الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سوق المشقر:
المشقر حصن بالبحرين لعبد القيس، وهو قريب من هجر. وأهله أزد يمانون كما سيأتي في الكلام على سوق عمان، جاء في مراصد الاطلاع:
"المشقر حصن بين نجران والبحرين، يقال: إنه من بناء طسم، وهو على تل عالٍ، يقابل حصن بني سدوس. ويقال: إنه بناء سليمان، وقيل: هو حصن بالبحرين لعبد القيس يلي حصنا آخر لهم يقال له: الصفا قبل مدينة هجر، والمسجد الجامع بالمشقر، وبينهما نهر يجري إلى جانب مدينة محمد بن الغمر يقال له: العين". فالظاهر من هذا الكلام أن هذا الحصن وثيق البنيان، ذو خطر، حتى رفعوا نسبة بنائه إلى سليمان، وحتى ضرب به المثل في المنعة والإحكام. قال المخبل:
فلئن بنيت لي المشقر في
…
صعب تقصّر دونه العصم1
لتنقبن عني المنية إ
…
ن الله ليس كعلمه علم
وشهرة الحصن مستفيضة على ألسنة العرب، ذكره كثيرون منهم
1 العصم: جمع أعصم، وهو من الوعول ما في ذراعيه أو في أحدهما بياض وسائره أسود أو أحمر.
فممن ذكره الأعشى القائل:
فإن تمنعوا منا المشقر والصفا
…
فإنا وجدنا الخط جما نخيلها
وذكره أبو ذؤيب الهذلي في مرثيته لبنيه، فقال:
حتى كأني للحوادث مروة
…
بصفا المشقر كل يوم تقرع
تقوم في المشقر سوق للعرب تبتدئ من أول جمادى الآخرة وتستمر إلى سلخه فتنفض ويغادرها الناس إلى جمادى من قابل، وينزلها أخلاط من جميع أحياء العرب "وكانت أرضها معجبة، لا يراها أحد فيصبر عنها". فلها صفات هجر وخصبها إذ هي جزء منها، وقد علل المرزوقي اختلاف قبائل الناس في هذه النواحي بقوله:
"وكانت لا تقدمها لطيمة إلا تخلّف منهم بها ناس، فمن هناك صار بهجر من كل حي من العرب ومن غيرهم"1.
وكان بيعهم في هذه السوق بالملامسة والإيماء والهمهمة خوف الحلف والكذب!! وقد مر بك تفسير هذه البيوع في محله.
كثر ذكر المشقر في كتب الأدب، فكان امرؤ القيس الشاعر ينزله، وفيه كانت وقعة من الوقائع المشهورة في أيام العرب؛ إذ حاصر
1 الأزمنة والأمكنة 2/ 163.
كسرى بني تميم فيه، وأغلق عليهم بابه، ثم قتل المقاتلة، وسبى الذراري بعد أن امتنعوا فيه مدة، وذكر صاحب الأغاني ما يستدل منه على أن كسرى كان له النفوذ على هذه السوق "شأنه في سوق هجر وعمان" يقيمها متى شاء ويعطلها متى شاء، قال:
"أمر كسرى بالطعام فادخر في المشقر، وقد أصابت بني سعد سنة شديدة، والطعام عنهم محبوس، وكان المشير على كسرى بذلك هوذة، وكان له عليهم تارات فقال لكسرى: "أيها الملك! احبس الميرة عنهم، فإذا فعلت ذلك بهم سنة أرسلت معي جندا من أساورتك فأقيم لهم السوق فإنهم يأتونها، فتصيبهم عند ذلك خيلك". ففعل كسرى وحبس عنهم الأسواق في سنة مجدبة، ثم سرح إلى هوذة فأتاه
…
إلخ1.
يقصد هذه السوق العرب وأهل فارس على السواء، ويجاورها
1 ج16 ص78، والأساورة: جمع أسوار وهو قائد الفرس، والجيد الرمي بالسهام، والثابت على ظهر الفرس، والخبر كما في الأغاني 16/ 45 عن ابن الكلبي:
بعث كسرى إلى عامله باليمن بعير وكان باذان على الجيش الذي بعثه كسرى إلى اليمن، وكانت العير تحمل نبعا، فكانت تبذرق "تخفر" من المدائن حتى تدفع إلى النعمان ويبذرقها النعمان بخفراء من بني ربيعة ومضر حتى يدفعها =
من قبائل العرب تميم وعبد القيس. وليس لها ما لغيرها من الأمن
= إلى هوذة بن علي الحنفي فيبذرقها حتى يخرجها من أرض بني حنيفة، ثم تدفع إلى بني سعد وتجعل لهم جعالة فتسير فيها فيدفعونها إلى عمال باذان باليمن. فلما بعث كسرى بهذه العير قال هوذة للأساورة:"انظروا الذي تجعلونه لبني تميم فأعطونيه فأنا أكفيكم أمرهم وأسير فيها معكم حتى تبلغوا مأمنكم" فخرج هوذة والأساورة والعير معهم من هجر، حتى إذا كانوا بنطاع بلغ بني سعد ما صنع هوذة فساروا اليهم، وأخذوا ما كان معهم واقتسموه، وقتلوا عامة الأساورة وسلبوهم، وأسروا هوذة بن علي فاشترى هوذة نفسه بثلاثمائة بعير، فساروا معه إلى هجر فأخذوا منه فداءه، ففي ذلك يقول شاعر بني سعد:
ومنا رئي
س القوم ليلة أدلجوا
…
بهوذة مقرون اليدين إلى النحر
وردنا به نخل اليمامة عانيا
…
عليه وثاق القد والحلق السمر
فعمد هوذة عند ذلك إلى الأساورة الذين أطلقهم بنو سعد، وكانوا قد سلبوا فكساهم وحملهم ثم انطلق معهم إلى كسرى، وكان هوذة رجلا جميلا شجاعا لبيبا، فدخل عليه فقص أمر بني تميم وما صنعوا
…
فقال كسرى لهوذة: "أرأيت هؤلاء الذين قتلوا أساورتي وأخذوا مالي، أبينك وبينهم صلح؟ " قال هوذة: "أيها الملك، بيني وبينهم حساء الموت وهم قتلوا أبي" فقال كسرى: "قد أدركت ثأرك، فكيف لي بهم؟ " قال هوذة: "إن أرضهم لا تطيقها أساورتك وهم يمتنعون بها، ولكن احبس عنهم الميرة فإذا فعلت ذلك بهم سنة أرسلت معي جندا من أساورتك، فأقيم لهم السوق، فإنهم يأتونها فتصيبهم عند ذلك خيلك". وأمر بالطعام فادخر بالمشقر ومدينة اليمامة، وقد أصابت الناس سنة شديدة ثم قال:"من دخلها من العرب فأميروه ما شاء" فبلغ ذلك الناس. وكان أعظم من أتاها بنو سعد، فنادى منادي الأساورة:"لا يدخلها عربي بسلاح" فأقيم بوابون على باب المشقر، فإذا جاء الرجل ليدخل قالوا: "ضع سلاحك وامتر
والحرمة، وجميع من يقصدها لا يستغني عن خفارة يسير في حمايتها.
"وكان من يؤمها من التجار يتخفرون بقريش؛ لأنها لا تؤتى إلا من بلاد مضر"1. وملوك هذه السوق الذين يعشرون الناس فيها أناس من بني عبد الله بن زيد رهط المنذر بن ساوى من بني تميم يسيرون هنا سيرة الملوك في دومة الجندل، وهم خاضعون لملك فارس "يستعملهم عليها كما يستعمل بني نصر على الحيرة، وبني المستكبر على عمان"2 ومن يوافي هذه السوق من فارس خلق كثير.
ولا تُعرض تجارة، ولا يقوم بيع حتى تنفق تجارة الملك بتمامها كما هو الشأن في سوق دومة الجندل، ولا ريب أن ملوك هذه السوق ترضخ إلى حكومة فارس مما يحصلون عليه بالنصيب الأوفى.
= واخرج من الباب الآخر" فيذهب إلى رأس الأساورة فيقتله.
فيزعمون أن خيبري بن عبادة قال: "يا بني تميم، ما بعد السلب إلا القتل، وأرى قوما يدخلون ولا يخرجون". فانصرف منهم من انصرف من بقيتهم وقتلوا بعضهم وتركوا بعضا محتبسين عندهم. ا. هـ.
1 المحبر ص265.
2 الصفحة السابقة، والأزمنة والأمكنة ج2 ص163.