المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في رسائله - العقد المفصل

[حيدر الحلي]

فهرس الكتاب

- ‌بسم الله الرحمن الرحيم

- ‌فصل في نسبه وحسبه وأصله وشرف بيته

- ‌فصل في كرمه وأخلاقه

- ‌فصل في حلمه ونهاه ووقاره وحجاه

- ‌فصل في تجاربه وذكائه

- ‌فصل في فصاحة لسانه وبلاغة بيانه

- ‌فصل في نعت نثره ونظمه

- ‌فصل في إثبات فصول من نثره وعقود من نظمه

- ‌الباب الأوّل في قافية الألف

- ‌وتشتمل على فصول

- ‌فصل في المديح

- ‌الفصل الثاني في الرثاء

- ‌الفصل الثالث في الغزل

- ‌الباب الثاني في قافية الباء

- ‌وفيها فصول

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌فصل في التهنية

- ‌فصل في الرثاء

- ‌فصل في الغزل

- ‌الباب الثالث حرف التاء

- ‌وفيه فصول

- ‌فصل في المديح

- ‌الفصل الثاني في الغزل

- ‌الفصل الثالث في شكوى الزمان وعدم نباهة الحظ

- ‌الفصل الرابع في الهجاء

- ‌الباب الرابع في قافية الثاء

- ‌وفيها فصلان

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌الفصل الثاني في الإستغاثة

- ‌الباب الخامس في قافية الجيم

- ‌وفيها فصل واحد في المديح

- ‌الباب السادس في قافية الحاء

- ‌وفيها ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌فصل في الرثاء

- ‌فصل في الغزل

- ‌فصل في الإستغاثة

- ‌الباب السابع قافية الخاء

- ‌وفيها فصلان المديح والغزل

- ‌أمّا المديح

- ‌وأمّا الغزل

- ‌الباب الثامن حرف الدال

- ‌وفيه فصول

- ‌فصل في المديح

- ‌فصل في الرثاء

- ‌الباب التاسع في قافية الذال

- ‌وفيها فصل واحد وهو في الثناء

- ‌الباب العاشر في قافية الراء

- ‌وفيها خمسة فصول

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌فصل في التهاني

- ‌فصل في الرثاء

- ‌فصل في الغزل

- ‌الفصل الخامس في الهجاء

- ‌الباب الثاني عشر في قافية السين

- ‌وفيها فصل في المديح

- ‌الباب الثالث عشر في قافية الشين

- ‌وفيها فصلان

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌الفصل الثاني في الرثاء

- ‌الباب الرابع عشر في قافية الصاد

- ‌وفيها فصل في المديح

- ‌الباب الخامس عشر في قافية الضاد

- ‌وفيها فصلان

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌الفصل الثاني في التهنية

- ‌الباب السادس عشر في قافية الطاء

- ‌وفيها فصل في المديح

- ‌الباب السابع عشر في قافية الظاء

- ‌وفيها فصل في المديح

- ‌الباب الثامن عشر في قافية العين

- ‌وفيها فصلان

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌الفصل الثاني في التهاني

- ‌الفصل الثالث في الحماسة

- ‌الباب التاسع عشر في قافية الغين

- ‌وفيها فصل في المديح

- ‌نبذة من نوادر الحمقاء

- ‌الباب العشرون في قافية الفاء

- ‌وفيها ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌الفصل الثاني في التهنئة

- ‌الفصل الثالث في الرثاء

- ‌الباب الحادي والعشرون في قافية القاف

- ‌وفيها فصلان

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌الفصل الثاني في التهنئة

- ‌الباب الثاني والعشرون في قافية الكاف

- ‌وفيها فصل واحد في المديح

- ‌الباب الثالث والعشرون في قافية اللام

- ‌وفيها فصلان

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌الفصل الثاني في التهنية

- ‌الباب الرابع والعشرون في قافية الميم

- ‌وفيها أربع فصول

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌الفصل الثاني في التهنية

- ‌الفصل الثالث في الرثاء

- ‌الفصل الرابع في الإعتذار

- ‌الباب الخامس والعشرون في قافية النون

- ‌وفيها ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأوّل في المديح

- ‌الفصل الثاني في الرثاء

- ‌الباب السادس والعشرون في قافية الواو

- ‌وفيها فصل واحد في المديح

- ‌الباب السابع والعشرون في قافية الهاء

- ‌وفيها فصل واحد في المدح

- ‌الباب الثامن والعشرون في قافية الياء

- ‌وفيها فصل واحد في المديح

- ‌ خاتمة الكتاب

- ‌وفيها فصول

- ‌فصل في نبذة من رسائلي له

- ‌فصل في رسائله

- ‌فصل في نبذ من فرائد نظمه

- ‌تذييل في ذكر بعض تقريظات الكتاب

- ‌التقريظ الأوّل

- ‌التقريظ الثاني

- ‌التقريظ الثالث

- ‌التقريظ الرابع

- ‌التقريظ الخامس

- ‌التقريظ السادس

الفصل: ‌فصل في رسائله

هذا والله الشعر الذي تكاد تقطر منه الحماسة دما، وتجبن عن إنشاده الثريا حتّى لو كانت للأسد فما، وحيث فاض على الأسماع صوب هذين العارضين، وصقل الخواطر والطباع لمع هذين البارقين، رجوت على قلّة البضاعة، ونزارة الإطّلاع في هذه الصناعة، أن أنخرط في سلك من شكر، وأكون في نظم من خمّس وشطر، فقلت لا متحمّساً، بل على سبيل الحكاية مخمّساً:

أثرت الثرى نقعاً بكرّ الضوامر

إلى أن تركت الدهر أعمى النواظر

فقل للعدى أمنّا شفى الكرُّ خاطري

فلا والقنا والمرهفات البواتر

فلا ترةً أبقيت لي عند واترأبحتكم للعفو أبرد مشرع

غداه غسلتم كلّ جرح بمدمع

طمعتم لعمر الله في غير مطمع

أيذهب خصم في دم لي مضيّع

ولست أذيق الخصم طعم البواترثمّ أقمت إلى جنب كلّ شطر جليل، خادماً له من نظام جميل، فقلت مشطّراً:

"فلا والقنا والمرهفات البواتر"

عن الخصم لم أصفح سوى صفح قادر

لقد صلت حتّى قلت حسبي من الوغى

"فلا ترةً أبقيت لي عند واتر"

"أيذهب خصم في دم لي مضيّع"

وسيف حفاظي فلَّ صرف الدوائر

فكيف تذوق النوم عيناي لحظة

"ولست أذيق الخصم طعم البواتر"

ثمّ رأيت أن أخمّس هذا التشطير، تلذّذا بمعاودة الفكر إلى ذلك النظام الخطير، فقلت:

سطوت فلمّا لم أدع غير صاغر

عفوت إلى أن لم أجد غير شاكر

رعى الله صفحي عن عظيم الجرائر

فلا والقنا والمرهفات البواتر

عن الخصم لم أصفح سوى صفح قادرحملت له أثقال عزمي وقد طغى

على عود هذا الدهر حتّى بها رغا

فلا وأبي لم يبق لي بعد مبتغى

لقد صلت حتّى قلت حسبي من الوغى

فلا ترةً أبقيت لي عند واترضمنت على سيفي بهمّة أروع

دم المجد من خصمي لأكرم مودع

فلست له ابناً أن يضع عند مدّعي

أيذهب خصم في دم لي مضيّع

ولست أذيق الخصم طعم البواترأبى جدُّ سيفي أن أُكلّم لفظة

بغير شباه من أرى فيه غلظة

لقد أطعمت عيني الحفيظة يقظة

فكيف تذوق النوم عيناي لحظة

ولست أذيق الخصم طعم البواترثمّ شفّعته بهذه المقطوعة، وإن لم تكن لائقة لتلك الحضرة الرفيعة:

أثنت عليك بأسرها الدول

وتشوّقت الأعصر الأول

وأعدت للأيّام جدّتها

فاليوم عمر الدهر مقتبل

وأرى الممالك يابن بجدتها

لك شكرها كنداك متّصل

أوسعتها وفضّلتها كرماً

عنه يضيق السهل والجبل

وسبرت غور زمانها فغدا

لا جرح إلاّ هو مندمل

مافي الحياة لخالع أمل

أنت الحمام وسيفك الأجل

من ذا يردُّ لعزمتيك شباً

وشباك يقطع قبلما يصل

لو شئت قتل الدهر ثمّ درى

لقضى عليه قبلك الوجل

إن تنتعل قمم الملوك فقد

توجّتهم بالفخر لو عقلوا

وطأت لك الدنيا باخمصها

همم بساط نعالها القلل

ولئت أقمت بحيث أنت وقد

أمنت بك الأقطار والسبل

فالأرض حيث تجوسها بلد

والناس حيث تسوسها رجل

وإذا الصواهل أرعدت وعلا

برق الصوارم أمطر الأسل

وعلت رياح الموت خافقة

بأجشَّ قسطله له زجل

خضت السيوف وكلّها لجج

تحت الرماح وكلّها ظلل

وجنيت عزَّ الملك محتكما

من حيث نبت في الكلا الذبل

ولديك آراءٌ مثقفة

ما مسّة اكمثقّف خطل

فإذا طعنت بها العدا وصلت

منهم لحيث السمر لا تصل

وعزائم كالشهب ثاقبة

في كلّ ناحية لها شعل

قل للقبائل لا نعدّكم

جمع القبائل كلّها رجل

أسدٌ قلوب عداه من فرق

ذهلٌ ونابل فكره ثعل

فاطرح أحاديث الكرام له

فبه لكلّ منهم مثل

واترك تفاصيل الملوك فقد

أغنتك عنها هذه الجمل

يابن الوزارة أنت واحدها

لا راعها بفراقك الثكل

ومن ادّعى للعين ليس سوى

إنسانها ابن تشهد المقل

فأقم وبدرك كامل أبداً

والبدر منتقص ومنتقل

في دولة صلحت وزارتها

لك فهي تحسدها بك الدول

‌فصل في رسائله

ص: 203

لمّا ورد أخوه المصطفى إلى الحلّة الفيحاء مع قطب دائرة الولاية المنصور المؤيّد "عاكف باشا" ونزلا دار رئيس علمائها وزعيم فضلائها السيّد مهدي القزويني دام علاه، فكتب المصطفى بيتين قالهما على لسانه ارتجالاً علم العلم المشهور السيّد محمّد بن السيّد مهدي المذكور وأرسلها إلى أخيه مع البرق "التلغراف" وهما:

ببابل طاب عيشي

مابين روض أنيق

فصرت نعمان دهري

لو أنّ عندي شقيقي

فأجابه الجناب الحاج محمّد حسن في الحال على سبيل الإرتجال وأرسلهما إليه في التلغراف وفيهما التورية:

رصافتي رصفتها

مدامعي بالعقيق

بها صبغت الأفاحي

لكي تريني شقيقي

فأجابه جناب السيّد المذكور عن لسان جناب الحاج مصطفى أيضاً وذلك في التلغراف أيضاً وفيها التضمين:

لقد سحرتني بابل فاستمالني

هواها عن الزوراء من حيث لا أدري

ولو لم يكن فيها هجرت لأجلها

"عيون المها بين الرصافة والجسر"

فأجابه الحاج محمّد حسن في الحال بلسان البرق "التلغراف":

أتسحر مثل المصطفى أرض بابل

وإن حلَّ فيها ثالث الشمس والبدر

وهذي عصا موسى أخيه بكفّه

ترآئت فما أبقت لبابل من سحر

وكتب أيضاً إلى أخيه المذكور هذين البيتين بالتلغراف جواباً عن تلغراف كتبه إليه:

وافت الوكة سيّد شفت كما

شفّ النسيم وخلقه والماء

تحكي هلال العيد عن متيّم

هو والتصبّر واصلٌ والراء

ولمّا وصل جناب الحاج مصطفى إلى بغداد بعث إلى الحلّة للشريف أبي موسى الميرزا جعفر نجل علاّمة العلماء السيّد مهدي القزويني الحسيني هذين البيتين وأرسلهما مع البرق والإنشاء لأخيه الحسن:

لم أنس عهد مغان فيك مزهزة

قد أنستني فأنستني بك الوطنا

فما تجاوزت ميلاً عنك مرتحلاً

حتّى اكتحلت بسهد يطرد الوسنا

فأجابه الميرزا المذكور برقياً أيضاً وفيها التورية باسمه واسم أخيه جناب الحاج محمّد حسن وهما:

على محاني بابل

من بعد مسراك العفا

ياحسناً في فعله

أنت لقلبي مصطفى

وكتب حرسه الله إلى علم العلم والفضل السيّد سلمان نقيب الأشراف وأرسلها على لسان البرق "التلغراف" وهو إذ ذاك في دمشق الشام متوجّهاًً إلى وطنه دارالسلام:

ما زلت تولي أولياك الهنا

بعزمة ترغم حسّادك

مرتقياً في كلّ آن علىً

عَلَى السهى ترفع بغدادك

وكتب أيّده الله وأعزّ علياه بهذه الرسالة إلى حضرة السيّد عبد الرحمن أفندي نجل المرحوم نقيب الأشراف السيّد علي الأفندي تغمّده الله برضوانه وكان قد أراد كتاب نهج البلاغة ومقصورة السيّد الرضي في رثا الحسين عليه السلام وكلّف بذلك حضرة الحاج مصطفى فأرسلهما إليه وكتب معهما جناب الحاج محمّد حسن عن لسانه:

ريحانة المجد المؤثّل من رأت

عين المكارم أنّه إنسانها

شرفاً أخوك من النقابة سيفها

الماضي وأنت لدى الخصام لسانها

نور حدقة الشرف الباذخ، ونور حديقة العلم الراسخ، من انتهج من البلاغة نهجها القويم، وتسنّم من النجابة برجها الكريم، سلالة النسب القصير، وغرّة الحسب الواضح المستنير، الذي تعطّرت العلياء بارج فخره الندي، السيّد عبد الرحمن أفندي، مدّ الله عليه رواق العزّ والتخليد، وأضفى جلالبيب الإقبال والتأبيد.

أمّا بعد؛ فقد سيّرنا إليك ما أمرت به من النهج الواضح، والمقصورة في خيام الأحزان المشجيه في ذلك المصاب الفادح، امتثالاً لأمرك، وطوعاً لإرادتك، والسلام.

وممّا قاله دام مجده في مدح الشريف العلوي السيّد محمّد سعيد النجفي الملقّب بحبّوبي:

لعبت للطلا به نشوات

فتثنّى واحمرّت الوجنات

طعنتني أعطافه الميد لمّا

فتكت بي ألحاظه الفاترات

غير بدع إذا أصاب فؤادي

إنّما أسهم الهوى صائبات

تلك في معرك الغرام علينا

مشرعا وهذه ماضيات

فإذا جال فاللحاظ سيوف

وإذا مال فالقوام قناة

هي أمضى من أنصل ورماح

حملتها يوم الكفاح كماة

راع غزلان عالج والمصلّى

منه جيد ومقلة والتفات

فهو ما أنفك بالفؤاد ولكن

هي سرب في عالج سانحات

ص: 204

نسمات الصبا خجلن إذا ما

مرّ يوماً وللصبا نسمات

حسدت ضوء وجهه الشمس لكن

سرقت لحظ ناظر به المهاة

فالمغاني بوجهه مزهرات

والغواني بلحظه مولعات

قد هدى وجهة المشوق إليه

وسعيد من فيه تهدى الهداة

المعيُّ فات ابن سينا بفضل

لسنا نوره لنا لمعات

وشحته إذ كان للمجد أهلا

للمعالي من آل فهر سرات

فسما ذروة السماكين لمّا

حسنت منه للأنام الصفات

بمحياه للطلاقة معنىً

وبكفّيه للنوال سمات

لم أقس فيك بالفصاحة قساً

ذاك ملح وأنت عذب فرات

لك حوزالرهان في كلّ مجرى

إن أعدّت بين الملا الحلبات

فلو اسطعت أن تريث قليلا

لسعت ولهاً لك القصبات

فأجابه السيّد المذكور السيّد محمّد سعيد عنها بقصيدة يمدحه بها وهي هذه:

دموعي وهي حمرٌ مرسلات

وشت بي عند أهلك لا الوشات

أتنكر يا أخا القمرين لتمي

وفي خدّيك من شفتي سمات

فسل عطفيك كم طعنا فؤادي

إذا علمت بموقعها القناة

أتحكي السمر قدك باعتدال

وما ثقفت وهي مثقّفات

وسل كبدي ففي كبدي سهام

بأهداب الجفون مربّشات

فلو نزعت لحاظك عن قسيّ

لما حملت سواهنّ الرماة

لقد وقعت على كبدي كأنّي

لأحداق المها عندي ترات

فصلني إن وصلت أخا غرام

فشملي كاد يصدعه الشتات

وإن نظر الزمان إليَّ شزراً

وكادت أن تقاطعني الحياة

فقد أحيى بوصلك لي وتحيى

بجود محمّد الحسن العفاة

فعنع في مدائحه حديثاً

فذاك أصحُّ ما نقل الرواة

قد اختلفت طباع النّاس نوعاً

كما اختلفت بالسنها اللغات

فكان أجلّها شأناً همام

تغنّت في مدائحه الحداة

فتى قد أعوزت كفّاه شبهاً

وإن زعمته دجلة والفرات

هما قد شرّقا سيراً فخصّا

مسيلاً لم تسل منه الفلاة

وقد عمّت يداه الكون جوداً

قد امتلأت به الستّ الجهات

طما نهر المجرّة من نداه

فأنجمه أقاح نابتات

كتب جناب الحاج محمّد حسن حرسه الله بيتين إلى حضرة نقيب الأشراف السيّد سلمان أفندي يهنّيه بالعيد عيد النحر وبرتبة "مكة ?ايه سي" التي حصلت له من نفحات حامي حوزة الملّة الإسلاميّة حضرة "السلطان عبد الحميد خان" دام عزّه وأرسلهما بالتلغراف إلى بغداد من كربلا لأنّه كان فيها والبيتان قوله:

أقامك ربّ مكّة مستجاراً

بسعيك إذا بلغت مقام قربه

فعيد النحر فيك وأنت ركن

حقيق أن يهنّي بيت ربّه

وكتب أيضاً إليه هذين البيتين على لسان أخيه الأفخم جناب الحاج مصطفى يهنّيه بذلك:

بمجدك الدهر لا بالعيد مبتهج

وفي محيّاك يزهو لا محيّاه

فالله حيّاك بالعيد السعيد كما

بنور طالعك الميمون حيّاه

وقال أيضاً حرسه الله تعالى مشطراً ومخمّساً هذين البيتين وقد التمسه على ذلك الحاج أحمد ال?ا?هـ ?ي والبيتين هما:

عكس المدام بخدّه فتورّدا

ودنا يعاطيها يحاكي الفرقدا

وبدا يجول بحليته مشهراً

سيف اللوا حظليته لن يغمدا

فقال مشطّراً ومخمّساً:

أفدي رشاً غصّ الشبيبة أغيدا

بوضيء وجنة خدّه الساري اهتدى

مذ كان في كلّ المحاسن مفردا

عكس المدام بخدّة فتورّا

وبخدّه نور الجمال تجسّدارشأ بغير حشاي ليس بقاطن

وهواي عن مغناه لى بظاعن

ناديته صل ذاجوىً بك كامن

فدنا بشمس الراح بدر محاسن

ودنا يعاطيها يحاكي الفرقدانادمته رشأ تلفّت أحورا

ولثمته قمرا تكامل مسفرا

فغدا يهزُّ من المهفهف أسمرا

وبدا يجول بحلّتيه مشهّرا

من مقلتيه على العباد مهنّدارقّت معاطفه كرقّة خدّه

وزهت خلائقه كرهوة ورده

قد سلّ مرهف لحظه من عمده

فبمهجتي وأنا الصريع بحدّه

ص: 205

سيف اللواحظ ليته لن يغمداوأرسل هذه القصيدة من جصّان جناب السيّد عبّاس ابن السيّد محمّد ابن السيّد العلاّمة السيّد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة أعلا الله مقامه مادحاً بها ومهنّياً لجناب الحاج محمّد حسن في عرسه المبارك وذلك في سنة 1349:

أنهى إلى القلب خمار الشقف

فياخمار الصرف منه انتصف

وخذ بما أسرف ويك من دمي

فأنت مابيني وبين مسرف

معربد اللحظ بأيّ علقت

ألحاظه غودر أيّ متلف

وأغيد يخطر في دور الطلا

هزَّ الردينيّ بأسنى مطرف

مغنّجاً ماارفضَّ إلاّ بثَّ لي

من جفنه النشوة قبل القرقف

وهو إذا ما ثقلت أردافه

رجرجها السكر وسوق المعزف

لولا انكسار منك يا أجفانه

الوسنى لما جردّت غير مرهف

وأنت يا قامته قد غمزت

مرهف جفنيه الطلا فانقظصفي

قم واسقنيها امتزجت أكوابها

من لثّتيك فهو أحى مرشف

واشبب لظاها فهي مهما استعرت

لو رسبت في البحر ما إن تنطفي

وإن سعت للمزج منك قدم

فلا أقيلت عثرات الرفرف

لا دعدعاً أوانا من أرواحها

أدركها صرفا برشح الأنف

بكسرويات إذا ما أشرقت

فهي شموس أشرفت في كتف

نسيت مالي فالشموس دونها

إذ هي عمر الدهر لمّا تكسف

قرَّطها الساقي غداة ارتعشت

كفّاه من أبهى لئالي الصدف

فهي بنادي اللهو مهما بزغت

أخالها الشمس بدت في شنف

فياغيون اللهو بالراح انطفي

ويا خياشيم الأباريق ارعفي

وأنت يا زوراء قد راق الهنا

في ضفّتيك بهجة تزخرفي

قد أذن المجد إلى شمس الضحى

إن تلك أبراج العلى فازدحفي

فقد رأيت للشيف أن يرى

أخا الشريف وأباً للشف

من عقد الله له مئازر

الفخار من قبل انعقاد النطف

خلفك يا أحساب من فاضله

قد قعدت بك الجدود فقفي

فوَّقها شهباً وقد تفلتت

به إلى المجد التماس الهدف

هم شرعوا المجد زمان لم تكن

أكرومة بين الورى أو تعرف

فأوضحوا النهج إلى أبنائهم

فهي لهم بالمكرمات تقتفي

فأتبعوا التالد في طريفه

فهم كرام خلفاً عن سلف

وأرخصوا ما هو غال فهم

لديهم العسجد مثل الخزف

أي ويمين الخير كفّ المصطفى

فهي بغير الخير لمّا تكف

لو شحَّ نوء القطر في روائه

لاخلفته بالقطار الموطف

لا أحسب الصحف التي تسوّدت

بمدحه إلاّ وضاء الصحف

جمُّ المزايا لا تطيق رقمها

وإن تحرّينا انتساق الأحرف

يا مسعفي هنّ سميَّ المصطفى

هنّ سميَّ المصطفى يا مسعفي

بمن به العلياء قرّت عينها

لا برح الدهر بعيش الترف

فكتب إليه الحاج محمّد حسن بهذه الرسالة يتشوّقه ويشكره: سلام أحى من ريقة النحل، وأبهى من خصب بعد محل، وألطف من ساعة منح فيها الحبيب بالوصل، تزفّه نفحات الأشواق، محفوفاً بحبات القلوب والأحداق، إلى من عبرت معاليه على الشعرى العبور، وحلّ من جنان البراعة في جنان اعلا القصور، علوي الذات، المعي الصفات، من لمك أعنّة الفضائل فألقت إليه قيادها، وأذعنت له فصحاء البيان بالمقال الفصل فسادها، وحاز قصبات السبق في حلبات المعالي، وحلى عواطل الفضل من بحر كماله بالدرر واللئالي، وفاز من أقداح المفاخر بالمعلي والرقيب، فكان في درر فرائده وغرر قصائده ريحانة الأديب، وسلوة الغريب، ذاك سليلب الشرف الباذخ، وليث عرّيس البأس الراسخ، من عطر الأكوان بعرف معارفه وكرمه، وانتشت الأرواح بمكارم أخلاقه ومحاسن شيمه، عديم ندّه في المنثور والمنظوم، نسيج وحده في حلّ مشكلات العلوم، المتفرّع من دوحة جلال طيّبة الأغراس، والمتضوّع في روضة كمال عطريّة الأنفاس، علم الفضل المفرد، وعيلم العلم الأوحد، ذاك خلي السيّد عبّاس المؤيّد، أدام الله له من الخلود أسناه، وأضفى عليه من الإقبال أبهاه، رافعاً علم مجده بخفض عداه، صاقلاً روض سعده بقطر نداه، ما سجعت الحمائم بالأغاني، وهبّت النسائم في المغاني، بمحمّد أفص من نطق بالضاد، وأبلغ من أوتي جوامع الكلم فأروى ببلاغته كلّ قلب صاد.

ص: 206

أمّا بعد؛ فالداعيى لتنميق صحيفة الإخلاص، والوكة المحبّة والإختصاص، هو محض الإستفهام عن مزاج من فضح النسيم طبعاً، والإستعلام عن دوام ابتهاج من ترك محبّيه على ساحة الفراق صرعى، على أنّي أسير أعلاق الوجد والهيام، ورهين أشراق الشوق والغرام، فالأرض تارة معشبة بدموعي، وأخرى مصوحة بضرام ولعي وهلوعي.

فبرح بي شوق ملحٌّ إلى فتىً

تعلم منه الغيث كيف يجود

همام طما بحراً بكلّ فضيلة

وقد ساغ منه للأنام ورود

وبينما أُعلّل النفس بالفوز في نظر محياك، وأروّح الروح بجميل ذكرك ونشر ريّاك، إذ وردتني مألكة نثرك الرائق، وعقيلة نظمك الفائق، منسوجة ببنان الفضل البار، فأزرت بوشي صنعاء، مرصّعة بدرر بحر البارع الماهر، فحسدتها قلائد الحسناء، فيا أيّة االسيّد الذي أضاء بفلك المجد بدر علاه، والبارع الذي ما نصب للفضل منبر إلاّ رقاه.

كسوتَ فضلي أبراداً مفوّقةً

من النهى نسجتها أنمل الفكر

وزنت جيد العلى من بحر فكرك في

منظومة درراً أبى من الدرر

ألفاظها نفحات الروض باكره

قطر الندى فغدا مستطرف الزهر

لها معان بآراء الورى فعلت

فعل اللحاظ بأبناء الهوى العذري

لقد تحلّت وراقت في دقائها

كما تحلّت عيون الغيد بالحور

فليس لفظ حوته غير منتخب

وليس معنىً زهاها غير مبتكر

فيالها من بدائع بيان بزغت في أكواب الطروس شماً، وذكّرتنا سلاف أسلافها وأنستنا قبساً وقسّاً، فأسكرتنا براح معانيها الرقاق، وملئت جانبي بغداد بالإشراق، وغنّت بها بلابل السعد، على منابر الأغصان، وحدّت بها حداة الوخد، بمطربات الألحان، فيامن تحلّت بدرر ثنائه الطروس، وانتعشت بذكر صفائه النفوس.

لولا الهموم الطارقات وإن أكن

فرغت شطر القلب في ذكراكا

لنظمت حبّات القلوب فرائداً

عرنيةً يزهو بها مغناكا

لكنّني ماذا أقول وإنّما

يتحيّر النحرير في معناكا

غير أنّي حين حرّكتني لواعج الشوق والكلف، وهيّجتني علائق التوق والشغف، بعثت بهذه الخريدة الهيفاء، والفريدة الغرّاء فأعرها سمع رأفتك الكامله، وألحظها بعين محبّتك الشامله، وهي هذه:

نبت الروض من دموعي الذوارف

إذ شجاني في الدوح سجع الهواتف

ذكّرتني وكيف أنسى أغناً

مائس القد كالرديني هائف

وغزالاً مورد الخد غضّاً ال

جيد مرَّ الصدود حلو المراشف

راقني منه مرسلات جعود

بين قاني خدوده والسوالف

فلو أنّي لم أخش تلك الأفاعي

كنت من ورد خدّه الغضّ قاطف

عكّف الحسن والدلال عليه

والتصابي باد عليه وعاكف

لاذ بالمستجار من وجنتيه

منه خالٌ بكعبة الحسن طائف

أمن النّاس حيث فيَّ استجاروا

وفوآدي مروَّع منه خائف

يا رشيقاً قد راق للعين حتّى

ما عليه من ناعمات المطارف

عد لربع تخذّت فيه صبوحي

وغبوقي اللما وأنت المساعف

فترفّق بالمستهام وإنّي

جئت مستعطفاً بلين المعاطف

وأمنحن بالوصال يا روح روحي

شافعاً للتليد منه بطارف

يا فؤادي دع عنك ذكر غزال

شأنه الدل للصدود محالف

واذكر عهد سيّد ألمعيّ

أبهر النّاس بالحجا والمعارف

يا أباالفضل قد تساميت فضلاً

ولسان الثنا بفضلك هاتف

حار وصفي في كنه فضلك يا من

بمزاياه لم يحط وصف واصف

إن أقل فاضل فما الفضل إلاّ

لك عبدٌ للأمر عندك واقف

أو أقل حاتم الندى فأيادي

ك ندىً عمّت الورى بالعوارف

إنّما حاتم وإن فاض جوداً

هو بالجود من بحارك غارف

وحداة المطا بذكرك غنّت

وتحلّت بالمدح فيك المصاحف

ردّ لي عهدك القديم بمغنىً

ألبسته يد الربيع مطارف

ففؤادي قد بان مذ بنت عنّي

وهو أنّي خطفت كالبرق خاطف

وضلوعي انحنت عَلَيّ جمرات ال

شوق والجفن في دمق القلب راعف

ص: 207

وكتب أيضاً إلى السيّد المذكور السيّد الشريف العالم الفاضل السيّد محمّد سعيد حبّوبي كتاباً وضمّ إليه قصيدة فائيّة يصف بها القصر الذي سيأتي ذكره يمحده بذلك ويمدح جناب الحاج محمّد حسن والكتاب هذا:

أهدي إليك مع النسيم تحيّة

تدع النسيم من التلهّب بارقاً

فاصحر لها ما إن تهبّ مجزية

بربى ديارك شائماً أو ناشقا

سلام أرقُّ من نسمات الصبا، وإن أدركت من رقّة طبعك نصيبا، وأطيب من نفحات الكبا، وإن تضمّخت من نثرك طيبا، نظمته من بيض لؤلؤ مكنون، فانسقت فرائده صفوفا، ثمّ احترقتها بنار الشجون، فاسودّت في الطروس حروفا، لى طراز حلّة الفخر المذهّبة، ونور الدوحة الفاطمىّ المهذّبة، نخبتي من النّاس، مولاي السيّد عبّاس، حفظه الله وحرسه، بالنبيّ وآله، ومن عقد في عراهم مرسه، وأتبعهم في أحواله وأقواله.

وبعد؛ فالقصد الأصلي، والمطلب الأوّلي، هو الفحص عن ذاتك التي هي عنوان الشرف، وطباعك المصقولة بأكفّ الترف، المسكوبة في أقداح اللطافة والظرف، التي ما تعاطي ذكرها الأحباب، إلاّ وأسكر الأرواح ما يروقها، المتشعشة في الأكواب، مذ كان من العلم والأدب راووقها، وإن سئلت عن صبك العميد، فهو بحمد الله في عيش رغيد، وإنّي وردت إلى الزوراء، قبل تزويج زين الخلاء، فكنت بهجة الألسن حيث لم نأنس إلاّ وذكرناك، ومتى النفوس والأعين، حيث ما منينا إلاّ وتمنّينا.

فلكم جلسنا مجلساً

فيه الأنيس جميل ذكرك

هذا بمدك آخذ

ويروح ذا بمزيد شكرك

فكأّ ذكرك خمرة الأنس المتعاطات، والخطوة بمجيئك خطوة الأمل المتباطات، فلم توفق آفاقنا بإشراق شمسك، ولا ردَّ يومنا ما فات من أمسك، فكان بعدك كالغصة في ذلك العيش، وفي مراماة تلك القارة يميناً وشمالاً سهمنا بالطيش، حتّى زارت الزوراء خريدتك الفائيّة، التي آنستنا بكلّ بحترية وطائيّة، فتغنّت الندمان بها على كلّ سلافة، ونظمتها عقوداً كعاب الرصافة، بعد أن أقبلت ترفل في قوافيها، فتلقّتها الأخلاّء بالقبول، وعانقوا من ضخامة معانيها، ما تفصّمت في ساقها الحجول، فانعقد مجلس لأجلها، وتعطّشت الأسماع لسجلها، فلم يبق بيت إلاّ استعيد مائة وعشراً، ولا لطيمة مسك إلاّ وفضت ما استقصيناها نشراً، إذ تبسّمت مفترة عن ثغر عبّاس، وانسكبت صهباء على مسامع الجلاس، فانهت خمار شغفها إلى قلوب السامعين، وحلّت بانعقاد نطفها عرى المتعصّبين، فلو كان السامعون من ذبيان، لا نيغ فيهم غيرك من زياد، ولو كنت في سالف ذلك الزمان، لما أبقى طريفك من تلاد، ولو وعاها الوليد لشاب، أو سمعتها أخت صخر لارفضَّ قلبها وذاب، ولعمري هي صدر التهاني من الناظمين، وإن كنت منخرطاً في سلكهم، فقد رمت الوزارة على المهنّين، فردّوني وظفروا منك بملكهم، فهي المقدّمة على تأخيرها، والمعشوقة على تأميرها، ولعمري لهي الشنب المرتشف من الثغور، والحبب المرقص بأقداح الخمور، هذا وقد أرسلت إليك هذه الخود الكعاب، فأذّن لها ولا تغلق من دونها الباب، فهي وإن لم تكن بشأنك وافيه، إلاّ أنّها تحلّت عن بديعتك بالقافيه.

بلوى الرقمتين من أُمّ أوفى

طلل بان أهله فتعفّى

غيّرته الأعصار يوماً وليلاً

وشمالاً يعصفن بالربع عصفا

ومحاه مسرى الرياح جنوباً

وانهطال السماك سحباً ووكفا

وثلاث لم يبلها صوب قطر

لا ولا كابدت من البين صرفا

قربت بينها ولائد بكر

وارتضتها مواقد الحيّ ألفا

بين نوئين خلفت ضمياء ألقت

من حليّ لها سوراً ووقفا

قال لي صاحبي وقد أخضل الدمع

ردائي ومزنة الشوق وطفا

طارحاً بالطلول عبأ دموع

أثقلت ناظري عسى أن يخفّا

أو تبكيك باللوى عرصات

دارسات الطلول من أُمّ أوفى؟

صاح دعني في اربع نعمتني

بلعوب لطيفة الخصر هيفا

كان عهدي بها قريبة عهد

لم ترعني في موعد الوصل خلفا

تتمشّى مدلّة بين بيتي

جاريتها ممكورة تتكفّى

بقضيب يهزّه اللين قدّاً

وكثيب يرجّه الثقل ردفا

هي روض الجمال يرتادها الطر

ف اختلاسا وتمنع الكفّ قطفا

مبسماً واضحاً ووجها أغرّاً

وحشىً مخطفا وزندا ألفا

ص: 208

وثنايا كأنّهنَّ لئال

نسقتها نساقة الغيد رصفا

هي أحلى من الرحيق إذا ما

خلطوها بالزنجبى المصفّى

وجفوناً أودى بها السقم حتّى

كدن يحكينني سقاماً وضعفا

فتنت نرجس البطاح إذا ما

نبهته الصبا وقد كان أغفى

ريّشت نبلها وريّشت نبلي

فمضى لحظها وأرعشت كفّا

وارتمينا فكنت أكذب مرمىً

وانثنينا فكنت أصدق حتفا

هزَّ منها الصبا قضيبي أراك

للتصابي ولفنا الشوق لفّا

إن تعشقتها هوىً فلعمري

أنا ممّن إذا تعشّق عفّا

أدّعي حبّها لينصل منّي

ربّ مبد أيدي هواه ليخفى

أهلها قرّبوا الجمال وحطّوا

حجبها للنوى حجالاً وسجفا

فتبدّت من القطيفة شمساً

واستقلّت على الرحالة خشفا

فبعيني ظعائناً جزن بالرمل

وراء الهضاب يحدون عنفا

أيّها الرّاكب التي انتجوها

من ظليم أصاب وجناءَ حرفا

فهي خلقٌ مابين ذاك وهذا

أعملت للسرى جناحا وخفّا

عجّ إذا جزت أرض بدرة واقصد

شعب جصان جادها الغيث وكفا

واخلع النعل في مقدّس واد

لو أتاه المشوق يوماً تحفّى

واقرأنَّ السلام عنّي خليلاً

قد قرأنا هواه حرفاً فحرفا

علويّاً حاز المعالي لا بل

زانها مبسماً وجيداً وطرفا

يا أباالفضل كنية قد أبانت

لك فضلاً فأصبحت لك وصفا

وعميد الوغى إذا هيج يوماً

وحليف الإبا إذا سيم خسفا

رفَّ شوقاً إلى لقاك فؤادي

عمرك الله هل فؤادك رفّا

لم يزل بي إلى لقائك لوح

ولو أنّي أفنيت دجلة رشفا

إن تسلني كيف استمرّت حياتي

فبطيّ الكتاب جائتك لفّا

أم تراك الغداة تذكر عهداً

قد تقضّى ومعهداً قد تعفّى

أزعجتنا النوى وكنّا جميعاً

بربى الكرخ في نعيم وزلفى

في مشيد من القصور منيف

أوطأته حمراء دجلة كتفا

فسما تحسب البسيطة رامت

أن تشمَّ السما فمدّته أنفا

شامخ الركن والأزاهير تزهوا

جهتي أرضه أماماً وخلفا

تحت ورديّة إذا ضربوها

رفعت تشتكي إلى الله طرفا

هي في طرحها سدىً وإذا ما

ضربت جلّلت على الجوّ سقفا

ضربوها وهل تحدُّ فتاة

ما رمي عرضها الكواشح قذفا

زانها الفرس بالتصاوير حتّى

مثّلت لي الضبا صنفاً فصنفا

ورواها البديع نوعين منه

دون كلّ الفنون نشراً ولفا

فانتظمنا عقداً وواسطة العقد

أغرّ قد راق طبعاً وشفّا

ذاك من علم الهيام فؤادي

وسقاني مدامة الحبّ صرفا

ذاك معنى الثنا بكلّ لسان

ملىء الدهر من مزاياه صحفا

ذاك خلي محمّد الحسن الأخ

لاق والخلق أحسن الخلق وصفا

لم أفه باسمه المطيّب إلاّ

وفضحنا أرواح دارين عرفا

فعليك السلام منه ومنّي

ما تغنّى الحمام يندب ألفا

وقال السيّد الجليل والفاضل النبيل السيّد عبّاس المتقدّم ذكره مقرضاً على نظم هذا السيّد المبدع، والمنشي المخترع، وقليل بمقامه، أن أقول أجاد في نظامه، وهو:

هذا نظامك يا فرد الجمال أتى

كالروض جرت عليه ذيلها الديم

جزل المعاني رقيق اللفظ موجزه

يروق مبتدؤٌ منه ومختتم

قد ضمن الزهر إلاّ أنّه كلم

والأنجم الزهر إلاّ أنّه حكم

منظّم لدراريه ابن بجدته

طرف له السبق لا زلت له قدم

وذاك منثورك الزاهي فرائده

يبثّها منك فكر ثاقب وفم

عبد الحميد بن يحيى في بلاغته

وابن العميد إذا قيسا به عدم

نظم هو اللؤلؤ المكنون زان به

نحر العلى مفرد في مجده علم

ذاك الفتى الحسن الميمون طائره

بوجهه تنجلي الغمّاء والظلم

فلا يزال السعيد الجد في دعة

ما هزَّ عطفيه في يوم الندى الكرم

ص: 209

وكان حضرة سيّدنا المؤيّد، بعناية الواحد الصمد، الميرزا جعفر نجل علم الملّة والشريعة السيّد مهدي القزويني دام علاه قد سافر من الحلّة الفيحاء إلى المرقد المقدّس لزيارة سيّد الشهداء، وكذلك الماجد الحاج محمّد حسن قد قدم من الزوراء للزيارة فضمّهما معاً مجلس المؤانسة والمفاكهة فعزم الحاج محمّد حسن على حضرة سيّدنا أن يشرّف إلى بغداد ويتشرّف بزيارة الكاظمين عليهما السلام فوعده بذلك بعد رجوعه إلى الحلّة فكتب إليه بعد ذلك يتشوّق إليه ويتقاضاه ذلك الوعد الذي سبق منه، والكتاب هذا:

لوعة الوجد أحرقت أحشائي

وفؤادي في الحلّة الفيحاء

خامرتني الأشواق في مجلس الذ

كر فكان السهاد من ندمائي

أنا لم أصف للهنا بهواء

مذ تنائيتم ولا عذب ماء

ومحال صفاء دجلة مالم

يجر ماء الفرات في الزوراء

بك يا حلية المعاني ومعنى

رقّة الماء راق معنى الهواء

فعليك السلام ما سجع الورق

سحيراً في بانة الجرعاء

من موّق إلى على علوي

جاز هام السماك والجوزاء

ذاك من علم البحر التيّار، بصغرى أنملته، إن يجود بدرر الرائقه، وأعار الرند والعرار، من طيب نفحته، ما عطر الأرجاء بنسمته الفايق، هضبته الحلم الراسخ الرزين، وعيبة العلم الموروث عن الأنزع البطين، من تسنّم ذروة الزعامة من هاشم، ونشر بالرياسة أعلامه على قبيلة المكارم، معنى أبهة الشرف، وحياة روح الكمال والظرف، نيّر أفق المجد الأزهر، حضرة مولانا وعمادنا الميرزا جعفر، لا برح سنا هالة عليائه، متشعشعا بمطالع آفاق سمائه، ما اهتدت لمناهج السرى حداة الأظعان، بأنجم فضله السيّارة، وبلت بنوء الوجد أزهار الثرى من دم دمعتها الهتان، إذ رشقتها الأحداق بألحاظها السحّارة.

آمين آمين لا أرضى بوادحة

حتّى أضيف إليه ألف آمينا

أمّا بعد؛ ومن طرز حلّة البراعة، من أفلاك نهاك بأنجم النثرة نظماً ونثراً، ورفع ببنانك اليراعه، في محفوظ لوح حجاك على هام المجرّة شرفاً وقدراً، لأليف شوق مخامر، ألحّ على الصب بزفراته، وحليف نوق مسامر، برح بالقلب بجمراته.

فسل دراي الأُفق عن محاجري

هل غير بعد نورها أرقّها

وسل مغاني الكرخ عن مدامعي

هل غير قاني مزنها أغرقها

تلك مغان لم تزل مزهرة

لو لم يكن حرُّ الجوى أحرقها

وسل حمامات تئنّ لوعة

في الدوح بالهدبل من أنطقها

ومن غداة راعني يوم النوى

بذائب من الحشا أطوقها

وإنّي لأسئل من نشر أشعّة فضائلك على سائر الأرجاء، وكسا الكون من نشر عوارفك وفواضلك حلل الشرف والعلياء، أن يعيد الزوراء بزورة بدر المجد باسمة الثغور، ويسعف المتّسمين بالولاء بإنجاز سالف الوعد فيطوّقهم بالحبور، وأسألك أيّها الراقي من ثريّا الفخار بسلّم محامده مناطها، والغائص في عيلم علمه الزخّار ليلتقط درر فوائده فأحسن التقاطها، أن ينوب عن الداعي بلثم أنامل مولانا العماد، وينهي أكمل ثنائه إلى القادة الأمجاد، وأن لا ينسي المحب وحاشا كرائم عاداته، من مستجاب دعواته.

فأجابه السيّد المذكور الميرزا جعفر عن رسالته هذه بقوله:

أرج معاهد من معاهد الزوراء

نشره فاح في حمى الفيحاء

أم عروس زفّت من الكرخ تمشي

لي على الدل لا على استحياء

ونجوم من الرصافة ألبسن

حمى بابل برود ضياء

أم سطور بها حباني حبيب

هو من مهجتي قريب نائي

لسكرتني ألفاظها ومعاني

ها فقل في الكؤس والصهباء

وسبتني صدورها وقوافي

ها فقل في المشوق والحسناء

هيجت لي شوقاً بها كان قدماً

كامناً في ضمائر الأحشاء

لفتىً ينتمي إذا انتسب النا

س فخاراً لأكرم الآباء

ص: 210

ذاك من حلق نسر مجده الطائر، عن أن تصل أفكار الواصفين إليه، وتعالى شأن سعده الباهر، عن أن تقع أبصار الناعتين عليه، بدر هالة الكمال المشرقة، على الأرجاء أنواره، وفرقد دائرة الإفضال المتألقة، أشعّته وآثاره، فرع الشرف الباهر، وسلالة المجد الموروث كابراً عن كابر، عين أعيان الزمن، وغرّة وجهه الحسن، لا زال نيّر مجده، طالعاً في آفاق سعده، ما طاف بربعه المعمور طائف، وسعى بفناء عزّه بادي الوفد والعاكف، آمين آمين.

أمّا بعد؛ فقد وافت الوكتك التي حيّرت بما حبرت فيها عقول ذي الألباب، ورسالتك التي أعجزت بما أوجزت فيها من المحكمة وفصل الخطاب.

فكم أهاجت في الأسى لي مهجة

إلى حمى الزوراء ما أشوقها

وكم أذالت في الهوى لي مقلة

إلى مغاني الكرخ ما أرمقها

وكم روت لي عنك في إسنادها

مودّه في الدهر ما أصدقها

وكم دعت بالفضل من ذي لهجة

عليك بالثناء ما أنطقها

فاسأل من ألبسك مطارف الفخر حتّى صرت إنسان عين الزمان، وكساك برود العزّ حتّى أشير إليك بالبنان، أن يتمّ لنا ما أمّلناه من مواصلتك، وبعجل ما تمنّيناه من زيارتك، والسلام عليك ورحمة الله.

وممّا كتب به جناب الحاج محمّد الحسن إلى النجف إلى جناب السيّد محمّد سعيد حبّوبي:

نسم الصبان إن جزت كوفان بلّغي

سنا هامة العليا تحيّة مغرمه

وإن فهت نطقا فانشري طي لوعة

ورتها الليالي بين جنبي متيّمه

عسى أنّ ألفاً لم يعودنّ جفوةً

يرقّ لرقّ ريُّ خدّيه عن دمه

فلا والهوى لولاه لم أدر ما الهوى

مولم يشجني ورق الحمى بترنّمه

ولم تلهني عن ذكره ريم رامة

ولا عيس نعمى لا وربّي وأنعمه

فيا روح روح الصب عجّل بردّها

فما هي إلاّ أنت يا بدر أنجمه

ودمت لمنثور اللئالي منظّما

فرائد فكر أنت لجيُّ عيلمه

أما والذي هداني صراط ولائك، ومزج يوم أخذ الميثاق حوبائي بحوبائك، لم يسل عميد هواك عن سعيد جدّ علاك، ونشر عاطر رياك، وفجر باهر محيّاك، ولا آناً يرشق الأكحل فيه بنلة لحظة، بل ولا زماناً ينسق إلاّ لثغ ذوالدل من فية مدرة لفظه.

إنّي ولاعج شوقي بات ينفرني

طعم الكرى وغرامي الصبر إنساني

فسال إنسان عيني في مدامعها

وأنت بأضوء عيني عين إنساني

ولكم أماتت كئابتي من النهار بياضه، وأحيت فرط صبابتي سواد الظلام ولا غضاضة، وكيف يملك عنان أساء من أنسى هيامه بني عذره، على أنّه لو نبا حدّ وجده واساه لم يقبل الهوى عذره، فلا وحلّة فضلك السابغه، وشرعة نبلك السائغه، ما ريع مذ أتيت سهم داعيك بالطيش، كلاّ ولا راق إذ نأيت بعين مراعيك لذّة العيش.

ولم ترق حدائق مبهجة

ما لم يكن وجهك نور روضها

ولا الصبا سارية ما لم يكن

يروي لنا خلقك نشر غضّها

فكيف عن مثلك يا عديمه

تذوق عين الصب طعم غمضها

زنت العلى من هاشم معنى العلى

ففزت في لبابها ومحضها

بوركت من ندب على رغم العدا

أعلى منار وندبها وفرضها

وجدّك الأعلى على سمائها

والعروة الوثقى لأهل أرضها

فلا زال رواق عزّك على قصر نسبك القصير ممدودا، ولا برح ساحل يمّ جودك العذب النمير للناهلين منهلاً مورودا، وإنّي لأسأل من أبدع فطرة ذات مجدك المؤثّل، وزان جيد الفضائل والفواضل بجوهر عقدك المفصّل، ورصّع من مستظرف نهاك فرائد الجمان بكلّ درّة يتيمه، ورصّف من مستطرف غضّ بهاك قلائد العقيان بدرر أشعّة طلعتك الكريمه، أن يعطر بطيب مجالسك الذكيّة، أندية الرصافة، فنتعاطى بها منادمة أخلاقك الزكيّه، عن منادمة السلافه، ولمّا أن هزّني إليك الشوق الملحّ، وأمالني وجداً عليك الهوى المبرح، نظمت ببنان المودّة عقود قلائد هذه الغانيه، فأزففتها تمشي على استحياء إلى جنّة فضلك العاليه.

دم الدمع من عين المتيّم مرزم

لك الله من دامي الحشا يا متيّم

شجاك الهوى وجداً فأشجيت نائحاً

حمامات ذات الأثل إذ تترنّم

فما غار منك الصبر إلاّ وأنجدت

مدامع حمر منك والركب متّهم

فيا سائقي أضعان لبنى ترفّقاً

بقلب مشوق ليس ينفك عنكم

ص: 211

ربيع الثرى ذوا بحرّ حشاشتي

ونومي مذبنتهم عليَّ محرّم

فليس الهوى العذري إلاّ لمغرم

قضى أسفاً يوم النوى وهو مغرم

وما كنتم الواشون سرَّ صبابتي

وأيّة أسرار من الحبّ تكتم

تتيّم قلبي في هواكم وإنّما

يقطع أفلاذ الفؤاد التتيّم

بنفسي ريماً سانحاً بين سربكم

وبد سما حسن حواليه أنجم

مغنّج لحظ ماالسيوف وإن مضت

بحاسمة مالم تكن عنه تحسم

رقيق حواش ما الصبا برقيقة

إذا نسمت إن لم تكن عنه تنسم

مفلّج ثغر ما الأقاحي نظيرة

إذا لم يزنها ثغره المتبسّم

تدبّ على ورد بخدّيه عقرب

وفوق رقيق الخصر يناسب أرقم

فيهمّ لي ما كان بالثغر موضحاً

ويوضح لي ما كان بالشعر مبهم

ترعرع في حجر الدلال وقد نشا

رقيق صباً يلهو به المتنعّم

لهوت ولكن عن هواه بماجد

إذا عدّد الأشراف فهو المقدّم

فتىً فات معناً بالنوال وحاتماً

بلفظ ومعنى وهو أعلى وأكرم

فتىً فاز بالقدح المعلّى من النهى

وكان له في حلبتيه التقدّم

فيانجعة العافي عفى رسم مهجتي

من الوجد لولا أن خيالك ترسم

وربعي يا أنسى بنأيك موحشٌ

أجل وربيعي من دموعي مرهم

فهلاّ تراعي ما مضى من عهودنا

وتثنّى لنا أيّام كنّا وكنتم

ويا بدر ما بدر السماء بمرتق

إليك ولو أنّ الكواكب سلّم

بنعلك دس هام الدراري مباهياً

فأنت لجيد الفضل عقد منظّم

ونهاية المأمول من مولاي، ومالك حوز ولاي، أن يذكر الداعي لدوام عزّه، تحت قبّة ذخره في عظائم الأمور وحرزه، وينوب عنه بالبشرى في لثم يدي علم العلم وكنزه، متّعنا الله ببقاه، وبلغ به من الفضل أعلا مرتقاه، وإبلاغ الفضلاء الكرام أوفر الثناء عنّا وأكمل السلام.

وكتب إليه من النجف، مركز دائرة الكمال والظرف، من لا تعقد الخناصر بغير اسمه، ولا تصاب شاكلة الغرض إلاّ بسهام رويته وفهمه، فرع زيتونة الفخار، ولسان فصحاة نزار، الذي هو بكلّ المزايا فريد، جناب السيّد محمّد سعيد الملقّب بحبّوبي النجفي جواباً عن هذا الكتاب:

إليك يا أباالهاديى تحيّة شيّق

تضمّخ فيها شمأل وشمول

فآية تسليمي إذا ضاع عنبر

شذاه وما هبّت صباً وقبول

وكلّ أريج ضاع فهو تحيّة

وكلّ نسيم هبّ فهو رسول

أخي والذي طوّقني بفضلك طوق الحمامة، لا ينتزع من جيدها ولا تخشى انفصامه، وملكك دون البريّة صعب عناني، لئن خلا منك ناظري فقد امتلأ منك جناني، وكأنّك لم تبرح نصب عيني، وإن حالت المهامة بينك وبيني، وعندي من الشوق ما تتلجلج ألسنة الأقلام عن ذكره وتقريره، وتبيضّ عيون المحابر في الأرقام عند تحبيره وتحريره، على أنّي لو جاوزت به سماعي، وأفشيت سرّه إلى يراعي، لالتهبت ريقته جمرة تجفّف لسانه، ولتعثر في مناجات القرطاس فلم يعرف بيانه، ولأعيى المحابر أن تبرد برشفاتها أنفاسه، ولم تبق من ريقه رشحة ينقط بها أطراسه، على أنّه أصمّ لا يسمع سرّاً أو نجوى، وليس بذي قلب فيرقّ لبث أو شكوى.

ولو أنّني فاوضت ذاالطرس بعضه

لأحرقه حتّى وهي وبيدا

ولم تقو عيسى أن تنوء بحمله

ولو مسخت أخفافهنَّ حديدا

ولو سخرت شمّ الجبال لنقلة

وحملنه لانهلن منه صعيدا

ألا فليطب بالكرخ عيش أحبّتي

فما ذقت عيشاً بالغريّ رغيدا

وأشرب عذب الماء رنقا كأنّما

سقاني ضيعاً صدّكم وصديدا

ومن شقوتي أن يحكم البين بيننا

ويا شدّ ما أشقى الزمان سعيدا

غيره:

فلي زفرة وجه النّهار وزفرة

أسامر فيها الليل دون سميري

وما تلك أنفاساً تشبّ وإنّما

شظايا فؤادي في شواظ زفيري

غيره:

وخامرت من داء الصبابة نشوة

أخال لها ما إن مشيت نزيفا

وسار وجيباً نحوكم بين أضلعي

فؤادي إذ لا يستطيع وجيفا

وأنكرت كلّ النّاس ألفاً وصاحباً

وكلّ المغانيى مربعاً ومصيفا

ص: 212

وكلّما متّعت في طيب ذكراك اللسان، قالت العين لاحظ لي في غير العيان، ولقد خالطني برح لم أجد له من براح، وبراني ممضه بري القداح، فبينا أنا أطالع النجود والتهائم، واستنشد عنك البروق والنسائم.

إذا بابن موسى جاء من نحو أرضكم

بما لو أتى عيسى به لتجمّلا

رسالة شوق مذ فضضت ختامها

وجدت بها للدرّ "عقداً مفصّلا"

فقبّلت منها أحرفاً وحسبتني

أُقبّل من كفّيك في الطرس أنملا

وشاهدت معناكم بها ولربّما

بدا المرء في آياته فتمثّلا

فقلت أراني لست أهلاً لمثلها

فقال جواد قد حنا وتفضّلا

وإنّي لم أبعث إليه رسالة

سوى الريح إن هبّت جنوبا وشملألا

فتهلّل وجه الأرض لبشري وابتهاجي، على أنّي كدت أن أطير بأجناح السرور عنها فرحا، وقلت لبراق سعدي رويداً فقد تناهي معراجي، فها أنا أختال على أفلاك الأماني مرحا، وكدت قبل أن أفض لها ختما، أن أستأصلها تقبيلاً ولثما، حتّى إذا فضضت ختامها، ورفعت عن لألأ غرّتها لثامها، وجدتها معاجز محمّديّة، ورأيتها فقراً حسنيّة، تفيض بأسرار البلاغة ينابيع بيانها، وتشير إلى المودّة أساريع بنانها، وتأرّجت الأرجاء بطيبها نفحا، وطفق لسان الشكر ينشىء له مدحا، وترنّمت بلابل الوجد صدحاً.

طلعت الوكته عليك بأسعد

وأتتك تحسبها سبيكة عسجد

وكأنّ أحرفها على وجناتها

آس العذار يشقّ خدّي أمرد

ولقد أتت والكتب بيض قبلها

ورديّة تجلو خدود مورد

وتبسّمت تفترُّ من كلماتها

كالخود تبسم عن خمار أسود

كاللؤلؤ المنثور وشي حروفها

لو لم تكن صبغت بماء زبرجد

بالشمئل الشمل استقلّ نسيمها

وأريجها قد ضاع بالندّ الندي

حتّى كأنّك قد ك تبت سطورها

دون اليراع بمندل متوقّد

فلثمتها في ناظري لا في فمي

وحملتها في صبوتي لا في يدي

وطفقت أسحب مطرفيَّ تمايلا

فكأنّنيى خامرت نشوة صرخد

فكأنَّ معناها سلافة قرقف

وكأنّما يسقي السلافة منشدي

أمشرّفاً قدري برائق لفظه

ومطوّقاً جيدي به ومقلّدي

هل كيف تختلس المداد مقدّراً

كفٌّ قد انبجست ببحر مزبّد

وتشكّل الكلمات في رشحاتها

وهي السحابة تشتهلّ لمجتدي

يا ساكني الزوراء حسبكم النوى

فلقد وهى جلدي لكم وتجلّدي

أمرضتموني بالبعاد وإنّما

أقصى شفائي إن أراكم عوّدي

ألقيت أقليدي إليكم طائعا

ولكم تقاعس عن سواكم مقودي

كثرت عَلَيّ النائحات صوارخاً

إن لم أكثّر في هواكم حسّدي

موّهت عنك بحاجر وبلعلع

ولأنت من تلك العبارة مقصدي

فليحل بالزوراء عيشك سائغاً

أنّي أغصُّ بكلّ عيش أرغد

وليهنّ أعينك الرقاد فإنَّ لي

عيناً إذا رقد الملا لم ترقد

أن أسلمتك يد الغرام فإنّني

ملقىً بقبضته أروح وأغتدي

أو تنس لي العهد القديم فإنّما

نسيان عهدي حين أقوى معهدي

فلو أنّ لي للكرخ أوبة راجع

لتخذت مغناه مقدّس مشهدي

ثمّ لم تكتف منك بإرسال هذا الكتاب، وتشريفي بما أكبرته من لذيذ ذلك الخطاب، حتّى عقدت لي قصيدة على حيالها، وزففت لي خريدة من منيع حجالها، قد أخرست كلّ متكلّم بليغ، ورقّت لسلاستها كلّ لذيع، لقد واترت أنعامك على غير مستحقّه، ولعمري لأنت يا محمّد الحسن في خلقه وخلقه، فلم أطو على العجز عن شكرها كشحا، ولم أضرب عن التعرّض لحمدها صفحها، فاقتدحت قريحة خبا زنادها، وأجريت رويّة قد كبت في مضامير القريض جيادها.

يا ريم حسبك مهجتي مرعى

لا شيح كاظمة ولا الجرّعا

وكفاك عن ورد تلمُّ به

عين تفيض غروبها دمعا

فارحم جوانح قد حللت بها

دون الحمى وسكنتها ربعا

ترمي لحاظك والسهام معاً

إنّ اللحاظ أشدّها وقعا

الله من سهم رميت به

فأصاب لا غرباً ولا نبعا

كانت حواجبك القسىّ له

وبغمزهنَّ نزعته نزعا

ريّشته بالهدب مرتمياً

فتركت آساد الشرى صرعى

يرعاك من لم ترع ذمّته

ولكمن رعيت لغير من يرعى

ص: 213

كم ليلة أرسلت غيهبها

لك بردة ونشرتها فرعا

فإذا طلعت شمس ضحىً

وإذا انثيت فبانة الجرعا

فبأضلعي وبما تضمُّ رشاً

كابدت في كبدي له صدعا

أرخى الجعود لردفه فغدت

فوق الكثيب أراقماً تسعى

وبعقربي صدغيه وجنته

شاكت مقبّل وردها لسعا

من لي بأغيد راح محترساً

بالعقرب الحجناء والأفعى

أحمامة الوادي عداك جوىً

لو حلَّ فرعك أحرق الفرعا

إنّي اتّخذتك لي منادمة

ولقد شربت فغرّدي سجعا

يا ربع أين الساكنوك فقد

أضحت خدودك بعدهم سفعا

فلقد بكيت لبينهم بدم

حتّى صبغت ملابسي ردعا

لو صحّ للمشتاق مرتجع

لربوعهم لرأى بها الرجعى

وأقام خسماً من فرائضه

ولطاف حول حماهم سبعا

إن يقطعوا فهواي متّصل

لم يلف منصرماً ولا قطعا

إن أهوهم فتطبّعٌ وأرى

لمحمّد الحسن الهوى طبعا

قرم كأنّ السيف في يده

برق أضاء بمزنة لمعا

وعلى المجرّة قد جرت خبباً

أفراسه فأثّرنها نقعا

لو سابقته الشمس ما لحقت

ولا دركت بسباقه الظلعا

ومتوّج بالفخر ترمقه

شمس النهار إذا الضحى شعّا

وتودُّ لو مدّت إليه يداً

وسعت له لو أنّها تسعى

يخشاه حتّى السيف في يده

فيكاد يقطع حدّه قطعا

يا من أبحت له الفؤاد هوىً

وحجبته عن غيره منعا

وإذا نظرت وجدته بصراً

وإذا وعيت وجدته سمعا

ما راجحتك الراسيات حجاً

يا من يخفّ على الصبا طبعا

قسماً بشعث قد حدا بهم

حادي الحجيج ويمّموا جمعا

بمحو شنّات قد قطعن بهم

شقق الفلا جزعاً يلي جزعا

ومعطفات كالقسيّ سرت

رمي السهام تفلتت نزعاً

حتّى أجزن بذي الأراك ضحىً

وعلى المطاف حبسن والمسعى

لقد انقلبت لبينكم بجوىً

وضنى أضيق لوصفه ذرعا

إنّي اتّخذت هواكم حسباً

أعزى إليه وحبّكم شرعا

حسبي من الدنيا هواك وما

تولّت إن ضّرّاً وإن نفعا

وإليك ما وشت إليك يدي

ماليس تصنع مثله صنعا

بأنامل لم تقض حقّكم

ولو أنّني أعلقتها شمعا

وقال جناب السيّد الشريف محمّد سعيد حبّوبي يهنآي جناب الحاج محمّد حسن في زواجه في سنة 1293:

لي في محيّاك ما للنّاس في القمر

هدى لمسراي أو عون علي سهري

فامرح ببرديك تيهاً إنَّ بينهما

روح الجمال بدت في أحسن الصور

وما رأيتك إلاّ قلت مبتهجاً

لولا محاسن هذا لم أرد بصري

يا شادناً لم يزل واشيه يرصده

فما اجتمعت به إلاّ على حذر

ادنيته وقد أثاقلت من نفسي

لما استطار إلى خدّيه بالشرر

خشيت أحرق روضاً راق مرتعه

أرعيته سائمات اللحظ والبصر

ونحن في مربع حاك الربيع له

برود موشية خيطت بلا أبر

خال الكثيب به ردفاً فغار له

وراح يكسوه أبراداً من الزهر

فبتُّ أعبث في أعطاف ذي غنج

مهفهف رقصته نغمة الوتر

مفلّج الثغر يسقى من مراشفه

صهباء ما دنّستها كفُّ معتصر

أرخى الغدائر أكليلا فحين بدا

بدا بلا معجر في زيّ معتجر

ما مزّق الليل سيف من أشعّته

إلاّ وحاك له ثوباً من الشعر

يعطو بأتلع لو حلّت قلائده

لما فقدن لما يبقين من أثر

من عقده وثناياه ومنطقه

وراشح العرق المنهلّ بالدرر

رأيت منتظماً يزهو بمنتظم

وشمت منتثراً يهمي بمنتثر

يا حاكماً جائراً في حكمه أبداً

وأيّ ملك تولّى الحكم لم يجر

زدني بحبّك تعذيباً أسرُّ به

فليس لي غير ما تهواه من وطر

قد غرّني خدّك القاني برقّته

وما علمت بأنّ القلب من حجر

أم هل نسيت ليالينا التي سلفت

عجلى وأبطؤ منها لمحة البصر

ولو تطاول ليلي الدهر يجمعكم

ثمّ انقضى عبت ذاك الليل بالقصر

يا جارتا بزرود طال عهدك

بالمستهام فلم يذكر ولم يزر

ص: 214

بعد ارتفاعي في عينيك صغّرني

مثل السهى إذ رأته العين ذا صغر

سلي بي الخيل تنزوا في شكائمها

فما جهلت بهذا الحيّ من مضر

إنّي تركت طريق المجد واحدة

كي لا يرى المجد إلاّ مقتفي أثري

وطال باعي حتّى كاد يدرك لي

ما لست أدركه في منتهى بصري

بذا نظمت دراري الشهب تهنئة

لما شهدت زفاف الشمس للقمر

محمّد الحسن الزاكي الذي شهدت

بفضله فصحاء البدو والحضر

المطعم الجزر ابن المطعم الجزر ابن

المطعم الجزر ابن المطعم الجزر

مؤيّد تهتك الأستار فكرته

حتّى يحيط بكنه الكلّ بالفكر

وربّ علم جليل راغ عن ملك

يغدو بجملته وقفاً على بشر

نداه والغيث غيث عمّ سيبما

والمنبت الحمد غير المنبت الشجر

سرٌّ بكفّك لم يغرق مقبّلها

وقد تلقى بفيه ديمة المطر

فيا أخيَّ ومن أدعو سواك أخاً

وهذه دعوة يسمو بها قدري

قالت لحلمك رضوى حين راجحها

ما طبع ربّك إلاّ نسمة السحر

يا مجهداً يتمنّى أن يجيء له

بمشبه في طوامير من السير

خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به

ففي العيان وثوق ليس في الخبر

يا راكباً ذات لوث في مناسمها

رقىً تقيها سمام الأين والضجر

حرف أبوها ظلم في مناسبه

وأُمّها الحرف للمهرية الصعر

فخلقها برزخ مابين ذاك وذي

مثل الظليم ولكن ذاك لم يطر

وأعجب لها ذات أخفاف وأجنحة

حصاء من ريشها ترتاش بالوبر

يمّم بها حيث حلَّ المصطفى بلداً

بزري حصاه بحسن الأنجم الزهر

وحيّه مبلغاً علياه تهنئةً

تضمّخت من شذاه بالشذا العطر

بفرحة صدحت تشدوا بلابلها

كسحب كفّيك عمّت سائر البشر

أباالغني أما في راحتيك غنىً

عن السحاب فلم يهمي بمنهمر

والشمس تطلع أحياناً وقد علمت

بأنّ وجهك بدر غير مستتر

وهبهما حكياً بعضاً فمن لهما

أن يجمعا شبه الأحوال والصور

يا حائزي قصب العليا بسبقهما

بلغتما منتهى العليا على قدر

وما ونى واحد عن واحد فهما

كالفرقدين خلال الأنجم الزهر

لا تأملا صدري عن ورد ودّكما

في المورد العذب ما يلهي عن الصدر

بقيتما ملجأ العافي ومأمنه

ما هيّجت مستهاماً نسمة السحر

وقال نابغة زمانه ذوالفضل الواضح الشيخ صالح الملقّب بالحريري مهنّياً له بزواجه وبالعيد ومهنّياً أخاه المصطفى به:

وافتك تختال بثوب الدلال

منجزة وعدك بعد المطال

زارتك والليل دجا يقظةً

وكنت منها تكتفي بالخيال

ناعسة الأجفان لكنّها

إذا رنت ترمي الحشا بالنبال

تطعن قلب الصب في قامة

تشرع كالرمح بيوم القتال

إن هجرتني العمر أو واصلت

فإنّني راض على كلّ حال

وأنكرت وجدي فكم لي بها

عقيق دمع فوق خدَّي سال

لست أطيق الهجر إن لم أكن

أُعلّل النّفس بيوم الوصال

ياما أحيلي ليلة أشرقت

بطلعة تخجل بدر الكمال

يا لائمي دعني فقد عمّني

نور محيّاً فيه أبصرت خال

الكأس فيما بيننا كوكب

والراح شمس والمدير الهلال

وكم سقتني ليلة الوصل من

رضا بها المعسول خمراً حلال

تجود في قهوتها مثلما

تجود كفّ المجتبى بالنوال

الحسن الأخلاق من فضله

أنسى الورى فضل السحاب الثقال

قل للذي رام إذا ما سعى

يدنو إلى علياك رمت المحال

أقصر ولو أصبحت ذا رفعة

ما أبعد الجوزاء من أن تنال

فأنت رأس الفخر صدر العلى

وأنت قلب المجد روح الكمال

فديتك النفس أخا المصطفى

وما حوت يمناي عزّاً ومال

أتحفك الدهر بإقباله

تحفة بشرى لكم لا تزال

قد زارك العيد به فاحتفل

زورة ظبي غنج ذي دلال

فيك نهنّي العيد يابن الأولى

سموا سماء المجد دون الرجال

وكنت أنت المقتفي نهج من

قد كانت الدنيا عليه عيال

صالح هذا الدهر من كان في

راحته الراحة يوم النوال

ص: 215

ما أصلح الدهر سوى صالح

بالبذل والحلم وصدق المقال

فمن سواه قد بنى كعبةً

كانت هي المأوى لنا والمئال

ماانفكّ عنها الدهر قصّادها

لها مدى العمر تشدّ الرحال

فإنّ في ساحتها المجتبى

يبدؤ بالإعطاء قبل السؤال

فدم مدى الأيّام والمصطفى

أخوك في نعماء من ذي الجلال

لا يحسن التاريخ إلاّ له

قارن بدر السعد شمس الجمال

وممّا قاله السيّد الشريف الذي أبدع في اختراع بدائعه الرائقة، وبرع في ابتداع إختراعه الفائقة، السيّد محمّد سعيد حبّوبي النجفي دام مشمولاً باللطف الجلي والخفي، مادحاً توأمي المجد الأشم، وعمادي السؤدد الأقدم، الأفخمين الأعظمين الحاج مصطفى والحاج محمّد حسن دام علاهما مدى الأيّام، ما سجعت على الأراكة ورق الحمام:

منح الصبابة أضلعاً وفؤادا

وعصته سلوة مقصر فتمادى

وطغى عليه الحب وهو أميره

فأطاع جامح قلبه وانقادا

ولهان يفرح إن دنا أهل الحمى

منه ويحزن إن نأوه بعادا

بعثوا الخيال وما رقدت فليتهم

بعثوا إليّ مع الخيال رقادا

أحيي الدجى قلقاً كأنّ نواظري

خلقت محاجرها قذىً وسهادا

قلق الوساد كأنَّ من أهواه قد

أهدى وشاحيه إليّ وسادا

قطف العيون ارورد من وجناته

غرس المضاجع للمحبّ قتادا

يا غارساً بالجزع روضة حسنه

ومخيف رائدها ظباً وصعادا

كنيت عنك بمن سواك مورياً

بهوى سعاد وما هويت سعادا

أعرضت عنّي وادّعيت مودّتي

أرأيت أعراضاً يكون ودادا

إن لم تساعف بالوصال فربّما

عوّدت قلبي للجفا فاعتادا

ولقد أزورك بالمنى وخداعها

وأجوب في فكري إليك وهادا

أبق فؤادي جمرة لا تطفه

فالنّار إن خدمت تعود رمادا

إنّي تعبّدني الهوى لمغنّج

دان الجمال لعزّه وانقادا

كبر الوقور إذا مشى يعتاده

حتّى إذا غلب الدلال تهادى

فكأنَّ في برديه ملكا ظافراً

جذلان أبدى زهوه وأعادا

قاس رقيق نال من زهر الربى

خدّاً ومن زبر الحديد فؤادا

فإذا هززت هززت منه أراكة

وإذا سئلت سئلت منه جمادا

لا يستجيب ولا ينيب ولا يثيب

ولا يقيل ولا ينيل مرادا

ينأى فلا بعد الدنوّ فإن دنا

يوماً نوى لك فرقة وبعادا

وتريبه عيني تخالس لحظه

وضنىً طلى جسدي عليه جسادا

إنّي لأستر عفّتي بخلاعتي

وأريد فيما أنتحيه مرادا

والضد قد يبدو بمظهر ضدّه

أوما ترى نور العيون سوادا

بذمام ذيّاك الغزال حشاشة

أسرت ولم تقبل فدىً فتفادى

أخذ الحشاشة ثمّ ضنَّ بردّها

وأبى البخيل بأن يكون جوادا

لله يوم وداعه من عصبة

وقفت وقد سرت الجمال وخادا

وقفت بهم أقدامهم أن يقتفوا

أثر النياق فأركضوا الأكبادا

فوق الركائب أنجم لا تجتلي

ورياض حسن تمنع الروّادا

عرب معاطف غيدهم ورماحهم

سيّان كلّ ينثني ميّادا

سلوا لواحظهم فكنَّ صوارماً

وغدت ذوائبهم لهنّ نجادا

فتخال كلاًّ في المحاسن يوسفاً

وتخال من مصر له بغداد

يا ربع لذّاتي ومربع جيرتي

روى معاهدك الغمام وجادا

لا أبتغي للوصل فيك نهاية

أبداً ولا للعيش فيك نفادا

لا والذي سمك السموات العلى

وأقامهنَّ وما أقام عمادا

ودحا البسيط صحارياً وصحاصحاً

وسباسباً وفدافداً ووهادا

لا أرتضي غير الأكارم معشراً

يوماً ولا غير العراق بلادا

كلاّ ولا أنشي لغير المصطفى

وأخيه قافية تروق نشادا

الباذلين لكّ ثاو بلغة

والمتبعين لكلّ ركب زادا

والسابقين بكلّ حلبة مفخر

والجائزين من العلى الآماد

سلكا من العلياء نهج أبيهما

إنّ الشبول لتقتفي الآسادا

علمي هدىً قمري دجىً مطري جدى

إن أرشدا أو أشرقا أو جادا

وتجاريا فتباريا وتساويا

في كلّ ما قد أبديا وأعادا

ص: 216

الكلُّ يأبى ما أباه شقيقه

خلق الكرام وما أراد أرادا

كالناظرين على الزمان تراهما

يتشاركان معاً كرىً وسهادا

لم تغتمض عين إذا ما أختها

أرقت ولا هي تستطيع رقادا

فهما يد العلياء ساعة بطشها

أو ناظراها المبصران رشادا

من معشر ضربوا رواق بيوتهم

فوق السماك وغادروه مهادا

وإذا الفخار غدا هنالك حلبة

ركبوا مساعيهم فكنّ جيادا

ومن العزائم ينتضون صوارماً

ومن الحفائظ يشرعون صعادا

مادت لبشرهم البسيطة بهجة

فرست حلومهم بها أطوادا

ءأباالغني وتلك أسمى كنية

تدعى بها بين الورى وتنادى

شكرت مساعيك البلاد وأهلها

وإليك قد ألقى الزمان قيادا

طأ فوق متن الفرقدين بأخمص

وأسحب على فرقيهما الأبرادا

إن أعرقت عيس إليك أرحتها

وكفيتها الإتهام والإنجادا

وإلى أبي الهادي انتهت جمل الثنا

وأحاط فيها طارفا وتلادا

المخرس البلغاء والمعيبهم

حججاً تسلُّ على الخصوم حداد

يتهلّل النادي ببهجة بشره

كالروض راوحه الغمام وغادى

يبدو بمنبلج الجبين تخاله

شمس الضحى والكوكب الوقّادا

تسمو لطعلته العيون تشوّقاً

لترود أحسن منظر مرتادا

يتباشرون إذا رأوه كأنّه

برق وراء المحل زفَّ عهادا

شرف القبائل في مواقف فخرها

إن طوّقت بهباته الأجيادا

أخويَّ إن ضاقت بوصف علاكما

سعة القريض وما بلغت مرادا

فلي القوافي الشاردات كأنّها

حصّ الجمان يقلّد الأجيادا

من كلّ معربة المتون تناسقت

مثنى فرائد درّها وفرادا

لولاكم ما كنت أنظم عقدها

يوماً ولا أعطيتها الإنشادا

أخويَّ فلتشرق شموص علاكما

بسما المكارم تصحب الآبادا

وكتب أيضاً علم العلم والأدب، نادرة الدهر وفريد العصر السيّد محمّد سعيد حبّوبي النجفي إليه من النجف هذه الموشّحة البديعة يهنّيه بها في زواج ولد أخيه عبد الغني ويهنّي أباه الحاج مصطفى وقد قدّم قبلها هذه الأبيات والفقرات:

عليك سلام الله ما غرّدت ورق

وما هلّ وسميٌّ وما أومض البرق

وما نظرت بالروض مقلة نرجس

جرى من ضروع المزن مدمعها الودق

وما حنَّ مشتاق إلى ما يشوقه

ومادام للقلب العلوق بكم خفق

وما غربت شمس النهار وأشرقت

ومادام من أوطانها الغرب والشرق

أحبّك حبّاً لست أدري خواطر

من الخبل تعروني لذلك أم عشق

فأخرس عن نطقي وتجري محاجري

بسرّي وكاد القلب إذ ذاك ينشق

فربّ لسان كالعيون له بكاً

وربّ عيون كاللسان لها نطق

هذا وقد وجّهت إليّ وجهتكم هذه الموشحة التي هي لتهنية المجد بكم مرشّحه، فإن شملت منكم بالقبول، فإنّ ذلك غاية المأمول.

هزّت الزوراء أعطاف الصفا

وصفت لي رغدة العيش الهني

فارع من عهدك ما قد سلفا

وأعد يا فتنة المفتتن

عارض الشمس جبيناً وجبين

لنرى أيّكما أسنى سنا

واسب في عطفك عطف الياسمين

وانثنى غصناً إذا الغصن انثنى

حبّذا لو قلبك القاسي يلين

إنّما قدّك كان الألينا

فانعطف غسناً إذا ماانعطفا

قدّك المهزوز هزَّ الغصن

إنّ في خدّيك روضا شغفا

مقلة الرائي وكفّ المجتني

يا غزال الكرخ وا وجدي عليك

كاد سرّي فيك أن ينهتكا

هذه الصهباء والكاس لديك

وغرامي في هواك احتنكا

فاسقني كأساً وخذ كأساً إليك

فلذيذ العيش أن نشتركا

أترع الأقداح راحاً قرقفا

واسقني واشرب او اشرب واسقني

ولماك العذب أحى مرشفا

من دم الكرم وماء المزن

من طلاً فيها النديّ ابتسما

إذ سرت تارج في نشر العبير

أطلعت شمس سماها أنجما

من حباب ولها البدر مدير

فالسما أرض أو الأرض السما

إذ غدت تلك كهذي تستنير

في ربوع ألبستها مطرفا

أنمل الزهر من الوشي السني

وحمام البشر فيها هتفا

معرباً في لحنه لم يلحن

ص: 217

وحميا الكاس لمّا صفقت

أخذت تجلى عروساً بيديه

خلتها في ثغره قد عتقت

زمناً واعتصرت من وجنتيه

من بروق بالثنايا ائتلقت

في عقيق الجزع أعني شفتيه

كشفت ستر الدجى فانكشفا

وانجلى الأفق بصبح بين

اكسبتنا إذ سقتنا نطفا

خفة الطبع وثقل الألسن

سلها حمراء من إبريقه

بسنا تحسبها نار الفريق

وغدا يمزجها من ريقه

حبّذا مزج رحيق برحيق

رقصت بالدن من تصفيقه

حبباً كالدر في ذوب العقيق

رسب الياقوت فيها وطفا

فوقه لؤلؤه الرطب السني

ما رآها البرق إلاّ انشغفا

بسناها شغف المفتتن

أنت يا روحى المنى روحي فداك

مسقمي حبّاً ومبري سقمي

أتشكّى لك من سيف جفاك

لا تبح يا مانع الريق دمي

قد شبت الخمر لكن كلماك

ما رأت عيني ولا ذاق فمي

لو به ابتلَّ غليلي لانطفى

لا بدمع حرّه أشعلني

كلّما كفكفت منه وكفا

فوق خديَّ وكيف المزن

أصبحت روحي في مثل الخلال

إذ تلاشى الجسم في علّته

وأنا أصبحت عن شخصي مثال

بارزاً للناس في صورته

من رآني خالني طيف الخبال

واعتراه الشك في يقظته

لا تسلني عن نحولي فجفا

ناحل الأجفان قد أنحلني

من لذي جسم عليل نحفا

بالهوى ليت الهوى لم يكن

من رشاً لمّا تبدّى رابعا

أشرق افترَّ تثنّي نفرا

قمرا ثمّاً وبرقاً لامعاً

وقنا لدناً وظبياً أعفرا

إن بدا أبدى الربيع اليانعا

وعن الزهر المندى أسفرا

خدّه والصدغ فيه اكتنفا

وردة محفوفة في سوسن

أو شقيق فوق الآس ضفا

أو كميٌّ متّق في جوشن

أو هو الديباج زرته الحسان

في قميص من حرير أخضر

أو هو الياقوت في عقد الجمان

ناطه الزنجيى فوق المنحر

أو هو الجمر ذكا بين الدخان

أو هو الكافور تحت العنبر

أو هو الدينار حين انصرفا

في يمين الحبشي الأدكن

أو هو المرّيخ شقّ السدفا

وترائي في الظلام المردن

قرطوه بالثريا والأثير

ولووا في جيده طوق الهلال

وكسوه دون موشي الحرير

قمص العزّ وأبراد الدلال

وجلوه جلوة البدر المنير

قمراً يشرق في برج الجمال

كسروي الشكل رومي القفا

يوسفي الحسن صلت المرسن

قلبه ينحت من صمّ الصفا

وجنى وجنته الورد الجني

أنا آساد الشرى دون الشرى

نتّقيني فلماذا أتّقيه

من مريض الجفن كم قد شهرا

صارماً فيه حمى رشفة فيه

ودمي طلَّ لديه هدرا

أراه إن ودى القتل يديه

ماله ساق لجسمي التلفا

وهو في شرع الهوى لم يضمن

لا تقل يحكم فينا جنفا

إنّه أدرى بهذي السنن

وافر الأرداف أبدت نقصه

بدقيق الخصر إذ رجّت لديه

ما تأمّلت بعيني شخصه

غيرة من نظر العين عليه

ولو اسطاعت لكانت قمصه

أعين ما نظرت إلاّ إليه

إنّها منذ تولّى وجفا

هجرت حتّى لذيذ الوسن

أنا أهوى أن يراها مألفا

لتقيه أعيني من أعيني

ملك بالحسن أصحى معجبا

وهو لا يحكم إلاّ في القلوب

إن جنى ذنباً تجنّى مغضبا

وله من ذنبه نحن نتوب

من رأى قبلك يا غضّ الصبا

مذنباً يجزي بريئاً بالذنوب

قلت إذ مرّ بقدّ أهيفا

ومن الدهشة ما يخرسني

أيّها الساكن قلبي مألفا

كيف ترضى بحريق المسكن

فاحد بالركب إذا الركب حدا

فيه يوماً وأقم ما إن أقام

يمن نجداً إذا ما أنجدا

وإذا اتهم فالمسرى تهام

وهو إن يشهد فامّ المشهدا

وسلام لك من دارالسلام

إن ثوى جسمي فحلَّ النجفا

ففؤادي عنده لم يظعن

أين من حلوا بجمع والصفا

من مقيم بالغريّ الأيمن

أيّها العّذال كفّوا عذلكم

بالهوى العذري عذريى اتّضحا

وامنحوا يا أهل نجد وصلكم

مستهاماً يتشكّى البرحا

ص: 218

واذكروني مثل ذكري لكم

ربّ ذكري قربت من نزحا

الوفا يا عرب يا أهل الوفا

لا تخونوا عهد من لم يخن

لا تقولوا صدَّ عنّا وجفا

عندكم روحي وعندي بدني

أنا ما حوّلت عنكم شغفي

لا ولا من سكرتي فيكم صحوت

عنكم لم أسل في شيء وفي

قربكم عن كلّ شيء قد سلوت

ليس في الدّنيا صفيٌّ أو وفي

أنا قد جرّبت جيلي وبلوت

فلكم جبت إليكم نفنفا

طالباً أوطانكم من وطني

فحفت عيسى ومن بعد الحفا

لم تجد في الربع غير الدمن

يا معيسيل اللمى خذ بيدي

أنا في حبّك مشبوب غريق

بتُّ أستشفي بدمعي كبدي

كيف يستشفي حريق بحريق

فخذوا دمعي وردّوا كمدي

ليس لي فيكم رفيق أو فريق

أسفاً من أهل نجد أسفا

كيف أهواهم وهم من زمني

وإذا نبت البطاح اختلفا

غلب الشوك على الورد الجني

لا تخل ويك ومن يسمع يخل

إنّني بالراح مشغوف الفؤاد

أو بمهضوم الحشا ساهي المقل

أخجلت قامته سمر الصعاد

أو بربّات خدور وكلل

يتفننَّ بقرب وبعاد

إنّ لي من شرفي برداً ضفا

هو من دون الهوى مرتهني

غير أنّي رمت نهج الظرفا

عفّة النفس وفسق الألسن

لست بالغيد مشوقاً مغرماً

لا ولا أستسقينهنّ الأكؤسا

أو تصببني الغواني بعدما

حاك لي مبيض فودي برنسا

فابغ من حزمك طرفاً ملجما

إذ غدت خيل التصابي شمّسا

والهُ واسلُ ويك عمّن سلفا

عهده حتّى كأن لم يكن

إن يخنك الصبر فالأنس وفا

يوم تزويج الفتى عبد الغني

سعد بالسعد انجلى قطر العراق

مالئاً بالبشر أقطار الملا

وحميا الأُنس تجلوها الرفاق

وبها مجلس الأنس كملا

فاسقني سقيت بالكاس الدهاق

إنّنا اليوم بلغنا الأملا

فاتلُ من غرّ القوافي صحفا

ما يعيها القلب قبل الأذان

حاليات بتهاني المصطفى

وأخي الحمد أخيه الحسن

عارضا عاف وروضا رائد

نبتا من قبل نبت العارضين

أملا راج وغيضا حاسد

من رأى الغيضين كانا أملين

ما تعدّا واحد عن واحد

باقتران كاقتران الفرقدين

جريا مجراهما ماختلفا

مستقلّين معاً في سنن

لا يزل شملها مؤتلفا

أبد الدهر وعمر الزمن

قل لشاني المصطفى كنت الفدا

للذي ترهب من أنصله

ملك ما إن تجلّى أو بدا

سجد الدهر على أرجله

وإذا غاضت ينابيع الندى

أخذت تمتاح من أنمله

والحيا من راحتيه اغترفا

فسقى الأرض بغيث هتن

تحسب التبر لديهخزفاً

باذلاً ما يقتنيه المقتني

يتبع الهمّة ماضي عزمه

فيرى الأبعد أدنى ما ينال

وتراه هيّناً في سلمه

وإذا ناضل يصمي بالنضال

لا تهال الحرب إلاّ باسمه

وهو من حرب الضواري لا يهال

يسم الصعب إذا ما أرجفا

سمة الذلّ إلى أن ينثني

لو بشمّ الراسيات اعتكفا

واختفى خائفه لم يأمن

وأخوه القرم وقّاد الذكا

كان أن يهتك أستار الغيوب

كلّما صوّب فكراً أدركا

خالص الرأي من الرأي المشوب

قد براه الله ملكاً ملكا

طيّب الأعراق تهواه القلوب

جاء في الحلم يضاهي الأحنفا

وحجاً رضوى به لم توزن

وذكاء وتقى ما عرفا

لأياس وأويس القرني

ترجمت خلقك لي ريح الصبا

مذ سرى طبعك في أنفاسها

فسرت تفضح أزهار الربي

بشذاً فاق الشذا من آسها

كاد لولا شانه أن يشبا

طبعك المصبي الطلا في كاسها

بمراس لك لولان الصفا

ملمساً ملمسه لم يلن

وشبا عزم يفلُّ المرهفا

ويقود الصعب قود المذعن

أنتما من أُسرة المجد الأثيل

ما تخطّى بعضهم عن بعضهم

ورثوا المجد قبلاً عن قبيل

وتعاطوه تعاطي فرضهم

وإذا ما أجدب الربع المحيل

أخصبت جوداً مغانيى أرضهم

هذه العلياء لا ما زخرفا

من أسانيد دنيّ لدني

ص: 219