الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشدائد. ولا ريب أن تلك الشدائد كانت تحدث في أوقات متعددة، فلا جرم كانت التسلية تحدث هي الأخرى في مرات متكافئة. فكلما آذاه خصمه، سلاه ربه، وتجيء تلك التسلية تارة عن طريق قصص الأنبياء والمرسلين التي لها في القرآن عرض طويل، وفيها يقول الله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [سورة هود آية: 120].
وتارة تجيء التسلية عن طريق وعد الله لرسوله بالنصر والتأييد والحفظ كما في قوله سبحانه: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [سورة الطور آية: 48].
وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [سورة المائدة آية: 67]، ونحو ما في سورتي الضحى، وألم نشرح، من الوعود الكريمة والعطايا العظيمة.
وطورا تأتيه التسلية عن طريق إيعاد أعدائه وإنذارهم نحو قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [سورة القمر آية: 45]، وقوله سبحانه: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [سورة فصلت آية: 13].
وطورا آخر ترد التسلية في صورة الأمر الصريح بالصبر نحو قوله تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [سورة الأحقاف آية: 35].
أو في صورة النهي عن التفجع عليهم، والحزن منهم بنحو قوله تعالى: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ [سورة فاطر آية: 8].
ونحو قوله سبحانه: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [سورة النحل آية: 127].
ويمكن أن تندرج هذه الحكمة بوجوهها الأربعة تحت قول الله تعالى في بيان الحكمة من تنجيم القرآن كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [سورة الفرقان آية: 32].
الحكمة الثانية التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علما وعملا
، وينضوي تحت هذا الإجمال أمور خمسة أيضا:
أولها: تيسير حفظ القرآن على الأمة العربية، وهي كما علمت أمة أمية. وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لدى الكاتبين منهم على ندرتهم، وكانت مشتغلة بمصالحها المعاشية، وبالدفاع عن دينها الجديد، فلو نزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه، فاقتضت الحكمة العليا أن ينزله الله إليهم مفرقا ليسهل عليهم حفظه، ويتهيأ لهم استظهاره.
ثانيها: تسهيل فهمه عليهم كذلك، مثل ما سبق في توجيه التيسير في حفظه.
ثالثها: التمهيد لكمال تخليهم عن عقائدهم الباطلة، وعباداتهم الفاسدة، وعاداتهم المرذولة، وذلك بأن يراضوا على هذا التخلي شيئا فشيئا، بسبب نزول القرآن عليهم كذلك شيئا فشيئا، فكلما نجح الإسلام معهم في هدم باطل، انتقل بهم إلى هدم آخر وهكذا كان يبدأ بالأهم ثم المهم، حتى انتهى بهم آخر الأمر إلى التخلص من تلك الأرجاس كلها، فطهرهم منها وهم لا يشعرون بعنت ولا حرج، وفطمهم عنها بسهولة ويسر، وكانت هذه سياسة رشيدة، لابد منها في تربية هذه الأمة المجيدة، لا سيما أنها كانت أبية معاندة، تتحمس لموروثاتها، وتستميت في الدفاع عما تعتقده من شرفها وتتهور في سفك الدماء وشن الغارات لأتفه الأسباب.
رابعها: تربيتهم على العقائد الحقة، والعبادات الصحيحة، والأخلاق الفاضلة بتلك السياسة الرشيدة. ولهذا بدأ الإسلام بفطامهم عن الشرك والإباحية، وإحياء قلوبهم بعقائد التوحيد والجزاء، من جراء ما فتح عيونهم عليه من أدلة التوحيد، وبراهين البعث بعد الموت، وحجج الحساب والمسئولية والجزاء. ثم انتقل بهم بعد هذه المرحلة إلى العبادات فبدأهم بفرضية الصلاة قبل الهجرة، وثنى بالزكاة وبالصوم في السنة الثانية من الهجرة، وختم بالحج في السنة السادسة منها وكذلك كان الشأن في أهم التشريعات.
أليس ذلك إعجازا للإسلام في سياسة الشعوب وتهذيب الجماعات وتربية الأمم؟
بلى، والتاريخ على ذلك من الشاهدين.
خامسها: تثبيت قلوب المؤمنين وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين بسبب ما كان يقصه القرآن عليهم الفينة بعد الفينة، والحين بعد الحين، من قصص الأنبياء والمرسلين، وما حصل لهم ولأتباعهم مع الأعداء والمخالفين، وما وعد الله به عباده الصالحين، من النصر والأجر والتأييد والتمكين. والآيات في ذلك كثيرة حسبك منها قول العلي الكبير: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [سورة النور: 55].
وقد صدق الله وعده، ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده.
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة الأنعام آية 45].