترجوك قائما تخطب الناس، {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} .

والآن وقد ختمنا بفضل الله سورة " الجمعة " المدنية ننتقل لتفسير سورة " المنافقين " المدنية أيضا، مستعينين بالله، وإنما أطلق عليها هذا الاسم، أخذا من آيتها الأولى:{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} . ففي مطلع هذه السورة يتحدث كتاب الله عن تصريحات المنافقين وأقوالهم المعسولة: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} ، كما يتحدث عن الأيمان المغلظة والفاجرة التي يكثرون منها، تدعيما لأحاديثهم، وتأييدا لدعاويهم، وتغطية لمواقفهم، وعصمة لدمائهم وأموالهم، إذ إنهم يحسون من أعماق قلوبهم شك الناس فيهم وفي دعاويهم، فقد " كاد المريب

ص: 235

أن يقول خذوني " كما يقول المثل العربي.

ووصف كتاب الله ما يكون عليه المنافقون عادة من حسن الهندام وذلاقة اللسان، وما يكونون عليه أيضا من جبن وهلع، وخوف وفزع، إذ إنهم يخشون الفضيحة ويتوقعونها دائما:{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} ، {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} ، ثم عقّب كتاب الله على ذلك بتحذير رسول الله والمؤمنين من طائفة " المنافقين " التي هي أخطر من الكفار والمشركين، فقال تعالى:{هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} .

وبين كتاب الله ما عليه " المنافقون " من صلف وكبر، وما يقومون به من تثبيط العزائم، وبث روح الهزيمة في نفوس المؤمنين، حتى لا يبروا بإخوانهم الفقراء الملتفين من حول الرسول عليه السلام، وحتى يكفوا عن بذل أموالهم في سبيل الله، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} وقوله تعالى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} . لكن الحق سبحانه وتعالى رد على المنافقين وسفه رأيهم، وعطل تدبيرهم، وأكد أن الوقع الذي يتوقعونه من دعاياتهم ودسائسهم لن يكون له أي تأثير، بالنسبة إلى خزائن الله الواسعة، التي لا هيمنة عليها، لا لهم ولا لغيرهم من الناس، ومادامت رسالة الإسلام ودعوته مؤيدة من عند الله، فالله تعالى قد تكفل بإمدادها على الدوام، وذلك قوله تعالى:

ص: 236