الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لقد قلّبن أيدي الشوق منّي
…
صريعاً بين ألحاظ الظباء
فكم منها لهوت بذات خدر
…
يجول بخدّها ماء الحياء
بمسبلة المساء على صباح
…
ومطلعة الصباح من المساء
هظيم الكشح مرهفة التثني
…
كسول المشي لاعبة العشاء
الباب الثاني في قافية الباء
وفيها فصول
الفصل الأوّل في المديح
قلت فيه هذه المقطوعة:
قفا حييا بالكرخ عنّي ربيبها
…
فياطيب ريّاه الغداة وطيبها
تفيّأ من تلك المقاصير ظلّها
…
فعطّر فيهنّ الصبا وجنوبها
غزالٌ ولكن في الرصافة ناشىءٌ
…
وهل تألَف الغزلان إلاّ كثيبها
فوالله ما أدري أزرَّ جيوبه
…
على الشمس أم زرّت عليه جيوبها
تعشّقته نشوان من خمرة الصبا
…
منعم أطراف البنان خضيبها
لو أنّ النصارى عاينت نار خدّه
…
إذاً أوقدت ناقوسها وصليبها
يرشفينها ريقةً عنبيّةً
…
كخلق أبي الهادي روت عنه طيبها
فتىً كلّ فخر إن نظرنا قداحه
…
وجدنا معلاّها له ورقيبها
تراه الورى في المحل فرّاج خطبها
…
ندىً ولدى فصل الخطاب خطيبها
إلى الحسن اجتبنا الفلا بنزائع
…
خفاف سيثقلن الحقائب نيبها
حلفت بأيديها لسوف أزيرها
…
على الكرخ وضّاح العشايا طروبها
إذا ما طرحتُ الرّحل عنها بربعه
…
غفرت لأيّام الزمان ذنوبها
أقول: الكرخ: محلّة من محال بغداد، وبغداد تسمّى الزوراء، قيل: سمّيت بذلك لانحراف قبلتها، وتسمّى مدينة السلام، ويقال: إنّ السلام إسم الدجلة، وهي بلدة أحدثها المنصور سنة أربعين ومائة، ونزلها سنة ست وأربعين، وفي سنة تسع وأربعين تمّ بناؤها، وهي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة، وهي بين دجلة والفرات، وبغداد الثانية؛ وهي الجديدة، التي في جانب الشرقي، وفيها دور الخلفاء، وهي عبارة عن سبع محال لا تفتقر محلة منها إلى غيرها على شاطىء دجلة، فالذي في الجانب الشرقي الرصافة؛ بناها المنصور حين ضاقت بالرعية والجند سنة إحدى وخمسين وهي مدينة مسوّرة. الثانية: مدفن أبي حنيفة مسوّرة. والثالثة: جامع السلطان غير مسوّرة. والرابعة: مدينة المنصور في الجانب الغربي وتُسمّى باب البصرة، وكان بها ثلاثون ألف مسجد وخمسة آلاف حمّام. والخامسة: مشهد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام مسوّرة. والسادسة: الكرخ مسوّرة. والسابعة: دارالقز مسوّرة.
ويقال: إنّ المنصور سمّي بالدوانيقي لأنّه كان يحاسب العملة على الدانق لبخله.
والنصارى أُمّة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.
قال في كتاب الملل والنحل: أنّه أوحي إليه إبلاغاً عند الثلاثين، وكانت مدّة دعوته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيّام، فلمّا رفع إلى السماء اختلف فيه الحواريون وغيرهم، واختلافاتهم فيه تعود إلى أمرين: أحدهما: كيفيّة نزوله واتّصاله بأُمّه وتجسّد الكلمة.
والثاني: كيفيّة صعوده واتّصاله بالملائكة توحّد الكلمة.
أمّا الأوّل فمنهم من قال أشرق على الجسد إشراق النور على الجسم المشف، ومنهم من قال ظهر به ظهور الروحاني بالجسماني، ومنهم من قال تدرّع اللاهوت بالناسوت، ومنهم من قال مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء. وأثبتوا لله ثلاثة أقانيم، قالوا: الباري تعالى جوهر واحد يعنون به القائم بالنفس لا التحيز والحجمية فهو واحد بالجوهر ثلاثة بالأقنومية، ويعنون بالأقانيم الصفات كالوجود والحياة والإبن وروح القدس، وإنّما تدرّع وتجسّد دون سائر الأقانيم. وقالوا في الصعود أنّه قتل وصلب، قتله اليهود حسداً وبغياً وإنكاراً لنبوّته ودرجته، ولكنّ القتل ما ورد على الجزء اللاهوتي وإنّما ورد على الجزء الناسوتي كما قالوا. وكمال الشخص ثلاثة أشياء: نبوّة وإمامة ومملكة، وغيره من الأنبياء موصوفين بهذه الخصال الثلاث أو بعضها والمسيح درجته فوق ذلك، لأنّه الابن الوحيد فلا نظير له ولا قياس له إلى غيره من الأنبياء، وهو الذي غفرت به زلّة آدم عليه السلام، وهو الذي يحاسب الخلق.
ولهم في النزول خلاف: فمنهم من يقول ينزل قبل يوم القيامة، ومنهم من يقول لا نزول له إلاّ يوم الحساب، وإنّه بعد أن قتل وصلب نزل فرأى شخصه شمعون الصفا، كلّمه وأوصى إليه ثمّ فارق الدنيا وصعد إلى السماء، ومعتقداتهم الفاسدة كثيرة لا داعي إلى الإطالة في ذكرها.
والناقوس هو الذي تضرب به النصارى لأوقات الصلواة.
قال جرير:
لمّا تذكّرت بالديرين أرَّقني
…
صوت الدجاج وضرب بالنواقيس
وما أحسن قول البحترى في هجائه قوماً من النصارى وذلك حيث يقول:
دارٌ بها جهل السماح وأنكر ال
…
معروف بين شماسمس وقسوس
لم يسمعوا بالمكرمات ولم ينخ
…
في دراهم ضيف سوى إبليس
أسيافهم خشب وحلف نسائهم
…
إمّا حلفن بفيشة القسّييس
آذانهم وقرٌ عن الداعي إلى ال
…
هيجاء مصغيةٌ إلى الناقوس
والصليب، قال في مجمع البحرين هو للنصاري هيكل مربّع يدّعون أنّ عيسى عليه السلام صلب على خشبة على تلك الصورة، وقيل هو شيء مثلّث كالتماثيل تعبده النصارى.
قال البحتري يهجو نصرانياً وذكر الناقوس والصليب، وذلك أنّ البحتري إدّعى على ذلك النصراني بدين فأنكره عليه، فقال له البحتري: أحلف بما أحلف به من شعري، ثمّ أنشأ قصيدته التي أوّلها:
تظنُّ همومي لم تعتلج
…
وقد خلج البين من قد خلج
فخالفت مريم في دينها
…
وفارقت ناموسها المنتهج
إلى أن يقول:
وخرقت غفورها كافراً
…
بمن غزل الثوب أو من نسخ
وأوقدت ناقوسها والصليب
…
تحت عشائك حتّى نضج
وبكرت تخرؤ في المذبح ال
…
كبير وتلطخ تلك الدرج
وأعظمت ما أعظمته اليهود
…
تصلّي لقبلتهم أو تحج
وأير طماس إذا ما أشضَّ
…
في صدع امرأتك المنفرج
ونكت عجوزك حتّى ترد
…
في وجهها داخلاً ما خرج
فقال النصراني: أنا لا أستحلّ أن أعود لسماع مثل هذا فكيف أحلف به، ثمّ خرج إليه من ذلك الدين الذي كان عليه.
وهجا مهيار الديلمي نصرانياً وذلك أنّه مدح بعض الرؤساء فأحاله في جائزته على عامل عنده وكان نصرانيّاً، ثمّ سافر ذلك الممدوح فمطله النصراني ولم يقضه، فكتب مهيار إلى الرئيس بهذه القصيدة ويذكر فيها قصّته مع النصراني، أوّلها:
إذا عارضٌ نحو أرض عدل
…
وطاب الهواء له واعتدل
إلى أن يقول منها:
فخالف أمرك فيما أمرت
…
ثقيل إذا خفّ رضوى ثقل
كأنّي أنا قلت في مريم
…
وحاشا لها من بغيّ الحبل
وهدّمت قبلة ماسرجس
…
وأطفأت قنديلها المشتعل
وشاركت في دم عيسى اليهود
…
كما عنده أنّ عيسى قتل
فقولي في البيت الذي تعرّضت فيه لذكر النصارى وهو: لو أنّ النصارى عاينت نار خدّه الخ، معناه أنّ النصارى لو عاينت نار خدّه لانقلبت مجوساً، وأوقدت ناقوسها وصليبها بمعنى تركت معتقدات النصرانية ودانت بمعتقدات المجوسيّة من عبادة النّار.
قال أبو تمام:
وكذاك أهل النّار في الدنيا هم
…
يوم القيامة جلُّ أهل النّار
وقال الصفي الحلّي من جملة موشّحه: فاسقنيها قهوة تكسو الكؤسبسنا الأنواروتميت العقل إذ تحيي النفوسراحة الأسراربنت كرم عتقت عند المجوسفي بيوت النّارغرست كرمتها بين القيانيد أفلاطونوبماء الصرح قد كان يطاندنّها المخزونوعلى ذكر المجوس حكاية أبي الهذيل مع المجوسي روى ذلك السيّد المرتضى في الدرر عن أبي الهذيل قال: قلت لمجوسي: ما تقول في النّار؟ قال: بنت الله، قلت: فما البقر؟ قال: ملائكة الله قصَّ أجنحتها وحطّها إلى الأرض يحرث عليها، قلت: فما الماء؟ قال: نور الله، قلت: فما الجوع والعطش؟ قال: فقر الشيطان وفاقته، قلت: فمن يحمل الأرض؟ قال: بهمن الملك أعظم ملائكة الله، فقلت: ما في الدنيا شرّ من المجوس، أخذوا ملائكة الله فذبحوها ثمّ غسلوها بنور الله ثمّ شووها ببنت الله ثمّ دفعوها إلى فقر الشيطان وفاقته ثمّ سلحوها على رأس بهمن أعزّ ملائكة الله، فانقطع المجوسي وخجل ما لزمه.
والقداح سهام الميسر وهي عشرة؛ ثالثها الرقيب وسابعها العلى، ومن ضرب بها فأحرز هذين السهمين فقد فاز بالإنصباء العشرة.
وعلى قولنا في هذه المقطوعة: ولدى فصل الخطاب خطيبها، ما روي عن السفّاح أنّه أراد أن يخطب يوماً فارتجّ عليه، كانت أوّل خطبة خطبها، فقال: أيّها النّاس! إنّما اللسان بضعة الإنسان، يكلُّ بكلاله إذا كلَّ، وينفسح بانفساحه إذا انفسح، ونحن أُمراء الكلام، منّا تفرّعت فروعه، وعلينا تهدّلت غصونه، ألا وإنّا لا نتكلّم هذراً، ولا نسكت حصراً، بل نتكلّم مؤيّدين، ونسكت معتبرين، ثمّ نزل، فبلغ ذلك أبا جعفر أخاه، فقال: لله هو لو خطب بمثل ما اعتذر به لكان من أخطب العرب، وهذا من أبلغ الإعتذار عند استغلاق الكلام وأحسنه.
وخطب آخر فلمّا بلغ إلى قوله أمّا بعد، أُرتجّ عليه فكرّرها ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإمرأتي طالق ثلاثاً.
وخطب بعض الأُمراء فلمّا بلغ إلى قوله أمّا بعد، أُرتجّ عليه، فركل المنبر برجله وقال: فتى حروب لا فتى منابر.
وخطب ثابت مولى يزيد بن المهلّب فارتُجَّ عليه، فنزل وهو يقول:
فإلاّ أكن فيكم خطيباً فإنّني
…
بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب
وفي رواية أُخرى:
فإلاّ أكن فيكم خطيباً فإنّني
…
ضروب بماضي الشفرتين صقيل
فبلغ ذلك يزيداً فقال: لو قاله على المنبر لكان من أخطب الناس، إنتهى.
واعلم أنّه ينبغي للمنشىء، شاعراً كان أو كاتباً، أن يتأنّق من قصيدته أو خطبته أو رسالته في ثلاثة مواضع: الإبتداء، والتخلّص، والإنتهاء، وإن كان ينبغي له التأنّق والمحافظة في جميع كلامه، إلاّ أنّ الإهتمام بشأن هذه المواضع الثلاثة ألزم، ورعايته أوجب، لأنّ الإبتداء أوّل ما يقرع السماع ويصافح الذهن، فإن وافق السمع ابتداءً مليحاً أصغى إليه، وربّما اغتفر لأجله بعض التقصير فيما بعد، وإن وافق ابتداءً قبيحاً نفره ومجّه، وربّما توجّه اللوم على صاحبه وإن أجاد فيما بعد. ولأنّ التلخّص؛ وهو الإنتقال ممّا يبقى منتظراً له السامع، مرتقباً كيف يكون، فإن كان حسناً متلايم الطرفين، حرّك من نشاط السامع وأعان على الإصغاء إلى ما بعده وإلاّ فبالعكس. ولأنّ الإنتهاء آخر ما يعيه السمع ويرتسم في النفس، فإن كان مختاراً حسناً تلقّاه السمع واستلذّه، وإن كان بخلاف ذلك كان العكس. ولا بأس بالكلام على هذه المواضع الثلاثة مفصّلاً، وذكر بعض المقابح التي اتّفقت للشعراء في أثناء قصائدهم. أقول: أمّا الإبتداء: فقد قال بعض علماء الفن أنّه يُسمّى حسن الإبتداء، ويُسمّى براعة المطلع، وحسن المطلع، وبراعة الإستهلال، وينبغي التأنّق فيه بأن تكون ألفاظه متقاربة في الرقّة والجزالة والعذوبة والسلاسة، وأن تكون متناسبة من غير أن يكتسي اللفظ الشريف المعنى السخيف، ولا اللفظ السخيف المعنى الشريف، بل يصاغان صياغة تلايم وتناسب، وبأن يكون سالماً من التناقض والإمتناع ومخالفة العرف والإبتذال وأمثال ذلك من التعقيد وغيره، وأن يستعمل الألفاظ الرقيقة في ذكر الأشواق ووصف أيّام البعاد وفي استجلاب المودّاة وملاينات الإستعطاف وأمثال ذلك، فمن حسن الإبتداء في تذكار الأحبّة والمنازل قول امرء القيس:
قفانيك من ذكري حبيب ومنزل
…
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
قالوا: إنّه أبدع فيه لأنّه وقف واستوقف وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في نصف بيت عذب عذب اللفظ حسن السبك، إلاّ أنّهم انتقدوا عليه عدم المناسبة في الشطر الثاني، وقالوا أحسن منه في تناسب القسمين قول النابغة:
كليني لهمٍّ يا أميمة ناصب
…
وليل أُقاسيه بطيّ الكواكب
فإنّ قسميه متناسبان، وألفاظه متلائمة، وإن كان بيت امرء القيس أكثر معانياً منه، وما سمع أشدّ مباينة من قسمي بيت جميل:
ألا أيّها النوّام ويحكم هبوا
…
أُسائلكم هل يقتل الرّجل الحبّ
ولقد قال الرشيد يوماً لبعض ندمائه: هل تعرف بيتاً نصفه بدوي في شملة وباقيه محتب بذلة، فأنشده البيت، فاستحسن ذكره.
ومن حسن الإبتداء قول أشجع السلمي:
قصرٌ عليه تحيّة وسلام
…
خلعت عليه جمالها الأيّام
وقول أبي تمام:
لا أنت أنت ولا الديار ديار
…
خفّ الهوى وتولّت الأوطار
وقول المتنبي:
أتراها لكثرة العشّاق
…
تحسب الدمع خلقة في المئآقي
وقول الشريف أبي جعفر البياضي مشيراً إلى الإبل:
رفقاً بهنَّ فما خلقن حديدا
…
أوما تراها أعظماً وجلودا
وأحسنه ما ناسب المقصود، بأن يكون فيه إشارة إلى ما سيق الكلام لأجله، ليكون الإبتداء مشعراً بالمقصود، وهو بهذا الإعتبار يُسمّى براعة الإستهلال، من برع الرجل براعة إذا فاق أصحابه في العلم وغيره، فكأنّ هذا الإبتداء فاق غيره من الإبتداءات التي يستهلّ بها الشعراء فمنه قول أبي محمّد الخازن في تهنئة الصاحب بن عبّاد بمولود لابنته:
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا
…
وكوكب المجد في أُفق العلى صعدا
وقول المتنبّي في التهنئة بزوال المرض:
المجد عوفي مذ عوفيت والكرم
…
وزال عنك إلى أعدائك الألم
وقول مهيار المشعر بالإعتذار:
أما وهواها عذرة وتنصّلا
…
لقد نقل الواشي إليها فأمحلا
وقول الباخرزي المشعر بالتهنئة في النصر على الأعداء:
وفت السعود بوعدها المضمون
…
وتباشرت بالطائر الميمون
وعلا لواء المسلمين وشافهوا
…
تحقيق آمال لهم وظنون
وقول أبي الطيب المتنبي في الإعتذار والتهنئة:
لا خيل عندك تهديها ولا مال
…
فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
ومن البديع الفائق قول أبي تمام يهنّي المعتصم بالله في فتح عمورية، وكان أهل التنجيم زعموا أنّها لا تفتح في ذلك الوقت:
السيف أصدق أنباء من الكتب
…
في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
…
متونهنَّ جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة
…
بين الخميسين لا في السبعة الشهب
ولولا خوف الخروج عمّا نحن فيه لذكرت هذه القصيدة برمّتها، لأنّها من خيار الشعر وأبلغه وأحسنه.
ولا بأس بذكر ما عيب على بعض الشعراء في ابتداء قصائدهم وفي أثنائها، من وقوع ما لا يليق أن يخاطب به الملوك، وما يتطيّر منه، وما يكون مستثقلاً بسبب تكرار اللّفظ الواحد في البيت لغير تجنيس، وما يتضمّن معنيين حسناً وقبيحاً إلى غير ذلك ممّا تجب المحافظة على اجتنابه، فلقد عيب على امرء القيس قوله:
غدائره مستشزرات إلى العلا
…
تظلّ العقاص في مثنى ومرسل
لتنافر لفظة مستشزرات وثلها على اللسان وعسر النطق بها.
ورؤبة بن العجّاج في قوله:
وفاحماً ومرسنا مسرجا
…
وكفلاً وعثا إذا ترجرجا
لفظة "مسرج" فيها الغرابة.
وأبي النجم الفضل بن قدامة بن عبيد الله العجلي في قوله: الحمد لله العليّ الأجلل قالوا: لفظة "أجلل" مخالفة للقياس اللغوي، إذا القياس الأجلّ بالإدغام.
والفرزدق في قوله:
وما مثله في الناس إلاّ مملكا
…
أبو أُمّه حيٌّ أبوه يقاربه
عابوا عليه التعقيد، لأنّ بيته لم يكن ظاهر الدلالة على المراد لهذا الخلل الذي في نظمه.
وقيل: إنّ ذا الرمّة أنشد عبد الملك قوله: ما بال عينيك منها الماء ينسكب، وكانت عين عبد الملك دائماً تدمع، فتوهّم أنّه خاطبه وعرّض به، فقال له: وما سؤالك عن هذا يابن الفاعلة؟ وأمر بإخراجه.
وجرير الخطفي لمّا أنشد عبد الملك:
أتصحو أم فؤادك غير صاحي
…
عشيّة همّ صحبك بالرواح
فقال له عبد الملك: بل فؤادك يابن الفاعلة.
والأخطل لمّا دخل على عبد الملك وأنشده: خف القطين فراحوا منك أو بكروا، فقال له: بل منك يابن الفاعلة.
وكذلك أبوالنجم لمّا أنشد هشاماً وكان أحولاً:
صعوآء قد كادت ولمّا تفعل
…
كأنّها في الأُفق عين الأحول
ظنّ هشام أنّه عرّض به فأمر بضربه، فضُرِب، وقال: أدبه خير من جائزته.
وأبو عبداة البحتري لمّا أنشد يوسف بن محمّد قوله: لك الويل من ليل بطاءٌ أواخره فقال: بل لك الويل والحرب.
وابن مقاتل الضرير لمّا أنشد الداعي العلوي: موعد أحبابك بالفرقة غد، قال: بل موعد أحبابك ولك المثل السوء.
وأنشد أيضاً يوم المهرجان:
لا تقل بشرى ولكن بشريان
…
غرّة الداعي ويوم المهرجان
فبطحه وضربه خمسين سوطاً وقال: إصلاح أدبه خير من ثوابه، وأمر بتغيير الإبتداء بأن يقال: إن تقل بشرى فهذي بشريان.
ويقال: إنّه اعترض عليه الداعي بعد ضربه وقال: كان ينبغي أن يؤخّر المصراع الأوّل ويفتتح بالثاني، فقال: أيّها الفاضل! أفضل الذكر لا إله إلاّ الله، فقال: أحسنت أحسنت، وأمر له بصلة.
وأبو تمام لمّا أنشد أبو دلف العجلي قصيدته البائية التي ابتداؤها: على مثلها من أربع وملاعب، وكان في المجلس رجل يشنؤه، فقال: لعنه الله والملائكة والناس أجمعين. وكان في أبي تمام حبسة شديدة فانقطع خجلاً.
ونقل صلاح الدين الصفدي أنّ شاعراً أنشد الشريف فخرالدولة ابن أبي الحسن نقيب الطالبيين قصيدة يهنّيه في شهر رمضان، وكان الشريف يتأذّى بالصوم لمرض يجده، فكان ابتداء قصيدته: أيّامنا بك كلّها رمضان، فقال الشريف: طوالٌ والله مشؤمة لديّ، مكروهة عندي، مبغضة إليّ، وحرمه ولم يعطه شيئا.
ودخل أبو إسحاق الموصلي على المعتصم وقد فرغ من بناء قصر، فأنشده:
يا دار غيرك البلى ومحاك
…
ياليت شعري ماالذي أبلاك
فتطيّر المعتصم من هذا الإبتداء وأمر بهدم القصر على الفور.
وأبو نؤاس مدح الفضل في قوله:
أربع البلا إنّ الخشوع لبادي
…
عليك وإنّي لم أخنك ودادي
فتطيّر الفضل من هذا الإبتداء، فلمّا بلغ إلى قوله:
سلام على الدّنيا إذا ما فقدتموا
…
بني برمك من رائحين وغادي
إستحكم تطيّره ولم يمض أُسبوع إلاّ ونزلت بهم النازلة.
وقال الثعالبي في يتيمة الدهر: إنّ لأبي الطيب المتنبّي إبتداآت ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره، بل هي كما نعاها عليه العائبون مستشنعة لا يرفع السمع لها حجابه، ولا يفتح القلب لها بابه، كقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أوّل لقية:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
…
وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
وفي الإبتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة التي تنفر منها السوقة، فضلاً عن الملوك.
وقوله أيضاً: أوه بديلٌ من قولتي آها، وهو بحمة العقرب أشبه في افتتاح الكلام في مخاطبته ملكاً.
وقوله أيضاً:
آحاد في سداس في آحاد
…
ليلتنا المنوطة بالتناد
وهذا كلام الخطل، ورطانة الرطن، وما ظنّك بممدوح شمر للسماع من مادحه فسك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة، والمعاني المنبوذة، وأيّ هزّة تبقى لذاك؟ وأيّ أريحيّة تبقى لهذا؟ ومن ابتداآته المستبشعة التي تنكّرها بديهة السماع قوله:
ملثّ القطر أعطشها ربوعا
…
وإلاّ فاسقها السمَّ النّقيعا
وقوله أيضاً:
هذي برزت لنا فهجّت رسيسا
…
ثمّ انثنيت وما شفيت نسيسا
فإنّه لم يرض بحذف النداء من هذي، وهو غير جائز عند النحويين، حتّى ذكر الرسيس والنسيس، فأخذ بطرفي الثقل والبرودة.
قال الصاحب بن عبّاد: ذكر الأُستاذ الرئيس يوماً الشعر، فقال: أوّل ما يحتاج فيه حسن المطلع، فإنّ أبا دلباب أنشدني يوم نوروز قصيدة ابتداؤها: أقبر فما طلب النوال بطائل، فتطيّرت من افتتاحه بالقبر وتنغّصت باليوم والشعر.
قلت: كذا كانت حال ابن مقاتل لمّا مدح الداعي العلوي بقوله: لا تقل بشرى ولكن بشريان، فإنّه نفر من قوله: لا تقل بشرى وقال: أعمى وابتدأ بهذا في يوم المهرجان.
قال الصاحب: وهي من عيون قصائده التي تحيّر الأوهام.
وقال ابن ضافر: صنعت قصيدةً بالشام سنة تسع وثمانين ومائة في الملك الأفضل أبي الحسن علي ابن الملك الناصر نورالدين، أوّلها:
دعها ولا تحبس زمام المقود
…
تطوي بأيديها بساط الفدفد
وأنشدتها لمّن كان بالعسكر من أصحابنا المنتسبين إلى الأدب، فما منهم إلاّ من بذل جهده في نقدها ورمى بأفلاذ كبده فيها فكره، ثمّ حملتها إلى حضرته فصادفت قبولاً واتّفق بعد ذلك أن أنشدتها لابن الأجلّ التكريتي، فلمّا أنشدته البيت الأوّل قال: ما يؤمنك إذا أخذ مدرجها في يده وفتحه فوجد أوّل ما فيها: دعها أن يلقيها من يده ويقول قد فعلت ألست كنت تفتضح؟ قلت: بلى والله ولكن قد وقى الله. قال: وهذا نقدٌ غريب.
وقال الصاحب بن عبّاد: ما زال الناس يستبشعون قول مسلم بن الوليد:
سلت وسلت ثمّ سل سليلها
…
فأتى سليل سليلها مسلولا
حتّى جاء المبدع يعني أباالطيب المتنبي فقال:
وأفقد من فقدنا من وجدنا
…
قبيل الفقد مفقود المثال
قال: والمصيبة في الراثي أعظم منها في المرثي، وقوله أيضاً:
عظمت فلمّا لم تكلّم مهابةً
…
تواضعت فهو العظم عظماً على عظم
قال صلاح الدين الصفدي: لو سمّي هذا البيت جبانة لكان لائقاً به.
قال الصاحب بن عبّاد: ما أحسن ما قاله الأصمعي لمّن أنشده:
فما للنوى جدّ النوى قطع النوى
…
كذاك النوى قطاعة لوصال
سلّط الله على هذا البيت شاةً تأكل هذا النوى كلّه. وقول أبي الطيب المتنبي أيضاً:
أُسدٌ فرائسها الأُسود يقودها
…
أُسدٌ تصير له الأُسود ثعالبا
قال ابن رشيق: لا أدري من أين تخلّص من هذه الغابة المملوّة أُسوداً.
وقوله أيضاً:
العارض الهتن ابن العارض الهتن
…
ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن
قال ابن وكيع: لولا انتهاء القافية لمضى في العارض الهتن إلى آدم، وبانتهاء القافية علمنا نهاية عدد آبائه المستحقّين للمدح وهم ثلاثة ويقف هذا الأمر.
وقوله أيضاً:
جواب مسائلي أله نظيرٌ
…
ولا لك في سؤالك لا إلى لا
قال الصاحب: إنّ مثل هذا البيت يلج سمعاً وقد سمعت بألفافا وما سمعت باللآلاء حتّى رأيت قائل هذا البيت المتكلّف المتعسّف الضعيف الذي لا يقف حيث يعرف.
وقوله أيضاً:
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله
…
ويجهل علمي أنّه بي جاهل
وقوله أيضاً:
ولا ضعف حتّى يتبع الضعف ضعفه
…
ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
وقوله أيضاً:
ولم أر مثل جيراني ومثلي
…
لمثلي عند مثلهم مقام
وقوله أيضاً:
وقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشا
…
قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل
وذكر صلاح الدين الصفدي قال: أنشد الصاحب أبوالقاسم ابن عبّاد عضدالدولة قصيدته الملقّبة باللاكنيّة لكثرة ما كرّر فيها "لكن" وأوّلها:
أشبب لكن بالمعالي أشبب
…
وانسب لكن بالمفاخر أنسب
وبي صبوة لكن إلى حضرة العلى
…
وبي ظمأ لكن من العزّ أشرب
فلمّا بلغ إلى قوله فيها:
ضممت على أبناء تغلب تائها
…
فتغلب ماكر الجديدان تغلب
قال عضدالدولة: يكفي الله تطيّراً من قوله تغلب.
وروى صاحب معاهد التنصيص قال: حدّث أبو دعامة أنّ سلم الخاسر دخل على الرشيد فأنشده قوله: حيّ الأحبّة بالسلام، فقال الرشيد: حيّاهم الله، فقال: أعلى وداع أم مقام؟ فقال الرشيد: حيّاهم الله على أيّ ذلك كان، فأنشده: لم يبق منك ومنهم، إلاّ الجلود على العظام، فقال الرشيد: بل منك ومن أحبابك، وأمر بإخراجه وتطيّر منه ومن قوله، فلم يسمع باقي قصيدته ولا أثابه بشيء.
ومثله في إسائة الأدب قول أبي الطيب المتنبي:
فغدا أسيراً قد بللت ثيابه
…
بدم وبلَّ ببوله أفخاذا
وقوله أيضاً:
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع
…
فإن لحت حاضت في الخدور العوانق
قال الثعالبي: وذكر البول والحيض ممّا لا يحسن ذكره في مخاطبة الملوك.
وقول عامر بن شهيد:
ذكرٌ على ذكر يصول
…
وصارمٌ يسطو بصارم
قال ابن ظافر: قد غفل عامرٌ غفلة شديدة، وأساء من حيث ظنّ أنّه أحسن في قوله لممدوحه: ذكر على ذكر.
وقول أبي الفتوح ابن قلاقس على أنّه شمس علاء وعطارد ذكاء:
بطلاقة أبدت بصفحة وجهه
…
وضح الصباح لمن له عينان
قالوا: ما علمنا أنّه يجعل في وجهه وضحاً حتّى جاء هذا الفاضح ابن شهيد فجعله على ذكر.
وقول الصاحب بن عبّاد حين أنشد عضدالدولة ابن بويه الديلمي:
ولو كنت تأذن لي بالمسير
…
إذاً نهضت جملة الحاشيه
سبقت جوادك مدّ الطريق
…
وسرت وفي يدي الغاشيه
فعتب عليه في قوله: في يدي الغاشيه.
وقول مهيار الديلمي:
وإنّك مذخور لإحياء دولة
…
إذا هي ماتت كان في يدك النشر
قال صلاح الدين الصفدي: إنّي لأعجب من مهيار الديلمي على جلالة قدره واتّقاد خاطره وحسن تخيّله كيف يقول لممدوحه في يدك النشر.
وقول أبي بكر الخالدي حين أنشد سيف الدولة قصيدة تأنّق فيها وأحكم ألفاظها بقوافيها، وكان المخنّث حاضراً، فلمّا انتهى فيها إلى قوله:
وأنكرت شيبة في الرأس واحدة
…
فعاد يسخطها من كان يرضيها
فقال المخنّث: أما تستحي تخاطب الأمير بقولك: واحدة؟ فجنّ الخالدي تعجّباً منه فقال له: ما أقول؟ قال: قل: لائحة أو واضحة. وكان أبوبكر وأبو عثمان الخالديّان من خواص سيف الدولة، فبعث إليهما وصيفاً ووصيفة ومع كلّ منهما بدرة وتخت ثياب مصريّ، فقال أحدهما قصيدة طويلة يشكره على صنيعه، فيها:
لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا
…
إلاّ ومالك في النوال حبيس
خوّلتنا شمساً وبدراً أشرقت
…
بهما لدينا الظلمة الحنديس
رشأ أتانا وهو حسناً يوسفٌ
…
وغزالةٌ هي بهجة بلقيس
هذا ولم تقنع بذاك وهذه
…
حتّى بعثت المال وهو نفيس
أتت الوصيفة وهي تحمل بدرةً
…
وأتى على ظهر الوصيف الكيس
وحبوتنا ممّا أجادت حوكه
…
مصرٌ وزادت حسنه تنبيس
فغدا لنا من جودك المأكول وال
…
مشروب والمنكوح والملبوس
فقال له سيف الدولة: أحسنت إلاّ في لفظة المنكوح فليس هو ممّا يخاطب به الملوك.
وقال أبوالطيب المتنبي:
علَّ الأمير يرى ذلّي فيشفع لي
…
إلى التي تركتني في الهوى مثلا
عابوا عليه ذلك حيث جعل ممدوحه ساعياً بينه وبين محبوبته في الوصال، ولا خفاء في دنائة هذه الرتبة، وقد سبقه إلى ذلك أبو نؤاس مع أنّه أقلّ شناعة، وإن كان الكلّ شنيعاً، وذلك حيث يقول:
سأشكو إلى الفضل ابن يحيى بن خالد
…
هواك لعلَّ الفضل يجمع بيننا
وقد سبقهما إلى ذلك قيس بن ذريح حين طلّق زوجته لبنى وتزوّجت غيره، فندم على ذلك وشبّب بها في كلّ معنى، فرحمه ابن أبي عتيق فسعى في طلاقها من زوجها وأعادها إليه، فقال يمدحه:
جزى الرحمن أفضل ما يجازي
…
على الإحسان خيراً من صديق
وقد جرّبت إخواني جميعاً
…
فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع
…
ورأي حدت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعةً كانت بقلبي
…
أغصّتني حرارتها بريقي
فلمّا سمعها ابن أبي عتيق قال لقيس: أمسك يا حبيبي عن هذا المدح، فما يسمعه أحد إلاّ ويظنّني قوّاداً.
وقول أبي الطيب المتنبي من قصيدة يرثي أخت سيف الدولة ويعزّيه عنها:
وهل سمعت سلاماً لي ألمَّ بها
…
فقد أطلتُ وما سلمتُ عن كثب
عابوا عليه وقالوا: ما باله يسلّم على حرم الملوك ويذكر منهنّ ما يذكره المتغزّل.
وقوله أيضاً من هذه القصيدة:
يعلمن حين يحبي حسن مبسمها
…
وليس يعلم إلاّ الله في الشنب
قال أبوبكر الخوارزمي: لو عزّاني إنسان في حرم لي بمثل هذا لألحقته بها وضربت عنقه على قبره.
وقال الصاحب بن عبّاد: مررت لأبي الطيب على مرثية في أُمّ سيف الدولة تدلّ على فساد الحس في سوء أدب النفس، وما ظنّك فيمن يخاطب ملكاً في أُمّه فيقول:
بعيشك هل سلوت فإنّ قلبي
…
وإن جانبت أرضك غير سالي
فيتشوّق إليها ويخطي خطاً لم يسبق إليه وإنّما يقول هذا من يرثي بعض أهله فأمّا إستعماله إيّاه في هذه المواضع فدالٌّ على ضعف البصر بمواقع الكلام.
وفي هذه القصيدة يقول:
صلاة الله خالقنا حنوطا
…
على الوجه المكفّن بالجمال
قال الصاحب بن عبّاد: لا أدري هذه الإستعارة أحسن أم وجه والدة الملك يرثيها بالجمال أم قوله في وصف قراباتها وجواريها:
أتتهنّ المصيبة غافلات
…
فدمع الحزن في كحل الدلال
وقول المتنبي أيضاً من قصيدة أُخرى:
فلا يحزن الله الأمير فإنّني
…
لآخذ من حالاته بنصيب
قال الصاحب بن عبّاد: لا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبّي بنصيب من حالاته.
وقوله أيضاً:
تبلُّ خدّي كلّما ابتسمت
…
من مطر برقه ثناياها
قالوا: هذه كانت تبصق في وجهه.
وقوله أيضاً:
يقلّبهم وجه كلّ سابحة
…
أربعها قبل طرفها تصل
قيل: إنّ الجزار التغلبي قال عندما سمع هذا البيت: هذه كانت عينها في أُستها.
وقوله أيضاً:
كفّي بجسمي نحولاً إنّني رجلٌ
…
لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني
قالوا: فهو إذاً ضرطة تسمع ولا ترى.
وقول الحاجري:
ومااخضرّ ذاك الخدّ نبتاً وإنّما
…
لكثرة ما شقّت عليه المرائر
فلمّا سمعه الناصر بن العزيز قال: عسى أن يكون الخدّ مسلخاً.
وقول مهيار:
في صدرها حجرٌ وتحت صدارها
…
ماءٌ يشف وبنانة تتعطّف
قالوا: أُنظر إلى قوله: في صدرها حجر، ما أبشعه لما فيه من إيهام الدعاء.
هذا خلاصة ما أردنا إيراده من محاسن براعة المطلع ومقابح الإبتداء، وما وقع من الهفوات في أثناء قصائد الشعراء، وهي كثيرة يلزم من الوقوف على جميعها الخروج عمّا نحن فيه، وهذا القدر كاف في التنبيه لمن له لبّ وذهن.
وأمّا التخلّص ويُسمّى حسن التخلّص، وبراعة التخلّص وحقيقته: الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره بلطيفة تلايم بين الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه، فإن كان الخروج بغير لطيفة وبغير مناسبة تربط بين الكلامين فهو الإقتضاب ويُسمّى الإقتطاع والإرتجال أيضاً وهو أن ينتقل الناثر والناظم ممّا ابتدء به الكلام إلى ما لا يالائمه، وهذا مذهب الجاهليين والمخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام مثل لبيد وحسّان، وبعض الإسلاميّين جرى على منهاجهم في ذلك كأبي تمام وغالب شعر البحتري وغالب شعر أبي نؤاس، فممّا جاء لأبي نؤاس قوله في مدح الأمين:
يا كثير النوح في الدمن
…
لا عليها بل على السكن
سنّة العشّاق واحدة
…
فإذا أحببت فاستنن
ظنَّ بي من قد كلّفت به
…
فهو يجفوني على الظنن
نام لا يعنيه ما لقيت
…
عين ممنوع من الوسن
رشأ لولا ملاحته
…
خلت الدنيا من الفتن
ما بدا إلاّ استرقّ له
…
حسنه عبداً بلا ثمن
فاسقني كأساً على عذب
…
كرهت مسموعه أُذني
من كميت اللون صافية
…
خير ما سلسلت في بدن
ما استقرّت في فؤاد فتى
…
قد رأى ما لوعة الحزن
مزجت من صوب غادية
…
حلبته الريح من مزن
تضحك الدنيا إلى ملك
…
قام بالآثار والسنن
فهو كما ترى انتقل من وصف الخمرة إلى المديح من غير لطيفة ولا مناسبة تلايم بينهما.
ولأبي عبادة البحتري من قصيدة:
سقاني الفهوة السلسل
…
شبيه الرشأ الأكحل
مزجت الراح من فيه
…
بمثل الراح أو أفضل
إلى أن قال فيها:
فلمّاسرّت الراح
…
به سمح واسترسل
وقطع التكّة الرأي
…
إذا التكّة لم تحلل
جزى الله أبا نوح
…
جزاء المنعم المفضل
وهذا كما تراه قد انتقل من وصف محبوبه إلى الدعاء لممدوحه بغير لطيفة ولا مناسبة.
وأمّا حسن التخلّص الذي نحن بصدده فقد ولع به المتأخّرون فأبدعوا فيه وجاؤوا منه بكلّ غريب، ونحن نذكر من ذلك ما يدلّ على صدق الدعوى.
قال أبو نؤاس يمدح الخصيب صاحب مصر:
تقول التي من بيتها خفَّ محملي
…
يعزُّ علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنا متطلّب
…
بلى إنّ أسباب الغنا لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادرٌ
…
جرت فجرى في أثرهنّ عبير
دعيني أكثر حاسديك برحلة
…
إلى بلد فيه الخصيب أمير
إذا لم تطأ أرض الخصيب ركائبي
…
فأيُّ فتىً بعد الخصيب تزور
فتىً يشتري حسن الثناء بماله
…
ويعلم أنّ الدائرات تدور
فما جازه جود ولا حلَّ دونه
…
ولكن يسير الجود حيث يسير
وهذه القصيدة من طنانات أبي نؤاس، وقد عارضها أحمد بن درّاج القصطلي بقصيدة إن لم تزد عليها في البلاغة فما تنقص عنها، وأمّا ابن فضل الله فقد حكم لها بالمزيّة على قصيدة أبي نؤاس، فمنها قوله:
ألم تعلمي أنّ الثواء هو التوى
…
وإنّ بيوت العاجزين قبور
تخوّفني طول السفار وإنّه
…
لتقبيل كفّ العامريّ سفير
دعيني أرد ماء المفاوز آجناً
…
إلى حيث ماء المكرمات نمير
فإنّ خطيرات المهامة ضمّنٌ
…
لراكبها إنّ الجزاء خطير
ولمّا تدانت للوداع وقد هفا
…
بصبري منها أنّةٌ وزفير
تناشدني عقد المودّة في الهوى
…
وفي المهد مبغوم النداء صغير
عييٌ بمرجوع الخطاب ولحظه
…
بموقع أهواء النفوس خبير
فكلّ مفدات الترائب مرضع
…
وكلّ محيّات المحاسن ضير
عصيت شفيع النفس فيه وقادني
…
رواح لتدءآب السرى وبكور
وطار جناح العيس بي وهفت بها
…
جوانح من ذعر الفراق تطير
لئن ودّعت منّي غيوراً فإنّني
…
على عزمتي من شجوها لغيور
ولو شاهدتني والهواجر تلتظي
…
عَلَيَّ ورقراق السراب يمور
أُسلّط حرَّ الهاجرات إذا سطا
…
عَلَيّ حرّ وجهي والأصيل هجير
واستنشق النكباء وهي لواقح
…
واستوطىء الرمضاء وهي ثغور
وللموت في عين الجبان تلوّنٌ
…
وللذعر في سمع الجريّ صرير
لبان لها أنّي من الضيم جازع
…
وأنّي على مضّ الخطوب صبور
ولو أبصرتني والسري جلُّ عزمتي
…
وجرسي لجنيّ الفلات سمير
وأعتسف الموماة في غسق الدجى
…
وللأسد في غيل الغياض زئير
وقد حوّمت زهر النجوم كأنّها
…
كواعب في خضر الحدائق حور
ودارت نجوم القطب حتّى كأنّها
…
كؤسٌ خوال ما لهنَّ مدير
وقد خيّلت طرق المجرّة أنّها
…
على مفرق الليل البهيم قتير
وثاقب عزمي والظلام مروَّع
…
وغضي وأجفان النجوم فتور
لقد أيقنت أنّ المنى طوع همّتي
…
وأنّي بعطف العامري جدير
وروي أنّ أبا نؤاس لمّا قدم على الخصيب صادف في مجلسه جماعة من الشعراء ينشدونه مدائح لهم فيه، فلمّا فرغوا قال الخصيب: ألا تنشدنا أبا عليّ؟ قال: أنشدك أيّها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصا موسى تلقف ما يؤفكون، فأنشده قوله:
أجارة بيتينا أبوك غيور
…
وميسور ما يرجى لديك عسير
إلى آخر القصيدة وهي هذه التي تقدّمت، فاهتزّ لها وأمر له بجائزة.
وأقول: إنّ ما ابتدأ به أبو نؤاس وأحمد بن درّاج وافتتحا به قصيدتيهما وتنقّلا فيهما بتلك المعاني اللطيفة والمقاصد الظريفة من أبلغ تلطّفات الشعراء في التوصّل إلى استعطاف الملوك والأُمراء. وممّن تلطّف في التوصّل لاستعطاف ممدوحه في خطاب زوجته أبو سعيد الرستمي في مدح الصاحب بن عبّاد، وأحببت إيراد ذلك لما فيه من اللطف والظرافة وإن لم يكن ممّا نحن فيه، قال:
أمنجزتي وعدي فقد رحل الركب
…
ولم تتأنَّ العيس أم تقف الصحب
خليلَيَّ لا تستنكرا طول عتبها
…
عَلَيَّ فإنّ الحبّ أكثره عتب
بنفسي بيضاء العوارض أعرضت
…
بوجه كان الشرق من حسنه غرب
وبين الإزار المرتوي حقتُ رملة
…
وبين الوشاح الملتوي غصنٌ رطب
وتحت لثام الخزّ أنفاسها لظىً
…
وفوق رداء الكبر أدمعها سكب
تبدّت مع الأتراب تدعو على النوى
…
وإن لم يكن في الغانيات لها ترب
تسيل على الخدّ الأسيل دموعها
…
وصبٌّ دموع العين يروى به الصبّ
وقد وكلت إحدى يديها بقلبها
…
مخافة أن يرفضَّ من صدرها القلب
فلمّا أجزنَ الجسر قمن ورائه
…
كسرب من الغزلان ليس لها سرب
وعضّت بدرّ الثغر فضّة معصم
…
يكاد يثنيه من الذهب القلب
وكادت تحطّ الرحل لولا عزيمتي
…
وجيهية قب ومهريّة نجب
وقائلة أذرت مع الكحل دمعها
…
إلى أيّ أرض ترحل العيس ظاعناً
وخلفك أفراخٌ بها ظمأ زغب
تقِ الله فينا لا تزدنا صبابةً
…
ببعد فما نلقاه من كثب حسب
فقلت ثقي بالله يا أُمَّ معمر
…
فبعض الصدى ريٌّوبعض النوى قرب
إذا ماانخت العيس بالريّ سالماً
…
فمشرعنا عذب ومرتعنا خصب
دعيني وطيي نحوها البيد بالسرى
…
يقع طائرانا حيث يلتقط الحَبّ
ألم تعلمي أنّ الحيا من جنابها
…
تصوب عزاليه علينا فينصب
فقالت وجالت في نواحي ردائها
…
دموعٌ لها في كلّ ناحية غرب
فتى رستم لا تذكر البين باسمه
…
فديناك إنّ البين أيسره صعب
إلى أن يقول فيها ويعرض بذكر أولاده وأُمّه ويخاطب ممدوحه:
إذا سار مشتاقٌ إليك فإنّني
…
برأسي أخطو بل على هامتي أحبو
وما عاقني إلاّ بنون كأنّهم
…
فراخ الدَّبي في الجو حدثان مادبوا
وقائلة من بعد سبعين حجّة
…
شفيعي إليك الضعف والسنُّ والرب
أتترك أُمّاً هامت اليوم أو غداً
…
يضيق بها من بعدك البلد الرحب
منها:
سأثني بما أوليتني من صنيعة
…
عليك كما يثني على المطر العشب
وأدررت لي أضعاف ما قد مريته
…
بشعري من نعماك فامتلأ القعب
وعاد إنائي من نوالك فيهقا
…
يبل الثرى رشحاً وماانقطع الشخب
وأسكر أشعاري نداك فرنحت
…
بشكرك في الدنيا كما رنح الشرب
ومنها:
وعمَّ جهات الأرض فيض نواله
…
فلم يخل واد من نداه ولا شعب
جوادٌ له في كلّ أُفق غمامة
…
وفي كلّ أرض للندى مشرع عذب
إذا عدَّ كعب في السماح أبت له
…
يمينٌ لها في كلّ أنملة كعب
وهي طويلة وكلّ أبياتها فرائد غرر.
وقال أبو محمّد الخازن من جملة قصيدة أوّلها:
بين المجرَّة والثريّا موقفي
…
فتأمّلي ثمّ اعذري أو عنّفي
هو موقفٌ خفرته أطراف القنا
…
وحمته أشفار الحسام المرهف
واصطفت الأُمراء حول سريره
…
مثل الأهلّة والنجوم الوقّف
وتلألأت شرفاته عن طلعة
…
يرتدّ عنا الطرف إن لم يخطف
ما قيل إجلالاً وتعظيماً له
…
كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
نظمت ملوك بني بويه لتاجه
…
خرزات ملكهم الأغرّ الأشرف
وبنوا له صعداء مجد طنّبت
…
بشبا المهنّد والسنان المرهف
رمقت جبابرة الملوك يفاعها
…
بنواظر من خوفه لم تطرف
من كلّ وضّاح الجبين متوّج
…
علق بلثم بساطه متشرّف
غصّت بهم عرصاته فكأنّما
…
غصّت بهم عرصات يوم الموقف
منها في خطاب محبوبته وهو بالمعنى الذي أوردنا هذا الشعر لأجله، وذلك قوله:
يا هذه لو شمت برقك لم يكن
…
هذا المقام محصّبي ومعرّفي
ولقد سبقت الدهر فيه منشدا
…
وكذا الجواد ببذّ شأو المقرف
لم تثن عبرتك التي غيّضتها
…
عزمي ولا نغمات قولك لي قف
هيهات لم ينقض زماعي لؤلؤ
…
أذراه نرجس طرفك المستعطف
مَنْ مبلغٌ سكني بنجد أنّني
…
قد ضقت ذرعاً بالخليل المنصف
وبلوت أطواد الزمان فلم أجد
…
إلاّ الحسام المنتضى خلاًّ يفي
عرضت لألثمها بخدٍّ ورده
…
يصفرُّ أحمره إذا لم يقطف
فنبا مناط وشاحها عن مخطف
…
طاو ومهوى قرطها عن نفنف
واستحجبت أترابها ثمّ انثنت
…
ترنوا بطرف كالغزال الأهيف
ففرشنَ عرض طريقها بغدائر
…
تناسب بين محلّق ومصفّف
ورمقنَ من حمر القباب بأعين
…
رقعن خرق خصاصها المتكشّف
ونفرنَ من شيبي ولولا نوره
…
لضللت في ظلم الشباب المسدف
شيبٌ يناسبه الربيع منوّراً
…
بنهاره وبهاره المستظرف
لولا بياض النور لم تكن الربى
…
وتلاعها إلاّ كقاع صفصف
كم منّة مشكورة ومبرَّة
…
عند الحدائق للغمام الأوصف
لو لم يحلّ بصوبه عطل الربى
…
ما اهتزَّ بين مديح ومفوّف
كم دوحة لفّآء بين حديقة
…
غنّاء في ظلّ الغمام المغدف
إلى أن يقول:
وتلثّمت شمس النهار ببرقع
…
من طرّتيه والسماء بمطرف
والأقحوان الغض يجلو مبسّما
…
لولا مغازلة الحيا لم يرشف
حتّى انتهى إلى قوله:
في سدَّة للملك مدَّ رواقها
…
علياء فخر الدولة العدل الوفي
ملكٌ حوى الدنيا ببأس عابس
…
وتبسّم باد وتدبير خفي
فحمى قواصيها بعزم ثاقب
…
ولوى نواصيها برأي محصف
ولقد أجاد أبو تمام وأحسن ما شاء بقوله في هذا المقام:
خذي عبرات عينك عن زماعي
…
وصوفني ما أذلت من القناع
أقلّي قد أضاق بكاك ذرعي
…
وما ضاقت بنازلة ذراعي
ءألفة النحيب كم افتراق
…
أطلَّ فكان داعية اجتماع
توجّع إنْ رأت جسمي نحيفاً
…
كأنَّ المجد يدرك بالصراع
فتى النكبات من يأوي إذا ما
…
يطفن به إلى خلق وساع
حتّى قال:
يثير عجاجة في كلّ ثغر
…
يهيم به عديّ ابن الرّقاع
(بمهديّ بن أصرم) عاد عوري
…
إلي أيراقه وامتدَّ باعي
ثمّ نعود إلى ما كنّا في ذكره من التلخّصات البديعية: واعلم أنّ أكملها وأحسنها أن يكون الإنتقال في بيت واحد بحيث لا يفطن السامع إلاّ وهو يرى الشاعر قد انتقل ممّا ابتدأ به إلى ما قصده، وهذا أشبه شيء بالسحر، وما ورد من ذلك للمتقدّمين فقليل، فمن ذلك قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان:
وركب كأنَّ الريح تطلب عندهم
…
لها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل وهي تلفّهم
…
إلى شعث الأكوار من كلّ جانب
إذا أبصروا ناراً يقولون ليتها
…
وقد خصرت أيديهم نار غالب
وقول ذي الرمّة:
سمعت النّاى ينتجعون غيثاً
…
فقلت لصيدح انتجعي بلالا
وصيدح اسم ناقته، وبلال ممدوحه؛ وهو ابن أبي موسى الأشعري وكان يمدحه كثيراً.
وأمّا تخلّصات المتأخّرين من الشعراء فقد اعتنوا بها غاية الإعتناء. قال أبو تمام:
تقول في قومس صحبي وقد أخذت
…
منّا السرى وخطا المهريّة القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمَّ بنا
…
فقلت كلاّ ولكن مطلع الجود
قال صلاح الدين الصفدي: والناس يستحسنون هذا من أبي تمام ويعدّونه من الجيد له، وقد أخذه بلفظه من مسلم بن الوليد واجترأ عليه اجتراء السادة على البعيد، لأنّ مسلم هو البادي وأبو تمام هو العادي، وذلك حيث يقول:
تقول صحبي وقد جدّوا على عجل
…
والخيل تستنُّ بالرّكبان في اللجم
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمَّ بنا
…
فقلت كلاّ ولكن مطلع الكرم
وهذا في غاية الحسن التي تكبوا الفحول دون بلوغها، وتعجز الشعراء عن الظفر بمصوغها، فإنّ عين النهى تصل النظر إلى رفعتها وتتأمّل، ومطايا التخييل تكلُّ عن النهوض بعبئها فتتجمّل وما تتحمّل. وقد أخذه أبو إسحاق الغزي فسبكه فلكبه لمّا قال:
تقول إذا حثثناها وضلّت
…
تناجينا بألسنة الكلال
إلى أُفق الهلال مسير ركبي
…
فقلنا بل إلى أُفق النوال
فأين معالي الشمس ممّا يحاول؟ وأين الثريّا من يد المتناول؟ ولكن هذه الأشياء يتّفق لها سعادة، فما تعارض ولا تقارض.
وقال البحتري من جملة قصيدة فريدة:
إذا باكرته غاديات همومه
…
أراح عليها الراح حمراء كالورد
كأنَّ سناها بالعشيّ لشربها
…
تبلج عيسى حين يلفظ بالوعد
وبديع قول بديع الزمان:
أبى المقام بدار الذلّ لي كرمٌ
…
وهمّةٌ تصل التوحيد والخببا
وعزمةٌ لا تزال الدهر ضاربة
…
دون الأمير وفوق المشتري طنبا
وقال بعضهم:
ومدامع تجري فتحسب أنّ في
…
آماقهنَّ بنان إسماعيلا
وقول مهيار:
فكأنّ دمعي مدّ من أيدي بني
…
عبد الرحيم وجودها المستتبع
وكأنّ ليلي من تقارب طوله
…
أسيافهم موصولة بالأذرع
وقوله أيضاً:
كأنّما قولنا للبابليّ أدر
…
سلافة قولنا للمزيديّ هب
وقول الشابّ الظريف محمّد بن العفيف من قصيدة يمدح بها ابن عبد الظاهر، مطلعها:
أرح يمينك ممّا أنت معتقل
…
أمضي الأسنّة ما فولاذه الكحل
يا من ترينا المنايا واسمها نظر
…
من السيوف المواضي واسمها مقل
ما بال الحاظك المرضى تحاربني
…
كأنّما كلُّ لحظ فارسٌ يطل
من دونها كثب من دونها حرس
…
من دونها قضب من دونها أسل
ومعشر لم تزل في الحرب تنظرهم
…
حمر الخدود وما من شأنها الخجل
يثني حديث الوغى أعطافهم طرباً
…
كأنَّ ذكر المنايا بينهم غزل
من كلّ ذي طرّة سوداء يلبسها
…
وشيبها من غبار الحرب منتصل
ضائت بحسنهم تلك الخيام كما
…
ضائت بوجه ابن عبد الظاهر الدول
وقول البهاء زهير من قصيدة يمدح بها الأمير نصيرالدين الملطي، مطلعها:
بها خفرٌ يوم اللقاء خفيرها
…
فما بالها ضنّت بما لا يضيرها
أعادتها أن لا يعاد مريضها
…
وسيرتها أن لا يفك أسيرها
يقول فيها:
فها أنذا كالطيف فيها صبابة
…
لعلّي إذا نامت بليل أزورها
من الغيد لم توقد مع الليل نارها
…
ولكنّها بين الظلوع سعيرها
تقاضى غريم الشوق منّي صبابة
…
مروعة لم يبق إلاّ يسيرها
وإنّ الّذي أبقته منّي يد الهوى
…
فداء نصير يوم وافى نصيرها
ومنها قول شيخ شيوخ حماة من قصيدة داليّة يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
ويلاه من نومي المشرّد
…
وآه من شملي المبدّد
ولم يزل يدير على خصور هذه الألفاظ الرقيقة، وشاحات معاينة البديعة، إلى أن قال:
ألبسني نشوة بطرف
…
سكرتُ من خمره فعربد
غصن نقاً حلَّ عقد صبري
…
بلين خصر يكاد يعقد
فمن رأى ذلك الوشاح ال
…
صائم صلّى على محمّد
ومن التخلّصات البديعيّة قول القاضي الفاضل من قصيدة يمدح بها بعض الخلفاء المهديين، مطلعها:
ترى لحنيني أو حنين الحمائم
…
جرت فحكت دمعي دموع الغمائم
وهل من طلوع أو ربوع ترحّلوا
…
فكلٌّ أراها دارسات المعالم
دعوا نفس المقروح تحمله الصبا
…
وإن كان يهفو بالغصون النواعم
تأخّرت في حمل السلام عليكم
…
لديها لما قد حمّلت بسلالم
فإنَّ فؤادي بعدكم قد فطمته
…
من الشعر إلاّ مدحه لابن فاطم
ومن الجيّد قول بعضهم وفيه قلب الحروف:
قيل كلّ القلوب من
…
رهب الحب تضطرب
قلت هذا تخرّصٌ
…
قلب بهرام ما رهب
وأمّا براعة الختام؛ وهو الذي سمّاه التيفاشي حسن المقطع، وسمّاه ابن أبي الأصبع الختام، وسمّاه صاحب التلخيص حسن الإنتهاء، فهو عندهم عبارة عن أن يختم المنشىء إنشائه بأحسن كلام يحسن السكوت عليه، ولا ينتظر المخاطب غيره، ولقد أحسن الحريري المحافظة على ذلك في مقاماته. وأمّا أواخر السور فممّا لا يجاري لأنّها وردت على أكمل الوجوه من الإبتداء والإنتهاء، وكيف لا وهو كلام ملهم الكلام.
وأمّا براعة الكلام في الشعر؛ فهي عبارة عن أن يختم القصيدة بأجود بيت يحسن السكوت عليه، لأنّه آخر ما يبقى في الأسماع، وربّما حفظه السامع دون غيره لقرب العهد به، والحذّاق النقّاد يحافظون عليه، قال السيّد الرضي في مدح أبيه:
أمعثّر الأحداث في أذيالها
…
وافاك مدحي والجدود عواثر
إنّي لأرضى أن تكون ممدّحاً
…
وعلاك لا يرضى بأنّي شاعر
وقال مهيار:
فبقيتم والحاسدين علاكم
…
لا خير في مجد بغير حسود
وقال أبو نؤاس:
وإنّي جدير إذ بلغتك بالمنى
…
وأنت بما أمّلتُ منك جدير
فإن تولني منك الجميل فأهله
…
وإلاّ فإنّي عاذرٌ وشكور
وقال بعضهم:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله
…
وهذا دعاء للبريّة شامل
وقال الأرجاني:
بقيت ولا أبقى لك الدهر كاشحاً
…
فإنّك في هذا الزمان فريد
علاك سوارٌ والممالك معصم
…
وجودك طوقٌ والبريّة جيد
وقال إبراهيم الغزي:
بقيت بقاء الدهر ما ذرَّ شارق
…
وغار جديد المكرمات وأنجدا
وقال ابن النبيه:
دمتم بني أيّوب في نعمة
…
تحوز بالتخليد حدّ الزمان
والله لا زلتم ملوك الورى
…
شرقاً وغرباً وعَلَيَّ الضمان
وقال ابن سنا الملك أيضاً:
بقيت حتّى تقول الناس قاطبة
…
هذا أبو إلياس أم هذا أبوالخضر
وقال المتنبي:
وأعطيت الذي لم يعط خلق
…
عليك صلاة ربّك والسلام
أقول: وقد أوقفناك على خلاصة القول في براعة المطلع وحسن التلخّص والمقطع. فأمّا قصيدتنا التي هي عنوان هذا الباب، فبراعة إستهلالها قولنا:
قفا حييا بالكرخ عنّي حبيبها
…
فياطيب ريّاه الغداة وطيبها
فهو كما تراه سهل الألفاظ، حسن السبك، متناسب القسمين، مفرغ في قالب العذوبة، مشعر بأنّه في مدح ملك من ملوك بغداد، مقتبل الشبيبة، طيب الضريبة. وكذلك براعة إستهلال الخطبة من كتابنا هذا جائت دالّة على ما بني عليه هذا الكتاب، وذلك قولنا: الحمد لله الذي جعل محمّداً حسن الأخلاق، وهذا من أبرع الإستهلالات وأجودها. وكذلك اشتملت على تخلّص حسن وقع في بيت واحد، وهو قولنا فيها:
يرشفينها ريقة عنبيّة
…
كخلق أبي الهادي روت عنه طيبها
فهذا كما تراه انتقال من وصف ريقة المحبوب وادّعاء كونها عنبيّة أي خمرة معتصرة من العنب إلى خلق أبي الهادي لأنّها تشبه في عذوبتها خلقه، وإنّ طيبها فائق لأنّها ترويه عن طيبة. وأمّا حسن المقطع فيها فهو هذا الذي يعزّ على الأفكار أن تلد مثله:
إذا ما طرحت الرحل عنها بربعه
…
غفرت لأيّام الزمان ذنوبها
ولنورد ما كان لنا فيهم من النظم على رويّ هذا الباب تكميلاً للفصل.
أقول: وكتبت إليه معتذراً من تأخّر كتابي إليه:
قد جنى لي الزمان أعظم ذنب
…
وغدا منه شاغلي أن أتوبا
بخطوب يقول من قد عنته
…
هكذا تفحم الخطوب الخطيبا
ليت شعري بم اعتذار محبّ
…
قد بدا منه ما يسوء الحبيبا
فتأمّل في قصّتي وتعجّب
…
أفهل هكذا يكون عجيبا
أنا مستغفرٌ وقد أذنب الده
…
ر نأى معرضاً وجئت منيبا
فتجاوز بفضل صفحك عمّن
…
لسوى الصفح لم يجيء مستثيبا
ثمّ هب لي جناية الدهر يا من
…
لم يلد مثله الزمان وهوبا
فلقد أقعدتني العلل، حيث أقامني الخجل، ومثلت بي الأمراض، في غيئة من غيره الصدود والأعراض، إلاّ أنّ أملي قبول العذر ممّن فقد بعض أفلاذ كبده، ونزل السقم منه منزلة الصحة من جسده، مع طوارق أُخر، كلّ طارقة منها تقول لا وزر، أيسرها ابتلاء الدهر له بحبسه، مع غير أبناء جنسه، فإنّي منذ فارقت ذلك النادي، وحللت لكن في غير بلادي، مقسم الفكر بين معالجة الأوصاف، ومعالجة انتساخ ذلك الكتاب، وبينا أنا كذلك إذ وردت إليّ تلك الرسائل، ورود الغيث على الجدب الماحل، فلولا أنّها تابعت طروقها، وشفعت برعدها بروقها، لما ألهاني تنسيق الجواب، عن تنميق الكتاب، وإنّها - يا عافاك الله ممّا أشتكيه - وإن كان ورودها إليّ منك، فإنّي قد آثرت الإشتغال بك حتّى عنك، وهذا عذري إليك، وأنا على ثقة من قبوله إذا نشر لديك، وقد جعلت معاني هذه الغادة السحّارة، لما سلف من الذنوب كفّارة.
يا من لويت به يد الخطب
…
وبه ثنيت طلايع الكرب
ولقيت حدَّ الحادثات به
…
ففللت ذا غرب بذي غرب
وأرحت آمالي بساحته
…
فطرحت ثقل الهم عن قلبي
بشرى لهاشم حيث سالمني
…
فيك الزمان وكان من حربي
فلتشهد الدنيا وساكنها
…
أنّي مخضت لخيرهم وطبي
وبحسبهم ذمّاً شهادتها
…
إنّي لغيرك لم أقل حسبي
أنت الي آبائه درجوا
…
وهم حليُّ عواطل الحقب
يتناقلون الفخر بينهم
…
ندبٌ له يرويه عن ندب
ما زال صبٌّ بالعلا لهم
…
يتورَّث العلياء عن صبّ
حتّى ورثت عظيم سؤددهم
…
كرم الغيوث ورفعة الشهب
فقبضت عن شرف يد الجدب
…
وبسطت عن سرف يدالخصب
ومرى مكارمك الثناء كما
…
يمري النسيم حلائب السحب
طبٌّ بأدواء الأُمور لها
…
تضع الهناء مواضع النقب
يفديك كلّ أخي يد هي في
…
خصب السنين أليفة الجدب
لا بالولود ولا اللبون ولا
…
بروم غير الشحّ من سقب
من لو عصبت بنان راحته
…
بالسيف ما درّت على العصب
ماالريح ناعمة الهبوب سرت
…
سحراً على نزه من العشب
بأرقّ منك خلائقاً كرمت
…
ممزوجة الصهباءِ بالعذب
وقلت في أبيه محمّد الصالح هذه الأبيات معرضاً ببعض مناويه ومجاريه:
فيا نيّر الدنيا الذي في ضيائه
…
جلى عن محيّاها ظلام الغياهب
عجبت لمن يبغي علاك بسعيه
…
وما هو من أبناء هذي المطالب
وما هو إلاّ كالمناسم لوسعت
…
مدى الدهر لا تسمو سموّ الغوارب
وأعجب منه من يجاريك في الندى
…
وعندك يغدو باسطاً كفّ طالب
يهابك إذ تبدو ومرجلُ ظغنه
…
من الغيظ يغلي منه خلف الترائب
ويطرق إجلالاً بحيث تظنّه
…
قد انعقدت أهدابه بالحواجب
فحسبك فخراً إنّ عرقك ينتمي
…
لعرق علىً في طينة العزّ ضارب
ولو بنداك البحر يقرن لم يكن
…
بجنب نداك البحر نهلة شارب
وقال عمّنا المهدي في أبيه الصالح أيضاً، وينحو فيها تفضيله على كرماء العرب:
لك الله إنْ كرماء العرب
…
أرت قومها في قراها العجب
وإنّ في ليالي الشتاء التي
…
على أنفه الكلب لفَّ الذنب
أماجدها أوقدت نارها
…
لعلّ لها طارق تجتلب
وإنْ ماجدٌ منهم قد رأى
…
بإيقاده النّار ما قد طلب
فغاية ما عنده ناقة
…
يعرقبها من خيار النجب
ويغدو بما صنعته يداه
…
من الخير مفتخراً في العرب
وربع أبي المصطفى دائم ال
…
زمان سنا فخره ملتهب
وطبّق في نوره الخافقين
…
وقال هلمَّ لنهب النشب
فأين سنا نارها من سنا
…
أشعّة أنوار عالي الحسب
ونحرهم بدنات الجمال
…
من نحره بدرات الذهب
ويلبث طارقها ليلةً
…
وفي الصبح للسير عنها وثب
ووفّاده اختلفت في حماه
…
على مقتضى مالها من أدب
فهذا مقيم وذا قادم
…
وذا راحل في بطان الحقب
ويحبوهم بالجليل الخطير
…
وينسى الخطير الذي قد وهب