المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ حلف الفضول: - أسواق العرب في الجاهلية والإسلام

[سعيد الأفغاني]

الفصل: ‌ حلف الفضول:

د-‌

‌ حلف الفضول:

ما نظر القرشيون إلى حلف ولا عهد نظرهم إلى حلف الفضول؛ فهو يظفر منهم برعاية مقدسة وتبجيل وشرف قلما كان بعضه لحلف آخر.

هو حلف تجاري بمقدماته ونتائجه، حفظ سمعة قريش وصان ازدهار أسواق مكة، وأسدل عليها ستارا من الإنصاف والأمن وحماية الضعيف بعد أن كاد الأمن فيها يتعرض للخطر، وكادت حوادث الاعتداء على حقوق الضعفاء تزداد حتى أوشكت أن تزعزع ثقة الأعراب، وتجار النواحي بأسواق مكة.

ولم تنحصر ثمرته فيما سبق الإسلام، بل استمرت فيه وازدادت تأييدا وقوة ومنعة، أثنى عليه صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم واعتزّ به. ولما هتف الهاتف به بعد نحو ثمانين سنة من عقده1 استجاب الناس له كأن عهدهم به أمس، فكان جديدا لم تخلق جدته تلك السنون الثمانون التي تمخضت عن أعظم الحوادث الكبار: ظهور الشريعة

1 سيأتي تفصيل هذا بعد قليل.

ص: 181

الإسلامية، وفتوح العرب وانقراض فارس وانكماش الروم. أهاب الداعي بأصحابه "وقد مات أكثرهم" فهب أبناؤهم متحفزين لنصرته حتى خافت القوة الحاكمة وأذعن والي المدينة، ورُد الحق إلى صاحبه. ولقد بلغ من شرفه واقتعاده تلك المكانة في نفوس الناس أن استشرف خليفة عظيم كعبد الملك بن مروان ليعده الناس ممن دخل فيه، فلما لم يظفر بذلك ندّت منة حسرة غير خفية.

كان يهبط مكة من همل الأعراب وسذاجهم، وضعفاء المتكسبين وأرباب السلع أخلاط كثيرة، وهم لا ناصر لهم يحميهم ولا منعة فيهم، يؤمون أسواق مكة موقنين بأن أمن الحرم يسعهم جميعا. فلم يكونوا يتوقعون أن أحدا تحدثه نفسه بتكدير صفائه، لكن الواقع انكشف عن أنه لم تكن مكة لتخلو من أناس بطرين، يستهينون بالضعيف ولا يعفّون عن هضمه وسلبه. وكان يحدث حينئذ ما يحدث دائما في كل زمان، من استغلال السذاجة في هؤلاء الغرباء: تارة بغبنهم في الثمن وتارة بمطلهم بالديون، وآونة بغشهم وأخرى بالاستهتار بهم. وكانت تنشر هذه الحوادث حتى تصل إلى أسماع أشراف مكة فينكروها في أنفسهم. إلا أنها -في الظاهر- تعددت حتى لم يعد يصح السكوت عليها، وحتى خشي على البلد أن يفشو له ذكر سيئ

ص: 182

فسعى الأشرف بعضهم إلى بعض، وعقدوا الحلف وأكّدوه ونصبوا أنفسهم لحمايته.

أما السبب المباشر لعقد هذا الحلف، فما ذكروا1 من أن رجلا من زبيد من أهل اليمن باع سلعة من العاص بن وائل السهمي "وهو قرشي" فظلمه بالثمن، فأوفى على جبل أبي قبيس رافعا عقيرته وقريش في أنديتها، فذكر ظلامته في شعر له وهو:

يا آل فهر لمظلوم بضاعته

ببطن مكة نائي الدار والنفر

ومحرم أشعث لم يقض عمرته

يا للرجال وبين الحِجْر والحَجَر

إن الحرام لمن تمت مكارمه

ولا حرام لثوب الفاجر الغدر2

فتداعت لذلك قريش واجتمعت إليه بنو هاشم وزهرة وبنو أسد بن عبد العزى، فدخلوا دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه، وتعاقدوا بالله: ليكونُن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه. فلا يجدون بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته ا. هـ.

1 سيرة ابن هشام 1/ 125.

2 رواية الجاحظ لهذا البيت في رسائله "جمع السندوبي ص72":

إن الحرم لمن تمت حرامته

ولا حرام لثوبي لابس الغدر

ص: 183

وزاد الجاحظ: "وفي التآسي في المعاش، والتساهم بالمال"1 وكان من أسرعهم تلبية له الزبير بن العوام2.

شهد هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فتى، فلما أكرمه الله بالرسالة حمد أثره، وكان به جذلان مغتبطا حتى رووا عنه قوله:

"لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت"، "لا يزيده الإسلام إلا شدة".

وكان هذا الحلف منصرف قريش من حروب الفجار لعشرين سنة من عام الفيل، فتكون سن رسول الله حينئذ عشرين سنة3.

وذكروا في سبب تسميته حلف الفضول، أنه أشبه حلفا وقع لثلاثة من جرهم، كل واحد منهم يقال له: الفضل. وأقرب من هذا

1 المصدر السابق، وانظر تفصيلا عنه في الأغاني 16/ 63-68.

2 ذكر الجاحظ أنه لما سمع أبيات الزبيدي حمي وحلف: ليعقدن حلفا بينه وبين بطون من قريش يمنعون القوي من ظلم الضعيف، والقاطن من عنف الغريب، ثم قال:

حلفت: لنعقدن حلفا عليهم

وإن كنا جميعا أهل دار

نسميه الفضول إذا عقدنا

يُعَزّ به الغريب لدى الجوار

ويعلم من حوالي البيت أنا

أباة الضيم تهجر كل عار

الصفحة السابقة، وانظر: مروج الذهب 2/ 168 هذا، وفي الشعر صناعة.

3 انظر طبقات ابن سعد 1/ 82.

ص: 184

المذهب إلى الواقع ما ذكره صاحب القاموس من أن سبب تسميته بذلك؛ لأنهم تحالفوا ألا يتركوا عند أحد فضلا يظلمه أحدا إلا أخذوه له منه.

وهذا هو الصحيح لوضوحه وقربه، ولأن ثمرة الحلف كله هي رد الفضول لأهلها.

ومن يتدبر الأسباب التي تكلفها الرواة فجعلوها كمقدمات لعقده، ويمحصها يجد أن الداعي الأول له حرص قريش على سمعة بلدهم التجارية أن تثلم بين العرب، فتتزعزع ثقتهم بقريش وبلدهم. وليس يظفر من كل تلك الأسباب المذكورة بالقبول إلا ما تقدم، فإن الحوادث وحالة مكة وأمور قريش يومذاك تؤيده كل التأييد. ومن البعيد أن يعقد مثل هذا الحلف من أجل ظلامة الزبيدي هذا، من غير أن تتكرر الحوادث المشابهة لها حتى تفاقم الأمر، وألف رجال كثيرون إتيان المظالم.

عظمت قريش أمر حلف الفضول واهتمت به كل الاهتمام، ولم ينقطع أمره بالإسلام بل ظل مستمرا أقوى ما كان قط، وحسبك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت".

ثم كان يدعو بهذا الحلف كل مظلوم: دافع أبي بن خلف الجمحي بارقيا عن ثمن سلعته، فتظلم هذا قائلا:

ص: 185

أيأخذني في بطن مكة ظالما

أبي ولا قومي لدي ولا صحبي

وناديت قومي صارخا لتجيبني

وكم دون قومي من فياف ومن سهب

ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي

بني جمح والحق يؤخذ بالغصب1

فأخذ له بنو هاشم ثمن سلعته.

ورأى نُبيه بن الحجاج "قتول" بنت التاجر الخثعمي وكانت حسناء باهرة، فكابر التاجر على ابنته حين رأى جمالها فتظلم إلى ذوي الحلف، فانتزعوا ابنته من نبيه الذي قال في ذلك:

إنني والذي يحج له

شمط إياد وهللوا تهليلا

وخشيت الفضول حين أتوني

قد أراني ولا أخاف الفضولا

لبراء مني قتيلة يا للنا

س هل يبتغون إلا القتولا2

وذكر الجاحظ أن بني هاشم وحلفاءهم انتزعوا الظلامات من رجال كثيرين، وأنه "لم يكن يظلم بمكة إلا رجال أقوياء، ولهم العدد

1 الأغاني 16/ 67، ورسائل الجاحظ ص73.

2 رسائل الجاحظ "جمع السندوبي" ص73، وذكر فيها قوله أيضا:

حتى البخيلة إذ نأت

منا على عدوائها

لا بالفراق تنيلنا

شيئا ولا بلقائها

حلت بمكة حلة

في مشيها ووطائها

لولا الفضول وأنه

لا أمن من عدوائها

لدنوت من أبياتها

ولطفت حول خبائها

ص: 186

والعارضة"1.

ويحلو لي هنا أن أبين للقارئ امتداد هذا الحلف التجاري في حياة المسلمين وتمسكهم به، فابن هشام يروي: أن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كان واليا على المدينة، ولّاه عليها عمه معاوية، وكان بين الوليد والحسين بن علي منازعة في مال كان بينهما بذي المروة، وكان الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه يومئذ، فقال الحسين: "أحلف بالله: لتنصفنّي من حقي أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول

" وكان عبد الله بن الزبير حاضرا مجلسهما هذا، فغضب للحسين وقال يتهدد الوليد: "وأنا أحلف بالله: لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا".

وبلغ هذا الخبر المسور بن مخرمة بن نوفل، فقال مثل ما قال ابن الزبير، وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التيمي فقال مثل ذلك.

فلما بلغ كل هذا الوليد بن عتبة خاف مغبتها، وأنصف الحسين من حقه2.

فأنت ترى كيف كان القوم سراعا إلى تنفيذ هذا الحلف، وكيف

1 المصدر نفسه.

2 انظر سيرة ابن هشام: 1/ 126.

ص: 187

تهيئوا لنصرته وللاستجابة لمن دعا به وهو أثر غير قليل. وأي معاهدة تمضي فتبقى لها مثل هذه القوة بعد أكثر من سبعين سنة من عقدها!

بل لقد تحمس لها الصحابة أشد التحمس وكان اندفاعهم لصيانتها أقوى مما تقدم. لقد تحفزوا للقيام بوجه خليفة ذي سلطان قاهر وكادت تكون فتنة لولا أن أذعن معاوية كما أذعن واليه ابن عتبة. ومن الخير أن أنقل لك صورة هذا الاندفاع؛ لتتعرف مدى بلوغها من قلوب القوم: جاء في شرح نهج البلاغة "3/ 464" ما يأتي:

"كان بين الحسين ومعاوية كلام في أرض للحسين، فقال له الحسين: اختر مني واحدة من ثلاث خصال: إما أن تشتري مني حقي، وإما أن ترده عليّ، أو تجعل بيني وبينك ابن عمر وابن الزبير حكما، وإلا فالرابعة وهي الصَّيْلَم1. قال معاوية: وما هي؟ قال: "أهتف بحلف الفضول

" ثم قام فخرج وهو مغضب، فمر بعبد الله بن الزبير فأخبره، فقال عبد الله: والله لئن هتفت به وأنا مضطجع لأقعدن، أو قاعد لأقومن، أو قائم لأمشين، أو ماشٍ لأسعين، ثم لتنفذنّ روحي مع روحك أو لينصفنّك

".

فبلغت معاوية فقال: "لا حاجة لنا بالصيلم". ثم أرسل إليه:

1 الداهية، والأمر العظيم.

ص: 188

"أن ابعث فانتقد مالك، فقد ابتعنا منك".

ومما لا شك فيه أن موقف غير ابن الزبير لو استفحل الأمر سيكون مثل موقفه، ومعاوية أدهى من أن يؤلب عليه من لم ينفض يده بعد من تألفهم، ومن لا تزال السيوف التي حاربوه بها على عواتقهم، لمّا ينقض على إغمادها كبير زمن وما هي بحاجة لتشهر إلى كبير أمر

وقد عرّض ابن الزبير بحلف الفضول مرة أخرى يهدد معاوية، فقد تحدثا عن الحسين بن علي، فقال ابن الزبير:"أما والله إني وإياه ليد عليك بحلف الفضول" فقال معاوية: "من أنت؟! لا أعرض لك وحلف الفضول

والله ما كنت فيها إلا كالرهينة تثخن معنا، وتردى هزيلا"1.

وانظر هذه الحسرة الخفية من يعسوب الأمويين عبد الملك بن مروان، على أن أمية لم تدخل الحلف، وتأمل كيف أراد بصورة غير مباشرة أحد سراة بني نوفل، على أن يتملقه فيشهد له بدخول أمية ونوفل فيها، وكيف لم يستطع هذا إلا أن يجهر له بالحق لقرب العهد بأصحاب الفضول، ولأن الذين يعرفونها ويعرفون عاقديها لم يموتوا بعد. قال ابن هشام:

1 الأغاني 9/ 173 "طبعة دار الكتب".

ص: 189

"كان محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف من أعلم قريش، فدخل على عبد الملك بن مروان حين قتل ابن الزبير، واجتمع الناس على عبد الملك، فلما دخل عليه قال له: "يا أبا سعيد، ألم نكن نحن وأنتم "يعني: بني عبد شمس بن عبد مناف، وبني نوفل بن عبد مناف" في حلف الفضول؟ " قال محمد: "أنت أعلم!

" قال عبد الملك: "لتخبرني يا أبا سعيد بالحق من ذلك" فقال: "لا والله، لقد خرجنا نحن وأنتم منه" قال:"صدقت".

كانت قريش إذًا ذات مشاكل تجارية، فقام لها هذا الحلف مقام المحاكم التجارية والقوة التنفيذية معا، فكان سلطانها مهيبا في النفوس، وكانت خير وازع لمن تحدثه نفسه بظلم وإن تمتع بالسلطان، وكانت أحسن ضامن لحقوق الضعفاء ممن عدموا المنعة والنصير.

ص: 190