الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديثنا اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الواحد والخمسين في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} ، ونهايته قوله جل علاه:{لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} .
ــ
يتساءل كتاب الله في مطلع هذا الربع عن مشركي قريش بشيء من الاستغراب، كيف أنهم لم يعتبروا بمصير الأقوام الذين سبقوهم فسقطوا صرعى، ولا بمصير الديار التي عمرها أولئك الأقوام فأصبحت بعدهم بلاقع، وكيف أنهم يصرون على الجحود والعناد، والفساد في البلاد، غافلين عن المصير السيئ الذي يمكن أن يكون مصيرهم:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} .
ويصف كتاب الله حالة الكافرين الذين ملأ الكفر قلوبهم، وأحاطت بهم خطيئاتهم من كل جانب، وما يكونون عليه من
الانهماك في اللذات، والإسراف في الشهوات، على نحو بهيمي سافل، فيقول:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} ، فهم لا يعرفون إلا شهوتي البطن والفرج، يقبلون عليها بنهم وشبق وهمجية بالغة، وهم قلقون متهافتون في كل لحظة من اللحظات على هذا النوع من العيش باستمرار، إذ يرون أن حياتهم على سطح الأرض قصيرة الأجل، محدودة المدى، ولا أمل لهم ولا رجاء فيما وراءها، لأنهم لا يؤمنون بحياة ثانية أطول أمدا، وأفضل نعمى، كما هو شأن المؤمنين الذين يدخرون من يومهم لغدهم، ومن دنياهم لآخرتهم والذين تنتظرهم عند الله حياة أدوم وأخلد، وأفضل وأسعد، {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} ، {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} .
ويشير كتاب الله في هذا الربع إلى الضغط المادي والأدبي الذي مارسه مشركوا قريش لمحاصرة الدعوة الإسلامية، حتى اتجه الرسول ومن معه من أصحابه إلى مفارقة مكة والانتقال عنها إلى المدينة، الأمر الذي يوازي في لغة الواقع إخراج قريش للرسول من مكة، مهد الرسالة ومنزل الوحي الأول، مبينا أن ما تعتز به قريش - المهيمنة إذ ذاك على مقاليد مكة - من القوة والمال والرجال، لا يقف أمام قوة الله وقدرته، فقد أهلك الله قبلها ديارا
لا تحصى عدا كانت أشد منها قوة وأكثر منعة، وذلك قوله تعالى:{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} ، وقوله تعالى:{فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} ، ويكشف كتاب الله السر فيما أصاب تلك الديار، من الهلاك والبوار، وأن إتباع الهوى، والفساد في الأرض، يجران دائما إلى الخراب والدمار:{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} .
وتصف الآيات الكريمة مشهدا من مشاهد " المنافقين " بالمدينة، وهم أولئك الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، عجزا منهم عن المجاهرة بالعداء للإسلام، إذ أصبح له جنود وأنصار، وقوة تزخر بها الديار، فهم بحكم انتمائهم إلى الإسلام يحضرون مجالس الرسول عليه الصلاة والسلام، ويستمعون إليه وهو يتلوا القرآن، لكنهم بحكم ما انطووا عليه من الكفر لا يجدون في أنفسهم أي استعداد لفهم ما أنزل عليه، بل هم في حيرة وخبال، والتباس دائم وإشكال، وذلك قوله تعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} . وفي مقابل هذا الوصف الذي كشفت به الآيات الكريمة وقع القرآن في نفوس المنافقين جاءت بوصف آخر لوقع القرآن في نفوس المؤمنين حتى تتم المقارنة بين الفريقين، إذ قالت:{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} .
وتصدى كتاب الله مرة أخرى لوصف المنافقين فهم العنصر الجديد والعنيد، الذي أصبح يقوم في المدينة بالدور الذي يقوم به المشركون في مكة، وها هنا يصف الحق سبحانه وتعالى وقع القرآن في نفوس المنافقين عندما تنزل أوامره بذكر الجهاد في سبيل الله، فبحكم أنهم ينتمون إلى الإسلام في الظاهر يجب عليهم أن يتقدموا للفداء في سبيله، وبحكم أنهم أعداء للإسلام في الباطن لا يرون مبررا للتضحية بأرواحهم في سبيله، ولا مصلحة لهم في ترجيح كفته على كفة الشرك، الذي هو في الحقيقة سندهم الأصيل، ومنطلق حبهم الأول، وذلك ما يسجله عليهم قوله تعالى:{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} ، وقوله تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} .
وعاد كتاب الله إلى الحديث عن المنافقين تلويحا وتعريضا، داعيا إياهم إلى التبصّر في العواقب وحسن الاختيار، إذ إن نجاتهم من عذاب الله متوقّفة على طاعة الله ورسوله، وعلى تطهير القلب من الوسواس، وصيانة اللسان من منكر القول والزور، وذلك قوله تعالى:{فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} .
ويمضي كتاب الله في هذا السياق إلى نهايته، موجها خطابه للمنافقين، متسائلا عن احتمال عودتهم إلى الشرك مرة ثانية،
وبصفة علانية، بدلا من الإسلام الذي يتظاهرون به، فيبين أن مآل أمرهم إذا ارتدوا إلى الشرك هو العودة إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من الفساد في الأرض وسفك الدماء، وأنهم إن عادوا إلى شركهم الأول، بدلا من أن يمضوا قدما في الإخلاص للإسلام، فلن يكونوا سوى عبيد مسخرين للشيطان وذلك قوله تعالى:{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} .
ويهتك كتاب الله أستار المنافقين بالمرة، فينبه إلى المؤامرات والدسائس التي يدبرونها مع حلفائهم من المشركين والكتابيين ضد الإسلام، ويبين أن الله عالم بأسرارهم وأنه لو شاء لعرّفهم لرسوله بسيماهم، وفي لحن القول الذي يجري على ألسنتهم، ويكشف عن دخائل نفوسهم " فمن أسر سريرة ألبسه الله رداءها " وذلك قوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} ، وقوله تعالى:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} .
ويتنبأ كتاب الله بالمصير المفجع الذي ينتظر المنافقين والكافرين جزاء نفاقهم وكفرهم: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ
وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، كما يتنبأ بما سينالهم من العذاب الأليم عند موتهم أولا، ومن الخسران المبين عند بعثهم أخيرا، وذلك قوله تعالى في ختام هذا الربع:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} .