الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد كان النحاة يقفون إزاء الأبيات المخالفة لمذاهبهم وأقيستهم فيعمدون إلى التأويل لإدخالها ضمن هذه الأقيسة، فأصبحت تلك الأبيات الخارجة عن القياس المألوف ميداناً رحباً لتأويلات النحاة وتعليلاتهم، فدخلت بسبب ذلك ضمن الخلاف النحوي؛ إذ كل طرف لا يتردد في إلقاء جملة مما احتج به الطرف الآخر في بحر الضرورة1.
1 انظر: في الضرورات الشعرية 7.
2 انظر: الضرورة الشعرية دراسة نقدية لغوية 191.
3 الأصول 3/435.
ثانياً:
التأليف في الضرائر:
لسيبويه رحمه الله جهود في مجال الكتابة عن الضرورة - وإن كانت لفظة "الضرورة" غير مذكورة في كتابه كما سبق - إلاّ أن دراسته لهذه الظاهرة تفتقر إلى المنهجية المحددة القائمة على التقسيم، والتصنيف للمظاهر العامة للضرورة. وهذا لا يلغي سمة التبكير، والريادة في معالجة موضوع متشعب الأطراف. فما كتبه عن الضرورة يعدّ إضاءات موزعة ذات فوائد متفرقة، أفاد منها النحاة في هذا المجال1.
ولعل أبا بكر بن السراج (316هـ) قد سبق في بداية القرن الرابع إلى تثبيت مبادئ التصنيف في الضرائر الشعرية بقوله: "ضرورات الشعر أن يضطر الوزن إلى حذف، أو زيادة، أو تقديم أو تأخير في غير موضعه، وإبدال حرف، أو تغيير إعراب عن وجهه على التأويل، أو تأنيث مذكر على التأويل"2.
هذا النص يمكن عدُّه الأساس التاريخي الأول لحركة التأليف، والكتابة المنهجية عن الضرورة.
1 انظر: الضرورة الشعرية دراسة نقدية لغوية 191.
2 الأصول 3/435.
أما المبكِّر إلى حصر تلك المظاهر حصراً علمياً فهو أبو سعيد السيرافي (368هـ) حيث يقول: "ضرورة الشعر على تسعة أوجه: الزيادة، والنقصان، والحذف، والتقديم، والتأخير، والإبدال، وتغيير وجه من الإعراب إلى وجهٍ آخر على طريق التشبيه، وتأنيث المذكر وتذكير المؤنث"1.
وإنما يُعَدّ هذا النص لشارح "الكتاب" أصلاً لكل ما ورد في فصول النحاة من نصوص، وإشارات إلى أنواع هذه الظاهرة؛ لأن ابن السراج قد اقتصر على سبعة أقسام فقط ولم يشر إلى ما يقع في الشعر من تذكير المؤنث، إلا أن يكون هذا النقص سهواً من ناسخ كتاب "الأصول" أو محققه2.
ويمكن اعتبار تذكير المؤنث الذي لم يذكره أبو بكر داخلاً ضمن الحذف الذي أشار إليه.
أمَّا التطور في تصنيف الضرورات فقد سار - بعد أبي سعيد السيرافي - على مرحلتين:
الأولى: الانتقال من التصنيف السباعي إلى التصنيف الخماسي، كما هو الشأن عند ابن عصفور (669هـ) في "ضرائر الشعر"، و "شرح الجمل"، و "المقرب" وأبي الفضل الصفار القاسم بن علي البَطَلْيوسي (بعد 630هـ) في "شرح كتاب سيبويه". وجرى على هذا أبو حيان (745هـ) ، في "ارتشاف الضرب".
ويتمثل هذا التقسيم في: الزيادة، والنقص، والتقديم والتأخير، والبدل.
الثانية: الانتقال من التصنيف الخماسي المذكور إلى تصنيف آخر ثلاثي يتمثل في الزيادة، والحذف، والتغيير3. وقد بنى الآثاري4 (828هـ)
1 ما يحتمل الشعر من الضرورة 34، 35.
2 انظر: الضرورة الشعرية دراسة نقدية لغوية 192.
3 انظر: الضرورة الشعرية. دراسة نقدية لغوية 193.
4 أبو سعيد زين الدين شعبان بن محمد الآثاري. ولد في الموصل سنة 765هـ، وتوفي بمصر. (الضوء اللامع 3/301 - 303، شذرات الذهب 7/184، الأعلام 3/164) .
سرده للضرورات في منظومته "كفاية الغلام في إعراب الكلام"1 فقال:
ضرورة الشاعر تمحو ما وجبْ
…
على الذي يتبع أوزان العربْ
وهي ثلاث فاغنم الإفادة
…
الحذف والتغيير والزيادة
كما أقام على هذا التقسيم أبو المعالي محمود شكري الآلوسي (1342هـ) ترتيب الضرورات في كتابه "الضرائر"، وجرى على هذا جمعٌ غير قليل من العروضيين المعاصرين وغيرهم مفيدين من التصنيفات المذكورة السابقة مع اختلاف يسير2.
فللدكتور عبد الوهاب العدواني كتاب بعنوان "الضرورة الشعرية. دراسة نقدية لغوية"، وللدكتور محمد حماسة عبد اللطيف مصنَّفٌ بعنوان "الضرورة الشعرية في النحو العربي"، كما صنَّف الدكتور خليل بنيان الحسون مصنفاً بعنوان " في الضرورة الشعرية".
على أن أول كتاب يصل إلينا يستقل ببحث الضرورة هو كتاب "ما يجوز للشاعر في الضرورة" لأبي جعفر القزاز3 (412هـ)4.
1 ص14.
2 انظر: الضرورة الشعرية. دارسة نقدية لغوية 194.
3 محمد بن جعفر التميمي القزاز القيرواني. ولد بالقيروان وتوفي بها. يغلب عليه علم النحو واللغة. من مصنفاته: كتاب "الجامع" في اللغة.
(معجم الأدباء 17/105 - 109، وفيات الأعيان 4/374 – 376) .
4 انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي 130.