المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت) - التيسير في أحاديث التفسير - جـ ٦

[محمد المكي الناصري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السادس

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأحقاف

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة محمد

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الفتح

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحجرات

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة ق

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الذاريات

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الطور

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النجم

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القمر

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الرحمن

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الواقعة

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحديد

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المجادلة

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحشر

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الممتحنة

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الصف

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الجمعة

- ‌ سورة المنافقون

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة التغابن

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الطلاق

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة التحريم

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الملك

- ‌ سورة القلم

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحاقة

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المعارج

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة نوح

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الجن

- ‌ سورة المزمل

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المدثر

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القيامة

- ‌ سورة الإنسان

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المرسلات

- ‌الربع الأخير من الحزب الثامن والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النبأ

- ‌ سورة النازعات

- ‌الربع الأول من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة عبس

- ‌ سورة التكوير

- ‌الربع الثاني من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الانفطار

- ‌ سورة المطففين

- ‌ سورة الانشقاق

- ‌الربع الثالث من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البروج

- ‌ سورة الطارق

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الستّينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأعلى

- ‌ سورة الغاشية

- ‌ سورة الفجر

- ‌الربع الأول من الحزب الستّينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الستينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البلد

- ‌ سورة الشمس

- ‌ سورة الليل

- ‌ سورة الضحى

- ‌الربع الثاني من الحزب الستينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الشرح

- ‌ سورة التين

- ‌ سورة العلق

- ‌ سورة القدر

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة البينة

- ‌ سورة الزلزلة

- ‌ سورة العاديات

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القارعة

- ‌ سورة التكاثر

- ‌ سورة العصر

- ‌ سورة الهمزة

- ‌ سورة الفيل

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة قريش

- ‌ سورة الماعون

- ‌ سورة الكوثر

- ‌ سورة الكافرون

- ‌ سورة النصر

- ‌ سورة المسد

- ‌ سورة الإخلاص

- ‌ سورة الفلق

- ‌ سورة الناس

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الستينبالمصحف الكريم (ت)

الفصل: ‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسينفي المصحف الكريم (ت)

‌الربع الثالث من الحزب السادس والخمسين

في المصحف الكريم (ت)

عباد الله

موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب السادس والخمسين في المصحف الكريم، وهذا الربع يستغرق بتمامه سورة "الطلاق" المدنية من بدايتها، وهي قوله تعالى:{بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} ، إلى نهايتها، وهي قوله تعالى:{لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} .

ــ

أكثر ما يدور عليه الحديث في هذا الربع من كتاب الله المحتوي على سورة " الطلاق " المدنية هو بيان أحكام الله في الطلاق وتوابعه، اهتماما بشؤون الأسرة الإسلامية، وحرصا على ضمان حقوق أعضائها في مختلف الظروف، وقد وجه الخطاب في أول هذه السورة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصفته المسلم الأول والرئيس الأعلى للأمة الإسلامية جمعاء. فقال تعالى في بداية الخطاب:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} ، ثم وجه الخطاب بعده مباشرة إلى أمته:{إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} الآية، والشأن في خطاب الله

ص: 251

الموجه إلى رسوله أن يكون شاملا له ولأمته، كما يكون خطاب الله الموجه إلى الأمة شاملا لها وللرسول، إلا فيما اختص به الرسول عليه السلام من " الخصائص ".

وقوله تعالى هنا: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ، أمر من الله للزوج المسلم إذا اضطر إلى طلاق زوجته بأن لا يطلقها وهي حائض، وإنما يطلقها بعد أن تطهر من الحيض، وتكون في طهر لم يباشرها فيه بالمرة.

روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ، أنه قال:" لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، لكن يتركها، حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة "، أي: واحدة، وقال عكرمة:" لا يطلقها وقد طاف عليها، ولا يدري حبلى هي أم لا ".

قال ابن كثير: " ومن هنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق، وقسموه إلى طلاق " سنة " وطلاق " بدعة ". " فطلاق السنة " أن يطلقها طاهرة من غير جماع، أو يطلقها حاملا قد استبان حملها، و " البدعي " هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا. وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة، والآيسة، وغير المدخول بها ".

وقوله تعالى: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} ، أمر بإحصاء أيام " العدة " لمعرفة بدايتها ونهايتها، حتى لا يقع الغلط بالزيادة، فتطول مدتها على المرأة، ويتأخر زواجها من الغير، أو بالنقص فتقصر مدة

ص: 252

العدة، وتتزوج المرأة قبل انتهاء أمد العدة المحدود. وتوكيدا لامتثال هذا الأمر والتدقيق في تنفيذه عقب عليه كتاب الله بقوله:{وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} ، أي: التزموا تقوى الله في هذا المجال، ولا تعرضوا أوامره للإهمال أو للإبطال.

وقوله تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} ، يقتضي أنه إذا طلق الرجل زوجته فليس له الحق في أن يخرجها من بيته ما دامت في عدتها، إذ هي " معتدة " منه بالخصوص، وبذلك كان لها على الزوج المطلق حق السكنى، واختيار القرآن الكريم لاستعمال لفظ " بيوتهن "، بدلا من استعمال لفظ " بيوتكم " تأكيد للنهي عن إخراجهن، وإشارة إلى أن حق الزوجة في السكنى لا يزال قائما بحكم " الاستصحاب " وما دامت المرأة معتدة فإنها تعتبر كأنها في بيتها، وكما أنه لا يجوز للزوج إخراجها من البيت، فإنها لا يجوز لها أيضا الخروج منه، صيانة لحق الزوج أيضا، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة " الحديث.

وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} ، يقتضي أن المرأة لا تخرج من بيتها إلا إذا ارتكبت فاحشة مبينة، و " الفاحشة المبينة " تشمل الزنا كما قاله ابن مسعود وابن عباس، ومن وافقهما، وتشمل ما إذا نشزت المرأة، أو بذت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال، كما قاله أبي بن كعب وعكرمة، ومن وافقهما، وحملها ابن عمر على " خروج المرأة من البيت بغير حق ".

ص: 253

وقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ، يقتضي وجوب احترام المسلمين لشرائع الله كما شرعها، وعدم انتهاككم لحرماته كما يقتضي تحذيرهم من الخروج عنها، وترك الائتمار بها، لأن في الخروج عنها وعدم احترامها إضرارا من الإنسان بنفسه قبل غيره، فمن أهمل جزءا من الشرائع ولو قل، احتاج إليه ولم يجده، وصدق عليه المثل العربي:" على نفسها جنت براقش ".

وقوله تعالى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} ، إشارة إلى الحكمة التي توخاها الشارع في إبقاء المرأة المطلقة خلال مدة العدة ساكنة في منزل الزوجية، وحيث " أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق "، كما قال صلى الله عليه وسلم فقد شرع الله العدة عقب وقوع الطلاق، وألزم الزوج بإبقاء زوجته المطلقة في بيتها خلال مدة العدة، عسى أن يندم الزوج على طلاق زوجته، ويلقي الله في روعه الرغبة في ارتجاعها، فيكون أمر ارتجاعها أيسر وأسهل، وهذا هو المراد بقوله تعالى:{أَمْرًا} في الآية، وهو دليل واضح على كراهة الإسلام للطلاق وعدم تشجيعه عليه، وتهيئته الجو الصالح للندم، والعودة إلى الحياة الزوجية العادية، روي عن فاطمة بنت قيس في تفسير قوله تعالى:{لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} ، قالت:" هي الرجعة "، وكذا قال قتادة وعطاء والثوري والشعبي ومن وافقهم.

وقوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} ، يقتضي أنه إذا " قاربت " المرأة المطلقة وقت

ص: 254

انقضاء عدتها، وعزم الزوج على ارتجاعها وإعادتها إلى عصمته، فله الحق في إمساكها بالرجعة، والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده، لكن مع الإحسان إليها في عشرتها وصحبتها بالمعروف، كما أنه إذا أصر على مفارقتها، ولم يلحقه أي ندم ولا تراجع خلال فترة العدة فله ذلك، لكن يجب عليه أن يفارقها بالمعروف وعلى وجه جميل، دون مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف ولا ضرار.

وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، أمر من الله بالإشهاد على الرجعة إذا عزم الزوج على ارتجاع زوجته المطلقة، وكان عطاء يقول:" لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل كما قال الله عز وجل، إلا أن يكون من عذر "، وسئل عمران بن حصين عن الرجل يطلق المرأة ثم يقع بها، ولا يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال للسائل ولعله هو نفس الرجل:" طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعد ".

وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، حض للمؤمنين على احترام ما أمر الله به من الإمساك بالمعروف، والفراق بالمعروف، والإشهاد على الرجعة بعد الطلاق، مثل الإشهاد على النكاح حين العقد.

وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} ، حمله عكرمة على أن المراد به " من طلق كما أمره الله "، أي: التزم في فراقه لزوجته عند اضطراره لفراقها

ص: 255

مقتضيات الإحسان والمروءة والمعروف، " يجعل الله له مخرجا "، وبهذا التفسير جعل عكرمة هذه الآية مرتبطة بنفس الموضوع. ونفس هذا الرأي روي عن ابن عباس والضحاك. وقال السدي:" معنى قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}، أي: من يطلق للسنة، ويراجع للسنة، يجعل الله له مخرجا " يريد بذلك من اتبع السنة في طلاقه وفي رجعته، ولم يحد عنها مطلقا. وحمل ابن مسعود هذه الآية على معنى أوسع وأعم فقال: " أن أكبر آية في القرآن فرجا، هي:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} .

وقوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} ، يقتضي أن المرأة إذا يئست من الحيض لكبرها وانقطاع الحيض عنها فإن عدتها إذا طلقها زوجها تنحصر في ثلاثة أشهر، وذلك بدلا من " الثلاثة قروء " المقررة في حق المرأة التي تحيض، حسبما سبق في سورة البقرة (228)، كما أن المرأة الصغيرة التي لم تبلغ سن الحيض إذا كانت متزوجة وفارقها زوجها فإن عدتها تنحصر في ثلاثة أشهر أيضا مثل عدة الكبيرة الآيسة سواء بسواء.

وقوله تعالى هنا: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} ، معناه إن ارتبتم في حكم عدتهن ولم تعرفوه فهو ثلاثة أشهر، وهذا التفسير مروي عن سعيد بن جبير. قال ابن كثير:" وهو اختيار ابن جرير الطبري، وهو أظهر في المعنى ".

وقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ

ص: 256

حَمْلَهُنَّ}، يقتضي أن المرأة المطلقة إذا كانت حاملا فعدتها تنتهي بمجرد وضع حملها، فالعبرة بوضع الحمل لا غير. قال ابن كثير:" وهذا هو قول جمهور العلماء من السلف والخلف، كما هو نص هذه الآية الكريمة، وكما وردت به السنة النبوية ".

وقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} ، هذا أمر من الله للأزواج بإسكان الزوجة المطلقة إلى أن تنقضي عدتها، ومعنى {مِنْ وُجْدِكُمْ} ، أي: من سعتكم. قال قتادة: " إن لم تجد إلا جنب بيتك فأسكنها فيه ".

وقوله تعالى: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} ، يقتضي منع الرجل من الضغط على المرأة، بغية أن تفتدي منه بمالها، أو بغية أن يخرجها من مسكنها.

وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ، حمله البعض على المطلقة " طلاقا بائنا " إذا كانت حاملا، فإن الرجل يطالب بالإنفاق عليها حتى تضع حملها، وإلى هذا التفسير ذهب ابن عباس وطائفة من السلف والخلف. وحمله البعض على المطلقة " طلاقا رجعيا " باعتبار أن السياق كله في الرجعيات.

وقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ، يقتضي أنه إذا وضعت المرأة المطلقة حملها فقد بانت بانقضاء عدتها، ولها حينئذ أن ترضع الولد، ولها أن تمتنع عن رضاعه، لكن بعد أن تغذيه " بباكورة اللبن " الذي لا قوام للمولود غالبا إلا

ص: 257

به، فإن عاقدت أباه أو وليه كان لها من الأجرة على رضاعه ما اتفقا عليه، وإن لم تعاقد على ذلك استحقت أجرة مثلها.

وقوله تعالى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} ، يقتضي أنه إذا اختلف الرجل والمرأة في أجرة الرضاع فله أن يسترضع لولده غير أمه، لكن إذا رضيت الأم بما يستأجر به غيرها كانت أحق بولدها.

وقوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} ، أي لينفق والد المولود أو وليه على الولد، بحسب استطاعته وقدرته.

وخُتمت سورة " الطلاق " بالإشارة إلى عاقبة المكذبين، {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} ، وبدعوة المؤمنين إلى تقوى الله والعمل الصالح، {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} وبوصف ما ينتظر الفريق الأول من العقاب، {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} ، وما ينتظر الفريق الثاني من الثواب، {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} ، وبتذكير المؤمنين بقدرة الله الواسعة وعلمه المحيط بكل شيء، {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} .

ص: 258