الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقولي: حمت بذكور المرهفات إناثها، اشتمل على الطباق، والطباق هو من المحسّنات المعنوية ويُسمّى المطابقة، والتطبيق، والتكافؤ، والتضاد.
قال ابن الأثير في المثل السائر: وهو؛ يعني الطباق، في المعاني ضدّ التجنيس في الألفاظ لأنّ التجنيس هو اتّحاد اللفظ مع الختلاف المعنى، الطباق هو أن يكون المعنيان ضدّين، وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أنّ المطابقة هي الجمع بين الشيء وضدّه كالسواد والبياض والليل والنهار، والظاهر أنّ المقابلة أعمّ من الطباق؛ فإنّ كلّ طباق مقابلة ولا عكس، لأنّه الجمع بين متضادّين مع مراعاة التقابل فلا يجيء باسم مع فعل ولا العكس وذلك غير ملحوظ في المقابلة، ولأنّ المطابقة هي الجمع بين ضدّين، والمقابلة هي الجمع بين ضدّين فصاعداً، ومن أمثلة مجيئه من إسمين قوله تعالى:(وَتَحْسبُهُم أيقاظاً وهُمْ رُقُود)، ومن فعلين قوله تعالى:(يُحيي ويُميت)، وقوله:(لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بما آتاكُمْ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمللأنصار: إنّكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع. ومن حرفين قوله تعالى:(لهَا ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ) فإنّ في اللاّم معنى الإنتفاع وفي على معنى التضرّر أي لها ما كسبت من خير وعليها مااكتسبت من شرّ، إنتهى.
وممّا اتّفق لي من الشعر الأجنبي ما قلته مقرضاً على المنظومات الموسومة ب "الباقيات الصالحات" نظم عبد الباقي أفندي العمري في مدح أئمّة العصمة صلى الله عليه وآله وسلم وقد مدحته فيها، فقلت:
أربّ القوافي قد غدا لك مذعناً
…
بها محرز الفضل اكتساباً ووارثه
لو المتنبّي شاهد الحكم التي
…
نطقت بها ما شكَّ أنّك باعثه
هي "الباقيات الصالحات" أطائب ال
…
قريض ولكن ما سواها خبائثه
فحسبك منها معجزاً بمديح من
…
معاجز كلّ الأنبياء موارثه
غدت كعصا موسى ولكنّما بها
…
قد التقفا سحر القريض ونافثه
كفى أنّها في أُمّة الشعر قبلةٌ
…
إليها قديم النظم صلّى وحادثه
الفصل الثاني في الإستغاثة
قلت مخاطباً لأميرالمؤمنين عليه السلام:
أميرالمؤمنين أغث صريخاً
…
ألمَّ بجنب قبرك مستغيثا
أتاك يحثُّ ناجية المطايا
…
وصرف الدهر يطلبه حثيثا
الباب الخامس في قافية الجيم
وفيها فصل واحد في المديح
قلت فيه:
فيك العلاء مضيئة أبراجها
…
فلأنت بدر سمائها وسراجها
وبك ابتهاج أسرّة الشرف التي
…
لولاك بعد أخيك عطّل تاجها
أقبلتما تتجاريان لغاية
…
لم يستقم لسواكما منهاجها
سبق الأنام لها وجئت مصلّياً
…
ومعاً ملطّمةً أتت أفواجها
حتّى استوت قدماكما في ذروة
…
للمجد عزَّ على الورى معراجها
هو مصطفى الشرف الذي من بعده
…
وجدتك أكرم من عليه معاجها
أنت الذي ارتشف الورى من خلقه
…
راحاً ألذَّ من الرحيق مزاجها
مااعتلّت الدنيا بداء جدوبها
…
إلاّ وجودك طبّها وعلاجها
ولقد حميت وئيدة الكرم التي
…
لولاك ما سلمت لها أوداجها
نسجت لك العليا ملابس فخرها
…
فزها عليك مطرّزاً ديباجها
لم تحد مدلجة الركائب رغبة
…
إلاّ وكان لربعكم أدلاجها
ما طرَّقتْ أُمُّ الرّجاء لآمل
…
إلاّ وأصبح من نداك نتاجها
أقول: أمّا قولي: سبق الأنام لها الخ، فالسابق أوّل خيل الحلبة، والمصلّي تلو السابق، والملطم تاسع خيل الحلبة. ومن أحسن ما جاء في الإستباق والمساواة قول الخنساء:
جارى لباه فأقبلا وهما
…
يتعاوران ملائة الحضر
حتّى إذا نزت القلوب وقد
…
لزّت هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف النّاس أيّهما
…
قال المجيب هناك لا أدري
برزت صفيحة وجه والده
…
ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه
…
لولا جلال السنّ والكبر
وهما كأنّهما وقد برزا
…
صقران قد حطّا على وكر
ويقال: إنّها قيل لها: ما مدحت أخاك حتّى هجنت أباك؟ فقالت هذه الأبيات.
ويقال: أنّه قيل لأبي عبيدة: ليس هذه الأبيات في مجموع شعر الخنساء؟! فقال أبو عبيدة: العامّة أسقط من أن يجاد عليها بمثل ذلك، ولعمريى إنّها قد بلغت في مدح أخيها من غير إزراء بأبيها النهاية لأنّها جعلت تقدّم أبيها له عن قدرة منه على المساواة وعن غير تقصير منه، وإنّه أفرج له عن السبق معرفةً له بحقّه وتسليماً لكبر سنّه، ومنها أخذ الشريف الرضي قوله:
ولولا مراعاة الأُبوّة جزته
…
ولكن لغير العجز ما أتوقّف
وقال السيّد المرتضى: وكأنّ الخنسا نظرت في هذا المعنى إلى قول زهير:
فشجَّ بها الأماعز وهي تهوي
…
هويّ الدلو أسلمها الرشاء
فليس لحاقه كلحاق ألف
…
ولا كنجائها منه نجاء
يقدّمه إذا اختلفت عليها
…
تمام السن منه والذكاء
ويشبه أن يكون الكميت أخذ من الخنساء قوله في مخلّد بن يزيد بن المهلّب وهو:
ما إن أرى كأبيك أدرك شأوه
…
أحدٌ ومثلك طالباً لم يلحق
تتجاريان له فضيلةُ سنّه
…
وتلوت بعدُ مصلّياً لم يسبق
إن تنزعا فله فضيلة سبقه
…
فبمثل شأو أبيك لم تتعلّق
ولئن لحقت به على ما قد مضى
…
من بعد غايته فأحج وأخلق
ويشبه هذا المعنى قول المؤمّل بن أميل الكوفي المحاربي يمدح المهدي في حياة المنصور:
لئن فتَّ الملوك وقد توافوا
…
إليك من السهولة والوعور
فقد فات الملوك أبوك حتّى
…
بقوا مابين كاب أو حسير
وجئت ورائه تجري حثيثا
…
وما بك حيث تجري من فتور
فقال الناس ما من ذين إلاّ
…
بمنزلة الخليق من الجدير
فإن سبق الكبير فأهلُ سبق
…
له فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى كبير
…
فقد خلق الصغير من الكبير
وهذا مأخوذ من قول الشاعر:
جياد جرت في حلبة فتفاضلت
…
على قدر الأسنان والعرق واحد
قال السيّد المرتضى: ممّا له بهذا المعنى بعض الشبه وإن لم يذكر فيه السن والتفضيل والكبر قول زهير:
وهو الجواد فإن يلحق بشأوهما
…
على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل
…
فمثل ما قدّما من صالح سبقا
ويروى أنّه عرضت على جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي جارية شاعرة فأراد أن يبلوها، فقال لها: قولي على معنى بيتي زهير الذين ذكرناهما، فقالت:
بلغت أو كدت يحيى أو لحقت به
…
فنلتما خالداً في شأو مستبق
لكن مضى وتلا يحيى فأنت له
…
تال تعلّلت دون الركض بالعنق
العنق دون الركض أي إنّك تعلّل بالعنق اتّقاء وحشمةً لأبيك وجدّك، ولو سرت ركضاً لسبقتهما.
قال السيّد: ومن أحسن ما قيل في المساواة والمقاربة وهو داخل بهذا المعنى مناسب له قول عبّاد بن شبل:
إذا اخترت من قوم خيار خيارهم
…
فكلُّ بني عبد المدان خيار
جروا بعنان واحد فضل بينهم
…
بأن قيل قد فات العذار عذار
وقول الكميت:
مصلٍّ أبوه له سابق
…
بأن قيل فات العذار العذارا
ومثله قول العتابي وهو مليح جدّاً:
كما تقاذف جردٌ في أعنّتها
…
سبقاً بآذانها مرّاً وبالعذر
وأوّل من سبق إلى هذا المعنى زهير في قوله يصف مطايرة البازي القطاة ومقاربته لها:
دون السماء وفوق الأرض قدرهما
…
عند الذنابي فلا فوت ولا درك
وقد لحظ أبو نؤاس هذا المعنى في قوله يمدح الفضل بن الربيع ويذكر مقارنته لأبيه في الفضل والسؤدد:
ثمّ جرى الفضل فانثنى قدماً
…
دون مداه من غير ترهيق
فقيل راشا سهماً يراد به
…
الغاية والنصل سابق الفوق
ويشاكل ذلك قول البحتري في ابن أبي سعيد:
جدٌّ كجدّ أبي سعيد إنّه
…
ترك السماك كأنّه لم يشرف
قاسمته أخلاقه وهي الردى
…
للمعتدي وهي الندى للمعتفي
فإذا جرى من غاية وجريت من
…
أخرى التقى شأواكما في المنصف
ويشبهه أيضاً قوله:
وإذا رأيت شمائل ابني صاعد
…
أدّت إليك شمائل ابني مخلد
كالفرقدين إذا تأمّل ناظرٌ
…
لم يعلُ موضع فرقد عن فرقد
وأمّا قول الخنساء: يتعاوران ملائة الحضر؛ وهي تعني بالملائة الغبار، فإنّ عدي بن الرقاع نظر إليها في قوله يصف حماراً وأتاناً:
يتعاوران من الغبار ملائةً
…
بيضاء محدثة هما نسجاهما
تطوى إذا وطئا مكاناً جاسياً
…
وإذا السنابك أسهلت نشراها
وقولها: أسلمت أي بلغت السهل، كأكدي إذا بلغ الكدية. قال السيّد المرتضى: وهذا المعنى وإن كان هو معنى بيت الخنساء بعينه، فقد زاد في استبقائه عليها زيادة ظاهره صار من أجلها بالمعنى أحقّ منها، وقد ابتدأ بهذا المعنى رجل من بني عقيل، فقال من قصيدة:
يثيران من نهج الغبار عليهما
…
قميصين أسمالاً ويرتديان
أقول: ويعجبني قول القاضي الأرجاني في مدح من تأخّر في زمانه ووصفه بالسبق على أقرانه:
والدهر مضمار الكرام وهم
…
أشباه خيل فيه تستبق
ما إن لحقتهم وقد سبقوا
…
حتّى سبقتهم فما لحقوا
ولي في هذا المعنى تخميس بيت من قصيدة لعبد الباقي أفندي العمري في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
لحقت وإن كنت لم تعنق
…
لشأو به الرسل لم تعلق
وأحرزت قدماً مدى الأسبق
…
فيا لاحقاً قطُّ لم يسبق
ويا سابقاً قطّ لم يلحقوما أبرع قول القاضي الأرجاني في تفضيل ممدوحه على من تقدّمه من الكرام وهو على ما هو عليه من تأخّر زمانه، وهذا بالسحر أشبه منه بالشعر:
ختمت به الوزراء ختم جلالة
…
من كلّ ذي سبق بذكر شائع
ولئن تأخّر وارداً وتقدّموا
…
فرطاً له من مبطىء ومسارع
فالفجر يطلع كاذباً أو صادقاً
…
ما زال قدام النهار الساطع
هو لجّة الكرم التي من قبلها
…
كانوا أوائل موجها المتتابع
ما أسلس هذا النظم وأرقّه، وأشرف معناه وأدقّه، فلعمري إنّه ليشهد لناسج برده، أنّه في حوك هذه الحلل الفاخرة نسيج وحده.
وأمّا قولي:
ولقد منعت وئيدة الكرم التي
…
لولاك ما سلمت لها أوداجها
استعارة الوئيدة للكرم مشعرة بأنّ الكرم لا يوجد إلاّ عنده، فالوئيدة فعيلة، يقال: وأد بنته يئدها وأَداً دفنها في القبر وهي حيّة فهي موؤودة، قال الله تعالى:(وإذا المَوْؤودَةُ سُئِلَتْ، بأيِّ ذَنْب قُتِلَتْ) ، وكانت كندة تئد البنات.
وقد اشتمل هذا البيت على التلميح - وهو بتقديم اللام على الميم - أن يشار في فحوى الكلام إلى قصّة أو شعر أو مثل سائر من غير ذكر تلك القصّة والشعر والمثل، وسمّاه ابن المعتزّ - وهو مخترعه الأوّل - حسن التضمين، ووافقه قدامة وابن جعفر ومن تبعهما، وقال: هو أن يضمن المتكلّم كلامه كلمة أو كلمتين من آية أو بيت من الشعر أو فقرة من خبر أو مثل سائر أو معنىً مجرّد من حكمة أو كلام. وسمّاه المطرزي وصاحب التلخيص بالتمليح - بتقديم الميم على اللام - كأنّ الناظم أتى في بيته بنكتة زادته ملاحة. وسمّاه الإمام فخرالدين الرازي التلويح، وقالوا جميعاً: هو أن يشار في فحوى الكلام إلى مثل سائر أو شعر نادر أو قصّة مشهورة من غير أن يذكر جميعها، ولم يختلفوا بالشواهد. قال أبو تمام من قصيدة يمدح بها أبا سعيد محمّد بن يوسف:
لحقنا بأُخراهم وقد حوَّم الهوى
…
قلوباً عهدنا طيرها وهي وقع
فردّت علينا الشمس والليل راغم
…
بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضى ضوئها صبغ الدجنة وانطوى
…
لبهجتها ثوب السماء المجزّع
فوالله ما أدري ءأحلام نائم
…
ألمّت بنا أم كان في الركب يوشع
أشار إلى قصّة يوشع بن نون في ردّه الشمس. وقد ظرف الرصافي البلنسي في تلميحه هذه القصّة فقال يخاطب من إسمه موسى بأبيات أوّلها:
وما مثل موضعك ابن رزق موضع
…
زهرٌ يروق وجدول يتدفّع
يقول فيها:
وعشيّة لبست رداء شجونها
…
والجوّ بالغيم الرقيق مقنّع
بلغت بنا أمد السرور تألّفاً
…
والليل نحو فراقنا يتقطّع
فابلل بها ريق الغبوق فقد أتى
…
من دون قرص الشمس ما يتوقّع
سقطت ولم يملك نديمك ردّها
…
فوددت يا موسى لو أنّك يوشع
وقد لمح هذه القصّة أبوالعلا المعرّي فقال:
فلو صحّ التناسخ كنت موسى
…
وكان أبوك إسحاق الذبيحا
ويوشع ردّ يوحاً بعض يوم
…
وأنت متى سفرت رددت يوحا
وقد لمح قلاقس إلى هذه القصّة أيضاً فقال:
ومنتصر في منع مقلوب عقرب
…
بما تحته من لسع مقلوب برقع
أبنت شمسه إلاّ الغروب وقد سما
…
لها كلّفي من كلّ عضو بيوشع
وابن مطروح في قوله:
وما أنس لا أنس المليحة إذ بدت
…
دجىً فأضاء الأُفق من كلّ موضع
فحدّثت نفسي أنّها الشمس أشرقت
…
وإنّي قد أوتيت آية يوشع
ومن جيّد التلميح قول ابن المعتز:
أترى الجيرة الذين تداعوا
…
عند سير الحبيب وقت الزوال
علموا أنّني مقيم وقلبي
…
راحل فيهم أمام الجمال
مثل صاع العزيز في أرحل القو
…
م ولا يعلمون ما في الرحال
أشار إلى قصّة يوسف عليه السلام حين جعل الصاع في رحل أخيه وإخوته لم يشعروا بذلك، وقول أبي نصر محمّد الأصفهاني في ذمّ الملوك:
بليت بمملوك إذا ما بعثته
…
لأمر أعيرت رجله مشية النمل
بليدٌ كأنّ الله خالقنا عنى
…
به المثل المضروب في سورة النحل
يشير إلى قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْر) .
ومنه ما ذكره أبوبكر في تحفة القادم أنّ أبابكر الشبلي جلس يوماً على نهر شبل بالجسر فتعرّض له بعض الجواري للجواز فلمّا أبصرته رجعت بوجهها وسترت ما قد ظهر له من محاسنها، فقال أبوبكر المذكور:
وعقيلة لاحت بشاطىء نهرها
…
كالشمس طالعة لدى آفاتها
فكأنّما بلقيس وافت صرحها
…
لو أنّها كشفت له عن ساقها
حوريّة قمريّة بدريّة
…
ليس الجفا والصدُّ من أخلاقها
قال في تحفة العروس: ويمكن تغيير البيتين الأوّليّين بأن يقال:
وعقيلة لاحت بشاطىء نهرها
…
كالشمس تتلو في المشارق صبحها
لو أنّها كشفت لنا عن ساقها
…
لحسبتها بلقيس وافت صرحها
ومن مجون التلميح قول ابن الحجّاج:
غضبت صباح وقد رأتني قابضاً
…
أيري فقلت لها مقالة فاجر
بالله إلاّ ما لطمت جبينه
…
حتّى يحقّق فيك قول الشاعر
يريد قول ابن نباتة في وصف فرس أغرّ محجّل:
وكأنّما لطم الصباح جبينه
…
فاقتصّ منه وخاض في أحشائه
وما أملح قول بعض شعراء المغرب في التلميح:
وعندي من لواحظها حديث
…
يخبر أنّ ريقتها مدام
وفي أعطافها النشوى دليل
…
وما ذقنا ولا زعم الهمام
يشير إلى قول النابغة في المتجرّدة امرأة النعمان بن المنذر:
زعم الهمام بأنّ فاها باردٌ
…
عذبٌ مقبّله شهيّ المورد
زعم الهمام ولم أذقه أنّه
…
عذبٌ إذا قبّلته قلت أزدد
ومن بديع التلميح قول الرئيس أبي العبّاس بن أبي طالب:
وكم ليلة نلت فيها المنى
…
وبات لي الحبّ فيها نجيّا
إذا ضلّ لحظي في جنحها
…
هدت وجنتاه الصراط السويّا
أراع فأسأل عن صبحها
…
فيرجع لي جفنها نم هنيّا
إلى أن بدى لي سرحانها
…
يحاول للجدي فيها رقيّا
فيالك من ليلة بتّها
…
أنادم بدر دجاها البهيّا
حكت ليلة السفح في حسنها
…
فأصبحت أحكي الشريف الرضيّا
يشير إلى قول الشريف الرضي في قصيدته البديعة المشهورة وهي:
يا ليلة السفح هلاّ عدت ثانية
…
سقي زمانك هطّال من الديم
يقول فيها:
بتنا ضجيعين في ثوبَيْ هوى وتقى
…
يلفّنا الشوق من فرع إلى قدم
وأمست الريح كالغيرى تجاذبنا
…
على الكثيب فضول الريط والكمم
يشي بنا الطيب أحياناً وآونةً
…
يضيئنا البرق مجتازاً على أضم
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي
…
مواضع اللّثم في داج من الظلم
وبيننا عفّة بايعتها بيدي
…
على الوفاء بها والرعي للذمم
يولع الطلُّ بردينا وقد نسمت
…
رويحة الفجر بين الضالّ والسلم
وأكتم الصبح عنها وهي غافلة
…
حتّى تكلّم عصفورٌ على علم
فقمت أنفض برداً ما تعلّقه
…
غير العفاف وراء الغيب والكرم
والمستني وقد جدّ الوداع بها
…
كفّاً تشير بقضبان من العنم
وألثمتني ثغراً ما عدلت به
…
أرى الجنى بنبات الوابل الرذم
ثمّ انثنينا وقد رابت ظواهرنا
…
وفي بواطننا بعدٌ من التهم
ثمّ اعلم أنّ التلميح منه ما هو واضح الإشارة كما قدّمنا، ومنه ضرب يشبه اللغز، ومن لطائفه قصّة الهذلي مع المنصور فقد روي أنّه وعده بجائزة فنسي فحجّا معاً ثمّ مرّا في المدينة الشريفة ببيت عاتكة، فقال الهذي: يا أميرالمؤمنين! هذا بيت عاتكة التي يقول فيها الأخوص:
يا دار عاتكة التي أتغزّل
…
حذر العدا وبه الفؤاد موكّل
فأنكر عليه المنصور ابتدائه بالخبر من غير أن يسأله، ثمّ أمرّ القصيدة على باله ليعلم ما أراد، فإذا فيها:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم
…
مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فعلم أنّه أشار إلى هذا البيت بتلميحه فتذكّر ما وعده به وأنجزه.
ومثله ما حكي أنّ اباالعلا المعرّي كان يتعصّب للمتنبّي وشرح ديوانه وسمّاه "معجز أحمد"، فحضر يوماً مجلس الشريف المرتضى، فجرى ذكر المتنبّي عن غير قصد، فهضم المرتضى من جانبه، فقال المعرّي: لو لم يكن إلاّ قوله: لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه، فغضب المرتضى وأمر بسحبه وإخراجه وقال للحاضرين: أتدرون ما عنى بذكر هذا البيت؟ قالوا: لا، قال: عنى قول المتنبّي فيها:
وإذا أتتك مذمّتي من ناقص
…
فهي الشهادة لي بأنّي كامل
ومن هذا القبيل قصّة السري الرفاء مع سيف الدولة ابن حمدان بسبب المتنبّي، فإنّهما كانا من مدّاحه، فجرى ذكر المتنبّي يوماً في مجلس سيف الدولة، فبالغ في الثناء عليه، فقال له السري: أشتهي أنّ الأمير ينتخب لي قصيدة من غرر قصائده لأُعارضها ويتحقّق بذلك أنّه أركبه في غير سرجه، فقال له سيف الدولة على الفور: عارض لنا قصيدته القافيّة التي مطلعها:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي
…
وللحبّ ما لم يبق منّي وما بقي
قال السري: فكتبت القصيدة واعتبرتها فلم أجدها من مختاراته لكن رأيته يقول فيها عن ممدوحه:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق
…
أراه غباري ثمّ قال له الحق
فعلمت أنّ سيف الدولة إنّما أشار إلى هذا البيت، فأحجمت عن معارضته.
ومن لطيف التلميح قول أبي نؤاس:
وقال أصحيابي الفرار أو الردى
…
فقلت هما أمران أحلاهما مر
ولكنّني أمضي لما لا يعيبني
…
وحسبك من أمرين خيرهما الأسر
ولا خير في ردّ الردى بمذلّة
…
كما ردَّه يوماً بسوءته عمرو
يريد عمرو بن العاص لمّا ضربه علي عليه السلام يوم صفّين فرمى نفسه على الأرض وكشف عن سوئته فأعرض علي عنه وقال: عورة المرء حمى. وقد وقع ذلك لبسر بن أرطاة مع علي عليه السلام كما وقع لعمرو، وذلك أنّ بسراً كان مع معاوية بصفّين، فأمره أن يلقى عليّاً عليه السلام وقال له: سمعتك تتمنّى لقائه، فلو أظفرك الله به حصلت دنيا وآخرة، ولم يزل يشجّعه ويمنّيه حتّى رآه فقصده في الحرب والتقيا، فصرعه علي عليه السلام، فكشف بسرٌ عن سوئته فتركته عليّ، وفي ذلك يقول ابن نضر السهمي:
أفي كلّ يوم فارس ذو كريهة
…
له عورةٌ وسط العجاجة باديه
يكفّ لها عنه عليٌّ سنانه
…
ويضحك منها في الخلاء معاويه
فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا
…
سبيليكما لا تلقيا الليث ثانيه
ولا تحمدا إلاّ الحيا وخصاكما
…
هما كانتا والله للنفس واقيه
في أبيات أُخر لا حاجة إلى ذكرها.
ومن بديع التلميح ما حُكي أنّ عبد الرحمن بن الحكم قدم على معاوية الشام وكان قد عزل أخاه مروان عن المدينة وولّى سعيد بن العاص، فوجّهه أخوه وقال له: ألقه أمامي فعاتبه لي واستصلحه، فلمّا قدم عليه دخل إليه وهو يعشّي الناس، فأنشأ يقول:
أتتك العيس تنفح في براها
…
يكشّف عن مناقبها القطوع
بأبيض من أمّيّة مصرخيّ
…
كأنّ جبينه سيف صنيع
فقال له معاوية: أزائراً جئت أم مفاخراً أم مكاثراً؟ فقال له: أيّ ذلك شئت. فقال: ما أشاء من ذلك شيئاً، وأراد معاوية أن يقطعه عن كلامه الذي عنّ له، فقال: على أيّ الظهر أتيتنا؟ قال: على فرس، قال: ما صفته؟ قال: أجشّ هزيم، يعرض بقول النجاشي له:
ونجي بن حرب سابح ذو غلالة
…
أجشَّ هزيم والرماح دواني
إذا خلت أطراف الرماح تناله
…
مرته له الساقان والقدمان
فغضب معاوية وقال: أمّا إنّه لا يركبه صاحبه في الظلم إلى الريب، ولا هو ممّن يتسوّر على جارته، ولا يثب على كنانه بعد هجعة الناس، وكان عبد الرّحمن يتّهم بذلك في امرأة أخيه، فخجل عبد الرحمن وقال: يا أميرالمؤمنين! ما حملك على عزلك ابن عمّك الخيانة أوجبت سخطاً أو برأي رأيته وتدبير أصلحته؟ قال: لتدبير أصلحته، قال: فلا بأس بذلك، وخرج من عنده، فلقي أخاه مروان فأخبره بما جرى بينه وبين معاوية، فاستشاط غيظاً وقال لعبد الرحمن: قبّحك الله! ما أضعفك! عرضت للرجل بما أغضبته به حتّى إذا انتصر منك أحجمت عنه، ثمّ لبس حلّته وركب فرسه وتقلّد سيفه ودخل على معاوية، فقال له حين رآه وتبيّن الغضب في وجهه: مرحباً بأبي عبد الملك! لقد زرتنا عند اشتياق منّا إليك، قال: لا هاالله ما زرتك لذلك ولا قدمت عليك، فألفيتك إلاّ عاقاً قاطعاً، والله ما أنصفتنا ولا جزيتنا جزانا، لقد كانت السابقة من بني عبد شمس لآل أبي العاص والصهر برسول الله لهم والخلافة فيهم فوصلوكم يا بني حرب وشرّفوكم وولّوكم فما عزلوكم ولا آثروا عليكم حتّى إذا ولّيتم وأفضى الأمر إليكم أبيتم إلاّ إثرة وسوء صنيعة وقبح قطيعة، فرويداً رويداً! فقد بلغ بنوا الحكم وبنو أميّة نيفاً وعشرين، وإنّما هي أيّام قلائل حتّى يكملوا أربعين ويعلم أمرواني يكون منهم حينئذ، ثمّ هم للحسن بالحسنى وللسوء بالمرصاد. فقال له معاوية: عزلتك لثلاث لو لم تكن منهنّ إلاّ واحدة لأوجبت عزلك: إحداهنّ: إنّي أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تستشفي منه. والثانية: كرهتك لأمر زياد. والثالثة: إنّ ابنتي رملة إستعدتك على زوجها عمرو بن عثمان فلم تعدها.
قال له مروان: أمّا ابن عامر فإنّي لا أنتصر منه بسلطاني ولكن إذا تساوت الأقدام عليم أين موضعه، وأمّا كراهتي أمر زياد فإنّ سائر بني أميّة كرهوه وجعل الله لنا في ذلك الكره خيراً، وأمّا استعداء رملة على عمرو فوالله إنّه ليأتي عَلَيّ سنة أو أكثر وعندي بنت عثمان فما كشفت لها ثوباً، يعرض بأنّ رملة إنّما استعدت عليه طلباً للنّكاح. فقال له معاوية: يابن الوزغ! لست هناك. فقال له مروان: هو ذاك وإنّي الآن والله لأبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة وقد كاد ولدي أن يكملوا العدّة؛ يعني أربعين، ولو قد بلغوها علم أين تقع منّي، فانخزل معاوية ثمّ قال:
فإن أك في شراركم قليلاً
…
فإنّي في خياركم كثير
بغاث الطير أكثرها فراخاً
…
وأُمّ الصقر مقلاة نزور
فلمّا فرغ مروان من كلامه خضع معاوية وقال له: لك العتبى وإنّي رادّك إلى عملك، فوثب مروان وقال: لا وعيشك لا رأيتني عائداً إليه أبداً، وخرج. فقال الأحنف لمعاوية: ما رأيت قطّ لك سقطة مثلها، ما هذا الخضوع لمروان؟ وأيّ شيء يكون منه ومن بني أبيه إذا بلغوا أربعين؟ وأيّ شيء حسبنا نخشاه منهم؟ فقال له: أُدن منّي أخبرك بذلك، فدنا منه، فقال له: إنّ الحكم بن أبي العاص كان أحد من قدم مع أُختي أُمّ حبيبة لمّا زفّت للنبي، وهو مولىً نقلها إليه، فجعل رسول الله عليه السلام يحدّ النظر إليه، فلمّا خرج قيل له: يا رسول الله حدّدت النظر إليه؟ فقال: ابن المخزوميّة، ذاك رجل إذا بلغ ولده ثلاثين أو أربعين ملكوا الأمر بعدي، فوالله لقد تلقّاها من عين صافية. فقال الأحنف: لا يسمعنّ هذا منك أحد فإنّك تضع من قدرك وقدر ولدك بعدك، وإن قضى الله عزّوعلا أمراًيكون. فقال معاوية: فاكتمها عَلَيّ ياأبا عمرو إذاًفقد لعمري صدقت ونصحت.
ومن جيّد التلميح قول أبي تمام الطائي:
إذا افتخرت يوماً تميم بقوسها
…
وزادت على ما وطّدت من مناقب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم
…
عروش الذين استرهنوا قوس حاجب
يشير إلى قصّة حاجب بن زرارة حين أتى كسرى في جدب أصلبهم بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستأذنه لقومه أن يصيروا في ناحية من بلاده حتّى يحيوا، فقال: إنّكم معاشر العرب أهل غدر وحرص، فإن أذنت لكم أفسدتم البلاد وأغرتم على العباد. فقال حاجب: إنّي ضامن للملك أن لا يفعلوا. قال: فمن لي بأن تفي؟ قال: أرهنك قوسي هذا، فضحك كسرى وقال: ما كان ليسلّمها أبداً، فقبلها منه ثمّ أذن لهم، فلمّا أحييي النّاس بدعوته صلى الله عليه وآله وسلم وقد مات حاجب، فارتحل عطاء بن حاجب إلى كسرى يطلب قوس أبيه، فردّها وكساه حلّة، فلمّا رجع أهداها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يقبلها فباعها من يهودي بأربعة آلاف درهم.
ويشير إلى وقعة ذي قار المشهورة وكانت بين الفرس والعرب، وكانت بعد وقعة بدر بأشهر، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة، ولمّا بلغه خبرها قال: هذا أوّل يوم انتصفت فيه العرب من العجم. في بعض الأخبار: وبي نصروا. وعن ابن عبّاس قال: ذكرت وقعة ذي قار عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ذلك يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا. وقد لمح إلى ذلك المطراني بقوله:
تزهو علينا بقوس حاجبها
…
زهو تميم بقوس حاجبها
ومن ظريف التلميح قول بعضهم:
رأى صاحبي عمروا فكلّف وصفه
…
وحمّلني من ذاك ما ليس في الطوق
فقلت له عمروٌ كعمرو فقال لي
…
صدقت ولكن ذاك شبّ عن الطوق
يشير إلى قصّة عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة الأبرش وكانت الجنّ قد استهوته صغيراً ثمّ قدم وقد التحى فأدخلته رقاش إلى الحمّام وألبسته من ثياب الملك ووضعت في عنقه طوقاً من ذهب كان له وأزارته خاله، فلمّا رأى لحيته والطوق في عنقه قال: شبَّ عمرو عن الطوق، فذهبت مثلاً.
ومن غريب التلميح ما يُحكى أنّ رجلاً قعد على جسر بغداد فأقبلت امرأة بارعة الجمال من ناحية الرصافة إلى الجانب الغربي فاستقبلها شاب فقال لها: رحم الله علي بن الجهم. فقالت المرأة: رحم الله أباالعلا المعرّي، وما وقفا بل سارا مشرقاً ومغرباً. قال الرجل: فتبعت المرأة وقلت: لئن لم تخبريني بما أراد بابن الجهم وما أردت بأبي العلا فضحكتما؟ فضحكت وقالت: أراد به قوله:
عيون المهابين الرصافة والجسر
…
جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري
وأردت بأبي العلا قوله:
فيا دارها بالخيف إنّ مزارها
…
قريب ولكن دون ذلك أهوال
ومن ظريف التلميح ما روي أنّ شريك بن عبد الله النميري ساير يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري يوماً فبززت بغلة شريك، فقال يزيد: غضّ من لجامها، فقال شريك: إنّها مكتوبة أصلح الله الأمير. فقال له يزيد: ما ذهبت حيث أردت، ويزيد أشار إلى قول جرير:
فغضّ الطرف إنّك من نميرِ
…
فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فعرض له شريك بقول ابن داره:
لا تأمننّ فزارياً نزلت به
…
على قلوصك واكتبها بأسيار
وكان بنوا فزارة يرمون بإتيان الإبل.
ومثله ما حكي أنّ تميميّاً نزل بفزاريٍّ فقال: قلوصك يا أخا تميم لا تنفر القطا، فقال: إنّها مكتوبة. أشار الفزاري إلى قول الطرمّاح:
تميم يطرق اللؤم أهدى من القطا
…
ولو سلكت طرق المكارم ضلّت
وأشار التميمي إلى قول ابن دارة وهو البيت المارّ. وبيت الطرمّاح هذا بعده:
ولو أنّ برغوثاً على ظهر قملة
…
يكرُّ على صفي تميم لولّت
وقد أخذ ابن لنكك البيت الأوّل فقال:
تعستم جميعاً من وجوه لبلدة
…
تكنّفهم لؤمٌ وجهل فأفرطا
اراكم تعيبون اللئام وإنّني
…
أراكم بطرق اللؤم أهدى من القطا
ومثله ما حكي أنّ تميميّاً قال لشريك النميري: ما في الجوارح أحبّ إليّ من البازي، فقال النميري: وخاصّة إذا يصيد القطا. فأشار التميمي إلى قول جرير:
أنا البازي المطل على نميرِ
…
أتيح من السماء لها انصبابا
وأشار شريك إلى قول الطرمّاح وهو: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا.
ومن ذلك ما روي أنّ رجلاً من بني محارب دخل على عبد الله بن يزيد الهلالي، فقال عبد الله: ماذا لقينا البارحة من شيوخ بني محارب، ما تركونا ننام. فقال المحاربي: أصلحك الله! أضلّوا البارحة برقعاً فكانوا في طلبه. أراد الهلالي قول الأخطل: