الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أقول: والإختلاف في تفضيل الشعراء بعضهم على بعض المتقدّمين منهم والمتأخّرين كثير لا تحصى أقوالهم فيه، وهذا القدر منه كاف في الذكر والإطّلاع.
فصل في إثبات فصول من نثره وعقود من نظمه
قال أعزّه الله مقرضاً على الكتاب المعروف ب "مصباح الأدب الزاهر"، الذي ألّفه عمّي المهدي في أبيه الصالح طابت تربته: هذا الكتاب الرائقة عباراته، الفائقة إشاراته، الشريفة مراميه ومقاصده، اللطيفة مصادره وموارده، المثني على منشئه بلسان إحسانه وإبداعه، وبيان نظمه وأسجاعه، روضة تلحظ منها الأبصار زهرا، فتقطفه فتراه درّاه، فتحقّقه الأفكار فتجده سحرا، فلا تعلم أشاهدت روضةً أو وجدت بحرا، وهذا غير بعيد ممّن خصّهم الله بالتأييد.
كواكبُ في سماء الطرس لاحت
…
به الساري اهتدى في الشعر نهجه
وينظرها الظريف إذا رآها
…
مزينةَ حدائق ذات بهجه
وكتب إليّ أيضاً بهذه الرسالة في غرض له: إنّ أبهى ما رقم في الطروس، وأزهى ما ترتاح إليه النفوس، دعوات هتكت حجاب الظلماء، وقرعت أبواب السماء، حتّى كتبت مع المجرّة سطرا، ورفعت في ديوان القبول صدرا، وتحيّات تعطر أنفاس الصبا والشمائل، وتثبت أشواقاً أنضت الضلوع، وأودت بمهجة كم فيها لبينك من صدوع، تشكوا غراماً لا يهدء وإن ردكت رياح الأشواق، وجفناً لا يغمض وإن نامت عيون العشّاق، أهديهما - بأتمّ الإكرام - إلى من طاب فرعاً وأصلا، واشتمل على الفواضل والفضائل شابّاً وكهلا، صافي الأُرومة، زاكي الجرثومة، الراقي من رتب المجد أسناها، والمتسنّم من ذروة النجد أعلاها، لا برح علم مجده مرفوعاً أبداً، وبناء سعده منصوباً بخفض العدى، ما ألقى الحام درس سجعه، وسقى الغمام غرس نبعه.
أمّا بعد؛ يا أيّها النّدب، والمنهل العذب، أُعلمك - ثمّ أفاض في ذكر غرضه وهو نظم أبيات لمجاراة بعض شعراء الشام لأمر يقتضيه (وسوف تأتي الأبيات في باب الدال) .
ومن رسالة كتبها إليّ وقد ذهب عَلَيّ أوّلها حين نقلها منها: ذاك من تتبّع آثار آبائه وجدوده، وانتهت إليه مآثر فضلهم وفضلهم لا إنتهاء لحدوده، أدام الله له سنيّ الخلود، وأضفى عليه جلابيت الإقبال والسعود، ما دامت الأفلاك دائره، والأنجم سائره بمحمّد وأهل بيته الذين من تمسّك بهم نجى، وأصحابه الذين نالوا بشرف صحبته كلّ مرتجا، ومنها في التشوّق لي أنا لا زلت ولا أزال مترقّباً عود ليالي الإقبال وإن طوتها يد النوى، متطلّعاً ورود مافيه ورود السلسبيل الزلال، عسى ينطوي الجوى، فلم تفز نفسي بمناها، ولم تحظ عيني بما يجلو قذاها، فلو شرّفني سيّدي بكتابه، ونوّه باسمي في خطابه، ناقعاً بعباراته العذبة غلّة صدري، ورافعاً بها بعد الإنخفاض قدري، لكان ذلك الأليق بكرمه، والأوفق بشيمه، لكنّي لست أعلم سبباً للحرمان، الممتدّ إلى هذا الأوان - هذه نبذة يسيرة من نظمه البديع، وستسمع له في خاتمة الكتاب فصولاً كثيرة من النثر المزري بعقود الدر.
وأمّا منظومه: فإنّي مورد له في هذا الكتاب ما هو السحر الحلال الجدير بقوله من قال:
كلمٌ هي الأمثال إلاّ أنّها
…
بين الورى أضحت بلا أمثال
وسأثبت له من الغزل والنسيب، والمدح والفخر، والتأبين والتهجين، وسائر ضروب الشعر وفنونه قوافياً سائرة، تزري بالرياض الناظره، فمن غزله قوله:
حيّ عنّي بالحمى عهداً قديما
…
وتعهّدْ لي به الظبي الرخيما
رشأٌ بالنبل من الحاطة
…
غادر القلب على عمد كليما
إنْ أقلْ ريم صريم نافرٌ
…
فلكمْ أخجل بالعينين ريما
لا ومن أرشق قلبي لحظه
…
أنا لا أعرف لولاه الصريما
أبلج الخدّين ما ألطفه
…
قامةً هيفاء أو كشحاً هظيما
راع بالرقّة من وجنته
…
رائق الورد وبالطبع النسيما
خلته والشعر في عارضه
…
شمس أفق زاحمت ليلاً بهيما
فامنح الدرياق من عذب اللمى
…
فلكم بت بصدغيك سليما
فالتصابي لي سمير في الدجى
…
والجوى في الصبح لي صار نديما
ومنه قوله وهو الذي يكاذ يسيل لرقّته:
ضاع قلب الموله المفتون
…
بربى الكرخ لا ربى جيرون
فانشداه بين الظعون فإنّي
…
خلته سار بين تلك الظعون
حنّت النيب يوم حنَّ فؤادي
…
وشجى الساجعات رجع أنيني
وصبغت الرياض حمراً ولكن
…
بمذاب من الفؤاد هتون
فهي طوراً تذوي بنار زفيري
…
وهي طوراً تزهو بماء شئوني
يا غزالاً تاقت له النفس شوقاً
…
لا لغيد من الظباء العين
أنت ليلاي والرصافة نجدي
…
وأنا في هواك كالمجنون
ومنه قوله وأبدع فيه:
أنا إنْ همتُ صوبةً بالعذار
…
في الغرام العذريّ صحّ اعتذاري
فاحمرار الشقيق يزهو إذا ما
…
حفَّ من آس روضة باخضرار
فنجديه مثل ما بفؤادي
…
من لهيب تذكية جذوة نار
رشأ تستعير رقّته الخمر
…
إذا ما مرّ كالنسيم الساري
كم دموع صبغت فيها أقاح ال
…
رمل بعد ابيضاضه باحمرار
وإذا ما أضمرت كتم هواه
…
عن عذولي لم يجدني اضماري
كيف يجدي كتمان سرّ غرامي
…
ودموعي تنمّ بالأسرار
يا عذولي عَلَى التصابيَّ دعني
…
والتصابي إنّ التصابي شعاري
لا تزد في الهوى أواري فإنّي
…
عن عيون الورى أواري أواري
بأبي من عصيت فيه اللواحي
…
وعصاني على هواه اصطباري
ذو قوام إن مرَّ يخطر راع ال
…
صب في لدن قدّه الخطّار
بي رفقاً فلا تزدني أواراً
…
إنّ زند الغرام في القلب واري
ومن ذلك أيضاً قوله لا فضّ فوه:
مالقلبي تهزّه الأشواق
…
خبّرينا أهكذا العشّاق
كلّ يوم لنا فؤاد مذاب
…
ودموع على الطلول تراق
عجباً كيف تدعي الورق وجدي
…
ولدمعي بجيدها أطواق
كم لنا في الحمى معاهد أُنس
…
والصبا يانع الجنى رقراق
عهد لهو به الليالي ترامت
…
ماله عرّست به الأحداق
يالظعن به النياق تهادى
…
نهنهي السير ساعة يا نياق
فباحداجك استقلّت ضياءٌ
…
آنسات بيض الخدود رقاق
فارحمي يا أميم لوعة صبٍّ
…
شفه يوم ذي الأثيل الفراق
كاد يقضي من الصبابة لولا
…
أن تحاماه في الوداع العناق
ومنه قوله وقد أغرب فيه:
الصبر غار وأنجد الدمع
…
من ناظري فاعشوشب الربع
والقلب حيث نأَى الخليط نأى
…
رفقاً به فله الهوى طبع
حتام ترشق باللحاظ حشاً
…
ما مسّها لولا النوى صدع
وببانة الجرعاء لي رشأٌ
…
باهى ذكاءَ بوجهه الربع
رشأ رشيق القدّ ذو غنج
…
أهواه إنْ وصلٌ وإنْ قطع
قمر تباهى الشمس طلعته
…
إن أقض فيه هوىً فلا بدع
أُمناي هل من ريق فيك رُقىً
…
فلكمْ لصدغك في الحشا لسع
ومن ذلك ما قاله من قصيدة وأجاد فيه:
رشاءٌ يخيط فؤاد عاشقه
…
إن خاط بالألحاظ لا الأبر
قمر إذا ما هزَّ قامته
…
أزرى بغص البان والقمر
النار في خدّيْه موقدةٌ
…
ترمي فؤاد الصب بالشرر
يا ما أحيلا عين ذي غنج
…
مكحولة الأجفان بالحور
يا سائقاً ظعن الخليط ضحىً
…
رفقاً فإنّ القلب في الأثر
قف بالحمول على ديارهم
…
واسئل فهل بالربع من خبر
ومنه قوله مرتجلاً:
أنا لم أنس بالحمى لك عهداً
…
ما أحيلا عهد الحمى ما أحيلا
وبذات الأثيل قد ضاع قلبي
…
مستفزّاً فلا عدمت الأثيلا
عرصات روضتهنَّ بدمع
…
عن دم أفعم المفاوز سيلا
فبها عرّست ركائب لهو
…
أركضت في حشا المتيم خيلا
خلِّ عنّي ذكر الدمى وهواها
…
ودع الغانيات يسحبن ذيلا
واطوِ يا صاح ما تقادم عهداً
…
من أحاديث قيس لبني وليلى
وأعد ذكرهم فقد طال ليلي
…
وحديث الغرام يعذب ليلا
ومن ذلك قوله:
أصهباء تروق لنا مزاجا
…
مزاجكِ يا صبا نجد مزاجا
أم الروض الأريض سقاه نوءٌ
…
من الأنواء فابتهج ابتهاجا
فلو سالت برقتها طباعٌ
…
لأفعمنا برقتك الزجاجا
على أنّ المعاطف منك ماجت
…
فكنَّ كجدول بالبرد ماجا
مرضنَ بلحظك الأحشاء لكن
…
رضا بك كان للمرضى علاجا
أعرت الغص ليناً والحميّا
…
عذوبة فيك والقمر انبلاجا
فرفقاً يا رشيق القدّ رفقاً
…
فقلبي فيك للزفرات هاجا
ومذ ناسبت لطف الراح كادت
…
بك الأرواح تمتزج امتزاجا
ولمّا فاح خالك وهو مسك
…
علمنا حقَّ نهدك كان عاجا
فقم بي نغتبط للهو ربحاً
…
فسوق مواسم اللذّات راجا
ومن هذا الباب قوله وأحسن فيه:
نحن قول إذا نظرنا صبونا
…
وإذا العشق ملنا ما سلونا
لم نرح من هوىً معافين إلاّ
…
وعلى جمرتين منه غدونا
جئت مستعدياً من الحبّ عقلي
…
فإذا العقل للصبابة عونا
فتنتنا بحسنها وجناةٌ
…
ككؤس الطلا صفاءً ولونا
وجفون رشقننا بنبال
…
نحن منها لولا الهوى ما دنونا
يا حياتي بختري وصلينا
…
ودعي الغانيات يمشين هونا
وارشفينا من لثتيك رضاباً
…
ما مررنا عليه إلاّ حلونا
أفبعداً بعد التداني يميناً
…
ليرى الصب بين هذين بونا
وله من قصيدة فريدة:
ما شمت أبهج منظراً
…
من وجنة زينت بخال
ممنوعة عن ناظري
…
بالبيض والسمر العوالي
رقَّ الفؤاد لها هوىً
…
بالله هل رقّت لحالي
ومن ذلك هذه الموشحة الفذَّة في حسنها:
حبّذا ليل به ظبي الصريم
…
مسعف والليل والنجم تحلى
وسرى في الربع معتلّ النسيم
…
والدجى في غرّة البدر تجلّى
أطربتني روضة قد زانها
…
خدّ مَنْ أخجل قدّاً بانّها
والصبا قد سرّحت ريحانها
…
وعلى وجنة غنيَّ النديم
فتثنّى مائساً كالغصن دلاّ
من ثناياه الورود ابتسمت
…
وبخدّيه البرايا افتتنت
رشأ منه ذكاً قد خجلت
…
واستعارت منه ولدان النعيم
حسن الحاظ تروق العين كحلى
أبلج الخد عليه الصدغ رف
…
ذو شباب رق أعطافاً وشف
ما ثنى عنّي عطفاً بل عطف
…
وهداني بمحيّاه الكريم
نحو نهج في الهوى عزّ وجلاّ
ذو طباع كالصبا في لطفها
…
وسجاياه اعجزت عن وصفها
وحمياً راقني في رشفها
…
من ثناياه التي تشفي السقيم
برضاب من جنا اليعسوب أحلا
لست أنسى ذلك الربع الحسن
…
قرَّ طرفي فيه بالظبي الأغن
من به قدماً حشا قلبي افتتن
…
وأنا اليوم على العهد مقيم
مغرم أصبو ولن أسمع عذلا
ومن ذلك قوله من قصيدة أوّلها:
نعم الأنيس الراح للأرواح
…
فألفه ألف العيد للأفراح
يا مرسل الأصداغ فوق خدوده
…
عجباً سدلت الليل فوق صباح
تصحو ويسكرك الصبا متدلّلاً
…
نفسي فدائك من نزيف صاحي
كم رمت وصلك مجهداً بوسيلة
…
فقصصت لي المرتاش من أجناحي
وتركتني حيران أختبط الدجى
…
لا أهتدي قصداً للحي اللاحي
ريم تدجّج مذرنا متمايلاً
…
تيهاً بلدن قناً وبيض صفاح
ومنه قوله وأجاد ما شاء فيه:
غنى النديم فارقص الحببا
…
وتصفقت أكوابه طربا
قمرٌ وشمس عقاره ازدوجت
…
بالماء حتّى انتجت شهبا
رقّت كرقّته سلافته
…
فكأنّه في كأسه انسكبا
عصرت زبيباً ثمّ مازجها
…
سرّ الغمام فارجعت عنبا
مثل اللجين القسّ عتقها
…
فغدا النديم يديرها ذهبا
نار ولكن في اليد انسكبت
…
وطلاً ولكن مائها التهبا
ومن ذلك قوله وفيه حسن التضمين لأنّه ضمن فيه قولهم: الرشف أنقع.
وربّ غرير لم يروع فؤاده
…
أخو حنق في روضة الحسن يرتع
يناولني بالراح راحاً وتارة
…
يرشّفني من فيه والرشف أنقع
ومنه قوله وأحسن للغاية لتضمينه قول بعضهم: وللناس فيما يعشقون مذاهب.
وبي رشأ غض الشبيبة أهيف
…
رقيق الحواشي وهو للحسن سالب
يرقّ لحالي إذ يراني متيّماً
…
أليف جوى والقلب منّي ذائب
ينادي بعذّالي دعوه وحبّه
…
فللنّاس فيما يعشقون مذاهب
ومنه قوله:
…
ومهفهف كلمته
…
بلسان من يهوى كلامه
يا مخجلاً بالجيد وال
…
عين الكحيلة ريم رامه
ومورد الوجناة غضّ
…
القد إذ يثني قوامه
ما هذه السوداء تحرس
…
روض خدّك قال شامه
ومن ذلك قوله:
وحبيب طلّق المحيا أسيل
…
الخد يثني لصبّه أعطافه
نيقدٌ يعرف النزاهة ممّن
…
هام فيه ونسكه وعفافه
قد حباني لكن بطيف خيال
…
قبلةً في شفاهه وارتشافه
لم أكن أعرف السلافة لكن
…
بلماه عرفت معنى السلافه
ومنه وهو من نوادره السائرة:
عيناه أخجلتا جأذر رامة
…
بملاحة فتكت بنا والحورا
خدّاه في وسط الحشا قد أضرما
…
ناراً وعمّا في البريّة نورا
ومنه وهو من بدايعة النادرة:
سباني ضبي أتلع الجيد أهيف
…
طليق المحيّا بالملاحة منعوت
أليف صباً حلو الشمائل أحورٌ
…
تعلّم من أجفانه السحر هاروت
فلم أستطع صبراً لمرّ فراقه
…
وتالله لم يصبر بديمومة حوت
ومنه قوله وهو من نفائس أبكاره:
يا حبّذا ليلة بالخيف قد زهرت
…
فيها النجوم وبدر التم قد سطعا
والماء يجري نميرا والرياض زهت
…
ونسمة الليل هبّت والحبيب رعى
فلم تكن لحظة هاتيك من قصر
…
حتّى بفرقتنا داعي الصباح دعا
ومن ذلك قوله وهو من عرائس خواطره الباهرة:
فما روضة من رياض الربيع فلت
…
فلت أنمل القطر ريحانها
وما شطة الريح قد سرَّحت
…
ذوائب آس بها زانها
ولا طفلة عضة إنْ ثنت
…
معاطفها أخجلت بانها
إذا رمقت أو لوت جيدها
…
فقد فضحت ثمه غزلانها
بألطف ممّن بهجرانه
…
أبان عن النفس سلوانها
ومن ذلك قوله وأحسن فيه تضمين قوله بعضهم: وكلّما فعل المحبوب محبوب.
وأحور فاتر العينين كلّفني
…
بالهجر والدمع من عيني مسكوب
كأنّه يوسف في حسن غرّته
…
وإنّني في جليل الحزن يعقوب
جفا ولكنّني راض بجفوته
…
وكلّما يفعل المحبوب محبوب
ومنه قوله وهو من نكاته البديعة:
إنّي أُحبّك لا لأنّك مخجل
…
شمس الضحى وجهاً أغرّ وسيما
لكن جبلت على هواك طبيعةً
…
فأصبت معدوم النظير كريما
ومن ذلك أيضاً وهو من الغريب:
ودّعت من أهوى فودّعني
…
يوم الوداع حشاي والصبر
وتسعّرت كبدي لظىً فلذا
…
من مقلتيّ تساقط الجمر
ومن ذلك قوله من قصيدة فريدة أنشأها في عرس سليل شقيقه المصطفى، الكوكب الدرّي، الحاج عبد الغني، أوّلها: قف بالديار فذاك موقفهاحيث الرياض يروق مألفها، فمنها:
يا جارتاه وللهوى شعبٌ
…
غير المتيّم ليس يعرفها
أو تعجبين وأنت عالمة
…
قدماً بأنّ القلب مدنفها
فلربعها الخالي تشوّقها
…
ولريمها الحالي تشوّفها
ألوت لها ولهاً أعنتها
…
فعن المنازل ليس تصرفها
لا أبتغي لدمي بها دية
…
ملك الفؤاد عَلَيّ أهيفها
إن همت فيه هوىً فلا عجب
…
بغداد مصر وهو يوسفها
يرنوا إليّ بمقلة شربت
…
كأساً لديَّ يروق قرقفها
لعبت بها النشوات فاترةً
…
فكأنّ من شفتيه يرشفها
وشقائق بهرت بوجنته
…
لا عذر أو بالعين أقطفها
فكأنّه شمس يزاحمها
…
من وفرة الأصداغ مسدفها
ومنه قوله وهو من سوائره الفريدة:
وقهوةِ طاب من أرواحها عبق
…
فلذَّ مصطبح منها ومغتبق
كالشمس تعبث بالنادي أشعّتها
…
إذ لاح من وجنة الساقي لها شفق
عنيت صهباء قد شيبت بريقته
…
أو الّتي من دجى ظلمائها الغسق
من كفّ ساق ولكن من لواحظه
…
وما أرقّ مداماً كاسها الحدق
أرخى على الأبلج القاني غدائره
…
فالليل منسدل والصبح منفلق
يا جيرة الحيّ من نجران ما ذرفت
…
عيناي إلاّ وشبّت في الحشا حرق
سقياً لدارك من دار أرقت لها
…
وأين منّي لولا عهدها الأرق
ومن غرره في التأبين قوله في رثاء أبيه وهي من أوائل شعره:
ءأبيَّ كيف تذوق عيني لحظةً
…
نوماً وكيف من المدامع تجمد
أم كيف قلبي لا يذوب ومهجتي
…
كمداً بنار الحزن لا تتوقّد
وظعنت عن غضّ النسيم إلى البلا
…
ياليت لو أنّي مكانك ألحد
وتركت من تحنو عليه رقّةً
…
أسفاً يحنّ إلى لقاك وينشد
ياللرجال قضى فؤادي نحبه
…
وجداً فهل فيكم لقلبي مسعد
ويحقّ لي أن لا أراني صابراً
…
فالصبر لي من بعده لا يحمد
ومن نظمه في الفخر من العقود المرزية بنظام الدر، قوله عند فراغه من الحج ورجوعه:
حمداً لربّ المشعرين فإنّه
…
أعلا بزمزم والمقام مقامي
فحطمت خائنة المقاول والضبا
…
أي والحطيم بمذودي وحسامي
وبدرت أمنع جار بيت مكارمي
…
حيث امتنعت بذمّة الإسلام
ومنه وقد جمع فيه بين الإفتخار والعتاب:
أنحن نحنوا عليكم دائم الأبد
…
حنوَّ مرضعة ولهى على ولد
وإنّكم لم تراعوا حقَّ عهدكم
…
بل خنتموه فيا وجدي ويا كمدي
ومن هذا الباب قوله في جواب بعض شعراء النجف:
بناء الأكارم فيَّ إحتكم
…
وشمل المكارم فيَّ انتظم
وطبعي من خفة كالنسيم
…
ويثقل حلمي كطود أشم
فقل لاُناس سعت جهدها
…
لتدرك منّي تراب القدم
تنحّوا ألم ينهجم عجزكم
…
فأين الوجود وأين العدم
فما تبلغون مقاماً به
…
خدين المعالي عليّ الهمم
وقل لأخي الفضل فرع الكرام
…
حميد الخصال وفي الذمم
تقول ولست بمستعظم
…
علوّ مقامي بين الأُمم
حلبت لكم لبناً صافياً
…
وأنتم حلبتم مشوباً بدم
تجرمت جوراً بهذا الكلام
…
وإنّي أُجيبك أن لا جرم
سأعفو وأصفح عمّا ارتكبت
…
ومن شأننا العفو عمّن ظلم
ومنه قوله وفيه الإقتباس من القرآن المجيد:
يا قاصداً بالكرخ أبحر الندى
…
يهنيك منها نهل وعلّ
روضة مأمولك من سمائنا
…
إن لم يصبها وابل فطلّ
ومنه قوله وقد جمع فيه الفخر والتهجين:
أبى شرفي عتباً عليك وأنت مَنْ
…
علمت فته جهلاً وما شئت فاصنع
ويرزي بحقّي بل وبالهجو إنّني
…
أذلّك هجواً فالسهى تحت موضعي
ومنه قوله مخمّساً لهذين البيتين:
ورثت عزمة أسد الغاب عن سلفي
…
حتّى أذقت عدوّي منهل التلف
بصولتي وأنا ابن التالد الشرف
…
تبكي الفوارس والهنديَّ يضحك في
يوم الهياج وبالخطيّ تكتحللا غرو إن نال خصمي الرعب والولهُ
…
فالسيف عانقه والرمح قبّله
بموقف مذ وهبت الجو قسطلهُ
…
غنى الحسام بشجو والدماء له
خمر وقامت نشاوى ترقص الأسلومن فرائده اليتيمة في باب التهجين، وهو أقلّ شعره، قوله يهجو جماعة:
يدعون الإسلام في ظاهر الحا
…
ل ولا يعرفون منه المحجّه
فعماهم عن الصواب دليل
…
لهدانا على الرشاد وحجّه
وقوله فيمن اسمه نظام الملك وهو بديع جدّاً:
أيدعى نظام الملك من لم يكن له
…
نظاماً ولكن كان عاراً على الملك
وينسبني منه افتراءً وإنّني
…
نصير الهدى والدين جهلاً إلى الشّرك
أقول له قولاً يشابه قوله
…
بأنّك فينا من ذوي الدين والنسك
فقابلته إفكاً بإفك وإن يكن
…
لساني قدماً لم يعوَّد عَلَى الإفك
ومنه قوله مداعباً بعض خلصائه:
أتنسبني جهلاً إلى الخلف عالماً
…
بأنّك يا كذّاب أجدر بالخلف
ولا عجب ممّن غدى الجهل ألفه
…
إذا ما هذى والألف يعرف بالألف
ومن مدحه، بل ملحه، وهي في الحقيقة من منحه، قوله ف مدح عمّي (المهدي) عند وفودنا عليه:
لولا الهموم الطارقات وإن أكن
…
فرغت شطر القلب في ذكراكا
لنظمت حبّات الفؤاد فرائداً
…
عربيّةً يزهو بها مغناكا
لكنّني ماذا أقول وإنّما
…
يتحيّر النحرير في معناكا
وقال فيه أيضاً:
أنور أقاحي الفضل من قد زهت له
…
رياض نظام هنّ أبهى من الزهر
لقد جزت جوزاء الفضائل والنهى
…
وأمسيت بدراً مشرقاً في سما الفخر
وقوله وكتب بهما إليّ:
نلت أقصى العلا بمجد أثيل
…
يا خدّين العلا وقد حزت عزّا
أحرز الماهرون منْ بلغاها
…
لك من معدن الفصاحة كنزا
وقوله يخاطب الشيخ أحمد قفطان الأصم ذاكراً لي:
ءأحمد إن كنت لم تسمع
…
نداء خدّين المعالي فع
لقد فاق في نظمه حيدر
…
لبيد الفصاحة والأصمعي
وقال يخاطبه أيضاً:
أحمد الإسم والمسمّى عديم ال
…
ند في المكرمات طلق اليدين
إنّما أنت واحد الدهر ثاني ال
…
بحر جوداً وثالث القمرين
وكتبت إليه بهذه المقطوعة في شهر جمادي الاُولى سنة 1287:
شهدت لنفسك أنّ الكمال
…
أتى معها يوم ميلادها
كما شهدت لك أُمّ العلا
…
بأنّك أكرم أولادها
رضعت النجابة في حجرها
…
وضمّك أطهر أبرادها
فكفّك كعبة معروفها
…
ووجهك قبلة قصّادها
تكاثر في جانبيك الضيوف
…
نجوم السماء بأعدادها
تعلّلها وببرد الحديث
…
تزيل حرارة أكبادها
فتمسي وبشرك عن مائها
…
ينوب وخلقك عن زادها
فعال أخي كرم أرغمت
…
مكارمه أنف حسّادها
وذهنك لولم يكن روضة
…
لما أتحفتنا بأورادها
ترفّ بأنفاسك الطيّبات
…
عليها حشاشة روّادها
لك الفائقات بنات القريض
…
بإنشائها وبإنشادها
تودّ الكواعب منها يخط
…
طراز الجمال بأجسادها
فلو بمذهبها قلّدت
…
لزان مفضّض أجيادها
ولو بممسكها ضمّخت
…
رمت بالغوالي لأضدادها
ولو لعواقدها سحرها
…
لحلّت به عزم آسادها
فأجابني على الوزن والقافية، ولقد أجاد فيما قال:
أريحانة العزّ من هاشم
…
وفهر وفلذة أكبادها
وبدر سماها عزّها المستنير
…
وحائز عزمة آسادها
وبحر سماحتها المستفيض
…
لوفّادها ولورّادها
لقد فقت في نثرك ابن الهلال
…
أبا بدرها وابن عبّادها
وفي شعرك الحكمي الرضي
…
أبا طيبها نور أورادها
وأبرزت من فكرك الحيدري
…
عروساً عديمة أندادها
برائق فضلك جلببتها
…
فها هي تزهو بأبرادها
وقلّدتها بالمعاني الرقاق
…
فزنت عواطل أجيادها
وطوّقت نحري بها أنعماً
…
يكلّ لساني بتعدادها
فلو أنّ نفسي غدت مهرها
…
لأكمدت أنفس حسّادها
زهى ربع أنسى بإنشائها
…
ونادى علاي بإنشادها
إذا نظرتها عيون الظريف
…
تشاهد أسعد أعيادها
وأرسل إليّ قصيدة فريدة يطلب منّي تخميسها وهي تعريض بالإستجفاء وتلويح بالعتب عَلَيّ الإبطاء فخمستها وجريت في التخميس مجراه في الأصل لأُمور عتبت بها عليه ثمّ أرسلتها إليه وها هو الأصل والتخميس.
عجباً سمرت بذكر غير مسامري
…
وسهرت فيمن ليس فيَّ بساهر
ولأجل أن يجتاز بين محاجري
…
ناديت من سلب الكرى عن ناظري
وتجلّدي بقطيعة وفراقودعوت دونك يا صبا بحياته
…
عتباً نسيمك كان خير رواته
فاستخجلي لي في شذا نفحاته
…
من أخجل الغزلان في لفتاته
والشمس من خدّيه بالإشراقهبني أقول وما أسألت إقالةً
…
يا تاركاً منّي الدموع مذالةً
أرأيت قبلك إذ هجرت ضلالةً
…
من مال عنّي واستقلّ ملالةً
والدمع فيه النهل من آماقيفلو أنّ لي إذ كان هجرك حائحي
…
قلباً سواك نبوت نبوة جامح
كن كيف شئت فما هواك ببارح
…
أُمناي أنت القلب بين جوانحي
أُمناي أنت النور في أحداقييا من أقام على الجفاء وما ارعوى
…
لا توقدنَّ مكان حبّك بالجوى
فعلى سواه فؤاد صبّك ما انطوى
…
أُمناي حنَّ إليك من فرط الهوى
توقاً فؤاد متيّم مشتاقأيداً بغيرك ما شغفت بفاتن
…
وعلى الوفاء أقمت منك لظاعن
ألهيتني عن أن أهيم بشادن
…
وغدا الجوى ألفي وليس فداوني
غير الوصال لدائه من راقيرفقاً بصب في هواك معذّب
…
لك في عوير حشاه أحسن ملعب
يدعوك دعوة خائف مترقّب
…
هلاّ ترقّ لمدنف متجلبب
بردا العفاف رمية الأشواق
بالوصل خلتك قد برقت إثابةً
…
فمطرتني هجراً وكنت سحابةً
أوما كفاك بأنْ أشفَّ كآبةً
…
فحشاشتي ذابت عليك صبابةً
والعين ترعف بالدم المهراقأنا في هواك قطنت أولم تقطن
…
كلف حسنت لديك أو لم أحسن
يا ثالث القمرين صل وتبيّن
…
إن كنتَ فرداً في الجمال فإنّني
تالله فيك لواحد العشّاقوانظر لنفسك إن أردت تحوّلا
…
أيليق غير حشاشتي من منزلا
أنت المنير السعد شمس ضحى الملا
…
وأنا الأثيل المجد بدر سما العلى
فرع المكارم طيّب الأعراقمن دوحة في المجد طاب نماؤها
…
لبني الزمان مظلّة أفيائها
أنا من عليه تجمّعت أهواؤها
…
فإذا الملا اضطربت بها آراؤها
لعظيمة كشفت لهم عن ساقأوضحت مشكلها بأوّلِ نظرة
…
وفتحت مقفلها بأسرع خطرة
ما زلت إن ظلّ الأنام لخبرة
…
أهديهم نهج الصواب بفكرة
كالشمس مشرقة على الآفاقشهدت لي الدنيا غداة أتيتها
…
أنّي نهضت لأهلها فكفيتها
فإذا بها التوت الخطوب لويتها
…
وإذا السنون تتابعت أوليتها
من راحتيَّ بوابل مغداقوإذا القنا انتظمت نثرت عقودها
…
بيد تحلّ طلى العدى وبنودها
وإذا الظبا ازدحمت ثنيت حدودها
…
وإذا الوغى استعرت أذقت أسودها
طعم الحمام على متون عتاقألقى الوفود بطلعة ميمونة
…
ويد بربح ثنائها مفتونة
تثني العدى في صفقة مغبونة
…
بأسنّة خطّيّة مسنونة
وصوارم صمّ الشفار رقاقحاربت بالهجران من لك سالما
…
حتّى كانا كأشجان تظالما
بك لبست لأوابيك أعدل عالما
…
فلئن وصلت أخا الهو فطالما
كنت الحريَّ بأكرم الأخلاقأفبعد صدق مودّة لم تمنن
…
تجفو وتكذب ظنَّ من لم يظنن
فلئن لحظتَ فأنت عين المحسن
…
ولئن أقمت على الجفاء فإنّني
أشكوك مبتهلاً إلى خلاّقيمتحرّك شوقي لمن هو ساكن
…
أدعوه وهو مع التجنّب بائن
أين المودّة والوفاء معادن
…
فأجابني خجلاً ودادك كامن
بحشاي خيفة عامد لنفاقشوقي لوصلك يابن أكرم ماجد
…
صلتي إليك وأنت أكرم عائد
فتصفّح الدعوى بفكرة ناقد
…
والقلب منك وسله أعدل شاهد
لي المودّة والقلوب سواقيما مالني لهوىً به استانفته
…
عوداً كما بدءً عليه الفته
والصدق فيما يدّعيه عرفته
…
فلثمته في فيه ثمّ رشفته
وجذبته وضممته لعناقودعوت وصلك لي نهاية بغيتي
…
فلقد حفظت عليَّ فيه بقيّتي
بشراي فزت بمن يشاق لرؤيتي
…
وطفقت أنشد نلت غاية منيتي
يا حبّذا لو أنّ وصلك باقي أقول: هذه نبذة يسيرة من نظم هذا الهمام، الذي برع في فنونه وهو غلام، ولعمري ما هذه نغمات شاعر، بل نفثات ساحر، فلا أدري بأيّة لحظة يوفي النظم والنثر حظّه، وقد نيطت إليه حين ترعرع أمور يقصر العدّ عنها، إذ هو مركز رياستها، وجماع سلسلة سياستها، يقري الضيوف، ويؤمن المخوف، ويصطنع المكارم، ويفرّج العظائم، ويحمل المغرم، ويوضح من الرأي ما استبهم، بين حلّ وعقد، وعكس في القضايا وطرد، فالعيون إليه محدقة، والنفوس بأجنحة الآمال إليه محلقة، وكلّها ألسن تنشده:
يا أيّها المولى الذي
…
تبهى به الرتب الجليله
وكلامه سحر وأس
…
حر منه فطنته الجميله
ما جود كفّك والرجا
…
إلاّ الغدير سقى الخميله
راجي سواك يحزّ لا
…
في مفصل بمدى كليله
ففداء همّتك الصحي
…
حة في الندى الهمم العليله
كرمٌ كغادية السحا
…
ئب يمطر النعم الجزيله
على أنّ هذه النجعة من نثره، واللمعة من شعره، من نتائج صباه، ونسائج شبيبته، فكيف يكون لو امتدّ به العمر، فتنقل في الرتب العاليه، بهمم نامية:
وما مرّ يوم جديدٌ عليه
…
إلاّ وبان بفضل جديد
وسأثبت له في خاتمة الكتاب من محاسن النثر وفنون النظم ما يبهر الشعراء والكتّاب. ولنختم هذه المقدّمة بذكر ما ورد في الحثّ على اكتساب الآداب: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: عليكم بالآداب فإن كنتم ملوكاً برزتم، وإن كنتم وسطاً فقتم، وإن أعوزتكم المعيشة عشتم بأدبكم.
وقال: لا تتّكلوا على البخت فربّما لم يكن وربّما كان وزال، ولا على الحسب فطالما كان بلاءً على أهله، يقال للناقص هذا ابن فلان الفاضل فيتكامل غمّه وعاره، ولكن عليكم بالعلم والأدب، فإنّ العالم يكرم وإن لم ينتسب، ويكرم وإن كان فقيراً، ويكرم وإن كان حدثاً.
وقال: الأدب عند الأحمق كالماء العذب في أصول الحنظل، كلّما ازداد ريّاً زاد مرارةً.
وقال الأصمعي: بينا أنا في المسجد إذا أعرابيٌّ يقول: أيّها الناس تعلّموا الأدب فإنّه زيادة في الفضل، ودليل على العقل، وصاحب في الغرابة، وأنيس في الوحدة، وصلة في المجلس، ورياسة في الناس. فقلت: يا أعرابي، أما من حجّة؟ قال: بلى، وأنشأ يقول:
تعلّم فليس المرء يولد عالماً
…
وليس أخو علم كمَنْ هو جاهل
وإنّ كبير القوم لا علم عنده
…
صغيرٌ إذا التفّت عليه المحافل
وقال آخر:
لكلّ شيء حسن زينةٌ
…
وزينة العاقل حسن الأدب
قد يشرف المرء بآدابه
…
فينا وإن كان وضيع النسب
وكان يقال: حسن الأدب خلفٌ من الحسب.
وسمع معاوية رجلاً يقول: أنا الغريب، فقال له: الغريب من لا أدب له.
وقال بعض الشعراء:
قد كانت الآداب في دهر
…
تعلّم النّاس فعال الكرام
فصارت الآداب في عصرنا
…
تفيد ما يأنف منه اللئام
وقيل لبعض الحكماء: أخبرنا عن دعائم الحكمة، فقال: هي أربع: العقل والعلم والمعرفة والأدب.
وقيل: حليّ الرّجال الأدب، وحليّ النّساء الذهب.
وقالت الحكماء: الأدب أشرف النسب.
وقالوا: قد يستغنى بالأدب عن الحسب.
وقال سيبويه: تكلّم رجل من أهل الأدب بين يدي المأمون، فقال له: ابن من تكون؟ فقال: ابن أدب، أعزّ الله الأمير، فقال له: نعم النسب الذي انتسبت له.
وسمع بعض الأعراب رجلاً يتكلّم في فنّ الآداب، فازدراه لمّا اراد الكلام معه لخساسة حاله، فقال: مالكم يا عبدة الثياب ويا شياة الذئاب حقّرتموني لأطماري ولم تسألوني عن مكنون أخباري؟! وقدم عبد الملك بن صالح بن عليّ بن عبيد الله بن عباس من الرقة بعد خروجه من الحبس، وقد ولاّه الأمين الشام والجزيرة والعواصم، فلقيه ولد أبيه، فلم يرهم أُدباء، فقال: سوأةً لكم يا شرّ خلف من خير سلف، أبتزّ العزّ من أُميّة آبائكم قسراً، وحضوه وحاطوه ثمّ مضوا إلى رحمة الله وخلّفوا لكم فرشاً ممهّدةً، فأهملتم وضيّعتم إقبالاً على الأشربة الخبيثة الملاهي الفاحشة. لله درُّ أخي كلاب حيث يقول:
إذا الحسب الرفيع تواكلته
…
ولاة السوء أوشك أن يضيعا
ورثنا المجد عن آباء صدق
…
أسأنا في ديارهم الصنيعا
وقال عبد الملك: لقد استهتر أحداثنا باللذّات، وشغلوا بالشهوات، وبطروا النعم، وأضاعوا الكرم، فصاروا كما قال عبد الرّحمان بن حسان بن ثابت:
إنّي رأيت من المكارم حسبكم
…
أن تلبسوا حرَّ الثياب وتشبعوا
فإذا تذوكرت المكارم مرّةً
…
في مجلس أنتم به فتقنّعوا
تمّت مقدّمة الكتاب بعونه تعالى، فلنشرع بذكر الأبواب، وهي مرتّبة على حروف الهجاء، متضمّنة ذكر ما أنشأته أنا وعمّنا المهدي فيه وفي أبيه وإخوته والأماجد من قبيلته، وأذكر في الأثناء ما اشتملت عليه تلك القصائد من الأنواع البديعية، والمطالب الأدبيّة، والبعض من تراجم من يجيء له ذكر في أثناء ذلك الشعر، وليعلم أنّ هذه الأبواب المشيّدة البناء ليستدعي فتح أقفالها المحكمة ذكر نبذة من ترجمة ابيه وإخوته ليعلم بذلك أنّ هذا العرق في أيّ طينة وشج، وبأيّ أعراق لفّه الشرف فانتسج: كان أبوه محمّد الملقّب ب "الصالح" ديمة منن ومنايح يباري النجوم، ويجاري الغيوم، فيباهي تلك مناقب، ويضاهي هذه مواهب، بل أين غيوث السماء من سما يده البيضاء، وهي في استهلال عواديها كما قلت فيه وفيها:
صدقتْ بروقك والبوارق خلّبٌ
…
وأضاءَ بشرك والزمان مقطّب
لا قسمت كفّك بالسحاب مساوياً
…
بالجود بينهما مخافة أكذب
فالسحب يحلبها النسيم وكفّك ال
…
بيضاء طبعاً جودها يتحلّب
وكان مع خطره وعظمه في النفوس، حلو البشاشة، طيّب المفاكة، سهل الخليقة، حسن السمت، يديم اصطناع المعروف، ويتابع للعفاة برّه الموصوف، ولقد بنى في الزوراء دار كرم بيد مجده، لإضافة وفده، فخمد ركب الآمال فيها مناخه، وربى طائر الرجاء فيها أفراخه، ولم يكفه ذلك حتّى بنى على كواهل الطرق حصوناً منيعة، وبيوتاً رفيعة، يريح إليها السفر، ويأمن فيها غائلة القفر، وما برح شاغلاً أوقاته بأداء نفل أو قضاء فرض، وما انفكّ عن عمل الصالحات وتربية العلم وطلاّبه أجمع، وتشييد بيوت أذن الله أن ترفع، حتّى سافر إلى نعيم الآخرة، ولم تدنّس الدنيا بعلائقها أثوابه الطاهرة، كانت ولادته 1201، وقد أرّخت ذلك العام، وإن لم أدركه، بقولي:
أتى اليوم خاتم أهل النهى
…
على أنّه للندى فاتح
أغرّ غدا السعد لمّا استهلّ
…
وهو لغرَّته ماسح
وهنّى به المجد وفّاده
…
وبشَّرها الشرف الواضح
فقالوا جميعاً وقد أرّخوا
…
نرى ولد الخلف الصالح
عاش ستّاً وثمانين سنة، وتوفي سنة 1287، فانهدّت لمماته قواعد الزوراء، وحمل باحتفا عظيم إلى النجف الأشرف، ودفن حيث قبور أُسرته اليوم، وأرّخت عام وفاته بقولي:
إن يطو مصباح المكارم ضارح
…
فلقد أضائت في علاه مصابح
ملك له الشرف الرفيع مشيّع
…
وعليه حتّى المكرمات نوائح
شكت العفاة لدائه لمّا شكى
…
وقضى فالخد والقلوب ضرائح
مَنْ جاره هود دعاه فأرّخوا
…
أسعد جوارك ذا محمّد صالح
أنجب هذا الماجد أولاداً أكبرهم: المهدي، ولد سنة 1219، وكان مذ ترعرع فريد زمانه، في كرمه وإحسانه، وواحد عصره فيى شرف نفسه وفخره، قد برع في البلاغة والفصاحة، واشتهر من كرم أخلاقه بالسجاحة والسماحة، جامعاً بين نباهة الذكر، وجلالة القدر، عاش اثنين وخمسين عاماً، وتوفي في حياة أبيه سنة 1271، وقد أرّخت عام وفاته بقولي:
ألا بكّر الناعي بثاو بنانه
…
توسّده المعروف تحت ثرى اللحد
وعاش الهدى فيه ومات بموته
…
فأرّخ معاً غاب الهدى وهو المهدي
واستقلّ بعده بجميع تلك التكاليف وتدبير أموره الزعامة أخوه محمّد الملقّب ب "الرضا"، ولد سنة 1245، وكان أرقّ طبعاً من الهواء، وأطهر من ماء السماء، إن سكت فوقار مهاب، وإن نطق ففصل خطاب، توفي في حياة أبيه الصالح أيضاً سنة 1282، وقد أرّخت عام وفاته بقولي:
وقف المجد ناعياً عند قبر
…
وارت المكرمات فيه حشاها
ودعا أنت جنّة قلت أرّخ
…
طاب مأوى نعيمها لرضاها
ثمّ انتهت بعده الرياسة في تلك المكارم إلى أخيه المصطفى، وكانوا كما قال الناظم:
نجوم سماء كلّما انقضّ كوكب
…
بدى كوكب تأوي إليه الكواكب
ولد هذا الماجد سنة 1255، وها هو اليوم قمر دارة المجد، وقطب دائرة الثناء والحمد، تشدّ إليه الرحال، وتكثر عليه مزاحمة الآمال.
أمّا أخوهم محمّد الملقّب ب "الحسن" المعنيّ في هذا الكتاب فقد ولد سنة 1269 ولا غرو أن أستمل الفكر حتّى يمل، وأستنطق لسان القلم حتّى بكل، في ذكر مناقب هذا الهمام الماجد، ولعمري إنّ مناقبه في الإنارة لتباهي الكواكب السيّارة، علم جم، وأدب وافر، وفضل باهر، وشرف نفس، وعلوّ جدّ، وصراح حسب، وصريح مجد، وببشاشة ونبل، مع طلعت ميمونة، ووجه أنقى من صفحة مرآة، وعرض أملس من صفاة، ولقد رأى ولرأيه الإصابة، أن لا يؤثر خبر الجود إلاّ عمّن أنسى عرابه، ولا يقال جلى في حلبه المكارم وإلاّ من غبر في وجه حاتم، فصقل بجوده حسبه، وأشاع له فرنداً تقتبس المكارم من أشعّته الملتهبة، وبالآخرة أقول أنّ مناقب هذا الهمام لا تحصى، ومزاياه الحميدة لا تستقصى، ولا أقول فيها ما قال أبو تمام:
إذا شئت أن تحصى فضائل كفّه
…
فكن كاتباً أو فاتّخذ لك كاتباً
فلقد عيب عليه ذلك لما جاء عن الحكماء: لا خير في المعروف إذا أُحصي.
وقال بعضهم: إذا أحصي المعروف فقد حصر، وإذا حصر فقد وقف على غاية، ولا يكون ذلك إلاّ مع القلّة.
وقال أبوبكر الصولي على تعصّبه لأبي تمام وتفضيله له: إنّ هذا البيت لم يقع له جيّداً.
أقول: وربّما يعتذر له بتخريج معنىً وإن كان بعيداً وذلك أن يقال إنّه أراد بلفظتي "كاتب" في البيت "المَلَك الحفيظ" مبالغةً في كثرة فضائل كفّه حيث جعل إحصائها غير ممكن للبشر، بل لا يحصيها إلاّ الملك الحفيظ أو من شأنه أن يتّخذ كاتباً بهذا المعنى، فهو يقول لمن يخاطبه: إذا أردت إحصاء فضائل كفّه فذلك متعذّر عليك إلاّ أن تكون من الحفظة الكاتبين أو تتّخذ لك كاتباً منهم لأنّ إحصائها خارج عن طوق البشر، ولعلّ هذا المعنى أليق وأنسب بالبيت الذي قبله وهو:
لو اقتسمت أخلاقه الغرّ لم تجد
…
معيباً ولا خلقاً من النّاس عائبا
لأنّه جعل حسن أخلاقه يفضل على جميع الناس لو اقتسمتها، فكيف يجعل واحداً منهم يحصي فضائل كفّه؟ وممّا يبعث انقداح المعنى الذي ذكرناه في الذهن قول أبي الطيب المتنبّي، وكأنّه نظر إليه فقال:
خذ من ثناي عليك ما أسطيعه
…
لا تلزمنّي من ثناك الواجبا
فلقد دهشت لما فعلت ودونه
…
ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
ألا تراه كيف لمحه على أنّه لم يرض بإحصاء الملك الكاتب لفعله، بل جعله يندهش بدونه وهو بعضه فضلاً عن استطاعته كلّه.
هذا ولا بأس بتوشيح هذا المقام بذكر ما يؤثر من الأخبار عن بعض الكرام: قال معاوية لعرابة الأوسي: بم سدت قومك؟ قال: لست بسيّدهم ولكنّي رجل منهم. قال: عزمت عليك إلاّ أخبرتني. قال: أعطيت في نائبتهم، وحلمت عن سفيههم، وشددت على يدي حليمهم، فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي، ومن قصر عنّي فأنا أفضل منه، ومن جاوزني فهو أفضل منّي.
وكان هرم بن سنان المرّي قد آلى على نفسه أن لا يسلم عليه زهير بن أبي سلمى إلاّ وأعطاه غرّة من ماله؛ فرساً أو ناقة أو عبداً أو أمةً، فأضرّ ذلك بهرم وقدح في حاله، فجعل زهير يمرّ بالجماعة فيهم هرم فيقول: عموا صباحاً خلا هرم، وخيركم تركت.
وعن أبي عبيدة قال: مرّ حاتم الطائي ببلاد عنزة فناداه أسير في أيديهم: يا أبا سفانة! قتلني الأسار والقمّل، فقال له: ويحك والله لقد أسأت إذ نوّهت باسمي في غير بلاد قومي ومالك مع ذلك منزل، ثمّ نزل فشدّ نفسه مكانه في القيد ثمّ أطلقه فلم يزل في الأسر إلى أن عرف خبره ففداه أهله.
وقال الأعشى: أتيت سلام ذا فائش فأطلت المقام ببابه حتّى وصلت إليه بعد مدّة، فأنشدته:
إنّ محلاًّ وإنّ مرتحلا
…
وإنّ في جود من مضى مثلا
إستأثر الله بالوفاء وبال
…
عدل وولّى الملامة الرّجلا
والشعر قلّدته سلامة ذا
…
فائش والشيء حيثما جعلا
فقال: صدقت، الشيء حيثما جعل، وأمر لي بمائة من الإبل، وكساني وأعطاني كرشاً مدبوغة مملوّة عنبراً فبعتها بثلاثمائة ناقة حمراء.
وقال أبو عمرو بن العلاء: قدم عبد القيس ابن خفاف البرجمي على حاتم بن عبد الله الطائي في دماء حملها، فقام ببعضها وعجز عن بعض، فقال: يا أبا سفانة إنّي حملت دماء عوّلت فيها على مالي وآمالي؛ فقدّمت مالي وكنت أكبر آمالي، فإن تحمّلتها فكم من حقّ قضيت وهمٍّ كفيت، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمّم يومك ولم أيأس من غدك، فحملها حاتم جميعها عنه، فأنشأ البرجمي يقول:
يعيش الندى ما عاش حاتم طيىء
…
فإن مات قامت للسخاء ماتم
يفيد الذي فيه الغنا وكأنّه
…
لتحقيره تلك العطيّة خادم
وقال النوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض وأغبر أُفق السماء وضنّت المراضع على أولادها وجلفت المال وأيقنّا بالهلاك، فوالله إنّا لفي ليلة صنبرة بعيدة مابين الطرفين وصبيتنا يتضوّرون من الجوع؛ عبد الله، وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيّين وقمت إلى الصبية فوالله ما سكنوا إلاّ بعد هدأة من الليل، فأقبل يعلّلني بالحديث فعلمت ما يريد، فتناومت، فلمّا توارت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت، فقال حاتم: من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معوَّلاً إلاّ عليك أبا عديّ، فقال: عجّلي بهم فقد أشبعك الله وإيّاهم، فمضت وجائت تحمل اثنين وتمشي خلفها أربعة كأنّها نعامة حولها رئالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبّته ثمّ كشط جلده عنه ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك، قالت النوار: فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، وجعل يأتي الحي بيتاً بيتاً فيقول: هبوا أيّها النيام عليكم النّار، فاجتمعوا عليه والتفع هو بثوبه ناحية ينظر إلينا حتّى فرغنا ولم يذق منه مزعةً وإنّه لأجوع إليه منّا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلاّ عظم وحافر، فأنشأ يقول:
مهلاً نوار أقلي اللوم والعذلا
…
ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
يرى البخيل سبيل الجواد واحدة
…
إنّ الجود يرى في ماله سبلا
وذكر صاحب الأنيس والجليس: أنّه وقف رجل على باب خمارويه بن أحمد بن طولون سنةً كاملة لا يقدر على الوصول إليه، فأرق ذات ليلة خمارويه فقال لغلامه: أخرج وانظر من بالباب من الشعراء، فخرج فوجد ذلك الرجل الشاعر فأدخله، فلمّا مثل بين يديه وسلّم عليه قال: يا أخا العرب هات ما عندك، فقال: أيّها الملك، إنّ لي اليوم سنة كاملة لم أقدر على الدخول إليك وقد قلت فأكثرت، ومدحت فأطنبت غير أنّني جائني بالأمس كتاب من امرأتي من بغداد ورددت جوابه. فقال: وماذا كتبت إليك؟ وماذا رددت جوابها؟ فقال شعراً:
كتبت تبتغي الإياب وتوصي
…
ني بتعجيله أشدّ وصيّه
وشكت علّة إليّ وقالت
…
عُدْ إلينا ولو بغير هديّه
قد لبسنا ثوب التجمّل من بع
…
دك حتّى لم تبقَ فيه بقيّه
فإلى كمْ تغيب والغائب النا
…
زح يخشى عليه صرف المنيّه
أتزوّجت أم أصبت بمصر
…
غضةً بضة البنان صبيّه
فتشاغلت عن عيون تراعي
…
ك على البعد بكرةً وعشيّه
فرددت الجواب مهلاً فإنّي
…
سوف آتيك منه بالأُمنيّه
بألوف من الدنانير حمر
…
من خمارية ومن أحمديّه
قال: إذ ضمنت لها ذاك يا أخا العرب لأعجلنّ سراحك إليها، ولألفينّ لك ضمانك لها، يا غلام، عَلَيّ بألف دينار من ضربي وثلاثة آلاف من ضرب أبي، فأُتي بها. قال الأعرابي: فضممتها وخرجت مسرعاً فلم أشعر إلاّ والخادم في أثري قد لحقني فقال: إرجع، فرجعت إليه وظننت أنّه يستعيدها منّي، فلمّا وقفت بين يديه قال: يا أخا العرب إنّك ضمنت لها الوفاء في شعرك ثمّ ذكرنا أنّه لابدّ من النفقة في الطريق لتصل إليها بغير ما ضمنته لها، يا غلام، سلّم إليه خمسة آلاف أخرى، فضممتها وخرجت مسرعاً فلم أشعر إلاّ والخادم في أثري قد لحقني وقال: إرجع، فرجعت إليه فلمّا وقفت بين يديه قال: يا أخا العرب إنّها تذكر لك:
أتزوّجت أم أصبت بمصر
…
غضة بضة البنان صبيّه
وقد أردت أن أحقّق ظنّها فيك، يا غلام، سلّم إليه جارية بخمسمائة دينار وجهّزها بمثلها، قال: فضممتها المال والجارية وانصرفت في أحسن حال وأنعم بال.
وعن العتبي قال: اجتمعنا بباب أبي دلف العجلي أربعمائة شاعر وزائر، فكان يعدنا بمال الكرج، فبينما نحن ذات يوم عزين فى يمحالسنا إذ مرّت بنا الجمال عليها الأحمال، فقلنا: ما هذا؟ فقيل: مال الكرج، فتباشرنا ووافينا بابه من الغد، فإذا بالباب قد فتح وبالنطوع قد بسطت وشققت عليها البدر، فكانت أنانبير دراهم ودنانير ووضع لنا أربعمائة كرسي، ونادى مناديه: ليجلس كلّ رجل على كرسي، فلمّا أخذنا مجالسنا خرج علينا أبو دلف في حلّة حمراء متقلّداً سيفاً، فوضع قائم سيفه بالأرض واتّكأ عليه وأنشأ يقول:
أيا معشر الزوّار لا يد عنكم
…
أياديكم عندي أجلّ وأكثر
كفاني من مالي جواد ونثرة
…
وأبيض من صافي الحديد ومغفر
ثمّ ولّى عنّا وقال: شأنكم والمال، فانتهبناه وحمل كلّ واحد منّا على قدر طاقته.
وقال أبو العبّاس الشيباني: وفد على أبي دلف عشرة من ولد علي بن أبي طالب عليه السلام في العلّة التي مات فيها، فأقاموا شهراً لا يؤذن لهم من شدّة العلّة التي كانت به، فوجد منها راحةً يوماً فقال لبشر الخادم: نفسي تحسّ أنّ بالباب قوماً لهم إلينا حوائج، فافتح ولا تمنعنّ أحداً. قال: فدخلوا إليه وسلّموا عليه، ثمّ ابتدر رجل من ولد جعفر الطيّار فقال: أصلحك الله، إنّا قوم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفينا من ولده، وقد حطمتنا السنون وأجحفت بنا النوائب، فإن رأيت أن تجبر كسرنا وتنفي فقرنا فافعل. فقال للخادم: خذ بيدي وأجلسني، فأجلسه ثمّ أقبل عليهم متعذراً إليهم ودعا بدواة وقرطاس وقال: ليأخذ كلّ واحد منكم فليكتب بخطّه أنّه قبض منّي ألفي دينار. قال: فبقينا متحيّرين عند قوله، ولمّا كتبنا الرقاع وضعناها بين يديه، فقال للخادم: عَلَيّ بمال كذا وكذا، فوزن لكلّ واحد منّا ألفي دينار، فلمّا قبضناها قلنا: أيّها الأمير، نفديك بالآباء والأُمّهات، والله ما لنا مال ولا عرض دنيا فخطوطنا ما تصنع بها؟ قال لخادمه: أُنظر يا بشر إذا أنا متُّ فاجعلها في أكفاني وذلك أنّي إذا لقيت جدّكم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم غداً في عرصة القيامة توسّلت إليه بأنّي قد أغنيت عشرة من ولدك، يا غلام، إدفع لكلّ واحد منهم ألف درهم زيادة إلى ما معه حتّى لا ينفقوا في الطريق شيئاً ممّا أعطيناهم، ثمّ قال: ألحقوا بأهاليكم بارك الله فيكم.
وذكر أنّ جاراً لأبي دلف ركبه دين فادح حتّى احتاج إلى بيع داره، فساوموه بها فطلب ألفي دينار، فقالوا: إنّها تساوي خمسمائة دينار، قال: وجوار أبي دلف بألف وخمسمائة، فبلغ ذلك أبا دلف فأمر بقضاء دينه وقال: لا تبع دارك ولا تنتقل من جوارنا.
وروي ما هذا مضمونه أنّ بعض الشعراء امتدح ابن العلاء، فلمّا أنشده:
دع العيس تذرع أرض الفلا
…
إلى ابن العلاء وإلاّ فلا
أمر له بألف دينار وقال: حسبك من الإنشاد فإنّه يلزمنا لكلّ بيت ألف دينار وما في خزانتنا ما يفي بذلك.
ووقف أعرابي على مروان بن الحكم أيّام الموسم بالمدينة فسأله، فقال: يا أعرابي ما عندنا ما نصلك به ولكن عليك بابن جعفر، فأتى الأعرابي باب عبد الله بن جعفر فوجد ثقله قد صار نحو مكّة وراحلته بالباب عليها متاعه وسيف معلّق، فخرج عبد الله، فأنشأ الأعرابي يقول:
أبا جعفر إنّ الحجيج ترحّلوا
…
وليس لرحلي فاعلمنَّ بعير
أبا جعفر ضنَّ الأمير بماله
…
وأنت على ما في يديك أمير
وأنت امرؤ من هاشم في صميمها
…
يصير إليك الجود حيث تصير
فقال: يا أعرابي! صار الثقل فدونك الراحلة بما عليها، وإيّاك أن تُخْدَعْ عن السيف فإنّي أخذته بألف دينار، فأنشأ الأعرابي يقول:
حباني عبد الله نفسي فداؤه
…
بأعبس مهريّ سباط مشافره
وأبيض من ماء الحديد كأنّه
…
شهابٌ بدا والليل داج عساكره
وكلّ امرء يرجو نوال ابن جعفر
…
سيجري له باليمن والسعد طائره
سأثني بما أوليتني يابن جعفر
…
وما شاكر عرفاً كمن هو كافره
ودخل أبوالدهماء العنبري على جعفر بن سليمان، وكان قد مدحه قبل ذلك بمدّة يسيرة ووصله بصلة سنيّة، فأنشده:
ما زال عودي في ثرىً ثريّ
…
مورّقاً من سيبك الوسميّ
حتّى إذا ما همَّ بالذويّ
…
جئتك واحتجت إلى الوليّ
وما غنيّ عنك بالغنيّفضحك جعفر وقال: ما مللناك فلا تملنا، وعد إلينا متى شئت، وأجزل عطيّته وصلته.
وقال أبوالشبل: حضرت مجلس عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان إليّ محسناً وعَلَيّ مفضّلاً، فجرى ذكر البرامكة، فوصفهم الحاضرون فأطنبوا في ذكر سماحتهم وفضلهم، فقمت في وسط الناس وقلت لعبيد الله: أيّها الوزير! قد حكمت في هذا الأمر حكماً نظمته في بيتَي شعر لا يقدر أحد أن يردّه عَلَيّ، وإنّما جعلته شعراً ليبقى ويدوّن، أفيأذن الوزير بإنشادهما؟ فقال قل، فربَّ صواب قلته، فأنشدت:
رايت عبيد الله أفضل سؤددا
…
وأكرم من فضل ويحيى بن خالد
أولئك جادوا والزمان مساعد
…
وقد جاد هذا وهو غير مساعد
فتهلّل وجه عبيد الله وظهر فيه السرور وقال: أفرطتَ، قلت: ولا كلّ هذا قضيت، والله ما حابيتك أيّها الوزير، وما قلت إلاّ حقّاً، وأتبعني القوم في وصفه وتقريضه، فما خرجت من مجلسه إلاّ وعَلَيّ الخلع وتحتي فرس بسرجه ولجامه، وبين يديَّ خمسة آلاف دينار.
وعن أبي الشبل قال: دخل العتابي على عبيد الله بن طاهر فأنشده:
جسم ظنّي وحسن ما عوّد الله
…
سوائي منك الغداة أتى بي
أيُّ شيء يكون أحسن من حسن
…
رجاء حدا إليك ركابي
فأمر له بجائزة، ثمّ دخل عليه من الغد فأنشده:
جودك يكفينيك في حاجتي
…
ورؤيتي كافيتي عن سؤال
وكيف أخشى الفقر ما عشت لي
…
وإنّما كفاك لي بيت مال
فأمر له بجائزة، ثمّ دخل عليه في اليوم الثالث فأنشده:
بهجات الثياب يخلقها الدهر
…
وثوب الثناء غضٌّ جديد
فأكسني ما يبيد أصلحك الله
…
فإنّي أكسوك ما لا يبيد
فأجازه وخلع عليه.
وقدم على يزيد بن المهلّب رجل من قضاعة فأنشده:
مالي أرى أبوابهم مهجورة
…
وكأنّ بابك مجمع الأسواق
أرجوك أم خافوك أم شاموا الغنى
…
بيديك فانتجعوا من الآفاق
إنّي رأيتك للمكارم عاشقاً
…
والمكرمات قليلة العشّاق
ولّيت أنعمك البلاد فأصبحت
…
تجبى إليك مكارم الأخلاق
فأمر له بألف دينار، فلمّا كان العام المقبل وفد إليه فأنشده:
والله ما أدري إذا ما فاتنا
…
طلب إليك من الذي نتطلّب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد
…
أحداً سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتك التي عوّدتنا
…
أو لا فأرشدنا إلا مَنْ نذهب
فأمر له بألف دينار، وقال: إنّا صابرون على عادتك، فعد متى شئت.
وذكر أنّ عمر بن هبيرة الفزاري أشرف من قصره فإذا هو بأعرابي يحثّ بعيره، فقال لحاجبه: لا تحجب هذا الأعرابي عنّي، فلمّا دنى سأله الحاجب عن شأنه، فقال: إنّي وفدت على الأمير، فأدخله إليه، فلمّا مثل بين يديه قال له عمر: ما خطبك يا أعرابي؟ قال:
أصلحك الله قلّ ما بيدي
…
ولا أُطيق العيال إذ كثروا
أناخ دهري عَلَيّ كلكله
…
فأرسلوني إليك وانتظروا
قال: فأخذت عمر الأريحيّة فجعل يهتزّ في مجلسه ويقول: أرسلوك وانتظروا؟ إذاً والله لا تجلس حتّى ترجع إليهم، ثمّ أمر له بألف دينار وردّه من ساعته على بعيره.
وكتب معاوية لمروان بن الحكم يأمره ببيع دور كثير بن الصلت لغرمائه، قال كثير: ففكآرت بمن أذهب إليه فلم أجد مثل قيس بن سعد بن عبادة، وكانت بيني وبينه هجرة، فتحاملت على الذهبا إليه على ما كان بيني وبينه على ما أعلمه من كرمه واحتماله، فلمّا رآني رحّب بي وأدناني وقال: ما الذي أتى بك إلينا؟ فأعلمته بالذي يراد من بيع دوري لغرمائي، وإنّي تذكّرت من أفزع إليه فلم أجد أحداً سواه، فسرَّ بذلك وقال: قد أصبت بالذي قد فعلت، كم دينك؟ قلت: تسعون ألف درهم، فأعطاني إيّاها، فأصبحت فقضيت النّاس الأوّل فالأوّل حتّى لم يبق عَلَيّ شيء ثمّ يسّر الله تعالى بعد ذلك فأتيته بها وجزيته خيراً، فقال: والله ما كان ليرجع إليّ شيء خرج منّي في ذمّة الله عزّوجلّ، فردّها عَلَيّ ولم يقبلها.
وذكر بعض الروات أنّ مالك بن طوق بينا هو جالس في بهو مطلّ على رحبته ومعه جلساؤه إذ أقبل أعرابي تخدّ به راحلته، فقال: ما أقدمك يا أعرابي؟ قال: الأمل في سيب الأمير، والرجاء لنائله. قال: فهل قدّمت أمام رغبتك وسيلة؟ قال: نعم، أربعة أبيات قلته بظهر البريّة، فلمّا رأيت ما بباب الأمير من الأُبّهة والجلالة استصغرتها. قال: فهل لك أن تنشدنا أبياتك ولك أربعة آلاف درهم، فإن كانت أبياتك أحسن فقد ربحنا عليك وإلاّ فقد نلت مرادك وربحت علينا؟ قال: قد رضيت، وأنشده:
وما زلت أخشى الدهر حتّى تعلّقت
…
يداي بمن لا يتّقي الدهر صاحبه
فلمّا رآني الدهر تحت جناحه
…
رأى مرتقىً صعباً منيعاً مطالبه
رآني بحيث النجم من رأس باذخ
…
تظلّ الورى أكنافه وجوانبه
فتىً كسماء الغيث والناس دونه
…
إذا أجدبوا جادت عليهم سحائبه
فقال مالك بن طوق: قد ظفرنا بك يا أعرابي، ما قيمتها إلاّ عشرة آلاف درهم. فقال الأعرابي: إنّ لي صاحباً شاركته فيها ما أراه يرضى ببيعي. قال: أظنّك حدّثت نفسك بالنكث؟ قال: نعم، وجدت النكث في البيع أسهل من خيانة الشريك، فضحك مالك منه وأمر له بالعشرة آلاف درهم.
وقيل: أتى عبيد الله بن العبّاس رجل من الأنصار فقال له: يابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولد الليلة لي مولود وقد سمّيته باسمك تبرّكاً بك، وإنّ أُمّه ماتت، فقال له عبيد الله: بارك الله لك في الهبة وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثمّ دعا بوكيله وقال: إنطلق الساعة فاشتر للمولود جاريةً تحضنه، وادفع للرّجل مائتي دينار للنفعة على تربيته، ثمّ قال للأنصاري: عد إلينا بعد فإنّك أتيتنا وفي العيش يبس وفي النفقة قلّة. فقال الأنصاري: جعلت فداك والله لو سبقت حاتماً بيوم واحد ما ذكرته العرب، ولكنّه سبقك فصرت له تالياً وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده، وطلّ كرمك أغزر من وايله.
وأتاه سائل وهو لا يعرفه، فقال له: تصدّق فإنّي نبّئت أنّ عبيد الله بن العبّاس أعطى سائلاً ألف درهم وهو لا يعرفه واعتذر إليه، فقال له: وأين أنا من عبيد الله بن العبّاس؟ قال له: أين أنت منه في الحسب أو في كثرة المال؟ قال: فيهما جميعاً. فقال: أمّا الحسب في الرجل فمروّته وفعله فإذا شئت فعلت وإذا فعلت كنت حسيباً، فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه من ضيق نفقته، فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله فأنت خير منه، وإن كنت إيّاه فأنت اليوم خير منك أمس.
وذكر صاحب الأنيس والجليس أنّ شاعراً وقف على باب معن بن زائدة الشيباني سنة كاملة لا يصل إليه، فرقّ عليه الحاجب وقال: يا هذا أُكتب إليه حاجتك واختصر فيها، فقال: والله لا زدت على بيت واحد من الشعر، ثمّ كتب في رقعة وختمها ودفعها إلى الحاجب، فأخذها إلى معن، فإذا مكتوب فيها:
أيا جود معن ناج معناً بحاجتي
…
فمالي إلى معن سواك رسول
فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة ثمّ التفت فرأى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة ثمّ التفت فرأى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة والتفت إلى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلم يلحقه الرسول فرجع وقال: يا سيّدي! ما لحقت الرجل، فقال معن: أتراه ظنّ أن نسترجعها؟ والله لو وقف لنفذت إليه بعشرة تتبعها عشرة إلى أن تفني بيوت المال.
وقيل: كان معن بن زائدة الشيباني قد استخفى من المنصور لأمر أنكره عليه، فجدّ المنصور في طلبه وجعل لمن دلّ عليه عشرة آلاف درهم، قال معن: فاضطربت لشدّة الطلب إلى أن أقمت في الشمس حتّى لوّحت وجهي وخففت من عارضيّ ولحيتي ولبست جبّة صوف وركبت جملاً ثقيلاً وخرجت عليه أطلب البادية لأقيم فيها، فلمّا خرجت من الباب تبعني عبد أسود متقلّد سيفاً حتّى إذا غبت من أعين النّاس والحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، فقلت: ما تريد؟ قال: أنت طلبة أميرالمؤمنين؟ قلت: ومن أنا حتّى يطلبني أميرالمؤمنين؟ قال: أنت معن بن زائدة الشيباني. قلت: يا هذا اتّق الله في دمي، وأين أنا من معن؟ فقال: دع ذا عنك فأنا والله أعرف بك من ولدك وأخيك. قال معن: فقلت له: إن كان الأمر على ما تقول فهذا جوهرٌ قد حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور فيَّ فخذه ولا تسفك دمي، قال: هاته، فأخرجته، فنظر إليه ساعةً وقال: صدقت في قيمته ولست قابله منك حتّى أسألك عن شيء فإن صدّقتني فيه أطلقتك، فقلت له: قل، فقال: إنّ النّاس قد وصفوك بالسخاء والجود فأطنبوا، فأخبرني هل وهبت قط مالك كلّه؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، فلم يزل حتّى بلغ العشر؟ فقلت: أظنّ أنّي فعلت هذا، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا رجل رزقي عشرين درهماً على المنصور في الشهر، وهذا الجوهر قيمته آلاف دنانير وقد وهبته لك ووهبتك لجودك المأثور بين الناس لتعلم أنّ في الدنيا من هو أجود منك فلا تعجبك نفسك وتحتقر بعد هذا كلّ شيء تفعله، ولا تتوقّف عن مكرمة، ثمّ رمى بالعقد في حجري وخلّى خطام الجمل وانصرف، فقلت له: يا هذا فضحتني ولسفك دمي أهون عَلَيّ ممّا فعلت، فخذ هذا الجوهر فإنّي عنه غنيّ، فقال: يا معن! أردت أن تكذّبني في مقامي هذا، والله لا أخذته ولا أخذت لمعروف ثمناً أبداً ومضى، فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاء به ما شاء، فما عرفت له خبراَ وكأنّ الأرض ابتلعته.
وحدّث عون بن الحسين الهمداني قال: كنت يوماً في خزانة خلع الصاحب بن عباد فرأيت في دستور كاتبها، وكان صديقي، مبلغ العمائم الخزّ التي صرفت في تلك السنة للعلويّين والفقهاء والشعراء خارجة غير عمائم الخدم والحاشية ثمانمائة وعشرين، قال: وكان يعجبه الخزّ ويأمر بالإستكثار منه في داره، فنظر أبوالقاسم الزعفراني يوماً إلى جميع من فيها من الخدم والحاشية عليهم الخزوز الفاخرة الملوّنة، فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئاً، فنظر إليه الصاحب وقال: عَلَيّ به، فاستهمل الزعفراني ريثما يتمّ مكتوبه، فأمر الصاحب بأخذ الدرج من يده، فقام وقال: أيّد الله مولانا، شعرٌ أسمعه ممّن قاله، فقال: هات يا أباالقاسم، فأنشده أبياتاً منها:
سواك يعدُّ الغنى ما اقتنى
…
ويأمره الحرص أن يخزنا
وأنت ابن عباد المرتجى
…
فعند نوالك نيل المنى
وخيرك من باسط كفّه
…
وممّن تنائى قريب الجنى
غمرت الورى بصنوف الندى
…
فأصغر ما ملكوه الغنى
وغادرت أشعرهم مفحما
…
وأشكرهم عاجزا الكنا
أيا من عطاياه تهدي الغنى
…
إلى راحتيْ من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرين
…
كسىً لم يخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون في
…
ضروب من الخزّ إلاّ أنا
ولست أذكر بي جارياً
…
على العهد يحسن أن يحسنا
فقال له الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أنّ رجلاً قال له: أحملني أيّها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثمّ قال لو علمت مركوباً غيرها لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزّ بجبّة ودراعة وقميص وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف ورداء وجورب ولو علمنا لباساً آخر غير هذا يتّخذ من الخزّ لأعطيناك.
وقال الصاحب بن عباد: حضرت مجلس ابن العميد عشيّة من عشايا شهر رمضان وقد حضره الفقهاء والمتكلّمون للمناظرة وأنا أذكر ذلك في ريعان شبابي، فلمّا تقوّض ذلك المجلس وانصرف القوم وقد حلّ الإفطار أنكرت ذلك بيني وبين نفسي وعجبت من إغفال الأمر بتفطير الحاضرين مع رياسته، وعاهدت الله تعالى أنّيى لا أخلّ بما أخلّ به إذا قمت مقامه.
قيل: فكان الصاحب لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحد كائناً من كان فيخرج من داره إلاّ بعد الإفطار، فكانت داره لا تخلو ليلة من ليالي الشهر من ألف نفس مفطرة، وكانت صلاته وصدقاته وفقته في هذا الشهر مبلغ ما يطلق منها في جميع السنة.
وممّا يناسب هذا ما ذكر عن ابن العميد؛ وابن العميد هذا هو أبو الفضل محمّد بن العميد، كان فريد زمانه في الفصاحة والعلوم العربيّة، ولقد كان متوسّعاً في علم النجوم والفلسفة والأدب والترسّل، فلم يقارنه فيها أحد في زمانه، وكان يسمّى الجاحظ الثاني، وكان كامل الرياسة، جليل المقدار، ومن بعض أتباعه الصاحب بن عباد، ولأجل صحبته قيل له الصاحب، وكانت له في الرياسة اليد العليا.
وقال الثعالبي في اليتيمة: كان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد.
وكان الصاحب بن عباد سافر إلى بغداد، فلمّا رجع إليه قال له ابن العميد: كيف وجدتها؟ قال: بغداد في البلاد كالأُستاذ في العباد.
وكان يقال له الأُستاذ والرئيس وكان سائساً مدبّراً للملك قائماً بحقوقه.
وقصده جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة ومدحوه بأحسن المدائح كأبي الطيب المتنب وأضرابه، وكان ممّن مدحه أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي، وكان ابن نباتة هذا قد ورد على ابن العميد وهو بالريّ، وامتدحه بقصيدة أوّلها:
برح اشتياق وادّكار
…
ولهيب أنفاس حرار
ومدامع عبراتها
…
ترفضُّ عن نوم مطار
لله قلبي ما يجن
…
من الهموم وما يواري
لقد انقضى سكر الشباب
…
وما انقضى وصب الخمار
وكبرت عن وصل الصغار
…
وما سلوت عن الكبار
سقياً لتغليسي إلى
…
باب الرصافة وابتكاري
أيّام أخطر في الصبا
…
نشوان مسحوب الإزار
حجّي إلى حجر الصّرا
…
ة وفي حدائقها اعتماري
ومواطن اللذّات أو
…
طاني ودار اللهو داري
لم يبق لي عيش يلذّ
…
سوى معاقرة العقار
حتّى بألحان قمرت
…
بهنّ ألحان القماري
وإذا استهلّ ابن العميد
…
تضائلت ديم القطار
حرّ صفت أخلاقه
…
صفو السبيك من النضار
فكأنّما زفّت موا
…
هبه بأنواع التجار
وكأنّ نشر حديثه
…
نشر الخزامى والعرار
وكأنّنا ممّا تفرّق
…
راحتاه من النضار
كلف بحفظ السرّ تح
…
سب صدره ليل السرار
إنّ الكبار من الأمو
…
ر تنال بالهمم الكبار
وإلى أبي الفضل ابتعثت
…
هواء حسناء السوار
فتأخّرت صلته فشفّع هذه القصيدة بأخرى وأتبعها برقعة فلم يزده ابن العميد غير الإهمال مع رقّة حاله التي ورد عليها فتوصّل إلى أن دخل يوم الخميس ومجلسه حفل بأعيان الدولة ومقدّمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه وأشار إليه وقال: أيّها الرئيس! إنّي لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذلّ النعل، وأكلت المحرق انتظاراً لصلتك ووالله ما بي الحرمان، ولكن شماتة قوم نصحوني فأغششتهم، وصدّقوني فاتّهمتهم، فبأيّ وجه ألقاهم؟ وبأيّ حجّة أُقاومهم، ولم أحصل من مديح ومن نثر بعد نظم إلاّ على ندم مؤلم، ويأس مسقم، فإن كان للنجاح علامة وأين هي وما هي؟ إلاّ أنّ الذين نحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإنّ الذين هجوا كانوا مثلك، فزاحم بمنكبك أعظمهم شأناً، وأنورهم شعاعاً، وأشرقهم دفاعاً. فحار ابن العميد ولم يدر ما يقول، فأثرق ساعة ثمّ رفع رأسه وقال: هذا يضيق عن الإطالة منك في الإستزادة، وعن الإطالة في المعذرة، وإذا ما تواهبنا ما دفعنا إليه، إستأنفنا ما نتحامد عليه.
فقال ابن نباتة: أيّها الرئيس! إنّها نفثة صدر قد دوى بعد زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغني ذا مطل لئيم. فاستشاط ابن العميد وقال: والله ما استوجبت هذا من أحد من خلق الله، ولقد نافرت العميد من دون ذا، حتّى دفعنا إلى قرى غائم ولجاج قائم، ولست وليّ نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك، وإنّ بعض ما قرّرته في مسامعي ينقض مرّة الحلم، ويبدّد شمل الصبر، وهذا وما استقدمتك بكتاب ولا استدعيتك برسول ولا كلّفتك مدحي ولا سألتك تقريضي. فقال ابن نباتة: صدقت أيّها الرئيس، إنّك ما استقدمتني بكتاب، ولا استدعيتني برسول، ولا سألتني مدحك، ولا كلّفتني تقريضك، ولكن جلست في صدر إيوانك بأُبهّتك، وقلت: لا يخاطبني أحد إلاّ بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فإنّي كاتب ركن الدولة، وزعيم الملّة والحضرة، والقيّم بمصالح المملكة، فكأنّك دعوتني بلسان الحال، ولم تدعني بلسان المقال.
فثار ابن العميد مغضباً ودخل حجرته، وتقوّض المجلس، وسمع ابن نباتة وهو مارٌّ في صحن الدار يقول: والله إنّ سفَّ التراب والمشي على الجمر أهون من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهيناً له، ومشتريه ممّا كساً فيه، فلمّا سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه حلمه التمسه من الغد ليعتذر إليه، ويزيل ما كان منه، فكأنّما غاص في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات.
ولا بأس بذكر ما ورد في ذمّ البخل وذكر بعض قضايا البخلاء وذكر بعض الشعر الذي ورد في ذمّهم: قيل: البخل يهدم مباني الكرم.
آخر: بشّر مال البخيل بحادث أو وارث.
آخر: أيّ داء أدوى من البخل.
وفي آخر: شرّ أخلاق الرجال البخل والجبن وهما من أخلاق النساء.
وقالت الحكماء: من انتجع لئيماً كان كمنتجع السراب أو نار الحباحب.
وفي مثل آخر: ما أفلح بخيل قط.
ومن أمثال البخلاء واحتجاجاتهم: قول لا، يدفع البلا، وقول نعم، يُزيل النِعَم.
وقال بعضهم لابنه: يا بني كن مع الناس كالضارب بالقداح، إنّما غرضك أخذ متاعهم وحفظ متاعك.
ومن بعض الحكايات عنهم: عن المطالبي قال: مرّ ابن الحمامة الشاعر بالحطيئة وهو جالس بفناء بيته، فقال له: السلام عليكم، قال: كلمة نقولها، قال: إنّي خرجت من أهلي بغير زاد، قال: ما ضمنت لهم قراك، قال: أفتأذن لي أن آتي ظلّ بيتك أتقيّؤ به؟ قال: دونك الجبل يفيء عليك، قال: إنّي ابن الحمامة، قال: انصرف وكن ابن أيّ طائر شئت.
وبينما أبوالأسود الدئلي جالس في دهليز داره إذ مرّ به رجل من العرب فقال: السلام عليكم، قال: قلت ما لا ينكر، قال: أأدخل؟ قال: وراك أوسع، قال: إنّ الرمضاء أحرقت قدمي، قال: بُل عليهما تبردا، قال: فهل عندك شيء تطعمنيه؟ قال: نأكل ونطعم العيال فإن فضل شيء كنت أحقّ به من الكلب. قال الأعرابي: تالله ما رأيت ألأم منك؟ قال: بلى قد رأيت ولكنّك نسيت.
وأتى رجل الحطيئة وهو في غنم له، فقال: السّلام عليك يا راعي الغنم، فرفع الحطيئة عصاه وقال: إنّها عجراء من سلم، قال: إنّي ضيف، قال: وللضيفان أعددتها.
وكان خالد بن صفوان إذا حصل له الدرهم نقره وقال: طالما شرّقت وغرّبت، والله لأطيلنّ ضجعت ولأديمنّ صرعتك، ولأجعلنّه آخر عهدك بأيدي الرجال.
وممّا يحكى أنّ بعض البخلاء انتقل إلى دار، فلمّا نزلها وقف به سائل، فقال: صنع الله لك، فأتاه آخر، فقال له مثل الأوّل، ثمّ ثالث فقال له كذلك، ثمّ التفت إلى ابنته وقال لها: ما أكثر السؤال في هذا المكان، فقالت: يا أبة! ما تمسّكت لهم بهذه الكلمة فما تبالي قلّوا أم كثروا.
ومن ذلك ما حكي أنّه كان محمّد بن يحيى بن خالد بن برمك شديد البخل، فدخل يوماً بعض ندمائه على أبيه يحيى بن خالد، فقال له: صف لي مائدة محمّد، قال: هي فترٌ في فتر، وصحافه من حبّ الخشخاش منقورة، وبينه وبين أكيله رغيف، قال: فمن يحضر مائدته؟ قال: الكرام الكاتبون، قال: فمن يأكل معه؟ قال: الذباب، قال: فأنت خاصّ به وثوبك خلق، قال: والله لو ملك محمّد ابنك بيتاً عرضه من بغداد إلى خراسان مملوّاً أبراً ثمّ جاء جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وأولاد يعقوب يسألونه عارية إبرة يخيطون بها قميص يوسف الصدّيق لما فعل. ونظم ابن الرومي هذا المعنى في قوله:
لو أنّ قصرك يابن يوسف ممتل
…
اُبراً يضيق بها فضاء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرة إبرةً
…
ليخيط قدَّ قميصه لم تفعل
ومن ذلك ما حكي أنّه حضر أعرابي سماط هشام بن عبد الملك، فبينما هو يأكل إذ تعلّقت شعرة بلقمته، فقال له هشام: يا أعرابي نحّ الشعرة عن لقمتك، قال: إنّك لتكثر لمضغي ملاحظة حتّى ترى الشعرة في اللقمة، والله لا أكلت عندك أبداً، وخرج من عنده وهو يقول:
وللموت خير من زيارة باخل
…
يلاحظ أطراف البنان على عمد
وروي ما هذا مضمونه أنّه قيل لبعض البخلاء: من أشجع النّاس؟ قال: من سمع صرير الأسنان على طعامه ولم تتفتّت كبده.
ومن ذلك ما حكي عن أبي القاسم القطّان وكان صاحب نوادر أنّه دخل يوماً من أيّام شهر رمضان والحرُّ شديد على الوزير ابن هبيرة وعنده نقيب الأشراف، فقال له: أين كنت؟ قال: في مطبخ سيّدي النقيب، فقال الوزير: وما تصنع ويلك في شهر رمضان في المطبخ؟ قال: وحياة مولانا كسرت الحرّ، فتبسّم والوزير وضحك الحاضرون وخجل النقيب.
أقول: وقد أسهبنا في ذلك فلنورد بعض ما ورد في ذمّ البخل والبخلاء من رائق النظم.
روي ما هذا مضمونه أنّ شريك بن عبد الله امتدح المدبّر بأبيات فردّها إليه مع الحاجب وقال: أمدح بها غيري، فاعتزل ناحية عن بابه وكتب إليه هذه الأبيات:
رددت عَلَيّ شعري بعد مطل
…
وقد دنّست ملبسه الجديدا
وقلت امدح به من شئت غيري
…
ومن ذا يقبل المدح الرديدا
ولاسيما وقد أعبقت فيه
…
مخازيك اللواتي لن تبيدا
وهل للحيّ في أثواب ميت
…
لبوس بعد ما امتلأت صديدا
وقال أبو تمام:
ليسودنَّ يفاع وجهك منطقي
…
أضعاف ما سوّدت وجه قصيدي
وليفضحنّك في المواسم كلّها
…
صدري كما فضحت يداك ورودي
وقال أيضاً:
عيّاش أنّك للئيم وانّني
…
إذ صرت موضع حاجتي للئيم
وقال مهيار:
بخيلٌ لو أنّ البحر بين بنانه
…
وفرّقها عن قطرة لم تسرَّب
أخذه بعضهم فقال:
لو عبر الشط أبو ساعده
…
في ليلة مظلمة بارده
وكفّه مملوئة خردلاً
…
ما سقطت منها ولا واحده
وقال البحتري:
لو صافحوا المزن ما ابتلّت أكفّهم
…
ولو يخوضون بحر الصين ما غرقوا
جفوا من البخل حتّى لو بدا لهم
…
ضوء السهى في سواد الليل لاحترقوا
وقال كشاجم:
يا من يؤمّل جعفراً
…
من بين أهل زمانه
لو أنّ في أُستك درهماً
…
لاستلّه بلسانه
وقال دعبل الخزاعي:
إنّ هذا الفتى يصون رغيفاً
…
ما إليه لناظر من سبيل
هو في سفرتين من أدم الطا
…
ئف في سلنين في منديل
ختمت كلّ سلّة بحديد
…
وسيور قددن من جلد فيل
في جراب في جوف تابوت موسى
…
والمفاتيح عند إسرافيل
وقال بعضهم:
فتىً لو أدخل الحمّام حولاً
…
وحولاً بعد أحوال كثيره
وألبس ألف فرو بعد فرو
…
ولحفاً حشوها قطن الجزيره
وواقدت الجحيم عليه حتّى
…
تصير عظامه مثل الذريره
لما عرقت أنامله لبخل
…
بعشر عشير معشار العشيره
وقال ابن الرومي:
فتىً على خيره ونائله
…
أشفق من والد على ولده
رغيفه منه حين تسأله
…
مكان روح الجبان من جسده
وقال بعضهم وهو لطيف:
عوَّذ لمّا بتُّ ضيفاً له
…
أقراصه منّي بياسين
وعوّذ الماء بسمر القنا
…
وبالأفاعي والثعابين
وظريف قول بعضهم:
ابا سعيد لنا في شاتك العبر
…
جائت وما أن لها بولٌ ولا بعر
وكيف تبعر شاة عندكم مكثت
…
طعامها الأبيضان الشمر والقمر
وقال بعض الأُدباء:
ويسرع بخل المرء في هتك عرضه
…
ولم ير مثل الجود للعرض حارسا
وقال البحتري:
أبا جعفر ليس فضل الفتى
…
إذا راح في فرط إعجابه
ولا في فراهة برذونه
…
ولا في نظافة أثوابه
ولكنّه في الفعال الكريم
…
والخطر الأشرف ألنابه
رأيتك تهوي اقتناء المديح
…
وتسهل مقدار إيجابه
لئن كنت أنحله الأكرمين
…
فما أنت أوّل أربابه
وإنْ أتطلّب به نائلاً
…
فلست مليّاً بأطلابه