الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
موضوع حديثنا هذا اليوم تفسير الربع الثالث من الحزب الثالث والخمسين في المصحف الكريم. ابتداء من قوله تعالى في سورة "النجم" المكية: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} ، إلى قوله تعالى في سورة "القمر" المكية أيضا:{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}
ــ
كانت آخر آية في نهاية الربع الماضي هي قوله تعالى: {فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى} ، وأول آية تليها في ربع اليوم هي قوله تعالى:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا} ، والآيتان مرتبطتان كل الارتباط، فكتاب الله يريد أن يؤكد للجميع، وخصوصا لمن أشركوا بالله غيره، فعبدوا الأصنام والأوثان والشياطين، أو الملائكة، أن جميع ما يخيل إليهم أنهم يتقربون بعبادته، ويتوسلون به، ويعلقون عليه الآمال، من غير الله، لن ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، ذلك أن الحياة الأولى -وهي الدنيا- لا تفلت من قبضة الله، وأن الحياة الآخرة لا أمر فيها ولا
سلطان لغير الله، {فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى} ، {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (غافر: 16). وما دامت هذه هي الحقيقة الناصعة التي لا حقيقة سواها، فكل ما يمني به المشركون أنفسهم ومن لف لفهم من شفاعة الشفعاء يوم القيامة لا يغني عنهم من الله شيئا، وذلك قوله تعالى:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا} ، اللهم إلا إذا أذن الله للشفيع بأن يشفع، وللمشفوع فيه بأن يناله حظ الشفاعة، وذلك قوله تعالى:{إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} ، على غرار قوله تعالى في آية الكرسي:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} (البقرة: 255)، وقوله تعالى:{وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} ، (سبأ: 23)، قال ابن كثير:" فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله، وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه " فالأمر إذن متعلق بدءا وختاما بمشيئة الله ورضاه، وعليه لا على غيره يجب أن يكون الاعتماد، وإليه لا إلى غيره يلزم أن يكون التوجه. على أن نفس أولئك المقربين الذين تعلق عليهم آمال الشفاعة للمذنبين، لا يسمح لهم مقتضى ما هم عليه من الأدب مع الله، والمعرفة الكاملة بمدى جلاله وعظيم سلطانه، أن يتقدموا بين يديه، دون إذنه ورضاه، أو أن يشفعوا فيمن يعرفون أنهم أعداء الله، فضلا عن أن يضمنوا للمستشفعين بهم مسبقا الغفران والرضوان، ودخول الجنان.
وأشارت الآيات الكريمة إلى معتقد باطل من معتقدات المشركين التي جاء لمحاربتها القرآن، ألا وهو اعتقادهم أن الملائكة إناث وبنات، بناء على مجرد الظنون والأوهام، وذلك قوله تعالى " {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} .
ثم توجه الخطاب الإلهي إلى الرسول عليه السلام، طالبا منه الإعراض عن المشركين الذين أصروا على معتقدات الشرك، مع علمهم بأنها ضلال في ضلال وخبال في خبال، ما داموا قد اختاروا لأنفسهم الاستمتاع البهيمي المطلق، بملذات الحياة وشهواتها، وفضلوا عدم التقيد بأي قيد من قيود الدين والأخلاق، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} .
وعاد كتاب الله مرة أخرى للحديث عن الجزاء العادل الذي يناله المحسنون والمسيئون، مبينا أن كل ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، بما فيهم الشفعاء والمقربون الذين تعلق عليهم الآمال، من طرف المقصرين المهملين لصالح الأعمال، إنما هو ملك لله وفي قبضته، وتحت قهره ومشيئته، وإذن فلا مفر للمسيئين من انتظار العقاب، ولا سبيل لحرمان المحسنين من انتظار الثواب، وذلك قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا
بِالْحُسْنَى}، فتفرد الحق سبحانه وتعالى بملكه وحكمه هو الضمانة الوحيدة للجزاء العادل، الذي ينتظره الخلق جميعا يوم القيامة، على يد أحكم الحاكمين.
ومن هذا الموضوع انتقلت الآيات الكريمة إلى وصف " المحسنين " الذين تنتظرهم " الحسنى " عند الله، فأوضح كتاب الله أن شأن المحسنين أن يجتنبوا كبائر الإثم، وأن يجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن يتوبوا إلى الله توبة نصوحا، بمجرد ما يقع منهم أدنى تقصير أو تفريط، " فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " كما قال عليه السلام، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} .
وعقب كتاب الله على ما وصف به المحسنين من عباده، بما يفيد أن الإنسان العادي قد خلق ضعيفا عن مقاومة شهواته ونزواته في كل الأوقات، وأنه بحكم ضعفه البشري قد يتعرض لارتكاب بعض الذنوب في بعض الفترات، ودواء ذلك هو المبادرة بالإقلاع عن الذنب، وعدم الإصرار عليه، والتوبة منه توبة نصوحا، وفي هذا السبيل أعفى الحق سبحانه وتعالى عباده من ادعاء ما ليس فيهم، وأعلن أنه لا يرضى منهم بتزكية أنفسهم وتقديسها، ومدحها أمام الغير بسلوك نهج الاستقامة والتقوى على الدوام، فالجواد يكبو، والسيف ينبو، كما يقول المثل العربي الشهير، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا
أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}.
وانتقل كتاب الله إلى وصف نموذج من الناس تفيض فيهم عاطفة البر والإحسان، فيبادرون في بعض الأحيان إلى إسداء الخير لمستحقيه، وبذل المعروف لأهله، ثم تجف في قلوبهم هذه العاطفة النبيلة، فينقلبون إلى بخلاء أشحاء، موسوسين بالتفكير في " اليوم الأسود " الذي يفاجئهم بالعسر بعد اليسر، وبالفقر بعد الغنى، وأبطل كتاب الله مخاوف هذا الصنف من الناس الذين يقبضون أيديهم بعدما بسطوها بالبر والإحسان، مؤكدا لهم أن علم الغيب أمر قاصر على الله، وأنه لا مبرر لخوفهم من المستقبل المظلم، من جراء مداومتهم على عمل البر، فذلك أمر لا يتفق مع التصديق بوعد الله، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} .
ثم استعرضت الآيات الكريمة جملة من التعليمات الإلهية، والعقائد الدينية الإسلامية، التي احتوت عليها صحف إبراهيم وموسى، مما يعتبر تراثا دينيا خالدا مشتركا بين جميع الأنبياء والمرسلين، وكافة المؤمنين، وذلك قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا
هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى}.
فقوله تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، معناه أنه لا تحمل نفس حمل أخرى، وإنما تحمل كل نفس وزرها وحدها، دون أن يسمح للغير بالتخفيف عنها، ولا أن يسمح لها بتثقيل كفة الغير.
وقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} ، معناه أن الإنسان كما لا يحمل وزر غيره، فإنه لا يؤجر إلا على عمله الخاص، ولا يشارك غيره فيما يناله الغير من أجر على العمل الذي قام به دونه. قال ابن كثير:" فأما الدعاء والصدقة فهما مجمع على وصول ثوابهما إلى الميت، ومنصوص من الشارع عليهما "، وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به " فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعي الإنسان وكده وعمله، كما جاء في الحديث:" إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه ". والصدقة الجارية، كالوقف ونحوه هي من آثار عمله، وقد قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} (يس: 12)، والعلم الذي نشره في الناس، فاقتدى به الناس بعده، هو أيضا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح:" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ". انتهى ما أورده ابن كثير.
وقوله تعالى: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} ، معناه أن الإنسان سيعرض عليه يوم القيامة كل ما عمله في حياته من خير أو شر، وأنه سينال على سعيه وعمله جزاءه العادل، دون زيادة ولا نقصان، على غرار قوله تعالى:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} ، (الزلزلة: 7، 8)، وقوله تعالى:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة: 105).
وقوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} ، معناه أن مآل الإنسان ومصيره المحتوم هو الرجوع إلى الله، أحب أم كره رضي أم سخط، فلا مأوى له في نهاية المطاف إلا في دار النعيم أو في دار الجحيم، وفي هذا تنبيه للإنسان إلى أن يفكر ويقدر منذ بداية رحلته في هذه الحياة، حتى يلاءم سلوكه مع نهايته المحتومة، ويكيف حياته الفانية، بما ينسجم مع حياته الباقية.
وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} ، إشارة إلى جملة من عجائب صنع الله في خلقه، ولا سيما ما في خلق الإنسان وتكوينه من أسرار ظاهرة وباطنة، لم يصل الإنسان نفسه حتى الآن إلى تحديدها، واستكناه حقيقتها، رغما عن مرور القرون الطويلة على حياته فوق سطح الأرض.
وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} ، إشارة إلى
النجم الذي هو أثقل من الشمس بعشرين مرة، والذي تبلغ قوة نوره خمسين ضعفا من نور الشمس، وقد كان لهذا النجم من يرصده ويعبده من دون الله فبين الحق سبحانه أن " الشعرى " ليست إلا جزءا بسيطا من مخلوقاته، وأنه هو " رب الشعرى " ورب كل النجوم صغيرها وكبيرها، بل رب السماوات والأرض وما بينهما:{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (البقرة: 255)، والحديث عن " الشعرى " في هذه السورة الكريمة مناسب لاسمها الذي هو " سورة النجم " التي نفسرها، فقد تصدر مطلعها قسم الله العظيم على صدق رسوله، إذ قال:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} .
وقوله تعالى: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} ، إشارة إلى ما سلف من الأخبار عن الأقوام التي هلكت في سالف الزمان كما فسره أبو مالك الغفاري، وقال قتادة ومحمد بن كعب وأبو جعفر: إنه إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي افتتحت به هذه السورة في أولها، تأكيدا لأنه عليه السلام ليس بدعا من الرسل، وأنه نذير من بين " النذر " الذين أرسلهم الله إلى خلقه على التتابع، لهدايتهم إلى سواء السبيل.
كما أشارت الآيات التالية إلى قرب الساعة بعد ظهور الرسالة المحمدية، وذلك أمر لا غرابة فيه، ما دامت الرسالة المحمدية هي آخر الرسالات الإلهية إلى الخلق، فلا رسالة بعدها، ولا رسول بعد الرسول الذي جاء بها، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" مثلي ومثل الساعة كهاتين "، وفرق عليه
السلام بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} ، على غرار قوله تعالى في السورة الآتية:{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} .
وقوله تعالى: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} أي: لا يكشف هولها وخطبها إلا الحق سبحانه وتعالى، أو لا يكشف عن وقت حلولها سوى الله، وكلا التفسيرين صحيح.
وسجل كتاب الله ما يوحى به إعراض المشركين عن القرآن العظيم، من التعجب والاستغراب، فبدلا من أن يتعظوا به عند سماعه، وتقشعر جلودهم، وتخشع قلوبهم، يضحكون منه، ويعرضون عنه، وذلك قوله تعالى:{أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} .
والآن فلنلق نظرة على سورة " القمر " المكية أيضا، وسنجد بدايتها مرتبطة أوثق ارتباط بالآيات الختامية لسورة " النجم " السابقة عليها في الترتيب، ومنسجمة معها كل الانسجام، فقد سبق لنا في نهاية سورة " النجم " قوله تعالى:{أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} ، وها هي سورة " القمر " تبتدئ بقوله تعالى:{بسم الله الرحمن الرحيم اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} ، مما يؤكد نفس المعنى ويقويه.
وقوله تعالى: {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} ، يشير إلى ظاهرة كونية تعرض لها القمر في الماضي، وسيتعرض في المستقبل لما هو أخطر منها وأكبر، وذلك عند قيام الساعة، على غرار قوله تعالى
في سورة (القيامة: 10، 9، 8، 7){فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} ، وقوله تعالى في سورة (الانشقاق: 2، 1):{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} ، والإتيان " بانشقاق القمر " في سياق الحديث عن " اقتراب الساعة "، دليل واضح على ما بينهما من ارتباط وثيق، فما علينا إلا التصديق بآيات الله الشرعية والكونية، ولله في خلقه شؤون.
وإثبات القرآن " لانشقاق القمر " دليل على أن ما أصابه سيصيب غيره من بقية الكواكب، ولا سيما عند قيام الساعة، وفي ذلك رد قوي وحجة بالغة على " الدهريين-الماديين " الذين ينكرون " أن الساعة آتية "، بدعوى أن العالم لا بداية له ولا نهاية، وأنه سيظل على حاله مهما طال الزمان، وسيبقى فيه ما كان على ما كان، قال فخر الدين الرازي:" إن منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء وانفطارها، وكذلك قوله في كل جسم سماوي من الكواكب، فإذا انشق بعضها ثبت خلاف ما يقول به، وأن خراب العالم جائز "، وما قاله الرازي من جواز خراب العالم هو ما يثبته العلم الحديث بمختلف فروعه في هذا العصر، مؤكدا أن للعالم بداية ونهاية. وذلك ما سبق إلى إثباته كتاب الله الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت: 42).
وأخيرا استنكر كتاب الله ما عليه المشركون من تجاهل لآيات الله التي تتعاقب أمام أنظارهم يوما بعد يوم، دون أن
ينزجروا عن غيهم، أو يتراجعوا عن ضلالهم المبين، وذلك قوله تعالى:{وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} ، ثم قوله تعالى:{وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} .