الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني عشر:
12 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (1).
النقد:
قال أبو رية (2): «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا
…
».
وذكر ما قاله الحافظ من ورود الحديث في بعض رواياته بدون «مُتَعَمِّدًا» وفي بعضها بذكرها ثم قال: «ولكن من حقق النظر وأبعد النجعة في مطارح البحث يجد أَنَّ الروايات الصحيحة التي جاءت عن كبار الصحابة، ومنهم من الخلفاء الراشدين لم تكن فيها كلمة " مُتَعَمِّدًا " وكل ذمي يستبعد أَنْ يكون
(1) رواه البخاري في (الأدب): 10/ 587، كما رواه في (كتاب الجنائز) و (العلم) و (الأنبياء). ومسلم في (الزهد): 1/ 9، 10 عن أنس وأبي هريرة والمغيرة، كلهم قالوا:«مُتَعَمِّدًا» . وأبو داود في (العلم): 4/ 63. والترمذي في (العلم): 7/ 419، 421، 432، وفي (التفسير): 8/ 278 عن ابن عباس وابن ماجه في (المقدمة): 1/ 13، 14 عن ابن مسعود وأنس وجابر والزبير وأبي سعيد كلهم ذكروا «مُتَعَمِّدًا»، وعن أبي هريرة وأبي قتادة بدون ذكره ورواه الدارمي: 1/ 66، 67 عن جابر وابن عباس وعبد الله بن يعلى وأبي قتادة بلفظ «مُتَعَمِّدًا» وعن الزبير عن غيره. وكذلك: 1/ 111. الإمام أحمد في " مسنده ": (2/ 47، 83، 123، 150، 159، 171، 202، 214، 410، 413، 469، 519) و (3/ 13، 39، 44، 46، 56، 98، 113، 116، 166، 176، 203، 209، 223، 278، 280، 303، 422) و (4/ 47، 100، 156، 201، 267) و (5/ 245، 292، 432).
(2)
" أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص 38.
النبي قد نطق بها
…
ولعل هذه الكلمة قد تسللت إلى هذا الحديث من طريق الإدراج المعروف عند العرب ليسوغ بها الذين يضعون الحديث على رسول الله حِسبة. من غير عمد، أو يتكئ عليها الرواة فيما يَرْوُونَهُ عن غيرهم على سبيل الخطأ أو الوهم أو بسوء الفهم لكي لا يكون عليهم حرج في ذلك لأنَّ المخطئ غير مأثوم
…
».
الرد:
قلتُ: روى هذا الحديث من طرق كثيرة عن جماعة غفيرة من الصحابة في " الصحيحين " وغيرهما وقد أوصلها بعض المحدثين إلى المائة ما بين صحيح وحسن وضعيف، والحق أَنَّ الحديث رُوِيَ بهذا اللفظ «مُتَعَمِّدًا» من طرق تصل به إلى درجة المتواتر كما حَقَّق الحافظ ذلك في " الفتح "(1). ثم إنه لم يَصِحَّ عن أحد من الخلفاء إلَاّ عن عَلِيٍّ في " الصحيحين " وعثمان في " الصحيحين " لا عن ثلاثة من الخلفاء كما زعم.
وقد جاء كلمة «مُتَعَمِّدًا» في أغلب رويات " الصحيحين " وغيرهما من الكتب المعتمدة وطرق ذكرتها أكثر من طرق تركتها وأقوى، كما ذكرنا في التخريج.
والقاعدة عند نُقَّادِ الحديث (إذا تعارضت الروايات رُجِّحَ الأكثر والأقوى) وهنا ترجح روايات ذكر اللفظ ويحمل المطلق على المقيد.
ومن دواعي ترجيح الزيادة أنها جاءت عن الزبير بن العوام في " مستخرج الإسماعيلي " وفي " سنن ابن ماجه "، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
أما زعمه «أَنَّ هذه الكلمة وضعت ليسوغ بها
…
» فغير مقبول.
(1)" فتح الباري ": 1/ 164.
كيف يجتمع الوضع حسبة مع عدم التعمد؟ إنَّ معنى الحسبة أَنْ يقصد الواضع وجه الله وثوابه، وهل يرجى وجه الله وثوابه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَاّ على مذهب الجهلة الصوفية والكرَّامية القائلين: إنا نكذب لرسول الله لا على رسول الله! وهو باطل.
أما قوله: «أدرجت ليتكئ عليها الرُواة
…
إلخ»، فمردود لأنَّ رفع إثم الخطأ والنسيان ليس بهذه الكلمة وإنما بأدلة أخرى.
إنَّ السر في ذكرها أنَّ الحديث لما ترتب وعيدًا شديدًا على الكذب، والمخطئ والناس والساهي لا إثم عليهم كان من الدقة والحيطة في التعبير التقييد بالعمد وذلك لرفع توهم الإثم على المخطئ والناسي.
وأما نقله عن الحافظ أنه لا يرى تواتر هذا الحديث حيث قال (1): «وَلأَجْلِ كَثْرَة طُرُقه أَطْلَقَ عَلَيْهِ جَمَاعَة أَنَّهُ مُتَوَاتِر، وَنَازَعَ بَعْض مَشَايِخنَا فِي ذَلِكَ قَالَ: لأَنَّ شَرْط التَّوَاتُر اِسْتِوَاء طَرَفَيْهِ وَمَا بَيْنهمَا فِي الْكَثْرَة، وَلَيْسَتْ مَوْجُودَة فِي كُلّ طَرِيق مِنْهَا» اقتصر على هذا القدر متبعًا طريقة {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} وترك {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} (2) وقد ترك ما ذكره الحافظ بعد هذا ما نصه: «وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِإِطْلَاقِ كَوْنه مُتَوَاتِرًا رِوَايَة الْمَجْمُوع عَنْ الْمَجْمُوع مِنْ اِبْتِدَائِهِ إِلَى اِنْتِهَائِهِ فِي كُلّ عَصْر، وَهَذَا كَافٍ فِي إِفَادَة الْعِلْم. وَأَيْضًا فَطَرِيق أَنَس وَحْدهَا قَدْ رَوَاهَا عَنْهُ الْعَدَد الْكَثِير وَتَوَاتَرَتْ عَنْهُمْ
…
فَلَوْ قِيلَ فِي كُلّ مِنْهَا إِنَّهُ مُتَوَاتِر عَنْ صَحَابِيّه لَكَانَ صَحِيحًا، فَإِنَّ الْعَدَد الْمُعَيَّن لَا يُشْتَرَط فِي الْمُتَوَاتِر، بَلْ مَا أَفَادَ الْعِلْم كَفَى
…
وأما ما ذكره في الحاشية (3): أَنَّ أدعياء السُنَّة وعبيد الأسانيد في عصرنا
(1)" أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص 42.
(2)
[النساء: 43].
(3)
" أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص 39.
لا يزالون يكابرون في إثبات الزيادة فهو من قلة حيائه وسخفه وجرأته المذمومة وجهله المركب، فهل هو أعلم بالحديث من البخاري ومسلم والدارقطني وأحمد بن حنبل وابن حجر والعيني؟ وصدق النبي الحكيم صلى الله عليه وسلم:«إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت» .
كانت هذه طائفة من الأحاديث التي تعرضت لنقد المستشرقين وتلامذتهم وقد فَنَّدْنَا شُبُهَاتِهِمْ حولها وهذا غيض من فيض ولا يمكن الاستقصاء لجميع مزاعمهم في هذا المختصر.
وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.