الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: السُنَّة والمستشرقون:
نظرة تاريخية لدراسة المستشرقين للسُنَّة:
لم يَتَّجْهْ المستشرقون إلى دراسة الأحاديث النبوية في وقت مبكر ولعل أول من قام بمحاولة دراسة الأحاديث النبوية هو المستشرق (جولدتسيهر) الذي نشر نتيجة بحثه سَنَةَ 1890 م بعنوان " دراسات إسلامية " باللغة الألمانية. وحظي كتابه هذا مكانًا مرموقًا في دائرة الاستشراق من ذلك الوقت حتى الآن وَعُدَّ كتابه إنجيلاً مُقَدَّسًا عندهم.
ثم بعد ذلك - وبِمُضِيِّ أكثر من نصف قرن - نشط البروفسور المستشرق (شاخت) وأمضى وقتًا غير قليل في البحث والتنقيب في معادن الأحاديث الفقهية وخلاصة ما وصل إليه من نتائج «أنه ليس هناك حديث واحد صحيح وخاصة الأحاديث الفقهية» وأصبح كتابه إنجيلاً ثانيًا لعالم الاستشراق وفاق (شاخت) سلفه (جولدتسيهر) حيث غَيَّرَ من نظرته التشكيكية في صحة الأحاديث إلى نظرة متيقنة في عدم صحتها.
ولقد ترك كتابه هذا أثرًا عميقًا في تفكير دَارِسِي الحضارة الإسلامية حتى قال المستشرق (جب): «إنه - يعني كتاب شاخت - سيكون في المستقبل أساسًا لكافة الدراسات عن الحضارة الإسلامية والتشريع وعلى الأقل في الغرب» .
ولم تنشر بحوث في السُنَّة بأقلام المستشرقين في غضون ثلاثة أرباع قرن - ما عدا هذين الكتابين - اللَّهُمَّ إلَاّ عِدَّةَ مقالات لا تمس الموضوع إلَاّ من بعيد.
وخلاصة القول أنَّ الأحاديث النبوية لم يتجه إلى دراستها إلَاّ عدد قليل جدًا من المستشرقين، ومع ذلك فإنَّ بحوثهم لم تكن ناضجة، ومناهج بحثهم لم تكن علمية، ويمثل ذروة هذه الدراسات كتابات (شاخت) التي أصبحت من المصادر الأساسية لِكُتَّابِ الغرب بل ولكثير من كُتَّابِ الشرق الذين قاموا بأخطر دور في تاريخ البحث العلمي فيما يتعلق بالحديث النبوي، ومن ثم وجهت سهام الطعن إلى السُنَّة النبوية من قبل مختلف الأشخاص ومن مختلف الزوايا وتناول كل فريق منهم جانبًا من جوانبها المختلفة.
فمنهم من طعن في حُجِيَّةِ السُنَّة ومكانتها التشريعية ومنهم من ادَّعَى تأخر كتابة الأحاديث إلى قرن أو أكثر ثم استنتج من ذلك أنه لا يمكن الاعتماد عليها، ومنهم من أثار الشك في الأسانيد وقيمتها العلمية. وقال قائل منهم كيف نقبل الأحاديث وتعتبرها صحيحة وقد بلغ عددها سبعمائة ألف. ألم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم مشغل شاغل إلَاّ الكلام فقط، ومنهم من أضاف إلى ذلك تساؤلاً آخر فقال:«إنَّ الأحاديث الموجودة في أيدينا لا تصل إلى مائة ألف فأين بقية الرصيد المُدَّعَى» .
ومنهم من استنتج نتيجة أخرى فقال: «لقد انتشر الكذب في الحديث فبلغ في عهد البخاي حَدًا لم يجد بسببه إلَاّ حديثًا واحدًا صحيحًا من كل مائة وخمسين أفلا يحق لنا أنْ ننتقد هذه المجموعة أيضًا - مجموعة البخاري نفسها - فنختار منها ما نختار بالبحث والتحقيق وندع ما ندع غير آسفين لنا قدر في البخاري» .
ومنهم من حكم قائلاً - كغلام أحمد البرويز - أنَّ الأحاديث إنما كانت مؤامرة أعجمية على نقاءة الإسلام وصفائه وبساطته وقد تجمعت هذه الأفكار
فَتَجَسَّدَتْ في كتابات (شاخت) الذي ادَّعَى بعد بحث مُضْنٍ أنه ليس هناك حديث واحدٌ صحيحٌ، وخاصة الأحاديث الفقهية وأنها في الواقع - على حَدِّ زعمه - كلام علماء المسلمين من القرن الثاني والثالث الهِجْرِيَّيْنِ وأقاويلهم، وضعت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم زُورًا وَبُهْتَانًا (1).
(1) من مقدمة " دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه " للأعظمي - بتصرف.