الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وممّا جاء للشعراء في هذا الفصل قول بعضهم:
إذا ما قتلت الشيء علماً فقل به
…
ولا تقل الشيء الذي أنت جاهله
وكان يقال: قتل أرضعاً عالمها وقتلت أرض جاهلها.
قال أبوالطيب المتنبّي:
قد بلوت الخطوب حلواً ومرّاً
…
وملكت الأيّام حزناً وسهلاً
وقتلت الزمان علماً فما يغر
…
ب قولاً ولا يجدّد فعلا
وقال أيضاً:
هذا الذي أفنى النظار مواهباً
…
وعداه قتلاً والزمان تجاربا
وممّا ورد لبعض الشعراء يصف شاعراً بالذكاء لكنّه أخرجه مخرج التهكّم، وهو ظريف جدّاً:
وشاعر أوقد الطبع الذكاء له
…
فكاد يحرقه من فرط أذكاء
أقام يجهد أيّاماً قريحته
…
وشبّه الماء بعد الجهد بالماء
يريد بهذا قول القائل:
كأنّنا والماء من حولنا
…
قوم جلوس حولهم ماء
قوله: أوقد الطبع الذكاء له، يقال: وقدت النار توقّدت هي وأوقدتها أنا واستوقدتها.
ومن الغايات في المدح بالذكاء قول أبي الطيب المتنبّي:
تعرف في عينه حقائقه
…
كأنّه بالذكاء مكتحل
أشفق عند اتّقاد فكرته
…
عليه منها أخاف يشتعل
وفي معنى البيت الثاني قول الخالدي:
لو لم يكن ماء علمي قاهراً فكري
…
لأحرقتني في نيرانها فكري
وعكس هذا المعنى أبوالعلا المعرّى، فنقله من المدح بالذكاء إلى المدح بالشجاعة وشدّة العزم، فقال:
من كلّ من لولا تلهّب بأسه
…
لا خضر في يمنى يديه الأسمر
قوله: الأخضر في يمنى يديه الأسمر، أخذه مهيار الديلمي أخذاً لطيفاً فقال، ونقله إلى المدح بالكرم:
لو ركبوا في عواليهم أناملهم
…
يوم الوغى خضرت أطرافها الحمر
وحكى أبوالحسن العمري قال: دخلت على الشريف المرتضى فأراني بيتين قد عملهما وهما:
سرى طيف سعدي طارقاً فاستفزّني
…
هبوباً وصحبي بالفلاة هجود
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي
…
لعلّ خيالاً طارقاً سيعود
فخرجت من عنده ودخلت على أخيه السيّد الرضي، فعرضت عليه البيتين، فقال بديهاً:
فردّت جواباً والدموع بوادر
…
وقد آن للشمل المشتّ ورود
فهيهات من لقيا حبيب تعرّضت
…
لنا دون لقياه مهامه بيد
فعدت إلى المرتضى بالخبر، فقال: يعزّ عَلَيّ أخي قتله الذكاء، فما كان إلاّ يسيراً حتّى مضى لسبيله.
وكان أياس معروفاً بالفطنة والذكاء والفراسة، وذكره أبو تمام في قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتم
…
في حلم أحنف في ذكاء أياس
وقد جمع في ذكائه مجلّد.
يقال: إنّه نظر إلى ثلاث نسوة فزعن من شيء، فقال: هذه حامل وهذه مرضع وهذه بكر، فسُئِلنَ فكان الأمر كما ذكر، فقيل له: من أين لك ذلك؟ فقال: لمّا فزعن وضعت إحداهنّ يدها على بطنها والاُخرى على ثديها والاُخرى على فرجها.
أقول: وهو أياس بن معاوية، حكى المسعودي في شرح المقامات أنّ المهدي دخل البصرة فرأى أياس بن معاوية وهو صبي وخلفه أربعمائة من العلماء وغيرهم وهو مقدّمهم، فقال المهدي: أُف لهؤلاء الفتّانين، أما كان فيهم شيخ يتقدّمهم غير هذا الحدث؟! ثمّ إنّ المهدي إلتفت إليه وقال: كم سنّك يا فتى؟ فقال: سنّي أطال الله بقاء أميرالمؤمنين سنّ أُسامة بن زيد بن حارثة حين ولاّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جيشاً فيه أبو بكر وعمر، فقال له: تقدّم بارك الله فيك.
وقال السيّد الرضي يصف نفسه بالحزم:
ومالي بعلم الغيب إلاّ طليعة
…
من الحزم لا يخفى عليها المغيّب
وقال مهيار في صدق الرأي:
يرى بوجه اليوم صدر غده
…
تعطيه ما في المصدر الموارد
وقال أيضاً:
يطلعه نجد كلّ مشكلة
…
فكرّ وراء الغيوب مطلع
وقال البحتري:
ومصيب مفاصل الرأي إن حا
…
رب كانت آرائه من جنوده
قوّمت عزمه الأصالة والرمح
…
يقيم الثقاف من تأويده
فصل في فصاحة لسانه وبلاغة بيانه
أقول: هو قادح زند الفصاحة، وماسح غرر سوابق البلاغة، لسانه صفحة منصل، وبيانه عقد مفصّل.
بوركت طلعتك الغرّاء يا
…
قمراً في فلك العلياء مفرد
أنت ريحانة فضل لا أرى
…
مثل ريّاها بهذا العصر يوجد
لك ذكر نشره يهدي شذى
…
فيه أنفاس النسيم الغض تشهد
ولسان في القضايا ذرب
…
ينطق الفصل إذا الفصل تردد
وبيان لو يجاري سحره
…
سحر هاروت وماروت لبلد
عقد الألباب تنحل به
…
وبه ينتظم الأمر فيعقد
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الجمال في اللسان.
وقال أميرالمؤمنين عليه السلام: من طال لسانه وحسن بيانه فليترك التحدّث بغرائب ما سمع، فإنّ الحسد لحسن ما يظهر منه يحمل أكثر الناس على تكذيبه.
وقال: المرء مخبوّ تحت لسانه.
وقال بعضهم:
كفى بالمرء عيباً أن تراه
…
له وجه وليس له لسان
وقالت الحكماء: الصورة الحسنة بلا منطق حسن كالبيت الحسن ليس به ساكن.
وقيل: المرء بأصغريه قلبه ولسانه.
وقيل: المرء مخبوّ تحت طيّ لسانه لا طيلسانه.
وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلاّ ضالّة مهملة أو بهيمة مرسلة.
وقيل: دخل بعض الفصحاء على بعض الاُمراء فازدراه لدمامته وقال: لإن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: مهلاً أيّها الأمير، فإنّما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن تكلّم تكلّم بلسان وإن قاتل قاتل بجنان، ثمّ أنشأ يقول:
وما المرء إلاّ الأصغران لسانه
…
ومعقوله والجسم خلق مصوّر
فإن غرّة راقتك منه فربّما
…
أمر مذاق العود والعود أخضر
وأنشد أيضاً:
وكائن ترى من صامت لك معجب
…
زيادته أو نقصه في التكلّم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
…
فلم يبق إلاّ صورة اللحم والدم
وحسبك شاهداً في هذا المقام بالحكاية التي تقدّمت في نقل ما جرى بين شريك بن الأعور ومعاوية بن أبي سفيان، وقوله في آخر كلامه:
أيشتمني معاوية بن حرب
…
وسيفي صارم ومعي لساني
فقوله: وسيفي صارم ومعي لساني يشبه الكلام الذي مرّ في قولهم: إن تكلّم تكلّم بلسان وإن قاتل قاتل بجنان، ويشبهه قول مهيار:
مالي أذلّ وسيف نصري في فمي
…
والمجد يحفظ سارحي وغريبي
وقول الآخر وهو من شعراء اليتيمة:
وإذا السيوف قطعن كلّ ضريبة
…
قطع السيوف القاطعات لساني
وقول السيّد الرضي:
ومقولي كالسيف يحتمى به
…
أشوس إباء على المقاول
وقوله أيضاً:
ما مقامي على الهوان وعندي
…
مقول صارم وأنف حمي
وإباء محلق بي عن الضيم
…
كما راغ طائر وحشي
وقوله أيضاً:
إن لم تكن في الجمع أمضى طعنةً
…
فلأنت أنفذ خطبةً في المجمع
بنوافذ للقول يبلغ وقعها
…
ماليس يبلغ بالرماح الشرّع
وقوله في رثاء الحسين بن الحجاج:
وما كنت أحسب أنّ المنون
…
تفلّ مضارب ذاك اللسان
لسان هو الأرزق القعضبي
…
تمضمض في ريقة الأفعوان
وقول مهيار:
من طاعني ثغر الخطوب
…
بكلّ سكّيت مفوه
أُمراء معركة الخطابة
…
فاتحو الشبهات عنوه
في كلّ جلسة كاتب
…
منهم إلى الأعداء غزوه
والشعر في هذا الباب كثير جدّاً، وأقول: إنّما يشبه اللسان بالسيف تاره وبالسنان أُخرى لأنّ بعض الكلام الذي هو أثر اللسان وصفته له تأثير في النفوس كتأثير الجرح الحاصل من السنان والسيف، قال الشاعر:
جرحات السنان لها التئام
…
ولا يلتام ما جرح اللسان
وفي بعض النسخ "الكلام" بدل اللسان وهو أولى إن كان البيت استهلالاً من حيث يكون مصراعاً.
ولا بأس بإيراد شيء ممّا ورد من الكلام المنثور في البلاغة والكلام البليغ والمتكلّم البليغ: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: البلاغة النصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، ومن النصر بالحجة أن يدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان الإيضاح أوعر طريقه، وكانت الكناية أبلغ في الدرك وأحقّ بالظفر.
وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل.
وقيل لابن المقفع: ما البلاغة؟ قال: هي التي إذا سمعها الجاهل ظنّ أنّه يحسن مثلها.
وقال معاوية للضحّاك العبدي: ما البلاغة؟ قال: أن تجيب فلا تخطي، وتقول فلا تبطي. فقال: أكذلك أنت؟ قال: أقلني يا أميرالمؤمنين، البلاغة أن لا تخطي ولا تبطي.
وقال عبد الحميد الكاتب: البلاغة ما فهمته العامّة ورضيته الخاصة.
وقيل لكلثوم بن عمرو الغساني: ما البلاغة؟ فقال: ما أفهمك لفظه من غير إعادة ولا حبسه.
وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: السلاطة والجزالة.
وقال آخر: البلاغة التقرّب من البعيد والتباعد من الكلفة، والدلالة من القليل على الكثير.
ومن مختار قول الثعالبي في هذا الباب: أبلغ الكلام ما حسن إيجازه وقلّ مجازه وكثر إعجازه وتناسبت صدوره وإعجازه.
وقال: ربّ كلام له حسن الوجوه الصباح، وسحر الحدق الملاح.
وقال في صفة البليغ: البليغ من يبلغ الأغراض البعيدة بالألفاظ القريبة.
وقيل: البليغ من إذا نطق طبق المفصل، وإذا كتب نسق الدر المفصل.
نبذة فيما ورد لبعضهم من الكلام البليغ قيل لأعرابي: إنّك لكذوب خوار، فقال: والله إنّي لأصدق من قطاة، وأصلب من صفاة.
وقال آخر: يكتفي اللبيب بوحي الحديث، وينبو البيان عن قلب الجاهل.
وذكر أعرابي محلة قوم فقال: ارتحلت عنها ربّات الخدور، وأقامت بها رواحل القدور، ولقد كانوا يعفون آثار الرياح، فعفت آثارهم فذهبت بأبدانهم وبقت ديارهم، فالعهد قريب واللقاء بعيد.
ودعى آخر على رجل فقال: اللهمّ اجعل معيشته السؤال، ومنيته الهزال، ولبوسه العار، ومصيره إلى النّار، وأقلل عدده، وأفني مدده.
ودعت أعرابيّة على زوجها فقالت: ضربك الله بداء لا يكون له دواء إلاّ أبوال القطا.
وسُئِل أعرابي عن بلدين كم بينهما؟ قال: أديم يوم وعمر ليله.
ودخل خالد بن صفوان على أبي العباس السفاح وعنده أخواله من بني الحرث ابن كعب، فقال: ما تقول يا خالد في أخوالي؟ فقال: هم هامة الشرف، وعرنين الكرم، إنّ فيهم خصالاً ما اجتمعت في غيرهم من قومهم، إنّهم لأطولهم أُمماً، وأضربهم قمماً، وأكرمهم شيماً، وأطيبهم طعماً، وأوفاهم ذمماً، وأبعدهم همماً، هم الجمرة في الحرب، والرفد في الجدب، والرأس في كلّ خطب، وغيرهم بمنزلة العجب. فقال السفاح: لقد وصفت يابن صفوان فأحسنت، فزاد أخواله في الإفتخار، فغضب أبوالعباس لأعمامه فقال: أفخر يا خالد، قال: أو على أخوال أميرالمؤمنين؟ قال: وأنت من أعمامه، فقال: كيف أُفاخر قوماً هم بين ناسج برد وسائس قرد ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد وأغرقهم جرد وملكتهم أُم ولد، فتهلّل وجه أبي العباس. قال الجاحظ وقد ذكر كلام خالد هذا: والله لو فكّر في جميع معائبهم واحتضار اللفظ في مثالهم بعد ذلك المدح المهذّب حولاً كاملاً لكان قليلاً، فكيف وهو على بديهته لم يرض فكراً ولم يجهد خاطراً.
ومثله ما روي أنّه وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميان، فقال له الزبرقان: يا رسول الله أنا سيّد تميم المطاع فيهم والمجاب منهم، آخذ لهم الحق وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك منّي؛ يعني عمرواً، فقال: أجل يا رسول الله، إنّه لمانع لحوزته، مطاع في عشيرته. فقال الزبرقان: لقد علم أكثر ممّا قال، ولكنّه حسدني شرفي، فقال عمرو: أمّا لئن قال ذلك ما علمته إلاّ ضيق العطن، زمر المروّة، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى. فتبيّن الكراهة في وجه رسول الله لاختلاف قوله، فقال: يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت، وعضبت فقلت أقبح ما علمت، ولقد صدقت في الاُولى وما كذبت في الاُخرى. فقال النبي عند ذلك: إنّ من البيان لسحراً، وإنّ من الشعر لحمة.
وتظلّم رجل إلى المأمون من عامل له، فقال: يا أميرالمؤمنين ما ترك لنا ذهباً إلاّ ذهب به، ولا فضّة إلاّ فضّها، ولا غلّة إلاّ غلّها، ولا ضيعةً إلاّ أضاعها، ولا علقاً إلاّ علّقه، ولا عرضاً إلاّ عرض له، ولا ماشيةً إلاّ أمتشها، ولا جليلاً إلاّ أجلاه، ولا دقيقاً إلاّ دقّه، فعجب المأمون من فصاحته وكشف ظلامته.
وقال المنصور لمعن بن زائدة الشيباني: كبرت يا معن؟ قال: في طاعتك يا أميرالمؤمنين. قال: وإنّ فيك لبقيّة، قال: هي لك يا أميرالمؤمنين. قال: وإنّك لجلد، قال: على أعدائك يا أميرالمؤمنين. قال: أيّ الدولتين أحبّ إليك: دولتنا أم دولة بني أُميّة؟ قال: ذلك إليك؛ إن زاد إحسانك على إحسانهم فدولتك أحبّ إليّ وإن نقص عنه فدولتهم أخفّ عَلَيّ.
وقال المنصور لإسحاق بن مسلم: أفرطت في وفائك لبني أُميّة؟! فقال: يا أميرالمؤمنين من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى، قال: صدقت.
ووصف بعض البلغاء رجلاً فقال: إنّه لبسط الكفّ، رحب الصدر، وطىء الأكناف، سهل الأخلاق، كريم الطباع، ضاحك السنّ، طلق الوجه، سحاب ماطر، وبحر زاخر، يستقبلك بحسن بشر، ويستدبرك بكرم غيب، عبد لضيفه غير ملاحظ لأكيله، ريّان من العقل، ظمآن من الجهل، راجح الحلم، ثاقب الرأي، كاس من كلّ مكرمة، عار من كلّ ملامة، إن سُئِل بذل، وإن قال فعل.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: ذاك والله صريح النسب، مستحكم الأدب، من أيّ أقطاره أتيته تلقاه بكرم فعال وحسن مقال.
وذكر أعرابي قوماً فقال: هم أقلّ الناس ذنباً إلى أعدائهم، وأكثر جرماً إلى أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على المنكر.
وذمّ آخر رجلاً فقال: هو غني من اللؤم، فقير من الكرم، موته حياة وحياته موت.
وذمّ آخر رجلاً فقال: هو أكثر ذنوباً من الدهر.
وذُكِرَ عند أعرابي رجل مريض فقال: ذاك إلى من يداوي عقله من الجهل أحوج منه إلى من يداوي جسمه من المرض.
وقال آخر: فلان غناه فقر، ومطبخه قفر، يملأ بطنه والجار جائع، ويحفظ ماله والعرض ضايع.
قوله: ومطبخه قفر نظيره قول الشريف الرضي:
بيوتهم سود الذرى ولنارهم
…
مواقد بيض ما بهنّ رماد
وذكر أعرابي قوماً فقال: ألقوا من الصلاة الأذان مخافة أن تسمعه الأذان فتدلّ عليهم الضيفان.
وحدّث محمّد بن سلام قال: تكلّم الخطباء عند المهدي فأطنبوا في وصفه ومدحه، فقام شبيب المنقري فقال لأميرالمؤمنين: أعزّه الله أشباه فمنها القمر الباهر ومنها الفرات الزاخر ومنها الغيث الباكر ومنها الأسد الخادر؛ فأمّا القمر الباهر فأشبه منه حسنه وبهائه، وأمّا الفرات الزاخر فأشبه منه جوده وسخائه، وأمّا الغيث الباكر فأشبه منه طيبه وحبائه، وأمّا الأسد الخادر فأشبه منه شجاعته ومضائه. فقال المهدي: لا حاجة بنا بعد هذا إلى كلام.
ومثل هذا الكلام البليغ ما حكاه أبو محكم قال: اجتمع الشعراء على باب المعتصم، فبعث إليهم محمّد بن عبد الملك الزيّات فقال لهم: إنّ أميرالمؤمنين يقول لكم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول النميري في الرشيد:
خليفة الله إنّ الجود أودية
…
أحلّك الله منها حيث تجتمع
من لم يكن ببني العبّاس معتصماً
…
فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن أخلف القطر لم تخلف مخائله
…
أو ضاق أمر ذكرناه فيتّسع
فليدخل وإلاّ فلينصرف، فقام محمّد بن وهيب فقال: فينا من يقول مثله، قال: وأيّ شيء قلت؟ فقال:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها
…
شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
فالشمس تحكيه في الإشراق طالعة
…
إذا تقطّع عن إداركها النظر
والبدر يحكيه في الظلماء منبلحاً
…
إذا استنارت لياليه به الغرر
يحكي أفاعيله في كلّ نائبة
…
الغيث والليث والصمصامة الذكر
فالغيث يحكي ندى كفّيه منهمراً
…
إذا استهلّ بصوب الديمة المطر
وربّما صال أحياناً على حمق
…
شبيه صولته الضرغامة الهصر
والهند وانى يحكي من عزائمه
…
صريمة الرأي منه النقض والمرر
وكلّها مشبه شيئاً على حدّة
…
وقد تخالف فيها الفعل والصور
وأنت جامع ما فيهنّ من حسن
…
فقد تكامل فيك النفع والضرر
فالخلق جسم له رأس مدبّرة
…
وأنت جار حتاه السمع والبصر
فأمر بإدخاله وأحسن جائزته.
ولا بأس بذكر أبيات من قصيدة النميري في الرشيد: قال السيّد المرتضى: روي أنّ أبا عصمة الشعبي لمّا أوقع بأهل ديار ربيعة، أوفدت ربيعة وفداً إلى الرشيد فيهم منصور النميري، فلمّا صاروا بباب الرشيد أمرهم باختيار من يدخل منهم عليه، فاختاروا عدداً بعد عدد إلى أن اختاروا رجلين النميري أحدهما ليدخلا ويسألا حوائجهما، وكا النميري مؤدّباً لم يسمع منه شعر قط قبل ذلك ولا عرف به، فلمّا مثّل هو وصاحبه بين يدي الرشيد، قال لهما: قولا ما تريدان، فاندفع النميري فأنشده:"ما تنقضي حسرة منّي ولا جزع"، فقال له الرشيد: قل حاجتك وعد عن هذا، فقال:"إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع"، وأنشده القصيدة حتّى انتهى إلى قوله:
ركب من النمر عاذوا بابن عمّهم
…
من هاشم إذا لحّ الأزلم الجذع
متوا إليك بقربى منك تعرفهم
…
لهم بها في سنام المجد مطّلع
إنّ المكارم والمعروف أودية
…
أحلّك الله منها حيث تجتمع
إذا رفعت امرءً فالله رافعه
…
ومن وضعت من الأقوام متّضع
نفسي فدائك والأبطال معلمة
…
يوم الوغى والمنايا بينهم قرع
حتّى أتى على آخرها، فقال: ويحك قل حاجتك، فقال: يا أميرالمؤمنين أُخربَت الديار وأُخذت الأموال وهُتِكَ الحرم، فقال: أُكتبوا له بكلّ ما يريد، وأمر له بثلاثين ألف درهم، واحتبسه عنده وشخص أصحابه بالكتب، ولم يزل عنده يقول الشعر فيه.
وقيل: ورد منصور بن سلمة النميري على البرامكة وهو شيخ كبير، فحدّث مروان بن أبي حفصة قال: دخل رجل شامي إلى الرشيد وكان قد تقدّمته البرامكة في الذكر عنده، فأذن له، فدخل فسلّم فأجاد، فأذن له الرشيد، فجلس، قال مروان: فأوجست منه خوفاً فقلت: يا نفس أنا حجازي نجدي شافهت العرب وشافهتني وهذا شامي أفتراه أشعر منّي، قال: فجعلت أرفق نفسي إلى أن استنشده هارون، فإذا هو والله أفصح الناس، فدخلني له حسد، قال: فأنشده قصيدة تمنّيت أنّها لي وأنّ عَلَيّ غرماً، ثمّ ذكر مروان أنّه حفظ من القصيدة أبياتاً وهي:
أميرالمؤمنين إليك خضنا
…
غمار الموت من بلد شطير
بخوص كالأهلّة جانفات
…
تميل على السرى وعلى الهجير
حملن إليك آمالاً عظاماً
…
ومثل الصخر والدرّ النثير
فقد وقف المديح بمنتهاه
…
وغايته وصار إلى المصير
إلى من لا تشير إلى سواه
…
إذا ذكر الندى كفّ المشير
قال مروان: فوددت أنّه أخذ جائزتي وسكت، وعجبت من تخلّصه إلى تلك القوافي، ثمّ ذكر ولد أميرالمؤمنين عليه السلام فأحسن التخلّص، ورأيت هارون يعجب بذلك، فقال:
يد لك في رقاب بني عليٍّ
…
ومن ليس بالمنّ اليسير
فإن شكروا فقد أنعمت فيهم
…
وإلاّ فالندامة للكفور
مننت على ابن عبد الله يحيى
…
وكان من الحتوف على شفير
وقد سخطت لسخطتك المنايا
…
عليه فهي حائمة النّسور
ولو كافأت ما اجترحت يداه
…
دلفت له بقاصمة الظهور
ولكن جلّ حلمك فاجتباه
…
على الهفوات عفو من قدير
فعاد كأنّما لم يجن ذنباً
…
وكان قد اجتنى حسك الصدور
وإنّك حين تبلغهم أذاة
…
وإن ظلموا لمحترق الضمير
قال: فلمّا سمع الرشيد هذا البيت منه قال: والله هذا معنىً كان في نفسي، وأدخله بيت المال فحكّمه فيه، ثمّ قال مروان: وكان هارون يبسم وكاد يضحك للطف ما سمع ثمّ أومأ إليّ أن أنشده، فأنشدته قصيدتي التي أقول منها:
خلّوا الطريق لمعشر عاداتهم
…
حطم المناكب كلّ يوم زحام
حتّى أتيت على آخرها، فوالله ما عاج ذلك الرجل بشعري ولا حفل به، وأنشده منصور يومئذ:
إنّ لهارون أمّا الهدى
…
كنزين من أجر ومن برّ
يريش ما تبري الليالي ولا
…
تريش أيديهنّ ما ييري
كأنّما البدر على رحله
…
ترميك منه مقلتا صقر
وقال الجاحظ: كان منصور هذا ينافق الريد ويذكر هارون في شعره ومراده بذلك أميرالمؤمنين عليه السلام لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلى أن وشى به عنده بعض أعدائه؛ وهو العتابي، فوجّه الرشيد برجل من بني فزارة وأمره أن يضرب عنقه حيث تقع عينه عليه، فقدم الرجل رأس عين بعد موت منصور بأيّام قلائل.
قال المرزباني: ويصدّق قول الجاحظ أنّه كان يذكر هارون في شعره ويعني به أميرالمؤمنين عليه السلام ما أنشده محمّد بن الحسن بن دريد:
آل الرسول خيار الناس كلّهم
…
وخير آل رسول الله هارون
رضيت حكمك لا أبغي به بدلاً
…
لأنّ حكمك بالتوفيق مقرون
وممّا امتعض منه هارون الرشيد قوله:
شاء من الناس راتع هامل
…
يعللّون النفس بالباطل
تقتل ذريّة النبي وير
…
جون خلود الجنان للقاتل
ما الشك عندي في لؤم قاتله
…
لكنّني قد أشكّ في الخاذل
ونظير قول المعتصم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول النميري الخ ما رواه ميمون بن هارون قال: رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرخ وحاله متماسكة، فسألته فقال: كنت من جلساء المستعين، فقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلاّ ممّن قال مثل قول البحتري في المتوكّل:
فلو أنّ مشتاقاً تكلّف فوق ما
…
في وسعه لسعى إليك المنبر
فرجعت إلى داري وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن ممّا قاله البحتري في المتوكّل، فقال: هاته، فأنشدته:
ولو أنّ برد المصطفى إذ لبسته
…
يظنّ لظنّ البرد أنّك صاحبه
وقال قد أعطيته ولبسته
…
نعم هذه أعطافه ومناكبه
وقال: ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به، فرجعت فبعث إليّ سبعة آلاف دينار وقال: أذخر هذه للحوادث من بعدي ولك عَلَيّ الجراية والكفاية ما دمت حيّاً.
ويناسب هذه الحكاية ما روي عن ابن هرمة أنّه دخل على المنصور ممتدحاً له، فقال له المنصور: وما عسى أن تقول فيّ بعد قولك في عبد الواحد بن سليمان:
إذا قيل من عند ريب الزمان
…
لمقتر فهر ومحتاجها
ومن يعجل الخيل يوم الهياج
…
بإلجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني مالك
…
إليك به دون أزواجها
قلت: يا أميرالمؤمنين فإنّي قلت فيك أحسن من هذا، وأنشده:
إذا قيل أيّ فتىً تعلمون
…
أهشّ إلى الطعن بالذابل
وأضرب للقرن يوم الوغى
…
وأطعم في الزمن الماحل
أشارت إليك أكفّ الأنام
…
إشارة غرقى إلى الساحل
قال المنصور: أمّا هذا فمسروق من ذاك، وأمّا نحن فلا نكافىء إلاّ بالتي هي أحسن، ثمّ أنعم عليه وأحسن جائزته.
ومثل ذلك ما رواه يموت به المزرع أنّ أحمد بن محمّد بن عبد الله أباالحسن الكاتب المعروف بابن المدبّر الضبي كان إذا مدحله شاعر ولم يرض شعره قال لغلامه: إمض به إلى المسجد ولا تفارقه حتّى يصلّي مأة ركعة، فتحاماه الشعراء إلاّ الأفراد المجيدون، فجائه أبو عبد الله الحسن بن عبد السلام المصري فاستأذنه في النشيد، فقال له: قد عرفت الشرط؟ قال: نعم، ثمّ أنشده هذه الأبيات:
أردنا في أبي حسن مديحاً
…
كما بالمدح تنتجع الولاة
فقلنا أكرم الثقلين طرّاً
…
ومن كفّيه دجلة والفرات
فقالوا يقبل المدحات لكن
…
جوائزه عليهنّ الصّلاة
فقلت لهم وما يغني عيالي
…
صلاتي إنّما الشّأن الزكاة
فيأمر لي بكسر الصاد منها
…
فتصبح لي الصلاة هي الصلاة
فضحك ابن المدبّر واستظرفه، فقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أبي تمام الطائي:
هنّ الحمام فإن كسرت عيافة
…
من حائهنّ فانّهنّ حمام
فاستحسن ذلك وأجزل طلبته.
وتكلّم خالد بن صفوان بين يدي هشام بن عبد الملك بكلام استحسنه هشام، فحسده بعض جلسائه فقال له: ما اسمك؟ فقال: خالد بن صفوان بن الأهتم، فقال الرجل: اسمك كاذب وما أحد بخالد، وأبوك صفوان وهو حجر صلد، وجدّك أهتم والصحيح خير من الأهتم. فقال خالد: قد سألت فأجبناك، فممّن أنت؟ قال: من أهل الحجاز، قال: بخّ بخّ بلد العرب، ومنشأ أهل الأدب، فمن أيّ الحجاز؟ قال: من مكّة، قال: بخّ بخّ حرم الله وأمنه ومهجر إبراهيم ومولد إسماعيل، فمن أيّ أهل مكّة أنت؟ قال: من عبد الدار، قال: لم تصنع شيئاً يا أخا عبد الدار، هشمتك هاشم، وأمتك أُميّة، وخزمتك مخزوم، وجمحت بك جمح، وسهمتك سهم، وألوت بك لوي، وغلبتك غالب وأنافت بك مناف، وزهرت عليك زهرة، فأنت ابن عبد دارها، ومنتهى عارها، فتفتح لها إذا دخلت، وتغلق ورائها إذا خرجت. فمرض الرجل بعد ذلك أيّاماً ثمّ مات، فادّعى أهله على خالد ديته لأنّه مات بسبب كلامه.
وقال بعض الروات: وفد علبة بن مسهّر الحارثي على ذي فائش الملك الحميري وكان ذو فائش يحبّ اصطناع سادات العرب ويقضي حوائجهم ويقرب مجالسهم، وكان علبة شاعراً محدثاً ظريفاً، فقال له الملك ذات يوم: يا علبة ألا تحدّثني عن أبيك وأعمامك وتصف لي أحوالهم؟ قال: أيّها الملك، هم أربعة: زياد ومالك وعمر ومسهر؛ أمّا زياد فما استلّ سيفه منذ ملكت يده قائمة إلاّ أغمده في جثمان بطل أو شوامت جمل، وكان إذا حملق النجيد وصلصل الحديد وبلغت النفس الوريد خاض ظلام العجاج، وأطفأ نار الهياج وألوى بالأعراج، وأردف كلّ طفلة مغناج، ذات بدن رجراج، وقال لأصحابه: عليكم النهاب والأموال الرغاب، عطاء لا ضنين شكس، ولا حفلد نكس. وأمّا مالك فكان عصمة الهوالك إذا اشتبهت الأعجاز بالحوارك، يفري الرعيل فري الأديم بالأزميل، ويخبط البهم خبط الذئب نقاد الغنم. وأمّا عمرو فكان البحر الزاخر، والسحاب الماطر، يجود إذا بخل الغيث، ويقدم إذا أحجم الليث، ما قدر إلاّ عفى، ولا عاهد إلاّ وفى. وأمّا مسهّر فكان الذعاف الممقر، والأسد المخدر، يخبي الحرب وييسعر، ويبيح النشب فيكثر، ولا يجنحن ولا يستأثر. فقال: لله درّك يا علبة، مثلك فليصف أُسرته وقومه.
روى أثيرالدين أبو زرعة العراقي الشافعي والمدايني في كتاب الأمثال عن المفضّل الضبي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا خرج من مكّة يعرض نفسه على القبائل، خرج إلى ربيعة ومعه علي وأبوبكر، فدفعوا إلى مجلس من مجالسهم، فتقدّم أبوبكر وكان نسّابةً، فسلّم فردّوا عليه السلام، فقال: ممّن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: أفمن هامتها أم من لهازمها؟ قالوا: من هامتها العظمى، قال: أيّ هامتها أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر، قال: أفمنكم عوف الذي يقال: لا حرّ بوادي عوف؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم بسطام وذو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم جساس حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم الخوفزان قاتل الملوك وسالبها أنعمها؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم أصهار الملوك من كندة؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا، قال: فلستم إذاً ذهل الأكبر، بل أنتم ذهل الأصغر. فقام إليه غلام من شيبان يقال له دغفل حين بقل وجهه فقال:
إنّ على سائلنا أن نسأله
…
والعبأ لا يعرفه أو يحمله
يا هذا إنّك قد سألتنا فأجبناك ولم نكتمك شيئاً، فممّن الرجل؟ قال: من قريش، قال: بخّ بخّ أهل الشرف والرياسة، فمن أيّ قريش أنت؟ قال: من تيم بن مرّة، قال: أمكنت والله الرامي من الثغرة، أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فصار يدعى مجمعاً؟ قال: لا، قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه؟ قال: لا، قال: أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا، فاجتذب أبوبكر زمام ناقته ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هارباً من الغلام، فقال الفتى:
صادف درء السيل درء يدفعه
…
يهيضه حيناً وحيناً يصدعه
أما والله يا أخا تيم لو ثَبَتَّ لأخبرتك أنّك من زمعات قريش ولست من الذوائب. فتبسّم رسول الله، وقال علي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر: لقد وقعت من الغلام الأعرابي على باقعة؟ قال: أجل يا أباالحسن، ما من طامّة إلاّ ولها ظامةٌ و"البلاء موكّل بالنطق"، فذهبت مثلاً.
ودغفل هذا هو ابن حنظلة النسابة، يضرب فيه المثل بالنسب، وقد كان له معرفة بعلم النجوم وغيره من علوم العرب. وقدم مرّةً على معاوية بن أبي سفيان فاختبره فوجده رجلاً كاملاً عالماً، فقال: بم نلت هذا العلم؟ قال: بلسان سئول، وقلب عقول، وآفة العلم النسيان.
وحكى البلاذريى قال: دخل صبي من بني أسد سنّه سبع سنين على الرشيد ليعجب من فصاحته، فقال له الرشيد: ما تحبّ أن أهب لك؟ قال: جميل رأيك فإنّي أفوز به في الدّنيا والآخر، فأمر بدنانير ودراهم فوضعت بين يديه، فقال: إختر أحبّها إليك، فقال: أميرالمؤمنين أحبّ خلق الله إليّ وهذه من هاتين، وضرب بيده إلى الدنانير، فضحك منه الرشيد ووصله بمال وأمر أن يضم إلى ولده.
وقال بعض الروات: لمّا استخلف عمر بن العزيز، قدم عليه وفد من أهل الحجاز فاشرأبّ منهم غلام للكلام، فقال عمر: يا غلام ليتكلّم من هو أسنّ منك، فقال: يا أميرالمؤمنين إنّما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا أمنح الله تعالى عبده قلباً حافظاً ولساناً لافظاً فقد أجاد له الإختيار، ولو أنّ الاُمور بالسنّ لكان في الناس من هو أحقّ بمجلسك منك. فقال له عمر: صدقت، تكلّم، فهذا هو السحر الحلال. فقال: يا أميرالمؤمنين إنّا وفد التهنية لا وفد المرزئة، لم تقدمنا عليك رغبة ولا رهبة، لأنّا قد أمنّا في أيّامك ما خفنا، وأدركنا ما أمّلنا. فسأل عمر عن سنّ الغلام، فقيل له: عشر سنين.
ونظير هذه القضيّة ما ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار قال: حدّث معبد بن خالد وكان ذميماً قال: وفدنا معشر عدوان على عبد الملك، فقدّموا رجلاً منّا وسيماً، فقال: ممّن؟ قال: عدوان، فأنشد عبد الملك:
عذيري الحي من عدوا
…
ن كانوا حيّة الأرض
بغى بعضهم بعضاً
…
فلم يرعوا على بعض
ومنهم كانت السادا
…
ت والموفون بالقرض
ثمّ قال للرجل: إيه، فقال: لا أحفظها، قال معبد: وكنت خلفه فقلت:
ومنهم حكم يقضي
…
فلا ينقض ما يقضي
قال للرجل: مَن الحكم؟ قال: لا أدري، فقلت: عامر بن الضرب، فقال له: من القائل؟ قال: لا أدري، فقلت: ذوالأصبع، فقال له: لم قيل ذوالأصبع؟ قال: لا أدري، فقلت: نهشته حيّة فقطعت أصبعه، فقال: ما اسم ذي الأصبع؟ قال: لا أدري، فقلت: حرثان بن الحارث، فقال عبد الملك للرجل: كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة ديناراً، فقال لي: وكم أنت؟ قلت: ثلاثمائة، فقال: اجعلوا هذا لهذا، فانصرفت وعطائي سبعمائة وعطائه ثلاثمائة.
وهذه القصّة وإن لم تكن ممّا نحن فيه إلاّ أنّي أوردتها لناسبتها للقضيّة المتقدّمة قبلها.
ولمّا مات سعيد بن العاص وفد ابنه عمرو على معاوية فاستنطقه، فقال: إنّ أوّل كلّ مركب صعب، وإنّ مع اليوم غداً. فقال معاوية: من أوصى بك أبوك؟ فقال: إنّه أوصى إليّ ولم يوص بي. فقال معاوية: إنّ ابن سعيد هذا لأشدق، فسمّي عمرو الأشدق من ذلك اليوم.
وحكي عن النظّام أنّه جاء به أبوه وهو حَدِث إلى خليل بن أحمد ليعلّمه، فقال الخليل له يوماً يمتحنه، وبيده قدح زجاج: يا بنيّ صف لي هذه الزجاجة، فقال: بمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: تُريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء، قال: فذمّها، قال: سريع كسرها، بطيء جبرها، قال: فصف لي هذه النخلة، قال: بمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها، قال: فذمّها، قال: هي صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى. فقال الخليل: يا بني نحن إلى التعليم منك أحوج.
قال السيّد المرتضى: وهذه بلاغة من النظّام حسنة، لأنّ البلاغة هي وصف الشيء ذمّاً أو مدحاً بأقصى ما يقال فيه.
والنظّام هذا هو أبو إسحاق ابن سيّار النظّام. قال الجاحظ: إنّ عبد الوهّاب الثقفي ذكره يوماً فقال: هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم، وخصب بعد جدب، وعنىً بعد فقر، وطاعة المحبوب وفرح المكروب مع الشباب الناعم، وله شعر كثير جيّد، فمنه قوله:
يا تاركي جسداً بغير فؤاد
…
أسرفت في الهجران والإبعاد
إن كان تمنعك الزيارة أعين
…
فادخل إليّ بعلّة العواد
كيما أراك وتلك أعظم منّة
…
ملكت يداك بها منيع قيادي
إنّ العيون على القلوب إذا جنت
…
كانت بليّتها على الأجساد
وله أيضاً:
تأمّله طرفي فألّم خدّه
…
فصار مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه كفّي فألّم كفّه
…
فمن صفح كفّي في أنامله عقر
ومرّ بفكري خاطراً فجرحته
…
ولم أر خلقاً قط يجرحه الفكر
يقال: إنّ الجاحظ لمّا بلغه ذلك قال: هذا ينبغي أن لا يناك إلاّ بأير من الوهم.
ويقال: إنّ أبا العتاهية قال: أنشدت النظّام:
إذا همّ النديم له بلحظ
…
تمشّت في محاسنه الكلوم
قال: ينبغي أن ينادم هذا أعمى.
قال السيّد المرتضى: وأبيات النظّام تتضمّن معنى بيت أبي العتاهية، ولسنا ندري أيّهما أخذ من صاحبه، والنظّام يكرّر هذا المعنى كثيراً في شعره، فمن ذلك قوله:
رق فلو بزت سراويله
…
علّقه الجوَّ من اللطف
يجرحه اللحظ بتكراره
…
ويشتكي الإيماء بالطرف
قال السيّد المرتضى: وشبيه مقالة النظّام في وصف الزجاجة والنخلة خبر لبيد المشهور في هجائه للبقلة التي امتحن بهجائها واختبر بذمّها فقال فيها أبلغ ما يقال في مثلها وذلك أنّ عمّاراً وأنساً وقيساً والربيع بن زياد العبسيين وفدوا على النعمان بن المنذر، ووفد عليه العامريّون بنو أُمّ البنين وعليهم أبو البراء عامر بن جعفر بن كلاب؛ وهو ملاعب الأسنّة، وكان العامريّون ثلاثين رجلاً وفيهم لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب وهو يومئذ غلام له ذؤابة، وكان الربيع بن زياد العبسي ينادم النعمان ويكثر عنده ويتقدّم على من سواه وكان يُدعى الكامل لسطاطه وبياضه وكماله، فضرب النعمان قبّة على أبي البراء وأجرى عليه وعلى من كان معه النزل، فكانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فافتخروا يوماً بحضرته، فكاد العبسيّون يغلبون العامريّين، وكان الربيع إذا خلال بالنعمان طعن فيهم وذكر معائبهم، ففعل ذلك مراراً لعداوته لبني جعفر لأنّهم كانوا أسروه، فصدّ النعمان عنهم حتّى نزع القبّة عن أبي البراء وقطع النزل، فدخلوا عليه يوماً فرأوا منه جفاء، وقد كان قبل ذلك يكرمهم ويقدم مجلسهم، فخرجوا من عنده غضاباً وهمّوا بالإنصراف، ولبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم ويغدوا بإبلهم فيرعاها فإذا أمسى إنصرف بها.
فأتاهم تلك الليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع، فقال لهم: مالكم تتناجون؟ فكتموه وقالوا له: إليك عنّا، فقال لهم: أخبروني فلعلّ لكم عندي فرجاً، فزجروه، فقال: والله لا أحفظ أمتعتكم ولا أسرح بإبلكم أو تخبروني، وكانت أُمّ لبيد عبسيّة في حجر الربيع، فقالوا له: خالك قد غلبنا على الملك وصدّ عنّا وجهه، فقال: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه غداً حين يقعد الملك فأرجز به رجزاً ممضّاً مؤلماً لا يلتفت إليه النعمان بعده أبداً؟ قالوا له: وهل عندك ذاك؟ قال: نعم، قالوا: فإنّا نبلوك بشتم هذه البقلة، وقدّامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة فروعها بالأرض، تدعى الترِبة، فاقتلعها من الأرض فأخذها بيده وقال: هذه البقلة التفلة الرذلة لا تذكي ناراً، ولا تأهل داراً، ولا تسر جاراً، عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قيل، بلدها شاسع، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع، أقصر البقول فرعا، وأخبثها مرعى، وأشدّها قلعاً، فحرَباً لجارها وجدعاً، ألقوا بي أخا عبس أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في لبس.
فقالوا: نصبح ونرى فيك رأينا، فقال لهم عامر: أُنظروا إلى غلامكم هذا، فإن رأيتموه نائم فليس أمره بشيء وإنّما تكلّم بما جرى على لسانه، وإن رأيتموه ساهراً فهو صاحبكم، فرمقوه بأبصارهم فوجدوه قد ركب رحلاً يكدم واسطته حتّى أصبح، فلمّا أصبحوا قالوا: والله أنت صاحبنا، فحلّقوا رأسه وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلّة وغدوا به معهم فدخلوا على النعمان، فوجدوه يتغذّى ومعه الربيع ليس معه غيره، والدار والمجلس مملوئة بالوفد، فلمّا فرغ من الغذاء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، والربيع وإلى جانبه، فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترض الربيع في كلامهم، فقام لبيد وقد دهن أحد شقّي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلاً واحدة، وكذلك العرب كانت تفعل شعرائها في الجاهليّة إذا أرادت الهجاء، فمثّل بين يديه ثمّ قال:
يا ربّ هيجا هي خير من دعه
…
إذ لا تزال هامتي مقزّعه
نحن بني أُمّ البنين الأربعه
…
ونحن خير عامر بن صعصعه
المطعمون الجفنة المدعدعه
…
والضاربون الهام تحت الخيضعه
مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه
…
إن استه من برص ملمّعه
وإنّه يدخل فيها إصبعه
…
يدخلها حتّى يواري أشجعه
فلمّا فرغ لبيد، إلتفت النعمان - كأنّه يطلب شيئاً ضيّعه - إلى الربيع يرمقه شزراً وقال: أكذلك أنت؟ قال: والله كذب ابن الحمق اللئيم، فقال: أُفٍّ لهذا الطعام لقد خبث على نفسي، فقال الربيع: أبيت اللعن، أمّا إنّي فعلت بأُمّه لا يكنى، وكانت في حجره، فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، أمّا إنّها ممن نسوة غير فعّل وأنت المرء.
قال هذا في تتميمه: وفي رواية أُخرى: أمّا إنّها من نسوة فعُّل، قال ذلك لأنّها كانت من قوم الربيع فنسبها إلى القبيح وصدّقه عليها تهجيناً له ولقومه، فأمر الملك بهم جميعاً فأُخرجوا وأعاد على أبي البراء ألقبه، وانصرف الربيع إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه وأمره بالإنصراف إلى أهله، فكتب: إنّي تخوّفت أن يكون قد وقع في صدرك ما قال لبيد ولست برائم حتّى تبعث إليّ من يجرّدني ليعلم من حضرك من الناس أنّي لست كما قال، فأرسل إليه: إنّك لست صانعاً فانتفائك ممّا قال لبيد شيئاً ولا قادراً على ردّ ما زلّت به الألسن فالحق بأهلك، ثمّ كتب إليه النعمان في جملة أبيات جواباً عن أبيات كتبها إليه الربيع:
قد قيل ذلك إن حقّاً وإن كذباً
…
فما اعتذارك من قول إذا قيلا
ويقال: إنّ حجّاج بن يوسف الثقفي بينما هو جالس في القبّة الخضراء وعنده وجوه أهل العراق وقد حفّت به الوزراء إذ دخل عليه غلام له من العمر عشر سنين، فقال بعد أن نظر في القبّة يميناً وشمالاً:(أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع آيَةً تُعْبَثُون، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُون، وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارين) وكان الحجّاج متّكئاً فاستوى جالساً وقال: يا غلام إنّي لأرى لك عقلاً وذهناً، أفحفظت القرآن؟ قال: أوخفت على القرآن الضياع حتّى أحفظه؟ قال: أفجمعت القرآن؟ قال: أوكان متفرّقاً حتّى أجمعه؟ قال: أفأحكمت القرآن؟ قال: أوليس الله أنزله محكماً. قال الحجّاج: أو استظهرت القرآن؟ قال: معاذ الله أن أجعل القرآن وراء ظهري، قال: ويلك ماذا أقول لك؟ قال: بل لك الويل، قل أوعيت القرآن في صدرك؟ قال الحجّاج: فاقرأ لي شيئاً من القرآن، فاستفتح الغلام يقول: أعوذ بالله منك ومن الشيطان الرّجيم (إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْح، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يخرجون مِنْ دِينِ اللهِ أفْواجا) فقال الحجّاج: ويلك إنّه يدخلون في دين الله، فقال الغلام: نعم كانوا يدخلون وأمّا اليوم فيخرجون، قال: ولِمَ ذلك؟ قال: لسوء رأيك فيهم، قال: ويلك هل عرفت المخاطب لك؟ قال: نعم شيطان ثقيف الحجّاج، قال له: ويلك مَن أبوك؟ قال: الذي زرعني، قال: فمن أُمّك؟ قال: التي ولدتني، قال: وأين وُلِدتَ؟ قال: في بعض الفلوات، قال: فأين نُشِأتَ؟ قال: في بعض البراري، قال: ويلك أمجنون أنت فأُعالجك؟ قال: لو كنت مجنوناً ما وصلت إليك ووقفت بين يديك كأنّي فيمن يرجوا فضلك ويخاف عقابك.
قال الحجّاج: فما تقول في أميرالمؤمنين؟ قال: رحم الله أباالحسن، قال: إنّما أعني عبد الملك بن مروان! قال: على الفاسق الفاجر لعنة الله، قال: ويلك بِمَ استحقّ اللعنة؟ قال: والله ما أنكر حقّه غير أنّه أخطأ خطيئة ملأت السّماء والأرض، قال: وما هي؟ قال: استعمالك على رعيّته تستبيح أموالهم وتستحلّ دمائهم، فالتفت الحجّاج إلى أصحابه وقال: ما تشيرون عَلَيّ في أمر هذا الغلام؟ قالوا: أسفك دمه فإنّه خلع الطاعة وفارق الجماعة. فقال الغلام: يا حجّاج، جلساء أخيك خير من جلسائك، قال: أخي محمّد بن يوسف؟ قال: على الفاسق الفاجر لعنة الله، إنّما أعني أخاك فرعون حين قال لجلسائه: ماذا تأمرون في موسى؟ قالوا: أرجه وأخاه، وهؤلاء أمروك بقتلي، إذاً تقوم لله عليك الحجّة غداً بين ملك الجبّارين ومذلّ المتكبّرين. قال الحجّاج: يا غلام قيّد ألفاظك وقصّر لسانك فإنّي أخاف عليك بادرة الاُمراء، وقد أمرت لك بأربعة آلاف درهم تستعين بها. فقال الغلام: لا حاجة لي فيها، بيّض الله وجهك وأعلا كعبك. فالتفت الحجّاج إلى أصحابه وقال: هل علمتم ما أراد بقوله: بيّض الله وجهك وأعلا كعبك؟ قالوا: لا، قال: أمّا قوله: بيّض الله وجهك فأراد به البرص والعما، وأمّا قوله: وأعلا كعبك فأراد به الصلب والتعليق، ثمّ التفت إلى الغلام وقال: ما تقول فيما قلته؟ قال: قاتلك الله من منافق ما أفهمك، فقال للحرسيّ: أضرب عنقه. فقال رجل من القوم يقال له الرقاشي: هبه لي أصلح الله الأمير، قال: هو لك، لا بارك الله لك فيه، فقال الغلام: لا أدري أيّكما أحمق: الواهب أجلاً قد حضر أم المستوهب أجلاً لم يحضر؟ قال الرقاشي: إستنقذتك من القتل وتكافيني بهذا الكلام؟! فقال الغلام: هنيئاً لي بالشهادة إن أدركتني السعادة، يا عجباه، جئت من بلاد الضنك والضيق وأرجع إلى أهلي صفراً، يا ليتني أُقتل أحبّ إليّ.
قال الحجّاج: قد أمرنا لك بمأة ألف درهم، وعفونا عنك لحداثة سنّك وصفاء ذهنك، وإيّاك والجرائة على أرباب الملك فتقع مع من لا يعفو عنك، ولئن رأيتك في شيء من عملي لأضربنّ عنقك. فقال الغلام: العفو بيد الله لا بيدك، والشكوى إليه لا إليك، لا جمع الله بيني وبينك أو يلتقي السامري وموسى، ثمّ خرج، فابتدر الخادم على أثره، فقال لهم: دعوه فما رأيت أشجع منه قلباً ولا أفصح منه لساناً، ولا والله ما وجدت مثله وعسى أن لا يجد مثلي قط.
أقول: ونظير قوله: أفحفظت القرآن، أفجمعت القرآن، أو استظهرت القرآن، وهو ينحو بالجواب إلى غير ما قصده، الحكاية العجيبة التي ذكرها السيّد المرتضى في الدرر قال: من المعمّرين عبد المسيح بن بقيلة الغسّاني، ذكر الكلبي وأبو مخنف أنّه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم وكان نصرانيّاً، روي أنّ خالد بن الوليد لمّا نزل الحيرة وتحصّن منه أهلها، أرسل إليهم: ابعثوا إليّ رجلاً من عقلائكم وذوي أحسابكم، فبعثوا إليه بعبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشي حتّى دنا من خالد، فقال: أنعم صباحاً أيّها الملك، قال: قد أغنانا الله عن تحيّتكم هذه، فمن أين أقصى أثرك أيّها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أُمّي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت؟ قال: إي والله وأقيد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد. قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ إنّي أسأله عن الشيء وينحو في غيره. قال: ما أجبتك إلاّ عمّا سألت، فاسأل عمّا بدا لك. قال: أعرب أننتم أم نبط؟ قال: عرب استنبطنا ونبط استعربنا، قال: فحَرْبٌ أنتم أم سِلْم؟ قال: بل سلم، قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها لسفيه نحذر منه حتّى يجيء الحليم وينهاه، قال: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترقى إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تخرج وتضع مكتلها على رأسها لا تتزوّد إلاّ رغيفاً واحداً حتّى تأتي الشام، ثمّ قد أصبحت اليوم خراباً يباباً وذلك دأب الله تعالى في العباد والبلاد.
قال: ومعه سمّ ساعه يقلّبه في كفّه. قال خالد: ما هذا في كفّك؟ قال: السمّ، قال: وما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي وأهل بلدي حمدت الله وقبلته، وإن كانت الاُخرى لم أكن أوّل من ساق إليهم ذلاًّ وبلاءً، أشربه فأستريح من الحياة الدّنيا، فإنّما بقي من عمري اليسير. قال خالد: هاته، فأخذه ثمّ قال: بسم الله وبالله ربّ الأرض والسماء الذي لا يضرّ مع اسمه شيء، ثمّ أكله فتجللته غشية ثمّ ضرب بذقنه في صدره طويلاً ثمّ عرق فأفاق كأنّما نشط من عقال، فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان أكل سمّ ساعه فلم يضرّه، صانعوهم وأخرجوهم عنكم فإنّ هذا مصنوع لهم، فصانعوهم على مائة ألف درهم.
وهذه وإن كانت ليس هذا محلّها لأنّا في ذكر بلاغة الصبيان، فقد ذكرتها لمناسبة القضيّة التي قبلها.
ويقال: دخل صبي على المنصور فجعل يسأله عن أبيه، وكلّما سأله عن أمر من أُموره قال: فعل رحمه الله كذا، وصنع رضي الله عنه كذا، فزجره الربيع صاحب المنصور وقال: إلى متى تترحّم على أبيك في مجلس أميرالمؤمنين؟ فالتفت الصبيّ إليه وقال: إنّك لم تعرف حلاوة الآباء، وكان الربيع لقيطاً.
وعن عكرمة قال: دخل المعتصم على خاقان يعوده فرأى ابنه الفتح في صحن الدار، فمازحه وقال: يا فتح أيّما أحسن: داري أم داركم؟ فقال: يا أميرالمؤمنين أيّ الدّارين كنت فيها هي أحسن من الاُخرى، فجلس المعتصم مكانه وقال: لا أبرح حتّى ينثر عليه مائة ألف درهم، فنثرت عليه. قال عكرمة: هذا قول الفتح ولم يبلغ العشر.
وعن الأصمعي قال: دخلت البادية فرأيت أعرابيّة من أحسن الناس وجهاً متزوّجة بأقبح الناس وجهاً، فقلت: يا هذه أترغبين أن تكوني تحت هذا؟ فقالت: بئسما قلتَ، لقد أحسن فيما بينه وبين ربّه فجعلني ثوابه، وأسأت فيما بيني وبين ربّي فجعله عقابي.
ودعت أعرابيّة على زوجها فقالت له: ضربك الله بداء لا يكون له دواءً إلاّ أبوال القطا.
ويقال: إنّ امرأة أبي الأسود الدئلي خاصمته إلى زياد في ولدها، فقالت له: أيّها الأمير إنّ هذا يريد أن يغلبني على ولدي وقد كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له وطاء. فقال أبوالأسود: أفبهذا تريدين أن تغلبيني على ابني، فوالله لقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه. فقالت: ولا سواء؛ إنّك حملته خَفّاً وحملته ثقلاً، ووضعته شهوةً ووضعته كرهاً. فقال له زياد: يا أباالأسود إنّها امرأة عاقلة فادفع إليها ابنها فأخلق أن تحسن أدبه.
وفي شرح نهج البلاغة: روى ابن قتيبة في عيون الأخبار قال: دخل الحجّاج على الوليد بن عبد الملك وعليه درع وعمامة سوداء، وقوس عربيّة وكنانة، وذلك في أوّل قدمة قدمها عليه من العراق، فبعثت أُمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان وكانت تحت الوليد إليه تسأله من هذا الأعرابي المستلئم بالسلاح عندك وأنت في غلاله، فأرسل إليها: هذا الحجّاج، فأعادت إليه الرسول: لئن يخلو بك ملك الموت أحياناً في اليوم أحبّ إليّ من أن يخلو بك الحجّاج يوماً، فأخبره الوليد بذلك وهو يمازحه، فقال: يا أميرالمؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تطلعها على سرّك ومكايدة عدوّك. فلمّا دخل الوليد عليها أخبرها وهو يمازحها بمقالة الحجّاج، فقالت: يا أميرالمؤمنين حاجتي أن تأمره غداً أن يأتيني مسلّماً، ففعل ذلك، فأتاها الحجّاج فحجبته، فلم يزل قائماً ثمّ أذنت له، فقالت: أنت الممتنَّ على أميرالمؤمنين بقتلك ابن الزبير وابن الأشعث، أما والله لولا أنّ الله علم أنّك شرّ خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام، ولا بقتل ابن ذات النطاقين، أوّل مولود ولد في دار هجرة الإسلام، وأمّا نهيك أميرالمؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ لذّاته وأوطاره فإن كنّ ينفرجن عن مثلك فما أحقّه بالأخذ منك، وإن كنّ ينفرجن عن مثله فهو غير قابل لقولك، أما والله لقد نفض نساء أميرالمؤمنين الطيب من غدائرهنّ فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من قرن قد أظلّتك رماحهم وأثخنك كفاحهم، وحين كان أميرالمؤمنين أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم فأنجاك الله من عدوّ أميرالمؤمنين بحبّهم إيّاه، قاتل الله القائل حين ينظر إليك وسنان غزاله بين كتفيك:
أسد عَلَيَّ وفي الحروب نعامة
…
فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلاّ برزت إلى غزالة في الوغى
…
أم كان قلبك في جناحي طائر
قم فاخرج، فقام فخرج.
وروي عن محمّد بن عمّار بن ياسر قال: بلغ الحرث بن حجر الكندي عن الخنساء ابنة عوف بن محلم جمالاً وكمالاً، فأرسل إليها امرأة من كندة يقال لها عصام وقال لها: إذهبي واعلمي لي علم الجارية، قالت: فأتيت أُمّها فإذا أنا بامرأة كأنّها جازية من الضباء، وحولها بنات لها كأنّهنّ الغزلان، فأعلمتها الذي جئت له، فأرسلت إلى ابنتها: يا بنيّتي هذه خالتك قد أتتك تنظر إلى بعض شأنك فلا تستري عنها وجهاً، ولا تخفي عليها خلقاً، وناطقيها إن استنطقتك، فأذنت لها، فلمّا دخلت عليها وتوسّمت خلقها رأيت أحسن الناس وجهاً وجسماً، ثمّ خرجت وهي تقول: تركَ الخداع مَن كشف القناع، حتّى دخلت على الحرث، فقال لها: ما ورائك يا عصام؟ فقالت: أصلح الله الملك، صرّح المخض عن الزّبد، أقول حقّاً وأخبرك صدقاً، رأيت وجهاً كالمرآة الصينيّة الوضيئة، يزينه شعر حالك كأذناب الخيل، إن أرسلته قلت سلاسل، وإن مشطته قلت عناقيد جلاها وابل، لها حاجبان كأنّما خطّا بقلم أو سوّدا بحمم، تقوّسا على مثل عيني الظبية العبهرة التي لم تَرَ قانصاً ولم يذعرها قسورة، تبهتان المتوسّم إن فتحتهما، وتجللان بأشفارهما ما تحتهما، بينهما أنف كحدّ السيف المصقول، لم يخنس به قصر ولم يعبه طول، حفّت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض، كالجمال شقّ فيه فم لذيذ المتبسّم، فيه ثنايا ذات أشر، وأسنان كالدرر، ينطق فيه لسان ذو فصاحة، وبيان يحرّكه عقل وافر بجواب حاضر، تنطبق عليه شفتان حمراوان كأنّهما في اللين الزبد، تحملان ريقاً كالشهد، ركّب ذلك على عنق بيضاء بضّه مثل سبيكة الفضّة، على صدر كصدر التمثال، قدّ منه عضدان مدمجتان ممتليتان لحماً مكسوّتان شحماً، متّصل بينهما ساعدان رقيق قصبهما، لين عصبهما، وافر لحمهما، متّصل بهما كفّان ما فيهما عرق يمس، ولا عظم يجس، تعقد إن شئت منهما الأنامل وتغيب الفصوص في عقد تلك المفاصل، نتأ في ذلك الصدر ثديان كالرمانتين، يخرقان عنها ثيابها، ويمنعانها أن تقلّد سخابها، تحت ذلك كلّه بطن كالقباطي المدمجة، والطوامير المدرّجة، أحاطت تلك العكن بسرّة كمدهن العاج، خلف ذلك ظهرٌ فيه كالجدول ينتهي إلى خصر لطيف، لولا رحمة الله لانبتر لها كفل بنهضها إذا قعدت، ويقعد بها إذا نهضت، كأنّه دعص رمل لبّده سقيط الطل، تحمله فخذان لفّاوان، وإن قلبتا على نضيد جمان، تحملها ساقان خدلجتان فيهما شعر أسود كأنّه حلق الزرد، تحمل ذلك كلّه قدم كحذو اللسان، فتبارك الله مع صغرهما كيف تطيقان حمل ما فوقهما. قال: فتزوّجها فولدت له الأملاك الأربعة: حجراً وشرجيلاً وسلمة ومعدي كرب.
ونظير ما وصفت به هذه المرأة وصف النابغة الذبياني المتجرّدة زوجة النّعمان بن المنذر، والنابغة هذا اسمه زياد بن معاوية بن ضباب، ينتهي نسبه لذبيان ثمّ لمضر، ويكنّى أبا أمامة، وإنّما سمّي النابغة لقوله: وقد نبغت لهم منّا شؤون، وهو أحد الأشراف الذين غضّ منهم الشعر، وهو من الطبقة الاُولى المتقدّمين على سائر الشعراء، وكان خاصّاً بالنّعمان بن المنذر وكان من ندمائه، فرأى زوجته المتجرّدة يوماً وقد غشيها شيء شبيه بالفجأة فسقط نصيفها واستترت بيدها وذراعها، فكانت ذراعها تستر وجهها لعبالتها وغلظها، فقال:
من آل أُميّة رائح أو مغتدي
…
عجلان ذا زاد وغير مزوَّد
زعم البوارح أنّ رحلتنا غداً
…
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
لا مرحباً بغد ولا أهلاً به
…
إن كان تفريق الأحبّة في غد
أزف الترحّل غير أنّ ركابنا
…
لمّا تزل برحالنا وكأنّ قد
في أثر غانية رمتك بسهمها
…
فأصاب قلبك غير أن لم تقصد
بالدرّ والياقوت زيّن نحرها
…
ومفصل من لؤلؤ وزبرجد
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
…
فتناولته واتّقتنا باليد
بمخضب رخص كأنّ بنانه
…
عنم على أغصانه لم يعقد
وبفاحم رجل أثيث نبته
…
كالكرم مال على الدعام المسند
نظرت إليك لحاجة لم تقضها
…
نظر السقيم إلى وجوه العوَّد
ومنها:
وإذا لمست لمستَ أختم جاثماً
…
متحيّزاً بمكانة ملأ اليد
وإذا طعنت طعنت في مستهدف
…
رابي المجسّة بالعبير مقرمد
وإذا نزعت نزعت عن متحصّف
…
نزع الحزوَّر بالرشاء المحصد
فملكت أعلاها وأسفلها معاً
…
وأخذتها قسراً وقلت لها اقعدي
وهذا البيت الأخير ليس من القصيدة، وكان سبب إلحاقه فيها ما رواه أبو نؤاس قال: رأيت النابغة الذبياني في منامي فقال لي: بماذا حبسك الرشيد؟ فقلت: بقولي:
أهج نزاراً وأفر جلدتها
…
وهتك الستر عن مثالبها
فقال لي: أهل ذلك أنت يابن المومسة، فقد استوجبت من كلّ نزاريّ عقوبةً مثلها بما ارتكبت منها، فقلت: وأنت حبسك النّعمان ببيت قلته ستره النّعمان عن الناس، قال: ما هو؟ قلت: قولك:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
…
فتناولته واتّقتنا باليد
فقال: أو كان هذا مستوراً؟ فقلت: بقولك:
وإذ لمست لمست أختم جاثماً
…
متحيّزاً بمكانه ملأ اليد
فقال: اللهمّ غفراً، فقلت: فبماذا؟ قال: بقولي:
فملكت أعلاها وأسفلها معاً
…
وأخذتها قسراً وقلت لها اقعدي
فحدّث أبو نؤاس بهذا الحديث الزيدي فألحق البيت بقصيدة النابغة.
ويماثل قصيدة النابغة هذه ما قاله بعض العرب وهو القصيدة المشهورة المعروفة بالدّعديّة ولا بأس بذكرها لاشتمالها على نظائر تلك النعوت المارّة في الحكاية السابقة، فمنها:
آه على دعد وما خلقت
…
إلاّ لطول بليّتي دعد
بيضاء قد لبس الأديم أديم
…
الحسن فهو لجلدها جلد
ويزين فوديها إذا حسرت
…
ضافي الغدائر فاحم جعد
فالوجه مثل الصبح منبلج
…
والشعر مثل الليل مسودّ
ضدّان لمّا استجمعا حسنا
…
والضدّ يظهر حسنه الضدّ
وجبينها صلت وحاجبها
…
شحط المخطّ أزجّ ممتدّ
فكأنّها وسنى إذا نظرت
…
أو مدنف لمّا يفق بعد
بفتور عين ما بها رمدٌ
…
وبها تداوى الأعين الرَّمد
وتريك عرنيناً يزيّنه
…
شَمم وخدّ لونه الورد
وتجيل مسواك الأراك على
…
ثغر كأنَّ رضابه شهد
والجيد منها جيد جازية
…
تعطوا إذا ما طلّها البرد
وامتدّ من أعضادها قصب
…
فعم زهته مرافق درد
والمعصمان فما يرى لهما
…
من فعمة وبضاضة زند
ولها أنامل لو أرادت لها
…
عقداً بكفّك أمكن العقد
فكأنّما سقيت ترائبها
…
والوجه ماء الحسن إذ تبدو
وبصدرها حقّان خلتهما
…
كافورتين علاهما ندّ
والبطن مطويّ كما طويت
…
بيض الرياط تصونها الملد
والتفَّ فخذاها وفوقهما
…
كفل يجاذب خصره النهد
وبخصرها هيف يزيّنه
…
فإذا تنوء تكاد تنتقد
فقيامها مثنى إذا نهضت
…
من لينها وقعودها فرد
ما شأنها طول ولا قِصر
…
أزرى بها فقوامها قصد
ولهاهن راب مجسّته
…
ضيق المسالك حرَّه وقد
فإذا طعنت طعنت في لبد
…
وإذا جذبت يكاد ينسدّ
فكأنّه من كبره قدح
…
أكلَ العيال وكبّة العبد
والساق خرعبة منعّمة
…
ثملت وطوق الحجل مشتدّ
ومشت على قدمين خصرتا
…
والتفّتا فتكامل العقد
إن لم يكن وصل لديك لنا
…
يشفي الصبابة فليكن وعد
إن تتهمي فتهامة وطني
…
أو تنجدي إنّ الهوى نجد
قد كان أورق وصلكم زمناً
…
فذوي الوصال وأورق الصدّ
لله أشواقي إذا نزحت
…
دار لكم ونأى بكم بعد
وإذا المحبّ شكى الصدود ولم
…
يعطف عليه فقتله عمد
أما ترى طمريَّ بينهما
…
رجل ألحَّ بهزله الجدّ
فالسيف يقطع وهو ذو صدء
…
والحدَّ يفري الهام لا الغمد
هل ينفعنّ السيف حليته
…
يوم الجلاد إذا نبا الحدّ
ويشبه قوله: أما ترى طمريَّ الخ قول بعضهم فيما أخبر به محمّد بن الخطّاب الكلابي: إنّ فتىً من الأعراب خطب ابنة عمٍّ له، فأبى أبوها أن يزوّجه إيّاها لأنّه كان معسراً، فكتب إلى ابنة عمّه بهذه الأبيات:
يا هذه كم يكون اللوم والفند
…
لا تعذلي رجلاً أثوابه قِدَد
إن يمس منفرداً فالبدر منفرد
…
والليث منفرد والسيف منفرد
أو كنتِ أنكرت طمريه وقد خلقا
…
فالبحر من فوقه الأقذار والزَّبد
أو كان صرف الليالي رثَّ بزّته
…
فبين ثوبيه منه ضيغم لبد
وإنّما أوردت ذلك المقدار من المقصيدة وإن كان فيه ما هو خارج عمّا نحن فيه لحسنها وجودتها.
ونظير تلك الحكاية أيضاً ما روي في عائشة بنت طلحة. أقول: هي عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرّة، أبوه ابن عمّ أبي بكر لحّاً، وكانت بارعة في الجمال، تامّة الخلق، موصوفة بحسن المعاشرة، محبّبة إلى الأزواج، وكانوا يتنافسون عليها، وتزوّجها عدّة من الرجال، فكان الثانيى من أزواجها يضاعف لها مهرها عن الأوّل حتّى بلغ مهرها عند الأخير ألوفاً كثيرة من المال، وهذا خلاف العادة، فإنّ العرف يقضي بانحطاط مهر الثيّب عن البكر والثالث عن الثاني وهلمّ جرّا، وما ذاك إلاّ لمعنىً في عائشة دون غيرها، ونحن نذكر شيئاً من أوصافها وبعضاً من أخبارها: حكى أبوالفرج في الأغاني قال: اجتمع مصعب بن الزبير وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وعمرو بن سعيد بن العاص وأتتهم عزّة الميلاء، فقالوا لها: إنّا قد خطبنا وأردنا منك أن تنظري لنا نسائنا، فسألت مصعباً عمّن خطب، قال: عائشة بنت طلحة، وسألت عمرو بن سعيد عمّن خطب، فقال: عائشة بنت عثمان، وسألت عبد الله فقال: أُمّ القاسم بنت زكريّا، فتوجّهت إليهنّ لتنظرهنّ، فبدأت بعائشة بنت طلحة، فدخلت عليها، فأكرمتها عائشة وسُرَّت بها فسألتها عن حاجتها، فقالت لها: إنّي كنت في نسوة من قريش فتذاكرنا جمال النساء وخلقهنّ فذكرناكِ فلم أدرِ كيف أصفكِ، فقالت: ماذا تريدين؟ فقالت لها: فديتك أقبلي وأدبري، فأقبلت وأدبرت، فارتجّ كلّ شيء منها، ثمّ قالت لها عزّه: خذي ثوبك، فأخذته فرأتها من أحسن النساء ثورة وأتمّهنّ محاسن، فعوّذتها وقالت: ما أظنّ أنّ الله تعالى خلق لصورتك هذه شبيهاً في الدّنيا، وودّعتها وانصرفت إلى أُمّ القاسم، فأكرمتها وسُرّت بها وسألتها عن حاجتها، فعرّفتها بمثل ذلك وسألتها أن تقبل فأقبلت وأن تدبر فأدبرت، فرأت منها ما أعجبها فعوّذتها وقالت لها: يا أُم القاسم والله ما رأيت حسناً إلاّ وأنتِ أحسن منه، وودّعتها وانصرفت وفعلت مثل ذلك مع عائشة بنت عثمان، ورجعت إليهم وهم ينتظرونها.
فقالت لمصعب: أمّا عائشة فلا والله ما رأيت مثلها مقبلة ولا مدبرة، مخطوطة المتنين، عظيمة العجيزة، ممتلئة الترائب، نقيّة الثغر، وضيئة الوجه، فرعاء الشعر، لفّاء الفخذين، يرتجّ ما بين أعلاها إلى أسفلها، وفيها عيبان: اُذنان يحاذيان الخدّ في الكبر، وقدمان كذلك، ولكن الأوّل يواريه الخمار والثاني يواريه الخف. ثمّ قالت لعبد الرحمن: وأمّا أُم القاسم فكأنّها خوطة بان، أو جدول عنان، لو شائت أن تعقد وتعقد أطرافها لفعلت، ولكنّها شحّة الصدر وأنت عريض الصدر وإن قبيحاً لا والله حتّى يملأ كلّ شيء مثله. وقالت لعمرو بن سعيد: أمّا عائشة فوالله ما رأيت خلقتها قط لامرأة لكأنّما أفرغت في قالب الحسن إفراغاً غير أنّ في وجهها ردّة، فوصلوها وتزوّجوهنّ.
قولها: في وجهها ردّة بفتح الراء، تُريد أنّ وجهها ينقص في الحسن عن بدنها.
وذكر أنّ عائشة بنت طلحة كانت تستلقي على قفاها ثمّ تدحرج الاُترجة من تحت ظهرها فتخرج من الناحية الاُخرى لوفور عجيزتها، وقد قال فيها الحارث بن خالد المخزومي:
قرشيّة عبق العبير بها
…
عبق الدهان بجانب الحقّ
وتنوء تثقلها عجيزتها
…
نهض الضعيف ينوء بالوسق
قال مسلم بن قتيبة: رأيت عايشة بنت طلحة بمنى - أو قال بمسجد الخيف - ومعها امرأتان تنهضانها للقيام فانخزلت عجيزتها لعظمها، فقالت: إنّي لمعناة منكما. قال مسلم: فذكرت قول الحارث بن خالد المخزومي: وتنوء تثقلها عجيزتها، البيتان.
قالت سلافة: زرت مع مولاتي عائشة بنت طلحة وأنا يومئذ وصيفة، فرأيت عجيزتها خلفها وهي جالسة كأنّها غيرها، فوضعت يدي عليها لأعلم ما هي، فلمّا وجدت مسّ يدي قالت: من هذه التي تمسّني؟ فقلت: أنا، رأيت هذا الذي خلفك فخلت أنّها امرأة جالسة معك فجئت لأنظر من هي، فضحكت وقالت: ما أكثر ما يعجب ممّا تعجبين منه. قالت سلافة: ولم أر أحسن جسماً من عائشة بنت طلحة.
وحكى أبوالفرج في الأغاني: إنّ رملة بنت عبد الله بن خلف وكانت ضرّة عائشة عند عمرو بن عبيد الله قالت ذات يوم لمولاة عائشة: أريني عائشة إذا كانت متجرّدة ولك عندي ألف، فأخبرت عائشة بذلك، ثمّ قامت عائشة كأنّها تغتسل، فأقبلت رملة ورأتها مقبلة ومدبرة، فلمّا فرغت من ذلك أعطت مولاتها الألف وقالت لها: وددت أنّي أُضاعف لك العدد ولم أكن رأيتها.
وذكر صاحب كتاب نثر الدرر قال: لمّا تزوّج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة حمل إليها ألف ألف درهم؛ خمسمائة ألف مهر وخمسمائة ألف هديّة، وقال لمولاتها: لك ألف درهم إن دخلت بها الليلة، فأمر بالمال فحمل إلى عائشة وغطّي بالثياب، فخرجت عائشة فرأته فاستكثرته وظنّته فراشاً وثياباً، فسألت مولاتها فأعلمتها أنّه مال فاستكثرته وتبسّمت، فقالت لها مولاتها: ما جزاء من حمل هذا أن يبيت وحده، فقالت لها: وهو كذلك ولكن لا يجوز الدخول إلاّ بعد أن أتهيّىء وأتزيّن، فقالت لها: والله إنّ وجهك لأحسن من كلّ زينة، ولا تحتاجين إلى شيء من طيب أو حلى إلاّ وهو عندك، وأكبّت على رجليها تقبّلهما وتطلب منها أن يكون دخوله بها تلك الليلة، فقالت لها: ويحك كيف يكون هذا بهذه السرعة؟ فصدّقتها الخبر وأعلمتها بما جعل لها مصعب من المال، فأمرتها أن تأذن له، فسار إليها من ليلته وأدنى إليه طعام فأكله كلّه حتّى أعرى الخوان منه، ثمّ سأل عن المتوضّأ فأُخبر فقام فتوضّأ ثمّ صلّى ثمّ قام فأسبل الستر وأقام معها حتّى نال منها سبعاً تلك الليلة، ولم يكن عند عائشة أحظى منه في أزواجها، وكان ينال ما يشاء منها عفواً من دون مناكرة. وذكر هذه الحكاية أبوالفرج في الأغاني وأنّها جرت لها مع عمرو بن عبد الله بن معمر وكان قد تزوّجها بعد مصعب بن الزبير.
وقال إسحاق بن إبراهيم: قيل لنعيمان المخنَّث: كيف رأيت عائشة بنت طلحة؟ قال: أحسن البشر، قيل له: صفها، قال: تناصف وجهها في القسامة، وتجزّء معتدلاً في الوسامة.
قوله: تناصف وجهها في الوسامة أي أخذ كلّ موضع منه حظّه من الحسن، لم ينفرد بالحسن موضع دون الآخر فيغبن أحد الموضع حظّه. والقسامة الحسن، وهذا أيضاً معنى الفقرة الثانية أي إنّ وجهها أجزاء متساوية في الحسن لا يزيد جزء على جزء، ولقد وصف فأجز وبالغ.
وحدّث حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: كانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها فعاتبها مصعب في ذلك فقالت: إنّ الله تعالى وسمني بميسم الجمال فأحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلي عليهم، فما كنت لأستره. فكان مصعب إذا عزم عليها في الإستتار استترت وإذا سكت عنها أسفرت وباشرت الناس.
وحكى صاحب كتاب نثر الدرر قال: لمّا زفّت عائشة بنت طلحة إلى زوجها مصعب بن الزبير سمعت منها امرأةٌ وهو يجامعها شخيراً وغطيطاً في الجماع لم تسمع مثله، فقالت لها في ذلك، فقالت لها عائشة: إنّ الخيل لا تشرب إلاّ بالصفير.
قلت: وقد نظم بعض الشعراء قولها: إنّ الخيل لا تشرب إلاّ بالصفير، فقال:
أدرها بالصغير وبالكبير
…
وخذها من يدي قمر منير
ولا تشرب بلا طرب فإنّي
…
رأيت الخيل تشرب بالصفير
أقول: والشيء بالشيء يُذكَر حدّث الصولي عن أبي نؤاس قال: حججت مع الفضل بن الربيع حتّى إذا كنّا بأرض بني فزارة أيّام الربيع سرّحت عيني رامقاً في أحسن منظر، واستنشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر، فقلت لمن معي: أمضي بنا إلى هذه الخيام فلعلّنا نجد عندها من نؤثر عنه خبراً نرجع به إلى بغداد، فلمّا انتهينا إلى أوائلها فإذا نحن بخباء وعلى بابه جارية مبرقعة ترنو بطرف مريض الجفون، وسنان النظر قد حشي فتوراً وملىء سحراً، وقد مدّت يداً كلسان طائر بأطراف كالمذاري، وخضاب كأنّه عنم، فقلت لصاحبي: والله إنّها لترنوا عن مقلة لا رقية لسليمها ولا برء لسقيمها، فاستنطقها فقال: كيف السبيل؟ فقلت: استسقها، فدنى منها فاستسقاها، فقالت: نعمة عين فإن نزلتما فالرّحب والسعة، ثمّ قامت تتهادى في مشيتها كأنّها خوط بان أو قضيب خيزران تتثنّى، تجرّ خلفها كالعرارتين، فراعني والله ما رأيت، فأتت بالماء فأخذته فشربت منه وصببت باقيه على يدي، ثمّ قلت: وصاحبي أيضاً عطشان، فأخذت بالإناء ودخلت الخباء، فقلت لصاحبي: من الذي يقول:
إذا بارك الله في ملبس
…
فلا بارك الله في البرقع
يريك عيون المهى غرَّةً
…
ويكشف عن منظر أشنع
فمضت مسرعة فنزعت برقعها وتقنّعت بخمار أسود وجائت وهي تقول:
ألا حيّ ركبي معشر قد أراهما
…
أطالا ولمّا يعرفا مبتغاهما
هما استسقيا ماءً على غير ظمأة
…
ليستمتعا باللحظ ممّن سقاهما
يذمّان لبّاس البراقع ظلّةً
…
كما ذمَّ تجرٌ سلعتين اشتراهما
فشبهت كلامهما عقد درٍّ وهي من سلكه فهو ينتثر بنغمة عذبة رخمة رطبة لو خوطب بها الصمّ الصلاب لانبجست ماءً لرطوبة منطقها وعذوبة ألفاظها، كما قال ذوالرمّة:
ولمّا تلاقينا جرت من عيوننا
…
دموعٌ كففنا مائها بالأصابع
ونلنا سقاطاً من حديث كأنّه
…
جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع
ولم أتمالك أن خررت ساجداً وأطلت من غير تسبيح، فقالت: ارفع رأسك غير مأجور، وامض لشأنك غير موزور، ولا تذم بعدها برقعاً فربّما يكشف عمّا لا يردّ الكرى، ويحلّ القوى من غير بلوغ إرب، ولا قضاء وطر، وليس إلاّ للحين المجلوب، والأمل المكذوب، فبقيت والله معقول اللسان عن الجواب، فالتفت إليّ صاحبي فقال لمّا رأى هلعي: اَلِلَمْعَةِ وجه برقت منه بارقة حسن لعلّك لا تدري ما تحته، أما سمعت قول ذي الرمة:
على وجه مي مسحةٌ من ملاحة
…
وتحت الثياب الخزي لو كان باديا
فقلت: اُلامُ كلاّ والله لأنا أشبه بقوله:
منعّمةٌ حوراء يجري وشاحها
…
على كشح مرتجًّ الروادف أهضم
لها بشرٌ صاف وعينٌ مريضةٌ
…
وأحسن إيماء بأحسن معصم
وكوفية بالحسن قد تمَّ حسنها
…
ورومية في اللون ظاهرة الدم
خزاعية الأطراف مريَّة الحشا
…
فزارية العينين طائية الفم
فرفعت ثيابها فإذا قضيب فضة قد حُشي بماء الذهب، يهتزّ على مثل قضيب نقي وصدر كالوذيلة، عليه كالرمانتين أو حقيْ عاج يملاءن يد اللامس، وخصر مطويّ الإندماج يهتزّ على كفل رجراج، لو رمت عقده لانعقد، وسرّة مستديرة يقصر فهمي عن بلوغ وصفها، من تحتها أحمّ جاثم كجبهة ليث خادر، وساقان خدلجان يخرسان الحجلين، ثمّ قالت: أَعارٌ نرى؟ فقلت: لا والله ولكن سبب قدر المحتاج وتعجيل همّ يتبعه سقم. فخرجت عجوز من الخباء فقالت: يا هذا امض لشأنك فإنّ قتيلها مطول لا بؤدى، وأسيرها مكبول لا يفدى، فقالت لها: دعيه فمثله مثل عيلان بقوله:
فإنْ لم يكن إلاّ تعلّل ساعة
…
قليلاً فإنّي نافع لي قليلها
فولّت العجوز وهي تقول:
فمالك منها غير أنّك ناكح
…
بعينيك عينيها فهل ذاك نافع؟
فبينما نحن كذلك وإذا بطبل الرحيل قد ضرب، فانصرفنا مبادرين بكمد قاتل وحسرة كاملة وأنا أقول:
يا ناظراً ما أقلعت لحظاته
…
حتّى تشحّط بينهنّ قتيل
أحللت قلبي في هواك محلّةً
…
ما حلّها المشروب والمأكول
بكمال صورتك التي في مثلها
…
يتحيّر التشبيه والتمثيل
فوق القصيرة والطويلة فوقها
…
دون السمان ودونها المهزول