الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول:
مفهوم الضرورة لدى النحويين
أولاً: رأي سيبويه وابن مالك:
لم يصرّح سيبويه بتعريف محدد للضرورة، وإنما كان يكتفي ببعض العبارات التي فهم منها بعض شرّاح "الكتاب" ودارسيه مفهوم الضرورة عنده من خلال تناوله لبعض المسائل، وبخاصة الباب الذي عقده في أول الكتاب بعنوان "ما يحتمل الشعر"1.
فمن خلال بعض النصوص حدّد العلماء رأي سيبويه في "الضرورة" وهو أنه يجوز للشاعر ما لا يجوز له في الكلام بشرط أن يضطر إلى ذلك، ولا يجد منه بداً، وأن يكون في ذلك ردُّ فرع إلى أصل، أو تشبيه غير جائز بجائز2.
قال سيبويه - عند قول أبي النجم العجلي -:
قد أصبحتْ أمُّ الخيارِ تدَّعي
…
عليَّ ذنباً كلُّه لم أصنعِ3
1 انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي 132.
2 انظر: شرح الجمل 2/549، الارتشاف 3/268، الضرورة الشعرية في النحو العربي 134.
3 من "الرجز". وقال بعض المحققين: بهذه الرواية - أي رفع "كل" يتم المعنى الصحيح؛ لأنه أراد التبرؤ من الذنب كله، ولو نصب لكان ظاهر قوله: إنه صنع بعضه. وأمُّ الخيار: زوجته.
الديوان 132، الكتاب 1/69، الخصائص 1/292، 3/61، شرح المفصل 2/30، 6/90.
"هذا ضعيف، وهو بمنزلته في غير الشعر؛ لأن النصب لا يكسر البيت ولا يخل به ترك إظهار الهاء"1.
ولا يبعد مفهوم ابن مالك (ت 672هـ) للضرورة عن مفهوم سيبويه المتقدم وهو أن الضرورة: ما لا مندوحة للشاعر عنه بحيث لا يمكن الاتيان بعبارة أخرى.
صرَّح بهذا في شرح التسهيل وشرح الكافية الشافية.
فوصل "أل" بالمضارع - على سبيل المثال - جائز عنده اختياراً لكنه قليل، فذكر أن قول الفرزدق:
ما أنتَ بالحكمِ التُرضى حكومته
…
ولا الأصيلِ ولا ذي الرأي والجدلِ2
وقول ذو الخِرَق الطهوي 3:
يقول الخنا وأبغض العجم ناطقاً
…
إلى ربنا صوت الحمار اليجدعُ4
1 الكتاب 1/44.
2 البيت من "البسيط" من أبيات قالها في هجاء رجل من بني عذرة كان قد فضل جريراً عليه.
والحكم: الذي يحكّمه الخصمان ليفصل بينهما. والأصيل: الحسيب. والجدل: شدة الخصومة والقدرة على غلبة الخصم.
والبيت في: الإنصاف 2/521، المقرب 1/60، شرح شذور الذهب 16، تخليص الشواهد 154، شرح ابن عقيل 1/157، التصريح 1/38، 142، الخزانة 1/32، الدرر 1/274.
3 اسمه خليفة بن حمل بن عامر بن حنظلة. شاعر جاهلي. (المؤتلف والمختلف 109، الخزانة 1/44) .
4 من "الطويل".
الخنا: الفاحش من الكلام. والعجم: جمع أعجم أو عجماء وهو الحيوان؛ لأنه لا ينطق.
اليُجدَّع: هو الذي قطعت أذناه؛ فإن صوت الحمار حالة تقطع أذنه أكثر وأقبح، لما يقاسيه من الألم.
انظر: نوادر أبي زيد 276، أمالي السهيلي 21، المقاصد النحوية 1/467، الهمع 1/294، الخزانة 1/31، 34، 35، 5/482، الدرر 1/275.
غيرُ مخصوص بالضرورة؛ لتمكن قائل الأول من أن يقول:
"ما أنت بالحكم المرضي حكومته"
ولتمكن الآخر من أن يقول:
"إلى ربنا صوت الحمار يُجدعُ"
فإذ لم يفعلا ذلك مع استطاعته ففي ذلك إشعار بالاختيار وعدم الاضطرار1.
وهذا الاتجاه في فهم الضرورة قد نُسب إلى ابن مالك وشُهر به، حتى إن كثيراً ممن خالف هذا المنهج وجّه نقده إلى ابن مالك وحده ولم يتعرّض لسيبويه2، كقول أبي حيان: "لم يفهم ابن مالك معنى قول النحويين في ضرورة الشعر
…
" إلخ 3.
وإن المتأمل ليستوقفه النظر حيال قبول الناس لهذا الرأي في فهم الضرورة؛ إذ لم يجد كثرة من الأنصار له على الرغم من أن أشهر الذين قالوا به هما سيبويه وابن مالك، والأول كان يعيش في عصر الاستشهاد ويستقي شواهده من المصادر الحية أو ممن سمعها من المصادر الحية، والآخر يعد أمَّة لا في الاطلاع على كتب النحاة وآرائهم فحسب، بل أيضاً في اللغة وأشعار العرب بله القراءات ورواية الحديث النبوي4.
1 انظر: شرح التسهيل 1/202، وانظر كذلك: 1/367، وشرح الكافية الشافية 1/300.
2 انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي 137.
3 التذييل والتكميل ج (1) لوحة 167.
4 انظر: المدارس النحوية لشوقي ضيف 309، 310، وانظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي 137.
(ومعنى هذا أنّ رأي هذين الإمامين لما امتازا به من سعة رواية ونفاذ رأي ينبغي أن يكون له وزنه في دراسة اللغة؛ لأنه نابع من فهم لخصائصها أصيل وحسّ بها غير مدخول)1.
لكن هذا الرأي قد تعرَّض لنقد شديد من المتأخرين كأبي إسحاق الشاطبي (790هـ) ، وأبي حيان، وابن هشام (761هـ) ، والشيخ خالد الأزهري (905هـ) ، وعبد القادر البغدادي (ت1093هـ) .
وملخص رد الشاطبي على ابن مالك يتمثل في الآتي:
أولاً: أن النحاة قد أجمعوا على عدم اعتبار هذا المنزع، وعلى إهماله في النظر القياسي جملة، ولو كان معتبراً لنبهوا عليه.
ثانياً: أن الضرورة لا تعني عند النحويين أنه لا يمكن في الموضع غير ما ذكر؛ لأنه ما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوض من لفظها غيره، دليل ذلك الراء في كلام العرب، فإنها من الشياع في الاستعمال بمكان لا يُجهل، ولا يكاد ينطق أحد بجملتين تعريان عنها. وقد هجرها واصل بن عطاء2 (131هـ) لمكان لثغته فيها، بل كان يناظر الخصوم ويخطب على المنبر فلا يُسمع في نطقه راءٌ، حتى صار مثلاً. وإن الضرورة الشعرية لهي أسهلُ من هذا بكثير، وإذا كان الأمر هكذا أدى إلى انتفاء الضرورة في الشعر وذلك خلاف الإجماع، وإنما معنى الضرورة أن الشاعر قد لا يخطر بباله إلا لفظة ما اقتضت ضرورة النطق بها في ذلك
1 الضرورة الشعرية في النحو العربي 137، 138.
2 أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزّال. رأس المعتزلة. ولد بالمدينة سنة 80هـ، ونشأ بالبصرة.
(أمالي المرتضى 1/163 - 165، وفيات الأعيان 6/7-11، النجوم الزاهرة 1/313، 314) .
الموضع زيادة أو نقص أو غير ذلك، في الوقت الذي قد يتنبه غيره إلى أن يحتال في شيءٍ يزيل تلك الضرورة.
ثالثاً: أنه قد يكون للمعنى الواحد أكثر من عبارة بحيث يلزم في إحداها ضرورة ولكنها هي المطابقة لمقتضى الحال، وهنا يرجع الشاعر إلى الضرورة؛ لأن اعتناء العرب بالمعاني أشد من اعتنائهم بالألفاظ. وإذا تبيَّن في موضع ما أن ما لا ضرورة فيه يصلح هنالك، فمن أية جهة يعلم أنه مطابق لمقتضى الحال؟
رابعاً: أن العرب قد تأبى الكلام القياسي لعارض زحاف فتستطيب المزاحف دون غيره أو بالعكس فتركب الضرورة لذلك1.
ومن أقوال ابن هشام في الرد على ابن مالك قوله: "إذا فُتح هذا الباب - يعني زعم القدرة على تغيير بنية الشعر وألفاظه - لم يبق في الوجود ضرورة، وإنما الضرورة عبارة عما أتى في الشعر على خلاف ما عليه النثر"2.
ومن أقواله أيضاً: إن كثيراً من أشعار العرب يقع عن غير روية، وهو مما يدعو إلى عدم التمكن من تخيّر الوجه الذي لا ضرورة فيه.
كما أن الشعر لمّا كان مظنة للضرورة استُبيح فيه ما لم يُضطرّ إليه، كما أُبيح قصر الصلاة في السفر؛ لأنه مظنة المشقة مع انتفائها أحياناً والرخصة باقية3.
هذا الكلام قاله ابن هشام في رده على ابن مالك إذ زعم أن إيراد الضمير المتصل بعد "إلَاّ" في قول الشاعر4:
1 انظر: شرح الألفية للشاطبي ج2 لوح 57.
2 تخليص الشواهد 82.
3 انظر: المصدر السابق 83.
4 لم أجد من سمَّاه.
وما نبالي إذا ما كنتِ جارتَنا
…
ألاّ يجاورنا إلَاّكِ ديارُ1
ليس ضرورة، لتمكن قائله من أن يقول:
"ألا يكون لنا خلٌّ ولا جارُ" 2
ثم إن الشاعر قد يتاح له في حرارة التجربة الشعرية غير عبارة عن الفكرة الواحدة، لكنه لا يختار من الألفاظ إلا ما يأنس فيه الملاءمة التامة للمعنى الذي ينشده وإن ساوره قلق فني في دقة لغته، وقدرتها على التعبير عنه. فإذا ثبت هذا وأنه هو واقع الشعر اللغوي فإن التفكير بنفي الضرورة، ومحاولة استبدالها بما لا ضرورة فيه أمرٌ من الصعوبة بمكان على الشاعر، ناهيك عن الناقد اللغوي، والنحوي وذلك لتفاوت القدرات على تخيّل الألفاظ، واستحضارها من المعاجم الذهنية المختلفة في سعتها، وتنوعها، وصفائها3.
وقد حاول بعض المحدثين4 الاعتذار لابن مالك بأنه كان يعمل ثقافته، وفكره حين بيّن رأيه في الضرورة الشعرية. فكان يضع في اعتباره لهجات العرب المتباينة، والقراءات القرآنية، والحديث النبوي الشريف بحيث إذا ورد فيها شيء قال النحاة عن نظيره في الشعر إنه ضرورة لم يعدّه هو كذلك، بل
1 البيت من "البسيط". يقال: ما بها ديَّار، أي ما بها أحد.
والشاهد في قوله: " إلَاّك " حيث أوقع الضمير المتصل بعد "إلَاّ" للضرورة الشعرية، والقياس: إلا إياك والبيت في: الخصائص 1/307، 2/195، المفصل 129، أمالي ابن الحاجب 2/105، المغني 577، التصريح 1/98، 192، شرح الأشموني 1/109، الدرر 1/176.
2 انظر: شرح التسهيل 2/276.
3 الضرورة الشعرية. دراسة لغوية نقدية 147 (بتصرف) .
4 هو الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف في كتابه: الضرورة الشعرية في النحو العربي ص141.
يرجع كل ظاهرة إلى أصلها، وأحياناً ينصّ على أنه لهجة قبيلة معينة وضرورة عند غيرهم. فنراه - مثلاً - يقول عن تسكين هاء الغائب واختلاس حركتها:"وقد تسكن أو تختلس الحركة بعد متحرك عند بني عُقَيل، وبني كلاب اختياراً، وعند غيرهم اضطراراً"1.
وقد ذكر في كتاب "التسهيل" جملة من المسائل يعدّها بعضهم ضرورة ولا يراها هو كذلك كحذف نون الوقاية من "ليس"، و "ليت"، و "عن"، و "قد"، و "قط"2، وزيادة "ال" في العلم، والتمييز، والحال3، وإسكان عين "مع"4، والفصل بينها وبين تمييزها5، وتأكيد المضارع المثبت6، ومجيء الشرط مضارعاً، والجواب ماضياً7، وإجراء الوصل مجرى الوقف8.
وفي بعض كتبه الأخرى يشير إلى أن بعض الظواهر تكثر في الشعر دون النثر9.
(ولعله في هذا متأثر بسيبويه. وهذا يشعر بأنهما يدركان أن للشعر نظاماً خاصاً به في صرفه، ونحوه ينبغي أن يدرس وحده منفصلاً عن النثر، ولكن النظرة السائدة إلى وحدة اللغة جعلت هذه الملاحظة تقف عند حدّ الإدراك الذي لم يؤيده التنفيذ العملي)10.
1 التسهيل 24.
2 انظر: المصدر السابق 25.
3 انظر: التسهيل 42.
4 انظر: المصدر السابق 98.
5 انظر: المصدر السابق 124.
6 انظر: المصدر السابق 216.
7 انظر: المصدر السابق 240.
8 انظر: المصدر السابق 331.
9 الضرورة الشعرية في النحو العربي 141، 142 (بتصرف) .
10 المصدر السابق 142.