الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثالث من الحزب السابع والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديث اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب السابع والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى في سورة "الحاقة" المكية:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} ، ونهايته قوله جل علاه في سورة "المعارج" المكية أيضا:{أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} .
ــ
في بداية هذا الربع يواصل كتاب الله وصفه لمشاهد القيامة، وما يكون عليه أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ويشير إلى أن من أوتي كتابه بيمينه يدرك لأول وهلة أنه ممن كتبت لهم السعادة، فيتناول كتابه هاشا باشا، ولا يخجل من أن يعرضه على إخوانه السعداء من أهل الجنة المكرمين، مؤكدا أنه كان على يقين بحساب الله وجزائه، ولم يكن يداخله أدنى شك في عقيدة البعث والحياة الآخرة، ولذلك يكرمه الله تعالى بالعيش الطيب في الجنة، وينعم عليه بكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، جزاء وفاقا لما أسلفه من العمل الصالح في حياته، وما كان عليه من
طاعة الله والسعي في مرضاته، وذلك قوله تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} ، أي: كنت موقنا بأن هذا اليوم قادم لا محالة، {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} ، أي عيشة مرضية، {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} ، أي: ثمارها سهلة القطف. وقوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} ، حكاية لخطاب التكريم والامتنان، الذي يوجهه إليهم ملائكة الرحمن من خزنة الجنان، بينما أصحاب الشمال بمجرد ما يؤتون كتابهم بشمالهم، يدركون أنهم من الأشقياء المعذبين عند الله، وفي الحين تنطق ألسنتهم بما يعبر عن دخائل نفوسهم، إذ يتمنون لو أنهم لم يعرفوا أي حساب، ويتمنون لو أنهم ماتوا موتة واحدة لا حياة بعدها ولا عقاب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} .
ويفاجأ أصحاب الشمال بالحقيقة المؤلمة التي لم يكونوا ينتظرونها ولا يحسبون لها أي حساب، وهي أن " مالهم " الذي كانوا يتبجحون به على الفقراء، " وسلطانهم " الذي كانوا يستعلون به على الضعفاء، لا يغنيان عنهما من الله شيئا، فالآخرة إنما هي " دار الجزاء " على العمل: الجزاء بالثواب على العمل الصالح، والجزاء بالعقاب على العمل الفاسد، ولا عبرة فيها بما تواطأ عليه الناس من الاعتبارات السطحية، والقيم الوهمية وذلك ما ينطق
به لسان الشقي من أصحاب الشمال إذ يقول: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} .
ثم يصف كتاب الله ما يصدر إلى خزنة جهنم من الأوامر الإلهية الرهيبة، بشأن كل واحد من أصحاب الشمال الضالين المضلين، إذ قال لهم:{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ} ، أي: ضعوا في عنقه الأغلال، {ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} ، أي: اغمروه في جهنم من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} ، أي: أدخلوه.
ووضح كتاب الله أن عقاب الله لأصحاب الشمال إنما هو عقاب عادل، لا غبار عليه، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف: 49)، فقد كانوا فرادى وجماعات ينكرون حقيقة الحقائق، وهي الإيمان بالله، وكانوا ينكرون كل ما لله من صفات العظمة والكمال، ومظاهر الجلال والجمال، وكانوا حجر عثرة في طريق انتشار دعوته، وتبليغ رسالته، وحربا على كتبه المنزلة وشريعته، وكانوا عنصر فساد وتخريب في الأرض، لا يؤدون لعيال الله وعبيده أي حق، ولا يقدمون إليهم أي عون مما آتاهم من الرزق، وإلى " حيثيات هذا الحكم الإلهي العادل "، الذي صدر بعقاب أصحاب الشمال يشير قوله تعالى هنا:{إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} ، أي: أنه كان لا يؤدي حقوق الله ولا حقوق الناس، {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ} ، أي: ليس له من صديق حميم يستطيع أن يخلصه وينقذه من عذاب الله، أو يتطوع بالنيابة عنه في تحمل العقاب
المحكوم به عليه، {وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} ، و " الغسلين " شر طعام أهل النار كما فسره قتادة.
وانتقلت الآيات الكريمة إلى دعوة الناس أجمعين للإيمان بكتاب الله المنزل من عنده، والاهتداء بهديه، مؤكدة أن ما احتوى عليه كتاب الله من عقائد وآداب، وشرائع وشعائر، وحقائق كونية ونفسية، هو حق اليقين، ولب الحكمة، وأصدق العلم. وأبطلت الآيات الكريمة ما يلفقه المشركون ومن لف لفهم من اتهام الرسول بالشعر والكهانة والافتراء على الله، وأكد كتاب الله أنه لو تجرأ أي رسول على الله وتقول عليه لعاقبه الله عقابا شديدا لا يعاقب به غيره من العالمين، وللتدليل على صدق هذه الحقائق بأقوى الدلائل أقسم الحق سبحانه وتعالى بكل ما خلقه في كونه، من محسوس وغير محسوس، من منظور وغير منظور، في عالم الغيب وعالم الشهادة، فقال تعالى:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} ، أي: أنه قول صادر من الله يقوم بتبليغه إليكم رسول كريم، {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} ، أي: لا يقدر أحد منكم أن يحول بينه وبين عقاب الله، لو تقول على الله. {وَإِنَّهُ} ، أي: كتاب الله، {لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ} ، أي: أن كتاب الله يثير في نفوس الكافرين، وهم في الدنيا، مشاعر الأسى والحسرة على ما
هم غارقون فيه من الأوحال، كما يكون عليهم حسرة في الآخرة، بما ينالهم من عذاب الله، طبقا لما هو مسجل في كتاب الله:{وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} ، أي: أنه هو الخبر الصادق، والشرع العادل، والعقيدة الصحيحة.
وخُتِمت سورة " الحاقة " المكية بالأمر بتسبيح الله، وتنزيه اسمه وصفاته عن كل نقص أو عيب، فقال تعالى مخاطبا لنبيه وللمؤمنين عن طريقه:{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} .
ومن هنا ننتقل إلى سورة " المعارج " المكية أيضا، وتبتدئ هذه السورة الكريمة بالحديث عن البعث والنشور والحساب والعقاب، وأطلق عليها اسم سورة " المعارج " لورود كلمة " المعارج " في الآية الثالثة منها:{بسم الله الرحمن الرحيم سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} ، أي: تساءل سائل عن العذاب المنتظر، يستعجل به لماذا لم ينزل عليه في الحين، على حد ما ورد في قوله تعالى في آية ثانية:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} (الحج: 47)، وما ورد في قوله تعالى في آية ثالثة:{اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (الأنفال: 32).
وقوله تعالى: {ذِي الْمَعَارِجِ} ، أي: معارج السماء، كما قال مجاهد، أو المراقي في السماء كما قال الحسن.
وقوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} ، الضمير هنا
يعود على الله، والمراد عرشه، أي تصعد الملائكة إلى العرش، كما تصعد أرواح بني آدم إليه عند قبضها حين الموت.
وقوله تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} ، إما أن يكون إشارة إلى يوم القيامة، وما فيه من طول الموقف والشدائد والأهوال، وإما أن يكون إشارة إلى مدة اليوم الذي يعرج فيه الملك، وأن مقدار مسافته لو عرجه آدمي خمسون ألف سنة، من أيام البشر، ونسب أبو حيان هذا القول إلى " ابن عباس وابن إسحاق وجماعة من الحذاق منهم القاضي منذر بن سعيد ". وسبق في سورة " الحج " ذكر اليوم الذي يعدل بألف سنة، حيث قال تعالى:{وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} (الحج: 47)، وبهذا يكون كلا اليومين من الأيام التي تندرج في عداد " أيام البشر "، إذ حساب أيام البشر تابع للزمان المعتاد بينهم، والمعهود عندهم، وهذه أيام أخرى ليست من جنس أيامهم، ولله في خلقه شؤون.
ودعا كتاب الله الرسول عليه السلام إلى المزيد من الصبر، ومن " الصبر الجميل " الذي لا شكوى معه ولا يأس ولا قنوط، فقال تعالى مخاطبا لنبيه:{فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} .
ثم عادت الآيات الكريمة إلى وصف يوم القيامة وأهواله، وما يقع فيه للمخلوقات من اضطراب وتناكر، وحرص كل فرد على النجاة بنفسه إن استطاع النجاة والخلاص، ناسيا كل الروابط التي كانت تربطه بغيره، ومتجاهلا كل العلاقات التي كانت تجمع
بينه وبين أقربائه وأصدقائه، فالكل يقول:" نفسي نفسي "، {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ} ، أي لا يسأل صديق عن صديق، ولا قريب عن قريب، وإن كان يراه في أسوأ الأحوال، إذ هو مشغول بنفسه قبل كل شيء، ومعنى " المهل " ما أذيب من المعادن، مثل مذاب الذهب، أو مذاب الفضة، أو مذاب النحاس والرصاص والحديد، وسبق في سورة (الدخان: 43، 46)، قوله تعالى:{إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} ، ومعنى " العهن " الصوف المصبوغ الذي تطيره الريح إذا كان " منفوشا "، وسيأتي في سورة (القارعة: 5)، قوله تعالى:{وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} ، {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى} ، أي أن النار تدعو إليها الكافرين والمجرمين، الذين يحاولون الفرار منها، كما تدعو الأغنياء والمترفين الذين كانوا يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، ويمنعون الفقراء من حق الله.
ثم تحدث كتاب الله عن بعض الصفات اللاصقة بالإنسان إذا كان فارغا من الإيمان، ذلك أنه يكون " هلوعا جزوعا " إذا مسه الشر، و " بخيلا منوعا " إذا ناله الخير، بخلاف المؤمن الذي هو على صلة دائمة بالله، عن طريق الذكر والصلاة، فإنه يكون محافظا على حقوق إخوانه المؤمنين يؤديها لهم، كما يؤدي ما
عليه من حقوق الله سواء بسواء، وبهذه المناسبة تناولت الآيات الكريمة بالشرح والتحليل تعداد صفات المؤمنين، وما يميزهم عن غيرهم من الكفار والمنافقين، فقال تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} .
وتساءل كتاب الله مرة أخرى، منكرا على الكفار والمشركين ما هم عليه من عناد ونفور، واستكبار وغرور، رغما عما يقرع أسماعهم، ويزعزع كيانهم، من آيات الله البينات، وما يشاهدونه كل يوم على يد رسوله من المعجزات، {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} ، أي: ما لهؤلاء الكافرين نافرين، {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} ، أي متفرقين يمينا وشمالا، معرضين مستهزئين، {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} ، أي: أيطمع كل واحد من هؤلاء الفارين المستهزئين المغرورين أن يدخل الجنة وهو على ما هو عليه، عنادا للحق، وإصرارا على الكفر، ثم يجيب الله ردا على ما يتمنونه من الأماني الفارغة، {كَلَّا} ، أي لا سبيل لهم إلى دخول الجنة أبدا،
{إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} ، أي: أنهم يعرفون من أي شيء خلقناهم، فلا مفر لهم من الاعتراف بالخالق الذي خلقهم، والمبدع الذي أنشأهم، ولا سبيل لهم إلى الجنة إلا سلوك الطريق الوحيدة المؤدية إليها، ألا وهي طريق الإيمان بالله وبكتبه ورسله واليوم الآخر، ولا سيما الإيمان بالذكر الحكيم، والتصديق برسالة خاتم الرسل عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. وقوله تعالى هنا:{فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} ، يشبه قوله تعالى في آية أخرى:{فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} (المدثر: 49).