الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأملاه شيئا بعد شيء، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك ومقتصر، ومعارض له ومنتصر» اه كلام الحافظ باختصار.
فقد ظهر لك بشهادة الحافظ ابن حجر أن كتاب ابن الصلاح رحمه الله جمع شتات الكتب وعيونها، من كتب الخطيب وغيرها ممن تقدمه وتأخر.
ثم جاء الإمام ابن كثير الفقيه الحافظ المفسر فاختصرها في رسالة لطيفة سماها «الباعث الحثيث على معرفة علوم الحديث» بعبارة سهلة فصيحة، وجمل مفهومة مليحة، واستدرك على ابن الصلاح استدراكات مفيدة، يبدؤها بقوله «قلت» فسهّل على طالب الفن تناوله في رسالة وسط وخير الأمور أوساطها- لم يختصرها اختصارا مضغوطا مخلّا، ولا أطالها تطويلا منتشرا مشوشا، فكانت خطوة أولى ومرحلة ابتدائية، يدرسها الطالب، فيرتقي منها إلى دراسة أصلها وما بعده من كتب الأئمة، حتى ينتهي إلى التحقيق فيدلي بدلوه مع الدّلاء. اه كلام الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة باختصار.
وقد ألّف الشيخ أحمد شاكر شرحا على الباعث الحثيث جمع فيه أهم ما قاله العلماء في كل قضية احتاجت إلى زيادة في البحث أو ترجيح لرأي على آخر، أو ذكر لأسباب الاختلاف، أو إطناب لا بد منه ليتسع فهم طالب العلم، وليكون على بصيرة كافية في دراسته لعلوم الحديث بحيث لا يحتاج إلى غير هذا الكتاب إلا إذا أراد توسعا ذا تخصص، أو كان ممن لا يكتفي من العلم إلا بالإحاطة بكل ما قيل فيه على قدر طاقته. فجزى الله الجميع خير الجزاء ورحمهم رحمة واسعة.
ألقاب المحدثين
قال أحمد شاكر: واعلم أنه قد أطلق المحدثون ألقابا على العلماء بالحديث.
فأعلاها: «أمير المؤمنين في الحديث» وهذا لقب لم يظفر به إلا الأفذاذ النوادر، الذين هم أئمة هذا الشأن، والمرجع إليهم فيه، كشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والدارقطني، وفي المتأخرين ابن حجر العسقلاني، رضي الله عنهم جميعا.
ثم يليه: «الحافظ» وقد بيّن الحافظ المزي الحد الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ فقال: أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم
وبلدانهم: أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكونوا الحكم للغالب». فقال له التقي السبكي:
هذا عزيز في هذا الزمان، أدركت أنت أحدا كذلك؟. فقال: ما رأينا مثل الشيخ الدمياطي، ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة، ولكن أين الثّريّا من الثّرى؟!
فقال السبكي: كان يصل إلى هذا الحد؟ قال: ما هو إلا أنه كان يشارك مشاركة جيدة في هذا، أعني في الأسانيد، وكان في المتون أكثر، لأجل الفقه والأصول.
وقال أبو الفتح بن سيد الناس: أمّا المحدّث في عصرنا، فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواته، واطّلع على كثير من الرواة والروايات في عصره وتميز في ذلك، حتى عرف فيه خطه، واشتهر ضبطه، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه، طبقة بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله، فهذا هو الحافظ.
وسأل شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي فقال: ما يقول سيدي في الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمن استحق أن يسمى حافظا؟ وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها المزي وأبو الفتح في ذلك، لنقص زمانه، أم لا؟ فأجاب: الاجتهاد في تلك يختلف باختلاف غلبة الظن في وقت ببلوغ بعضهم للحفظ، وغلبته في وقت آخر، وباختلاف من يكون كثير المخالطة للذي يصفه بذلك.
وكلام المزي فيه ضيق، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي.
وأما كلام أبي الفتح فهو أسهل، بأن ينشط بعد معرفة شيوخه إلى شيوخ شيوخه وما فوق.
ولا شك أن جماعة من الحفاظ المتقدمين كان شيوخهم التابعين أو أتباع التابعين وشيوخ شيوخهم الصحابة أو التابعين، فكان الأمر في ذلك الزمان أسهل، باعتبار تأخر الزمان، فإن اكتفى بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه أو طبقة أخرى؛ فهو سهل لمن جعله فيه ذلك دون غيره من حفظ المتون والأسانيد، ومعرفة أنواع علوم الحديث كلها، ومعرفة الصحيح من السقيم، والمعمول به من غيره، واختلاف العلماء، واستنباط الأحكام، فهو أمر ممكن. بخلاف ما ذكر من جميع ما ذكر؛ فإنه يحتاج إلى فراغ وطول عمر مع انتفاء الموانع.
وقد روي عن الزهري أنه قال: لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة. فإن صح كان المراد رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ، وكم من حافظ وغيره أحفظ منه «1» .
وأدنى من «الحافظ» درجة يسمى «المحدّث» . قال التاج السبكي في كتابه:
(1) نقل ذلك كله السيوطي في التدريب (ص 7، 8).