الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرابع:
4 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَاّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟.
قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ [وَيُزْوَى] بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ» (1).
النقد:
طعن أَبُو رِيَّةَ في هذا الحديث لا لشيء - إلَاّ لأنه رواه أبو هريرة - وكل ما رواه أبو هريرة فهو عنده كذب وغير مقبول وإِنْ كان ما رواه من محاسن الإسلام لأنه يرمي إلى أبي هريرة بعين ساخطة ترى الصحيح سقيمًا والمستقيم مُعْوَجًّا والحق باطلاً.
الرد:
والحديث رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " عن أبي هريرة. ورواه مسلم عن أبي هريرة من طرق عدة لا يتطرق إليها الارتياب، ورواه أيضًا عن أبي سعيد الخُدري مرفوعًا.
(1) رواه البخاري في (التفسير): 8/ 595 وفي (كتاب التوحيد) بلفظ: «اخْتَصَمَتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا» : 13/ 434 ورواه مسلم في " صحيحه ": 4/ 2186 وهو عن أبي سعيد الخُدري نحوه إلى قوله: «وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا» ولم يذكر ما بعده من الزيادة: 4/ 2187 من " صحيح مسلم ".
وروى آخره عن أنس بن مالك.
فلو كان هو من رواية أبي هريرة وحده لما اقتضى هذا الطعن فيه فما بالك وقد روى عن غيره من الصحابة كما رأيت، وبذلك انهار الأساس الذي بنى عليه كلامه وهو أنه من رواية أبي هريرة وحده وإذا كان أبو هريرة ليس بالعدل الثقة عنده فما رأيه والحديث ثبت عن غيره من الصحابة؟
وإذا كان وجه الإنكار هو أَنَّ الله تعالى يضع رجله، ففي القرآن جاء إثبات اليد والوجه والعين وغير ذلك، وإنْ كان وجه الإنكار أنهما تتخاصمان وتتكلمان فهل هذا مستنكر على الله الذي أنطق كل شيء، وهل يلزم من هذا التخاصم أَنْ يفهمه أَبُو رِيَّةَ وإلَاّ كان باطلاً.
قال النووي: «هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي النَّارِ وَالْجَنَّةِ تَمْيِيزًا تُدْرَكَانِ بِهِ فَتَحَاجَّتَا» (1) ويحتمل أَنْ يكون بلسان الحال، والله على كل شيء قدير.
وإنْ كان سبب الاستغراب والإنكار أَنْ يأتي الله إلى النار، فإنَّ القرآن أثبت المجيء يوم القيامة:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (2).
إنَّ تحكيم العقل في مسألة الألوهية وصفاتها من سخافة العقل نفسه، ولا تؤدي عند هؤلاء المغتربين بعقولهم إلَاّ إلى الإلحاد والزندقة، وذلك لأَنَّ العقل الإنساني مهما بلغ من الذروة والكمال يبقى قاصرًا عن فهم كثير من الحقائق وخاصة المتعلقة منها بالألوهية وصفاتها والأمور التعبدية.
قال الشافعي: «كما أنَّ الحواس لها حد تنتهي إليه كذلك العقل له حد ينتهي إليه ويقصر دونه» (3). وإذا كان العقل لا يزال عاجزًا عن معرفة سِرِّ الحياة في الإنسان نفسه، فكيف يستطيع أَنْ يحيط بحقيقة خالق هذا الكون وصفاته؟
(1) انظر " شرح صحيح مسلم " للنووي: 17/ 180
(2)
[الفجر: 22].
(3)
[انظر ص 32 من هذا الكتاب].
ولله دَرُّ الشاعر القائل:
يَعْتَرِضُ العَقْلُ عَلَى خَاِلٍق *
…
*
…
* مِنْ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ العَقْلُ (*).
وإنما يستشكل هذا الحديث من لم يتذوق لغة العرب وأساليبهم في البيان والحديث سيق مساق التمثيل بجعل الجنة والنار بمنزلة شخصين عاقلين يتحاوران ويتجادلان ثم يفصل بينهما الحكم العدل بما فيه فصل الخطاب، وفي لغة العرب كثير من ذلك.
قال الشاعر:
شَكَا إِلَيَّ [جَمَلِي](**) طُولَ السُّرَى *
…
*
…
* صَبْرًا جَمِيلاً فَكِلَانَا مُبْتَلَى
ولا شكوى ولا كلام، وإنما [مجاز] وتمثيل (1).
ثم لنفض أَنَّ تحكيم العقل في الأحاديث هو الصواب، فنحن نسأل: أي عقل تريدون أَنْ تُحَكِّمُوهُ؟
أعقل الفلاسفة؟ إنهم مختلفون، وما من متأخر منهم إِلَاّ وهو ينقض قول من سبقه.
أعقل الأدباء؟ إنه ليس من شأنهم، فإنَّ عنايتهم [- عفا الله عنهم -] بالنوادر والحكايات.
أعقل علماء الطب، أو الهندسة، أو الرياضيات؟ ما لهم ولهذا؟
أعقل المُحَدِّثِين؟ إنه لم يعجبكم، بل إنكم تتهمونهم بالغباوة والبساطة.
[أعقل الفقهاء؟؟ إنهم مذاهب متعددة، وعقليتهم - في رأيكم - كعقلية المُحَدِّثِين].
أعقل الملحدين؟ إنهم يريدون أَنَّ إيمانكم بوجود الله، جهل منكم وخرافة
…
أعقل أهل السُنَّة والجماعة؟ هذا لا يُرْضِي الشِيعَةَ، ولا المعتزلة.
[أم عقل الشِيعَة؟ هذا لا يرضي أهلَ السُنَّةَ، ولا الخوارج].
أم عقل المعتزلة؟ إنه لا يرضى جمهور طوائف المسلمين!.
[سيقول أَبُو رِيَّةَ]: «إنني أرتضي عقل المعتزلة، لأنهم أصحاب العقول الصريحة» (2).
إنه ليست القضية قضية عقل. إنه الإلحاد والزيغ والضلال، فلا حول ولا قوة إلَاّ بالله العلي العظيم.
(*)[هو الشاعر أحمد الصافي النجفي، انظر " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص 39].
(**)[هي جَمَلِي وليس جَمِيلِي كما ورد في الكتاب المطبوع، انظر " دفاع عن السُنَّة " لمحمد أبو شهبة: ص 52.]
(1)
" دفاع عن السُنَّة لأبي شهبة ": ص 196.
(2)
انظر " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص 39. [ما أثبته بين [] حسب ما ورد في كتاب السباعي].