المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم تصنيف الإمام العلامة النظار - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - جـ ١

[ابن الوزير]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الأول

- ‌ترجمة المؤلف بقلم الأستاذ إبراهيم الوزير

- ‌المسلك الأوَّل: الدعاءُ إلى الحق بالحِكمة البُرْهانية، والأدلة القطعية

- ‌المسلك الثاني: الجدلية:

- ‌المَسْلك الثالث: الخطابية

- ‌المسلك الرابع: الوعظية، وهي نوعان:

- ‌الثاني: أنَّ كونَهم جماعة، يُقَوِّيهِ

- ‌الثالث: أنَّ كتب الأئمةِ والأصوليين وأهل العدل متضمنةٌ للاحتجاج به

- ‌الفائدة الثانية: في بيان ألفاظِ العلماء، ونصوصهم الدالة على ما قلنا

- ‌أحدها: أن الكتابَ معلومٌ بالضرورة

- ‌ثانيها: أن أهلَ الكذب والتحريف قد يئسُوا من الكذب في هذه الكتب المسموعة

- ‌ثالثها: أن النُّسَخ المختلفة كالرواة المختلفين، واتفاقُها يدل على صحة ما فيها

- ‌ والدليلُ على ما ذكرنا الأثَرُ والنَّظَرُ، أما الأثر

- ‌الأثرُ الثَّالِثُ: قصةُ الرجل الذي قَتَلَ تسعة وتسعين

- ‌النَّظر الأول: أن الظاهِرَ من حملة العلم أنهم مقيمون لأركان الإسلام الخمسة، مجتنُبون للكبائر

- ‌النظرُ الثاني: أن الأمة أجمعت على الصلاة على مَنْ هذه صفتُه

- ‌إحداهُما: أن كثيراً من الأخبار والشرائع مبناها على الظَّنِّ

- ‌ثالثها: إذا رأى في كتابه بخطه، وظن أنه سمعه، غير أنه لا يتيقن

- ‌الثاني: أن الصحابة أجمعت على ذلك

- ‌الاستدلالُ بالإجماع على تقليد الموتى لا يصح بوجهين:

- ‌أحدهما: معرفة أنها غيرُ منسوخةٍ ولا مخصَّصَةٍ ولا معارَضة

- ‌ الثاني عشر: أن بطلانَ الاجتهادِ لا يجوزُ أن يثبت بالضَّرورة العقلية ولا الشرعية ولا بالدِّلالة العقلية

- ‌المسألة الأولى: أن يكونَ حالُ أولئك الذين ذكرهم مجهولةً فقط دون سائرِ أهلِ العلم

- ‌إحداهما: ردُّ المرسل، والثانية: الجرحُ بالتأويل

- ‌الجواب على ما ذكره السَّيِّد من وجوه:

- ‌الأول: أن كتب الجرحِ والتعديل مثلُ سائرِ المصنَّفات

- ‌الثاني: أن معرفة كتبِ الجرح والتعديل غيُر مشترطة في الاجتهاد عند جماهير العِترة و

- ‌ثانيها، أنه إمَّا أن يترجَّحَ صدقه على كذبه، أو لا

- ‌ثالثها: أن رَدَّ قَولِه تُهمة له بالكذب والخيانة

- ‌رابعها: أن الله -تعالى- إنما شرط في الشاهد أن يكون ذا عدلٍ

- ‌الوجه الأوَّلُ: أن القارىء فيها أن كان ممن يرى رأيَهم

- ‌ثانيهما: روايته أن الفقهاء ذهبوا إلى ما ذهب إليه المحدثون

- ‌الأثرُ السادسُ: حديثُ الجارية السَّوداءِ

- ‌ الكلام في فصلين في هذه المسألة:

- ‌الفصل الأول: في بيان ظهور ما استغربه السَّيِّد

- ‌المسألة الثانية: قبولُ الأعراب

- ‌ ثلاثُ حُجج احتج بها السَّيِّد على بُطْلانِ كثير من أخبار الصحاح

- ‌الوجه الثاني: أنَّا قد ذكرنا أنَّ كل مسلم ممن عاصر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ممن لا يُعْلَمُ جرحُهُ، فإنَّه عدلٌ

- ‌الوجه الثالث: لو قدرنا أنَّ هذا مما يجرح به، لكان مما يحتمل النظر والاختلاف

- ‌الوجه الثالث: أنَّ قوله: {لا يعقِلون} ليس على ظاهره لِوجهين:

- ‌أحدهُما: أنهم مكلفون، وشرط التكليف العقلُ

- ‌الثاني: أنَّه -سبحانه- أجلُّ من أن يَذُمَّ ما لا يَعْقِلُ

- ‌الوجه الخامسُ: سلَّمنا أنه جرح فيهم، فنحن نترُكُ حديثَهُم، فأين تعذُّرُ الاجتهادِ وتعسُّره إذا تركنا حديثَ بني تميم

- ‌الوجهُ السادِسُ: أنَّ هذا يُودِّي إلى جرح بني تميم كُلِّهم

- ‌الأول: أنّ إسلامهم يقتضي قبولَ حديثهم ما داموا مسلمين

- ‌الثاني: إمَّا أن يكون السَّيِّد أنكر قبولَهم، لأن من أسلم لا يُقْبَلُ حتى يُختبر، أو لأنهم ارتدُّوا بعد الإسلام

- ‌الثالث: سلمنا أنَّ وفد عبدِ القيس مجاهيل ومجاريح فما للاجتهادِ، والتعذُّر أو التَعَسُّرِ

- ‌الأول: أنه لا معنى للتقليد في التفسير على أصل السَّيِّد

- ‌الثاني: أنّه قد قال: إن اتِّصال الرواية لهم على وجه الصِّحةِ صعبٌ أو متعذِّر

- ‌السؤال الثاني: أنَّ هذا تشكيك على أهل الإسلامِ في الرجوع إلى كتاب ربِّهم

- ‌أحدها: ما السببُ في قطع السَّيِّد بتعذُّرِ الطريق إلى الرواية ها هنا وكان متردداً فيما تقدَّم

- ‌ثالثها: أنَّ الأمة أجمعت على أنَّه لا يجب الإسناد في علم اللغة

- ‌أحدهما: أنَّ الدَّوْرَ محالٌ عند جميع العقلاء

- ‌الوجه الثاني: أنَّ الدَّورَ غيرُ لازمٍ من ذلك

- ‌أحدهما: أنَّ كلامَنا فيمن عَرفَ اللغة، واحتاج إلى ما عداها، فلا يَصِحُّ أن يُجْعَلَ العارفُ للشيء محتاجاً إلى معرفته غيرَ متمكِّنٍ منها

- ‌أحدها: مناقضته الكلامَ القاضيَ بعدمِ المجتهدين

- ‌ثانيها: أنَّ هذه المسألة من مسائل الخلاف الظَّنِّية

- ‌ جواز الوهم على الراوي في تأديته للفظ الحديث النبوي، والدليل على ذلك وجهان:

- ‌الوجه الثاني: أنَّ الجماهير من العلماء قد أجازوا الرواية بالمعنى

- ‌إحداهما: في ذكر مَنْ نصَّ من العلماء على أنَّ ذلك لا يجب

- ‌الحجة الرابعة: ما قَدَّمنا ذكرَه مِن دعوى المنصور بالله

- ‌الحجة الخامسة: أن الصحابة أجمعت أنَّه لا يجب حفظُ النَّصِّ على المجتهد

- ‌أحدهما: أنَّ محفوظ الواحد منهم كان لا يكفيه في الاجتهاد

- ‌أحدهما: أنَّ مثل ذلك معلوم من أحوال البشر

- ‌ثانيهما: أنَّه قد ثبت عنهم ذلك

- ‌الحجة الثامنة: أنَّ الجماهير قد أجازوا روايةَ لفظ النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى

الفصل: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم تصنيف الإمام العلامة النظار

العواصم والقواصم

في الذب عن سنة أبي القاسم

تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني

المتوفى سنة 840 هـ

حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه

شعيب الأرنؤوط

‌الجزء الأول

مؤسسة الرسالة

ص: 1

العواصم والقواصم

في

الذب عن سنة أبي القاسم

1

ص: 2

جميع الحقوق محفوظَة

لمؤسسَة الرسَالة

ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.

سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفراداً.

الطبعة الثالثة

1415 هـ - 1994 م

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع

مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة

هاتف: 603243 - 815112 - ص. ب: 7460 برقياً، بيوشران

ص: 3

بسم الله الرحمن الرحيم

ص: 4

الإمام محمد بن إبراهيم الوزير

وكتابه العواصم والقواصم

بقلم

القاضي الفاضل الأستاذ إسماعيل الأكوع

رئيس الهيئة العامة للآثار ودور الكتب باليمن الشمالي

ص: 7

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله نحمُده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ باللهِ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهدِ الله، فهو المهتدي، ومن يُضلِل، فلا هادِيَ له ونصلي ونسلِّم على رسول الله الهادي إلى أقوم طريق، وأوضح سبيل، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فإني لا أجد -وأنا أتحدثُ عن الإمام الجليل محمد بن إبراهيم الوزير، رحمه الله عبارةً تصفُ علماء السنة المجتهدين في اليمن وهو في مقدمتهم أدق وأشمل من كلمة شيخ الإسلام الشوكاني رحمه الله وهو يترجم للإمام تفسه في كتابه " البدر الطالع " مشيراً إلى جهل علماء المسلميين خارج اليمن بمكانة علماء السنة في اليمن، وعُلُوِّ منازلهم، وطول باعهم، ورسوخ أقدامهم في ميادين الاجتهاد وهذا نصُّها:

"ولا ريب أن علماء الطوائف لا يُكثرُون العناية بأهل هذه الديار (اليمن) لاعتقادهم في الزيدية ما لا مقتضى له إلا مجرد التقليد لمن لم يطَّلِع على الأحوال، فإن في ديار الزيدية من أئمة الكتاب والسنة عدداً

ص: 9

يُجاوِز الوصف، يتقيِّدونَ بالعمل بنصوص الأدلة، ويعتمدون على ما صحَّ في الأمهات الحديثية، وما يلتحق بها مِن دواوين الإسلام المشتملة على سنة سيد الأنام، ولا يرفعون إلى التقليد رأساً، لا يشوبون دينَهم بشيء من البدع التي لا يخلو أهلُ مذهب من المذاهب من شيء منها. بل هُم على نمط السلف الصالح في العمل بما يدل عليه كتابُ الله، وما صحَّ من سنة رسول الله مع كثرة اشتغالهم بالعلوم التي هي آلات علم الكتاب والسنة من نحوٍ وصرفٍ وبيانٍ وأصولٍ ولغةٍ، وعدم إخلالهم بما عدا ذلك من العلوم العقلية. ولو لم يكن لهم مِن المزية إلا التقيدُ بنصوصِ الكتاب والسنة، وطرح التقليد، فإن هذه خصيصة خصَّ اللهُ بها أهل هذه الديار في هذه الأزمنة الأخيرة، ولا تُوجد في غيرهم إلا نادراً" (1).

أما سببُ تفرد اليمن بظهور علماء مجتهدين ملتزمين بالعملِ بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم غير ميِّالين إلى أيِّ مذهب من المذاهب الإسلامية المعروفة، فيرجِعُ إلى أن المذهب الزيدي في أصل عقيدته يدعو إلى الاجتهاد، فلم يَحجُرْ على أتباعه حريةَ التفكير، ولا قيَّدهم بالتزام نصوصه وآرائه، ولكنه أطلق لهم العِنَانَ، وترك لهم الخِيار بعد أن جعل بات الاجتهاد مفتوحاً لمن حذق علومه واستوفى شروطه؛ فكان هذا حافزاً لمن وهبه اللهُ ذكاءً وفِطنة، ورزقه فهماً وبصيرة أن يعملَ بما أوصله إليه اجتهادُه من أدلة الكتاب والسنة، فكان الإمام محمد بن إبراهيم الوزير أبرزَ منْ بلغ أقصى درجاتِ الاجتهاد المطلق، وكذلك الحسن بن أحمد الجلال (1014 - 1084) وصالح بن مهدي المَقْبلي (1038 - 1108) ومحمد بن إسماعيل الأمير (1099 - 1182) ومحمد

(1) البدر الطالع 2/ 83.

ص: 10

ابن علي الشوكاني (1173 - 1250)، رحمهم الله جميعاً على تفاوتٍ فيما بينهم.

ولم أخص هؤلاء بالذكر إلا لأنهم نَعَوْا على العلماء المقلدين جمودَهم، وحثُّوا المسلمين على العمل بالكتاب والسنة، فهذا شيخ الإسلام الشوكاني يستطردُ في ترجمته للإمام الوزير استنكاره على العلماء المقلدين، فيقول: " وإني لأكثر التعجب من جماعة من أكابر العلماء المتأخرين الموجودين في القرن الرابع وما بَعده، كيف يقفونَ على تقليد عالم من العلماء، ويُقدمونه على كتاب الله وسنة رسوله مع كونهم قد عرفوا من علم اللسان ما يكفي فيم فهم الكتاب والسنة بعضه؟ فإن الرجل إذا عرف من لغة العرب ما يكون به فاهماً لما يسمعه منها، صار كأحد الصحابة الذين كانوا في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم، ومن صار كذلك، وجب علبه التمسكُ بما جاء به رسولُ الله ععلى الله عليه وآله وسلم، وترك التعويل على محض الآراء. فكيف بمنْ وقف على دقائق اللغة وجلائلها إفراداً وتركيباً وإعراباً وبناء؟، وصار في الدقائق النحوية والصرفية والأسرار البيانية، والحقائق الأصولية بمقام لا يخفى عليه مِن لسان العرب خافية، ولا يَشذُّ عنه منها شاذة ولا فاذة، وصار عارفاً بما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير كتاب الله، وما صحَّ عن علماء الصحابة والتابعين، ومنْ بعدهم إلى زمنه، وأتعب نفسه في سماع دواوين السنة التي صنفتها أئمة هذا الشأن في قديم الأزمان وفيما بعده فمن كان بهذه المثابة فكيف يسوغ له أن يعدل عن آية صريحةٍ، أو حديث صحيحٍ إلى رأي رآه أحدُ المجتهدين؟ حتى كأنه أحدُ الأغتام الذين لا يعرفون من رسوم الشريعة رسماً. فيالله العجب، إذا كانت نهايةُ العالم كبدايته؛ وآخر أمره كأوله، فقل لي: أيُّ فائدةٍ لتضييع الأوقات في المعارف العلمية؟ فإن قول

ص: 11

إمامه الذي يُقلِّده هو ما كان يفهمه قبل أن يشتغل بشيء من العلوم سواه كما نُشاهده في المقتصرين على علم الفقه، فإنهم يفهمونه، بل يصيرون فيه من التحقيق إلى غاية لا يخفى عليه منه شيء، ويدرسون فيه، ويُفتون به وهم لا يعرفون سواه، بل لا يُميزون بينَ الفاعل والمفعول (1).

ثم خَلَصَ شيخ الإسلام إلى هذه النصيحة: " والذي أدينُ الله به أنه لا رُخصةَ لمن علِمَ من لغة العرب ما يفهم به كتاب الله بعد أن يُقيم لسانه بشيء من علم النحو والصرف وشطرٍ من مهمات كليات أصول الفقه في ترك العمل بما يفهمه من آيات الكتاب العزيز، ثم إذا انضم إلى ذلك الاطلاعُ على كتب السنة المطهرة التي جمعها الأئمة المعتبرون، وعملَ بها المتقدمون والمتأخرون، كالصحيحين وما يلتحقُ بهما مما التزم فيه مصنفوه الصحة، أو جمعوا فيه بينَ الصحيح وغيره مع البيانِ لما هو صحيح، ولما هو حسن، ولما هو ضعيف، وجب العملُ بما كان كذلك من السنة، ولا يَحِل التمسكُ بما يُخالفه من الرأي، سواء كان قائله واحداً أو جماعة أو الجمهور، فلم يأت في هذه الشريعة الغراء ما يدل على وجوب التمسك بالآراء المتجردة عن معارضة الكتاب والسنة فكيف بما كان منها كذلك، بل الذي جاءنا في كتاب الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا". إلى آخر ما أورده في الحث على العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وحدهما (2) ".

مولد الإمام الوزير:

وُلِدَ على المشهور الصحيح في رجب سنة 775 بهجرة الظَهْرَاوين

(1) المصدر نفسه 2/ 84.

(2)

المصدر نفسه 2/ 85.

ص: 12

من شَظب (1) بيد أن المؤرخ عبد الوهاب بن عبد الرحمن البُرَيهي ذكر في تاريخه -وهو يترجم له- ما لفظه: " قلت: قرأتُ تاريخ مولده منقولاً من خطه، قال: مولدي سنة ست وسبعين وسبعمائة " وبمثل هذا روى الإمام شرف الدين في شرح مقدمة كتابه "الأثمار في فقه الأئمة الأطهار" حينما تعرض لذكر محمد بن إبراهيم الوزير استطراداً (2) فقال: " ورأيتُ لابن أخيه وأنا أدركتُ آخر مدته في أول وقت طلبي، رأيت له ترجمة لهذا بخطِّه؛ قال فيها: ولِدَ رحمه الله في شهر رجب الفرد -كما وجدته بخطه- في سنة ست وسبعين وسبعمائة بهجرة الظهْرَاويْن بشَظَب، وهو جبل عالٍ باليمن ".

قلت: وإذا كانت هذه الترجمة التي اعتمد عليها الإمامُ شرف الدين هي التي بين أيدينا اليوم، فهي ليست لابن أخيه؛ وإنما هي لابن ابن أخيه محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير وقد ورد فيها ما لفظه:" مولده رضي الله عنه ورحمه- في شهر رجب الأصب مِن سنة خمس وسبعين وسبعمائة بهجرة الظَهْرَاوين من شَظَب، وهو جبل عالٍ باليمن، هكذا نقلتُه من خطه رضي الله عنه، وحفظتُه من غيره من الأهل ".

(1) شظب: جبل من بلد بني حجاج من ناحية السُودَة شمال غرب صنعاء على مسافة (100) كيلو متر تقديراً وقد خربت هجرة الظهراوين ولم يبق إلا اطلالُها، وانظر في ذلك كتابنا "هجر العلم ومعاقله في اليمن".

(2)

ذكره الإمام شرف الدين بعد أن ذكر أبا محمد الحسن بن أحمد الهَمْداني صاحب "الإكليل" ونشوان بن سعيد الحميرى صاحب "شمس العلوم" وشنع عليهم فقدح فيهم للتحذير من الانخداع بكلامهم، وعدم الالتفات إلى ما يدعون إليه، ونسب إلى الإمام محمد بن إبراهيم الوزير أشياء لم يذكرها سواه من علماء اليمن حتى خصومه الذين اختلفوا معه، وانتقدوه، واعترضوا عليه. والسبب في ذلك أنه كان -كأخيه العلامة الهادي بن ابراهيم- مؤيداً للإمام المنصور علي ابن الإمام صلاح الدين الذي تغلب على الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى جد الإمام شرف الدين، وألف فيه كتاباً أسماه " الحسام المشهور في الذب عن سيرة الإمام المنصور ".

ص: 13

أما ما ذكره السخاوي في " الضوء اللامع " بأنه وُلدَ تقريباً سنة 765 فلا صحةَ لذلك، وقد فَنَّد هذا الوهم شيخ الإسلام الإمام الشوكاني في " البدر الطالع " في ترجمته حيث قال:" وهذا التقريب بعيد والصواب الأول "(أي سنة 775).

نشأته ودراسته وشيوخه:

نشأ في هجرة الظهراوين بين أهله الذين آثروا طلبَ العلم على ما سواه، وانقطعوا له، واشتغلوا به درساً وتدريساً وتأليفاً، فأخذ يسيرُ على منهجهم، ويقتفي أثرَ من سبقه منهم، متبعاً خطاهم، وملتزماً بمسلكهم، فحفظ القرآن الكريم وجوده واستظهره، وحقظ متون كتب الطلب من نحوٍ وصرفٍ ومعانٍ وبيان وفقه وأصول، ثم أخذ في قراءة شروَحها المختصرة، ورحل إلى صعدة.

فأخذ عن أخيه الأكبر العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير في جميع الفنون تحقيقاً، واستفاد منه كثيراً حتى في علم الأدب.

وأخذ عن القاضي العلامة محمد بن حمزة بن مظفر، وكان المشارَ إليه في علوم العربية واللغة والتفسير.

وقرأ علم الأصول على القاضي العلامة عبد الله بن حسن الدَّوَّاري.

ثم رحل إلى صنعاء، فأخذ عن القاضي علي بن أبي الخير " شرح الأصول " وهو معتمد الزيدية في اليمن، " والخلاصة " للرصاص، "والغياصة الجامعة لمعاني الخلاصة" للقاضي محمد بن يحيى بن حنش، وتذكرة الشيخ ابن متَّويه، وسمع عليه " مختصر المنتهى " في علم الأصول لابن الحاجب، كما قرأ هذا المختصر على السيد جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم، ولما سمِعَه عليه، بهَرَهُ ما رأى من صفاء ذهنه، وحُسن نظره وألمعيته وبلاغته وفطنته وبراعته، وكان يُطنِبُ في الثناء عليه، ويرشد طلبة العلم إليه.

ص: 14

وأخذ أيضاً عن شيوخ آخرين.

أما ما قرأه لنفسه من سائر العلوم، فشيء كثير لا يأتي عليه الحصرُ.

وكان عمدة قراءته التي أفنى فيها عنفوان شبابه -كما ذكر أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه الفضائل- علم أصول الفقه وعلم أصول الدين (علم لطيف الكلام) فقد جود فيهما غايةَ التجويد؛ وفحص وحقق وبحث، وبلغ الغاية القصوى، واطَّلع من أقوال أهل الفنين على ما لا يكادُ يعرفه إلا مثلُه، كما يُحدثنا هو نفسه في كتابه " العواصم والقواصم " الذي نقدم له بقوله: " وقد وهبتُ أيام شبابي وزمانَ اكتسابي لكدوره علم الكلام والجدال والنظر في مقالات أهل الضلال حتى عرفتُ قولَ من قال:

لقد طُفتُ في تلك المعاهد كلها

وسيَّرتُ طرفي بَيْن تلك المعالِمِ

وسبب إيثاري لذلك، وسلوكي تلك المسالك أن أول ما قرع سمعي، ورسخ في طبعي وجوب النظر والقول بأن من قلد في الاعتقاد كفر، فاستغرقتُ في ذلك حدة نظري وباكورة عمري. وما زلت أرى كل فرقة من المتكلمين تداوي أقوالاً مريضة؛ وتقوي أجنحة مهيضة، فلم أحصلْ على طائل، وتمثلت فيهم بقول القائل:

كل يداوي سقيماً من معايبه

فمن لنا بصحيحٍ ما به سقم

تحوُّله إلى علوم الكتاب والسنة:

فرجعت إلى كتاب الله وسنة رسوله، وقلت:" لا بد أن تكون فيهما براهين وردود على مخالفي الإسلام، وتعليم وإرشاد لمن اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام، فتدبرت ذلك، وانشرح صدري، وصلح أمري وزال ما كنتُ به مبتلى ".

ص: 15

ثم يقول: " هذا وإني لما رَتَبْتُ رُتوب (1) الكعب في مجالسة العلماء السادة، وثبت ثبوتَ القُطب في مجالس العلم والإفادة، ولم أزل منذ عرفت شمالي من يميني مشمراً في طلب معرفة ديني أتنقل في رتبة الشيوخ من قُدوة إلى قُدوة وأتوقَّل (2) في مدارس العلوم من ربوة إلى ربوة ولم يزل يَرَاعي للطائف الفوائد نواطف (3) وبناني للطف المعارف قواطف لم يكن حتماً أن يرجعَ طرف نظري عن المعارف خاسئاً حسيراً، ولم يجب قطعاً أن يعودَ جناحُ طلبي للفوائد مهيضاً كسيراً، ولم يكن بِدْعاً أن تنسمتُ من أعطارها روائح، وتبصرتُ من أنوارها لوائح أشربت قلبي محبةَ الحديث النبوي، والعلم المصطفوي، فكنتُ ممن يرى الحظ الأسنى في خدمة علومه، وتمهيدِ ما تعفى من رسومه، ورأيتُ أولى ما اشتغلتُ به ما تعيَّن فرض كفايته بعدَ الارتفاع، وتضيّق وقت القيام به بعدَ الاتساعِ من الذب عنه، والمحاماة عليه، والحثَّ على اتباعه، والدعاء إليه، فإنه علْمُ الصدر الأول، والذي عليه بعدَ القرآن المُعوِّلُ، وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس، وهو المفسر للقرآن بشهادة {لتبين للناس} وهو الذي قال الله فيه تصريحاً {إنْ هُو إلا وَحْي يوحى} وهو الذي وصفه الصادق الأمين بمماثلة القرآن المبين، حيث قال في التوبيخ لكل مترف إمَّعة " إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثلَه مَعه " (4).

لذلك فقد رسخ هذا الإمامُ في علوم القرآن والسنة حتى فاق أقرانه، وزاحم شيوخَه وتخطاهم، وبلغ مِن علوم الاجتهادِ ما لم يبلُغْه أحدٌ منهم.

(1) في القاموس رتب رتوباً ثبت ولم يتحرك.

(2)

في القاموس: وقل في الجبل: صعد.

(3)

أي أن أقلامة لم تزل سائلة بلطائف الفوائد.

(4)

الروض الباسم 5.

ص: 16

اجتهاده:

كان رحمه الله من أبرز علماء اليمن المجتهدين على الإطلاق، وقد وصف العلامة أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه "الفضائل" مكانة اجتهاده وعلو منزلته بقوله: " وله في علوم الاجتهاد المَحلُّ الأعلى، والقدح المُعَلى، وبلغ مبلغ الأوائل، بل زاد، واستدرك، واختار وصنف، وألف وأفادَ وجمع وقيد، وبنا وشيد، وكان اجتهادُه اجتهاداً كاملاً مطلقاً، لا كاجتهاد بعض المتأخرين، فإن ذلك إنما يُسمَّى ترجيحاً لأدلة بعض الأئمة المستنبطين على بعض، لا ابتداء اجتهاد واستخراج للحكم عما عُرفَ من غير معترف انتهاض ذلك الدليل عليه بعدَ معرفته للحكم نفسه وللدليل، ولكيفية الدلالة، وانتفاء المعارض، وشروط الاستدلال في العقليات والسمعيات، والتبحر في علم الرواية، ومعرفة الرجال وأحوالهم في النقد (1) والاعتدال والوفيات والأنساب والشيوخ، والتعمق في علم الأصولين والعربية، والتوغل في معرفة الكتاب العزيز، والاطلاع السديد على تفسيره، وكلام المفسرين. ولم يكن بهذه الصفة بغير شك ولا مِرية غيرُ هذا السيد الإمام الأكبر النقيد في هذا الشأن الذي شَهِدَ له بذلك جميعُ أهل الزمان من الأقارب والأباعد، والمخالف له في الاعتقاد والمساعد، ولقد كان آية في زمانه لم يأت الزمانُ بمثلها.

وأما تلك المقاماتُ العالية، والاستخراجاتُ الأصلية من الأدلة الكلية مثل ما صنعه في استخراجاته واختياراته في مسائل الاجتهاد، فهم عن ذلك بمراحل؛ وكيف يكون ذلك؟ وهم يغلطونَ في أسماء الرجال المشهورين، وتلتبِسُ عليهم أزمانُهم، ويُصحِّفُون من أسماء كبارهم، ومن

(1) في الأصل التقيد.

ص: 17

جَهلَ الاسم كيف يعرف الحال؟ وكثيراً ما يضبِطون ألفاظاً في متون الحديث (1) مصحفة تصحيفاً يُفسد المعنى، ولا يُعرف منه المراد، ولا يَصِح معه ظن، ولا يصدق عنده اعتقاد. وهو الخبيرُ الخِرِّيتُ الماهِر من (2) ذلك المقصد، وبما تدورُ عليه من معرفة التخصيص والنسخ أعرفُ وأقعد، والترجيح عند التعارض وغير ذلك من الأحكام المترتبة على ذلك وله القوة والمَلَكَةُ في تقوية بعض الأدلة بالطريق التي يقويها على اختلاف أنواع ذلك بوجه صريحٍ، وتصرفٍ صحيح، ولفظ فصيح، وحجة لازمة وأدلة جازمة عقلية ونقلية، وفي تضعيف بعض الأدلة مثل ذلك لا يتبع في ذلك إلا محض الدليل، ولا يكتفي فيه بمجرد أنه قيل كما عليه أكثر الناس تساهلاً وعدم تمكن واقتدار.

وأمره في التفسير لكلام رب العزة كذلك في معرفته نفسه، ثم معرفته قراءته، ومعرفة المفسرين والنقلة عنهم، ومعرفة أحوال الجميع، ومعرفة أسباب النزول وزمانه ومكانه، ومعرفة الألفاظ، وكثيراً مما يتعلق بالتفسير وآيات الأحكام، وتنبني عليه قواعد شرع الإسلام مما يطولُ ذكرُه.

ثم قال: "وإنما الغرض التعريفُ أن حال هذا الرجل رحمه الله ليس كحالِ غيره، وأن اجتهادَه كاجتهاد أئمة المذاهب، لا كالمخرجين (3) ومجتهدي المذاهب، ولا كالمرجحين الذين لا يُرجِّحون بغير المعقول، ويشق عليهم معرفة الآثار النقلية، والاطلاعُ على الإسنادات، ومعرفة الرجال، وَيعْسرُ عليهم الأخذُ من لطائف أدلةِ الكتاب والسنة ومعرفتها ومعرفة أنواع الحديث ومراتبه وأقسامه من الصحة والحسن ونحوها التي

(1) في نسخة الأحاديث.

(2)

في نسخة في.

(3)

كأبي طالب والمؤيد بالله الهارونيين.

ص: 18

عليها مدارُ الاجتهاد والترجيح والانتقاد، وليس لِغيره مثلُ هذه الأهلية، ولا أعطاهم الله -سبحانه- مثل هذه العطية" (1).

وما أصدق ما قاله شيخ الإسلام الشوكاني رحمه الله فيه حيث يقول: " والذي يَغْلِبُ على الظن أن شيوخه لو جُمِعُوا في ذاتٍ واحدة، لم يَبْلُغْ علمُهم إلى مقدار علمه، وناهيك بهذا، ثم يقول: بعدَ كلام طويل: " ولو قلتُ: إن اليمنَ لم تُنْجِبْ مثلَه لم أُبعِدْ عن الصواب " (2).

ولما بلغ من العلم هذه الدرجة العليا، وبخاصة في علوم القرآنِ والسنة التي بَرزَ فيها، وأقبل على العمل بكتاب الله، وما صَح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم داعياً إلى الاجتهاد، ومندِّداً بعلماء عصره الذين التزموا بالتقليد، لم يرُق لهم خروجُه على ما أَلفوهُ من التقليد ودعوته لهم إلى نبذه، والرجوع إلى العمل بكتاب الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، فناصبوه العداء، وشنعوا عليه، وشكَّكوا في دعوته، وصدُّوا الناسَ عن سلوكِ هذا المنهج القويم، والذي تَصَدَّرَ هذه المعارضة هو شيخُه العلامة جمالُ الدين علي (3) بن محمد بن أبي القاسم، فقد جرت بينَه وبينَ تلميذه منازعة في مسائل كما ذكر صاحب " الفضائل " وقال:" وكان مِن شيخه طَرَفٌ من الحَيف في السؤالات، وتحويلٌ لما يرويه الإمام محمد بن إبراهيم على صفة أنه يأخذ من كلامه مفهوماً لم يقصده، أو قد صرَّح بنفيه والإجماعُ منعقد على عدم اعتبار مفهومٍ وقع التصريحُ بخلافه، وما كان ذلك إلا لمكان دعوى الاجتهاد ".

(1) الفضائل.

(2)

البدر الطالع 2/ 92.

(3)

هو مؤلف تجريد الكشاف، ويقال: إن له تفسيراً حافلاً في ثمان مجلدات. مولده سنة 769 ووفاته سنة 837.

ص: 19

ثم قال: "وترسَّل السيدُ جمال برسالةٍ حكى فيها كلام الإمام محمد بن إبراهيم، وأجابه على حسب ما حكاه وطلح في موضع التطليح، وساقه مساقَ العلماء، وعلى منهاح الاستدلال والجدل الكامل في أحسن مساق وأوفى عبارة".

وقال محمد (1) بن عبد الله بن الهادي في ترجمته للإمام محمد بن إبراهيم: " وقد نسب -أي جمالُ الدين علي بن محمد بن القاسم في رسالته إلى محمد بن إبراهيم- القول بالرؤية، وبقدَمِ القرآن، ولمخالفته أهل البيت، وقد بناها على مجرَّد التوهمات الواهية والتخيلات الباردة ". وقال شيخ الإسلام الشوكاني في " البدر الطالع " في ترجمة علي بن محمد بن أبي القاسم المذكور: " ولكنه لما اجتهد السيد محمد بن إبراهيم، ورفض التقليد، وتبحر في المعارف، قام عليه صاحبُ الترجمة في جملة القائمين عليه، وترسل عليه برسالة تَدُلُّ على عدم إنصافه، ومزيد تعصبه سامحه الله ".

مع أن جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم كان من المعجبين بتلميذه الإمام محمد بن إبراهيم، وكان يحُثُّ طلبة العلم على الأخذ عنه، وُيثني على علمه ونبوغه كما وصف ذلك أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه " الفضائل " بقوله: ولقد حكى لنا السيدُ الإمام علي بن أبي القاسم -وكان من أجل مشايخه سئل عنه- وكان في نفسه عليه ما يقع في نفوس العلماء فقال: "هو أذكى الناس قلباً، وأزكاهم لُباً كأنَّ فؤاده جذوةُ نار تتوقد ذكاءاً، وغيرُه أكبرُ منه سناً ومثله وأصغر من علماء زمانه المصنفين لم يبلغوا هذا المحل، إنما غايةُ اجتهادهم أن يقولوا: هذا أولى، لأنه حاظر، والحظر أقدم من

(1) هو محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير كان عالماً مبرزاً في علوم العربية، وله معرفة قوية بالأنساب وله خط جميل.

مولده بصعدة في شعبان سنة 810 ووفاته في حدة سنة 897.

ص: 20

الإباحة، أو عام ومعارِضُه خاص، أو مطلق ومعارضه مُقَيَّد ونحو ذلك" (1).

ورغم هذا الثناء والتقدير من شيخه، فإنه قد تحوَّل من مادح إلى قادح، ومن صديق إلى كاشح، ومن مُعجبٍ به وبعلمه ونبوغه إلى مسفِّهٍ له، ومنفرٍ للناس عنه مما آلم الإمام الوزير وأحزنه، فقال معاتباً شيخه:

عَرَفْتَ قدْرِي ثُم أنكَرتَهُ

فما عدا بالله مما بدا؟

في كل يوم لك بي موقف

أَسرَفْتَ بالقَوْل بسُوء البَدَا

أمْسِ الثنَا واليومَ سوءُ الأذى!

يا لَيْتَ شِعري كيف تضحي غدَا؟

يَا شيْبة العتْرةِ في وَقْتهِ

ومَنْصِبَ التعْلِيمِ والاقْتدَا

قَد خلَعَ العِلْمُ رداء الهُدَى

علَيْكَ، والشيْبُ رِداءَ الرَّدَى

فَصُنْ رِدَائَيكَ وطَهرْهُما

عَنَ دنسِ الإسْراف والإعتدَا

وقد ردَّ الإمام محمد بن إبراهيم الوزير على رسالة شيخه بكتابه " العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم " الذي يُعد ذخيرةً نفيسةً في عالم المؤلفات الإسلامية لم يَسْبِقْ لأحد في المتقدمين، ولا في المتأخرين أن ألف في موضوعه مثله.

وقد وصف ما حدث له مِن علماء زمانه المتمسكين بالمذهب، والمجاهرين بمعاداته لتمسكه بالسنة النبوية بقوله " وإني لما تمسكتُ بعروة السنن الوثيقة، وسلكتُ سنَن الطريقة العتيقة، تناولتني الألسنةُ البذيئة من أعداء السنة النبوية، ونسبوني إلى دعوى في العلم كبيرة، وأمورٍ غير ذلك كثيرة حرصاً على ألا يُتَبَّع (2) ما دعوتُ إليه من العمل بسنة سيد المرسلين،

(1) الفضائل.

(2)

وهذا هو ما جرى للإمام المقبلي، فقد حُورب حتى اضطر إلى بيع بيته وماله، وهاجر بأهله إلى مكة المكرمة. وجرت وقائع مماثلة للبدر محمد بن إسماعيل الأمير، ولشيخ الإسلام الشوكاني، وقد ذكر ما حدث له في كتابه " أدب الطلب ".

ص: 21

والخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين، فصبرت على الأذى، وعلمتُ أن الناس ما زالوا هكذا:

ما سَلِمَ اللهُ من بريَّته

ولا نبيُّ الهُدى فَكيف أنا! (1)

وقد اعترض عليه شيخُه المذكور برسالة وصفها الإمام ابنُ الوزير بقوله: " إلاّ أنه لما كثر الكلامُ وطال، واتسع مجال القيل والقال جاءتني رسالة محبَّرة، واعتراضات محررة، مشتملة على الزواجر والعظات، والتنبيه بالكلم المُوقِظَات، زعم صاحبها أنه من الناصحين المحبين، وأنه أدَّى بها ما عليه لي من حق الأقربين، وأَهلاً بمن أبدى النصيحة، فقد جاء الترغيب إلى ذلك في الأحاديث الصحيحة، وليس بضائرٍ إن شاء الله ما يَعْرِضُ في ذلك من الجدال مهما وُزِنَ بميزان الاعتدال، لأنه حينئذ يدخل في السنن، ويتناوله أمر {وَجَادِلهُم بالتِي هِيَ أحْسَنُ} (2) وقد أجاد من قال، وأحسن:

وجدالُ أَهلِ العِلْمِ لَيْس بِضائِرٍ

مَا بَيْنَ غَالبِهِم إلى المَغْلُوبِ

وعقب الإمام ابن الوزير على ما ورد في هذه الرسالة بقوله: بيد أنها لم تَضعْ تاجَ المرح والاختيال، وتستعملْ ميزان العدل في الاستدلال، بل خُلِطَت مِن سِيما المختالين بشوب، ومالت من التعنت في الحجاج إلى صوب، فجاءتني تمشي الخطَرَا، وتميس في محافِل الخطَرا، مفضوضةً لم تُختم، مشهورةً لم تكتم، متبرجةً قد كشفت حجابَها، وطرحت نِقابها، وطافت على الأكابر، وطاشت إلى الأصاغر حتى مضت أيدي الابتذال

(1) قبله:

ولَيس يَخْلُو الزمانُ مِنْ شُغلٍ

فيه ولا مِنْ خيانةٍ وَخنَا

(2)

النحل 125.

ص: 22

نضارتَها، وافتضت أفكارُ الرجال بكارتها، وخيرُ النصائح الخفي وخيرُ النُّصاح الحفى، وخيرُ الكتاب المختوم، وخير العتاب المكتوم.

ثم إني تأملت فصولها، وتدبرت أصولها، فوجدتها مشتملة على القدحِ تارةً فيما نُقِلَ عني من الكلام، وتارةً في كثير من قواعد العلماء الأعلام، وتارة في سنة رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام فرأيتُ ما يَخُصُّنِي غير جديرٍ بصرف العناية إليه، ولا كثير يستحق الإقبال بالجواب عليه.

وأما ما يختصُّ بالسنن النبوية، والقواعِد الإسلامية مثلَ قدحه في صحة الرجوع إلى الآيات القرآنية، والأخبار النبوية، والآثار الصحابية، ونحو ذلك من القواعد الأصولية، فإني رأيتُ القدحَ فيها ليس أمراً هيّناً، والذب عنها لازماً متعيناً، فتعرضتُ لجواب ما اشتملت عليه من نقض تلك القواعد الكبار التي قال بها الجِلَّةُ من العلماء الأخيار (1).

وقد قصدتُ وجه اللهِ تعالى في الذب عن السنن النبوية، والقواعد الدينية، وليس يضرني وقوفُ أهل المعرفة على ما لي من التقصير، ومعرفتهم أن باعي في هذا الميدان قصير، لاعترافي بأني لست من نُقَّاد هذا الشأن، ولا مِن فرسان هذا الميدان، لكني لم أجد من الأصحاب من تصدَّى لجواب هذه الرسالة لما يجُرُّ إليه ذلك من سوء القالة، فتصديتُ لذلك من غير إحسان ولا إعجاب، وَمَنْ عَدِمَ الماءَ تيممَ بالتراب، عالماً بأني لو كنت باريَ قوسها ونبالِها، وعنترةَ فوارسها ونزالها، فلن يخلو كلامي من الخطأ عند الانتقاد، ولا يصفو جوابي من الكدر عند النقاد. فالكلامُ الذي لا يأتيه

(1) الروض الباسم 1/ 9 و10.

ص: 23

الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو كلامُ الله الحكيم، وكلامُ من شهد بعصمتِهِ القرآن الكريم؛ وكُلُّ كلام بعدَ ذلك، فله خطأ وصواب، وقِشر ولُباب. ولو أن العلماء رضي الله عنهم تركوا الذبَّ عن الحق خوفاً من كلام الخلق، لكانوا قد أضاعوا كثيراً، وخافوا حقيراً، وأكثر ما يخافُ الخائفُ في ذلك أن يَكِلَّ حسامُهُ في معْتَرَكِ المناظرة، وينبو ويعثر جوادُهُ في مجال المحاجة ويكبو، فالأمر في ذلك قريب إن أخطأ فمن الذي عُصِمَ؟ وإن خُطِّىء فمن الذي ما وُصِمَ؟ والقاصد لوجه الله تعالى لا يخافُ أن يُنقد عليه خللٌ في كلامه، ولا يهابُ أن يُدل على بطلان قوله، بل يُحِبُّ الحقَّ من حيث أتاه، ويقبل الهُدى ممن أهداه، بل المخاشنةُ بالحق والنصيحة أحبُّ إليه من المداهنة على الأقوال القبيحة، وصديقك مَنْ صَدَقَكَ لا من صدَّقك. وفي نوابغ الحكمة: عليك بمن ينذر الإبسال والإبلاس، واياك ومن يقولُ: لا بَاسَ وَلا تَاس.

ثم إن الجواب لما تم -بحمد الله تعالى- اشتمل على علوم كثيرة، وفوائد غزيرة أثرية ونظرية، ودقيقة وجلية، وجدلية وأدبية، وكلُّها رياض للعارفين نضِرة، وفراديسُ عند المحققين مُزْهِرَة، لكني وضعته وأنا قوي النشاط، متوفر الداعية، ثائر الغَيرة، فاستكثرتُ من الاحتجاج رغبةً في

قطع اللجاج، فربما كانت المسألة في كتب العلماء رضي الله عنهم مذكورة غيرَ محتج عليها بأكثر من حجة واحدة، فأحتج عليها بعشر حُجج؛ وتارة بعشرينَ حُجة، وتارة بثلاثين حُجة، وكذلك قد يتعنَّت صاحبُ الرسالة، ويُظهِرُ العُجْبَ مما قاله فأحبُّ أن يظهر به ضعفُ اختياره، وعظيم اغتراره، فاستكثر من إيراد الإشكالات عليه حتى يتضِحَ له خروج الحق من يديه، فربما أوردتُ عليه في بعض المسائل أكثر من

ص: 24

مئتي إشكال على مقدار نصف ورقة" (1).

وهذا هو ما أشار إليه شيخ الإسلام الشوكاني في معْرِضِ كلامه عن " العواصم والقواصم " في أثناء ترجمته لمؤلفه، فإنه قال:" ومن أراد أن يعرف حالَه -أي حال الإمام محمد بن إبراهيم الوزير- ومقدار علمه، فعليه بمطالعة مصنفاته، فإنها شاهدُ عدلٍ على علو طبقته، فإنه يسرد في المسألة الواحدة من الوجوه ما يبْهَرُ لُبَّ مطالعه، ويعرف بقصر باعه بالنسبة إلى علم هذا الإمام كما يفعله في " العواصم والقواصم " فإنه يورد كلامَ شيخه السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم في رسالته التي اعترض بها عليه، ثم ينسفه نسفاً بإيراد ما يُزَيِّفُهُ من الحجج الكثيرة التي لا يجد العالم الكبير في قوته استخراج البعض منها"(2).

رحلته إلى تعز

رحل الإمام ابن الوزير إلى تعز إلى الإمام نفيس الدين سليمان بن إبراهيم العلوي الحنفي، وبعث أخوه العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير رسالة منه إلى الإمام نفيس الدين يصف علم أخيه جاء فيها ما يلي:

" وأما محمد أخي، فإنه لما أخذ من علم الحديث، جذب إليه القلوب ورقَّقها، ودعا إلى طائفةٍ من العلماء (3)

وشوّقها، وهو بحمد الله ممن جَوَّد في علم الكلام وصنف، وبرَّز فيه وشنَّف، وجالس في نقله الأفاضل، ومارس في العلم فأفحم كل مناضل إلاّ أنه نزل إليكم، ففاضت

(1) الروض الباسم 1/ 11 و12.

(2)

البدر الطالع 2/ 90.

(3)

لم تظهر الكلمة في الأصل.

ص: 25

بركاتُكُم على أحواله وأقواله، وصار في هذا الفن لا يُجارى، وكأنَّه لقنه هذا العلمَ شيخُ بخارى (1) مع إجادته في الفنين العظيمين: علمِ الكلام وعلمِ الأصول: فاعترضه بعضُ الأصحابِ الأكابر، وهي من ذوي الدفاتر والمحابر، فصنف كتابه الكبير في الرد على المعترض. ولما صنفه تراشقته الألسنُ، وتغامزت به الأعين، وتوغَّرت عليه الصدور، وقال الناسُ فيه مقالاً، وأغضب فيه رجال رجالاً، فتصفحتُ كتابَه الكبير، فلم أره أتى بما فيه ضراً (2)

الله هجراً، ولكنه سلك عندهم طريقاً وعراً، وأظهر مِن خلافهم أمراً إمرا، وجاء فيه مما لا يعتاد في جهتهم من الذبِّ عن علم الحديث وحملته ومن سلك مسلكه كان بين الناس غريباً، ووجب أن يتخذ من الصبر مجناً صليباً ". انتهى.

وقد أخذ الإمام الوزير عن الإمام نفيس الدين العلوي وأجازه بما لفظه:

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله حمداً يُوافي نعمه، ويُكافىء مزيده، لا نحصي ثناء عليه، والصلاة والسلامُ على رسوله سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وأصهاره وأنصاره كلما ذكرهم الذاكرون، وَغَفَلَ عن ذكرهم الغافلون.

وبعد، فإنه شرفني الله تعالى، ورحل إلي، وقدِمَ على إلى بلدي مدينة تعز المحروس مستقر المملكة اليمنية الرسولية عَمَرَهَا الله بالعلم الشريف سَيِّدُنَا الإمام حقاً، والمجتهدُ صدقاً، الفائقُ على أقرانه من

(1) الإمام محمد بن إسماعيل البخارى رحمه الله.

(2)

أكلت الأرَضة مكان الفراغ.

ص: 26

الأغصان النبوية، والأفنان المصطفوية، المؤيَّد بالتأييد الإلهي، المختارُ لله تعالى، والموفِّق في اجتهاده، جمال العترة النبوية محمدُ بنُ إبراهيم بن علي ابن المرتضى بن المفضل بن منصور بن محمد العفيف، بن المفضل الحسني السني بحمد الله تعالى وسمع من لفظي، وقرأ علي ثُلُثَ كتاب "الجمع بين الصحيحين" صحيحي البخاري ومسلم رحمة الله عليهما جَمْع الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن حُميد الأزدي الحُميدي الأندلسي الظاهري المذهب من كبار تلامذة ابن حزم، مولده في سنة عشرين وأربعمائة. أجمع العلماء أنه لم يكن في العلماء له نظير في براهينه وعفته وورعه. وتوفي سابع عشر من ذي الحجة سنة 488. وأجزته باقي الكتاب لأهليته لذلك ودينه وأمانته وعلمه وبراعته، وسمع معه ما ذكرتُهُ الفقيهُ الصالحُ النبيه صالحُ بن قاسم بن سليمان بن محمد الحنبلي ثم المَعمري القادم معه، وآخرون من بلادنا.

وأخبرتُهُم أني قرأته على شيخي الإمام الحافظ المحقق المجتهد المقدم على مقرئي كتاب الله تعالى أبي الحسن موفق بن علي بن أبي بكر ابن محمد بن شداد المقري الهَمْدَاني، ومولده سنة 694، ووفاته في شهر شوال سنة 771، قال: أنا الشيخُ الإمامُ الحافظ المجتهد أبو العباس شهابُ الدين أحمد بن أبي الخير بن منصور بن أبي الخير الشماخي السعدي، ومولده في سنة 657، ووفاته سنة 729 قال: أنا والدي الإمام الحافظ المجتهد أبو الخير، مولده في سنة 611، ووفاته في 673، قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن علي بن عبد العزيز الفَشَلي، قال: أنا الإمام برهان الدين أبو الفرج نصر بن علي الحصري البغدادي عرف بالبرهان بروايته عن أبي الفتح عبد الباقي بن أحمد الحنفي عرف بابن البطيّ بروايته عن الحميدي.

ص: 27

وأرويه عن والدي الإمام الحافظ أبي اسحاق برهان الدين إبراهيم بن عمر العلوي الحنفي إجازة منه لي في سنة 752 قال: أنا الإمام أحمد بن أبي الخير بسنده قال والدي رحمه الله. وأخبرنا الإمام الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المِزي، والشيخ الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي وغيرهما، قالا: أخبرنا الشيخُ المسندُ علي بن أحمد البخاري، عن الإمام أبي محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم بروايته عن الإمام الحافظ أبي القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي بروايته عن المصنف الحميدي.

وأرويه عن والدي، عن الذهبي قال: قرأته على أبي الفهم بن أحمد السلمي قال: أنا أبو محمد بن قُدَامَة (ح) قال الذهبي: وقرأت على أبي سعيد الحلبي، عن عبد اللطيف بن يوسف قالا: أنا أبو الفتح محمد ابن عبد الباقي عن الحميدي. وأجزته وصاحبَه جميعَ رواية صحيح الإمام الحافظ، المجتهد المقلِّد، المتبع لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجامع الصحيح المسند من أمور سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه ومغازيه أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجُعْفي رحمه الله تعالى، وأخبرته أني قرأته جميعاً على الشيخ الصالح العابد الناسك شرف الدين أبي عمران موسى بن مُرّ بن رماح الغزولي الحنفي الدمشقي الزُبَيْدي منسوب إلى القبيلة المعروفة رحمه الله، وقد قَدِمَ علينا ديارنا إلى تعز المحروس من البلاد اليمنية في خامس ربيع الأول سنة 795 وتم ذلك في ثلاثة وعشرين مجلساً آخرُها يوم الخميس ثاني وعشرين شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، ومولده في سنة 741 وتوفي عندنا في تعز المحروس في المدرسة المجاهدية في ليلة الأحد من شهر جمادى الأولى سنة 795 وكأنه لم يصل إلينا إلا لنأخذ طريقَ

ص: 28

الحجاز عنه محققة فلله الحمد. ووالدي رحمه الله وآخرون قالوا: أخبرنا بالجامع الصحيح المذكور الذي هو أصح الكُتُبِ بعدَ القرآن العزيز عند جماهير العلماء الشيخ الصالحُ الكبيرُ ملحق الأصاغر بالأكابر والأحفاد بالأجداد بعد أن استدعي به إلى مدينة دمشق المحروسة أبو العباس أحمد ابن أبي طالب نعمة بن أبي النِعَم بن علي بن حسن بن بيان عُرف بابن الشِّحِنة الحجار وهو المُعَمّرُ الذي أجمع علماءُ مصر والشام على الأخذ عنه لقرب سنده، وعلوِّ مشايخه، ومولده سنة 624، وفاته في خامس وعشرين صفر من سنة 730 وبلغ عمره 106 رحمه الله تعالى، قال: أنا الشيخ الصالح الحسين بن المبارك بن عمران بن المُسلم الزَبيدي بفتح الزاي، ومات في صفر سنة 631، ومولده في سنة 545، قال: أنا الشيخ الصالح أبو الوقت عبد الأول بن علي بن شعيب الصوفي الهروي السِّجزي ولد في سابع ذي القعدة في سنة 458 وماتت في ذي القعدة سنة 553 قال: أنا الشيخ الفقيه أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم الداوودي الشافعي، ولد في شهر ربيع الآخر سنة 364. ومات في شوال سنة 469 قال: أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه الحموي السرخَسِي، ومولده في سنة 293 ومات في ذي القعدة (1) لليلتين بقيتا منه سنة 381 قال: أنا الشيخ الصالح محمد بن يوسف بن مطر الفربري بفَربرْ، وولد في سنة 231 ومات سنة 320 قال: أنا الشيخ الإمامُ الحافظُ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجُعفي مولاهم، ومولده بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة 194، وتوفي

(1) كذا الأصل وفي سير أعلام النبلاء 16/ 493: ذي الحجة.

ص: 29

في ليلة السبت هي ليلة الفطر بعدَ صلاة العشاء وذلك سنة 256.

قلت: فبيني وبين البخاري سبعة رجال وللمجاز له ثمانية رجال، وهذا غايةُ العلو في وقتنا، قال مشايخنا: ليس على وجه الأرض أعلى من هذا السند، وإنما كان كذلك، لأن كلاً من المشايخ عُمر مائة أو قريباً منها أو زيادة عليها.

قلتُ (1): هو كما قال النفيسُ العلوي فإني قد وقفت على إجازه الفقيه العالم المحدث شهاب الدين أحمد بن سليمان الأوزري الصَعدي للإمام الأعظم أمير المؤمنين الناصر لدين الله محمد بن علي بن محمد بن علي ابن منصور بن يحيى بن منصور بن المفضَّل كتب الحديث فوجدتُ هذه الإجازة أعلى إسناداً وأقدم ميلاداً، فإن بينَ الفقيه الأوزري وبين البخاري أحدَ عشرَ رجلاً، وللمجاز له اثنى عشر رجلاً، وطريق الفقيه أحمد الأوزري -نفع الله به- طريق الفقهاء بني مُطَيْر، وقد حققتُ ذلك، فوجدته كذلك، وكذلك وقفت على إجازة الأوزري رحمه الله لحي السيد العلامة جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم الهادوي رحمه الله تعالى، فوجدتُ بينَ الفقيه الأوزري وبين البخاري أحد عشر رجلاً، وبين المجاز له وبين البخاري اثني عشر رجلاً وهذا سندٌ صحيح منه إلى البخاري والله أعلم.

قال: ولي في الحجاز مشايخ كثيرون.

وأجزته أيضاً رواية صحيح مسلم بن الحجّاج بن مسلم بن الورد ابن شاهنشاه القشيري، ورواية سنن الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السِّجستاني، ورواية جامع الإمام أبي عيسى بن محمد بن عيسى بن سورة

(1) القائل هو محمد بن عبد الله بن الهادي الوزير.

ص: 30

ابن سلمة من الضحاك الترمذي، وكتابه الشمائل، ورواية سنن الإمام أبي عبد الرحمن النسائي، وصحيح أبي حاتِم بن حبان، وابن خُزيمة، ومسند الشافعي، وأبي حنيفة، وغير ذلك. وسمع من لفظي " الأربعين " للإمام الحافظ القطب أبي زكريا يحيى بن شرف النووي في مجلس واحد وأجزته بحق سماعه لذلك من لفظه هو وصاحبه صالح المذكور بروايتي لها قراءة على شيخي الإمام موفق الدين علي بن أبي بكر بن محمد بن شداد بروايته عن جبريل عن الحريري عن المؤلف، وأجزت الشريف المذكور رواية جميع ما أرويه من سائر العلوم الدينية، فليروِ ذلك عني موفقاً مسدداً بتاريخ يوم الثلاثاء ثامن شهر ذي القعدة سنة 806 وكان ذلك في منزلي من مدينة تعز المحروس حرسها الله تعالى.

وكتب العبد الفقير إلى الله تعالى سليمان بن إبراهيم بن عمر بن علي العلوي الحنفي خادم السنة النبوية، لطف الله به وغفر له وتاب عليه وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وحسبُنا اللهُ ونعم الوكيلُ.

رحلته إلى مكة المشرفة

كما رحل إلى مكة المكرمة مرتين، إحداهما سنة 807 هـ، فأخذ فيها على قاضي القضاة محمد بن عبد الله بن ظهيرة الشافعي، فلما رأى مكانته العلمية وجلال قدره، وعِظَمَ محله، قال له: ما أحسن يا مولانا لو انتسبت إلى الإمام الشافعي، فأجاب عليه: وقال: سبحان الله أيها القاضي إنه لو كان يجوز لي التقليد، لم أعدل عن تقليد الإمام القاسم بن إبراهيم أو حفيده الهادي.

وأخذ في مكة عن الشيخ نجم الدين محمد بن أبي الخير القُرَشي

ص: 31

الشافعي، والشيخ زين الدين محمد بن أحمد الطبري، والشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم المعروف بأبي اليُمن الشافعي، والشيخ علي بن مسعود ابن علي بن عبد المعطي الأنصاري المالكي، والشيخ المُعمَّر أبي الخير بن الحسين بن الزين بن محمد بن محمد القطب القسطلاني المكي، والشيخ علي بن أحمد بن سلامة السلمي المكي الشافعي، وجار الله بن صالح الشيباني، والشريف أحمد بن علي الحُسَيني الشهير بالفاسي، فهؤلاء الثمانية وعلى رأسها ابن ظهيرة كانوا أشهر علماء مكة في ذلك الوقت، وقد أجازوا للسيد محمد كل ما يجوز لهم روايتُهُ من كتب الفقه والحديث والتفسير والسير واللغة والعربية والمعاني والبيان والأصول الفقهية، وكتب الكلام على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم وذلك بشروط الإجازات المعروفة المشهورة (1) وكانت هذه الإجازات في مكة المشرفة في أيام الحج المفضلة سنة 807 هـ.

ولما انقطع الإمام محمد بنُ إبراهيم الوزير للكتاب والسنة، واشتغل بعلومهما، وامتلأت جوانِحُه بحُبِّهما أنشأ سنة 808 قصيدة دالية طويلة يفخر ويعتز بتمسكه بهما وحدَهما، وبحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

ظَلت عَواذِلُه تَروح وَتَغْتدي

وَتعيد تعنِيفَ المُحِبِّ وتَبْتَدِي

واللوْمُ لَا يَثني المحِبَّ عَنِ الهَوَى

ويَزيدُ تَوليعَ الفُؤَادِ المُعمَدِ

إنَّ المُحِبَّ عن المَلامَةِ في الهوَى

في شَاغِل لولا اللوائِمُ يَغْتَدي

ألهى المُحِبَّ عن الملام وَصَدِّه

بينَ الجوَانِحِ لوعَةٌ لم تَبْردِ

وَخُفوقُ قلْبٍ لا يقرُّ قَرَارُه

وسُفُوحُ دمعٍ صَوْبُه لَمْ يَجْمَدِ

(1) طبقات الزيدية الكبرى، ترجمته الخاصة بقلم محمد بن عبد الله بن الهادي الوزير.

ص: 32

قُلْ للعذُولِ: أفِقْ فلسْت بمُنتَهٍ

عَنْ حُبِّ أكمَل مَنْ تحلى فابعَدِ

لو لُمتنِي في الغَوْر لَمْ أشتقْ إلى

شطيهِ أو في نَجْدِهِمْ لَم أُنجِدِ

أوْ كان لَوْمُكَ في التصَابِي مَا صَبا

قَلبي، ولا غلبَ الغَرَام تجلدِي

أو لمْتَنِي في اللهو لَم أطْرب إلى

نغمِ الغناءِ مِن الغَرِيضِ ومَعْبدِ

أوْ لُمْتني في المَال لَم يَسْتَهْوني

نظَرُ اللُّجَيْنِ ؤلَا نُضَار العسْجَد

أوْ لُمْتنِي فِي غَيْرِ حُبَّ مُحَمدٍ

لَحَسبْتَ أنكَ بالنصِيحَة مُرْشِدِي

أو لَو أريت مَحَبة مثلاً لَهُ

لِلمُهتدِي والمُرْتَجي والمُجْتدي

يهْديه أوْ يُجْديه أو يُغنِيه عَنْ

نُور الرسُولِ الصادعِ المُتوقدِ

هَيهات ما ابْتهج الوُجودُ بِمثلِهِ

فَدعِ اللجاجَ فَمِثلُه لمْ يُوجَدِ

يَا صَاحبى على الصبابَة في الهَوى

منْ مِنْكُمَا في حُب أحْمد مُسْعِدِي؟

حَسبِي بأني قدْ شُهِرتُ بحُبِّهِ

شَرَفاً بِبُرْدَتِه الجَميلة أرتدِي

لِي باسْمِه وَبِحُبهِ وبقُرْبِهِ

ذِمَمٌ عظَامٌ قَدْ شَدَدْتُ بها يدي

وَمحمد أوْفى الخَلائقِ ذمةً

فلْتَبْلُغَنَّ بِي الأمانِي في غَدِ

يا قلْبُ لا تَسْتبعِدَنَّ لقَاءَه

ثِقْ باللقَاءِ وبالْوَفَا فكَأنْ قدِ

يا حَبذَا يَوْمُ القيامَة شُهْرتي

بيْنَ الخلائق في المَقَام الأحْمَدِ

بِمَحَبتي سُنَنَ الرسُولِ وإنَّني

فيهَا عَصَيْتُ مُعَنِّفِي ومُفَندي

وَتركْت فيهَا جِيرَتِي وَعشيرَتي

ومَحَل أترَابِي وَموضِع مولدِي

فَلأَشكُوَن علَيه شكوى موجِعٍ

مُتَظلًمٍ مُتَجرم مسْتنْجِدِ

مما لقيتُ مِنَ المتاعِبِ والأذَى

في حبه من ظَالِمِي وحُسَّدي

وأقولُ: أنْجدْ صادِقاً في حُبه

منْ يُنجِدُ المَظلُومَ إن لم يُنجدِ؟

إني أحِب محَمداً فَوْق الورى

وَبِهِ كَمَا فَعلَ الأوائِلُ أقتَدِي

فقَدْ انْقَضَتْ خَيْرُ القُرونِ وَلمْ يَكنْ

فِيهِم بغَيْرِ مُحَمد منْ يهْتدي

وأُحِب آلَ مُحَمدٍ نَفسي الفِدى

لهُم فما أحدٌ كآل مُحمَّدِ

ص: 33

همْ بابُ حِطة والسفِينَةُ والهُدَى

فِيهم، وهم للظالِمِينَ بِمَرْصدِ

وَهم النجومُ لِخير مُتعبدِ

وهُمُ الرجُومُ لكل مَنْ لم يعبُدِ

وهمُ الأمانُ لِكُل مَنْ تَحْت السمَا

وَجزَاءُ أحْمدَ ودهُمْ فتوددِ

والقَوْم والقرآنُ فاعرِفْ فضْلَهم

ثَقَلانِ للثَّقلين نصُّ مُحَمدِ

وَلَهُم فَضائلُ لست أُحصِي عَدهَا

منْ رَام عدَّ الشُّهبِ لم تَتعَدد

وَكَفى لَهُم شَرَفاً وَمَجْدَاً باذِخَاً

شرعُ الصلاةِ لَهُم بكلِّ تشُّهدِ

سَنوا متَاَبعةَ النَّبي، وَلم يَكنْ

لَهُمُ غرَام بِالمَذاهِبِ عَنْ يَدِ

قَدْ خَالَفُوا آباءهُمْ جهَراً وَلم

يتقَيَّدُوا إلا بسنة أحْمَد

أو لَم يَشِعْ مَا بَين آلِ مُحمدٍ

ذكرُ الخِلاف لِمُغْوِرِين ومُنْجِدِ

قَدْ خَالَفَ الهادي بنوهُ لصلْبهِ

مَع قربهم كمُحَمدٍ وكأحمَد

والسيدَانِ على اتباعِ نصُوصِهِ

قدْ خَالَفا ما نصَّه بتعَمدِ

بَلْ حرم الجُمْهُورُ مِنْ سادَاتهمْ

تَقلِيد موْتَاهُم بِغَيْر تَردُّد

ذَا مَذْهَبُ الجمْهور فيما قَالَه

يَحيى بنُ حَمزة وهوَ أوثقُ مُسندِ

وكذا ابن زيدٍ قال ذَاك وغيْره

وهُو اختِيارُ الناطق المُتَشَددِ

واسْأل كتاب العِقدِ (1) عما قُلت والـ

ـمجزي (2) وسائِلْ منْ بَدَا لَكَ وَانشُدِ

وانظُرْ إلى إنصَاف أهل البَيتِ لَم

يَغْلُوا وَلَم يتعَصبُوا في مَقصدِ

بَلْ خالَفُوا آباءَهُمْ وَتَبَينوا

وَجْه الصوابِ تَحَرياً لِلأرشَدِ

وَأنا اقتَدَيتُ بهم فأنكر قُدْوتِي

من طُغمة (3) الغوغاءِ كُل مُبلَّد

قَالوا: نقَلدُهمْ وإنْ مَاتُوا عَلَى

رأي المؤيدِ ذِي العُلُوم الأوحدِ

قلنا لهم: لَسنا نَعيبُ عَلَيْكُمُ

مَنْ قلَّدَ الأموَاتَ فَهْوَ مؤَيَّدُ

(1) هو ليحيى القرشي.

(2)

هو للسيد أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني.

(3)

هكذا وردت الكلمة في الأصل وفي نسخة ضمخة.

ص: 34

همْ قَلدُوهمْ واقتَديتُ بهِمْ وَكَمْ

بَينَ المُقَلد فِي الهَوَى والمُقتدِي؟

مَنْ قَلَّدَ النُّعمانَ أمْسَى شَارباً

لمُثَلَّثٍ نَجِسٍ خَبِيثٍ مُزبِدِ

وَلَوِ اقْتَدَى بأبي حنيفَةَ لَم يكُن

إلَاّ إماماً خاشعاً في المَسْجِدِ

ومَنِ اهتدَى فَقدِ اهْتدَى نصاً وإجـ

ـماعاً وليسَ كذاك من لم يَقْتَدِ

والكُل مُخْتَارٌ لأِقوَم منهَجٍ

فِيمَا تَحراة وأعذب مورِد

والكُلُّ إخْوانٌ وَدِينٌ وَاحِدٌ

كُلٌّ مُصِيب في الفُرُوع وَمُهتَدِي

هذي الفرُوع وفي الأصُولِ عَقِيدتي

مَا لا يُخَالِفُ فيهِ كُلُّ مُوَحِّدِ

دِيني كأهلِ البيت ديناً قيماً

متَنَزَّهاً عَنْ كلِّ مُعتَقدٍ رَدِي

لكننِي أرضى العتِيقَ (1) وأحتمي

مِن كلِّ قولٍ حَادِثٍ متَجَددِ

إنَّ السَّلامةَ في العَتِيقِ وإنَّهُ

كَالشمسِ واضِحةً لِعَينِ المُهتدِي

وَيشُكُّ فيه ذوو الجهالَةِ والعَمَى

والشمسُ لا تَبدُو لِعَينِ الأرمَدِ

ويصد عَنهُ منْ يصعد (2) فِكرَهُ

في الغَامِضاتِ وعِلمِ كُلِّ مُسوَّدِ

ما كان للإسلام وقت مُحَمدٍ

دَرْس سِوَى القُرآن لِلمُتَعَبِّدِ

وَدَعَائِمُ الإسلام كانَت وَقته

خَمساً يُعَدِّدُها لِكُلِّ مُشهدِ

فَلأيِّ شيءٍ كان من لم يَعْتَمِدْ

دَرْسَ الأدِلَّة كافِراً كَالمُلحِدِ

مَا عِندهمْ فِي كلِّ برٍ عَابِدٍ

مُتألِّهٍ متَفَرِّدٍ متجَرِّدِ

لا يعرفُ الأعرَاض لا لَفظاً ولا

مَعنى يُكفِّرُ كالذي لَم يسْجُدِ؟

كلَاّ، وَرَبِّ مُحمد مَا دِينهُ

يَقْضِي بِكُفْر التائِب المتَهجِّدِ

إلا الذي تَركَ الشرَائِع جَاحِداً

لِلدِّينِ كالمُرْتَدِّ والمُتَهَوِّدِ

قَالوا: الأدِلَّة لَيس تخْفَى جُمْلَةً

قُلْنَا لَهُم: ذا قَوْل مَنْ لَم يَنْقُدِ

(1) المراد بالعتيق هنا أقوال أهل البيت المتقدمة على ما تضمنه (الجامع الكافي) والله أعلم. طبقات الزيدية ليحيى بن الحسين.

(2)

هكذا وردت الكلمة وفي نسخة يضغد.

ص: 35

إنْ كانَ لِلإسْلام عَشرُ دَعَائِمٍ

فانقُصْ مِنَ العَشرِ الدَّعَائِم أوْ زدِ

تَجِدِ الزِّيَادَة في الدَّلِيلِ مُحَالَةً

والنَّقص لِلبُرهَانِ أعظمُ مُفسِدِ

يا لائِمي في مذْهَبي باللهِ قُلْ

لِم زِدتَ فِي الإسلام مَا لَم يُعهَدِ

ما لِلسنينَ قَضَت ولَم ينْطِق بِذَا

خيرُ البَرِيِّةِ مَرةً فَي مَشهَدِ؟

أوَ لَم يكنْ أوْلَى بِتَبيينِ الهُدَى

وَالمُشكِلاتِ ِلأَحْمَرٍ ولأسْودِ

مَا كان أحْمَدُ في المِرا مُتَدَرِّباً

كلَاّ، وَلا للمُشكِلاتِ بِمُورِدِ

بَلْ كَان يَأمُرُ بِالجِهَادِ لكُلِّ مَنْ

جَحَدَ الدليل وكُلِّ بَاغٍ مُعْتدِ

حتى اسْتَقَامَ الدِّينُ وانتعَشَ الهُدَى

بالمَشْرَفِيةِ والقَنَا المتَقَصدِ

قَامَت شَرِيعَتُهُ لِكلِّ مُجَرّبٍ

ماضِي المَضارِب لا يَكِلُّ مُجَلّدِ

وكذَاكَ أهلُ البيت مَا زَالُوا علَى

منهَاجِه مِنْ قَائِمٍ أوْ سيِّدِ

واقْرَ المُهَذبَ تَلْقَ ما أطْلَقتُهُ

قَدْ نَصَّهُ المَنصُورُ (1) غَيْرَ مُقَيَّدِ

وَاقْرَأ كِتَابَ الجَامع الكَافِي (2) عَلَى

نَهْجِ الأوائِل إنَّه يُروِي الصَّدِي

إذ لَم يَكنْ سَلفٌ سِوَى أرْبابِهِ

لِلمُدَّعِي لِولَاءِ عِتْرةِ أحْمَدِ

وَكذلِكَ الرسِيُّ دَانَ وإنَّهُ

هُو فِي نُجُومِ الآل مِثلُ الفَرْقَدِ

وَكذَا المُؤَيَّدُ (3) قال ذَاك مُصَرِّحاً

وَأرى ابْنَ حمْزَةَ فيهِ لَمْ يَتَردَّدِ

وَكذاكَ يحيى (4) نَجْمُ آلِ مُفَضَّلِ

أعني ابْنَ منْضورٍ كَرِيم المَحْتدِ

قدْ قَال ذاكَ ولمْ يَزلْ بلزُومهِ

يُوصِي، وَمِن شِعْرٍ لَهُ في المَقْصِدِ

يَكْفِيكَ مِنْ جِهَةِ العقِيدَةِ مُسْلِمٌ

وَمن الإضافةِ حَيْدَرِيٌّ أحْمَدِي

وكَذاكَ شَيَّدَ ذَا سُلالَةُ قَاسِمِ

يحيى الأخير الحِبْرُ أي مُشَيّدِ

وكذا إبنُ زيدٍ (5) في المَحَجَّةِ نَصُّه

رأسُ التشيعِ قدوةُ المسترشِدِ

(1) هو عبد الله بن حمزة.

(2)

هو لمحمد بن علي العلوي.

(3)

المؤيد الهاروني.

(4)

يحيى بن منصور من اعلام آل الوزير.

(5)

القاضي عبد الله بن زيد العنسي المتوفي سنة 667.

ص: 36

وإمام (1) بغداد تَوَدَّدَ أَنَّهُ

لَم يَعرِفِ التدقِيقَ أيَّ تَوَدُّدِ

وابنُ الخَطِيب (2) وَحُجَّة الإسلامِ (3) قَدْ

خَمَدَا وَنَارُ ذَكاهُمَا لَمْ تَخْمُدِ

تَابَا وَلكنْ بَعدَ أَن سَلَاّ عَلَى الـ

إسلامِ سيفاً مَا أرَاهُ يُغْمَدِ

وَبِذَا اكْتَفَى آلُ الرسُولِ ومَنْ ثَوَى

عنْد الحَجونِ وفي بقِيعِ الغَرْقَدِ

وَكذَا الصحَابَةُ والذِينَ يَلُونَهُمْ

سَلْ كُل تارِيخٍ بذَاكَ وَمُسْنَدِ

وَكذَلِكَ الفقَهَاءُ قالوا وَامتحِنْ

قَوْلي وسَل كُتُبَ الترَاجِمِ وانْقُدِ

مَا كنْتُ بِدْعاً في الذِي قَدْ قُلتُهُ

يا لائمي فَدَعِ الغَوَاية تَرْشُدِ

وإذَا أبَيْتَ وكُنتَ لا تَدري فقُمْ

عنْ مَجْلِسِ العُلَمَا وَقِفْ بِالمِربَدِ

فَلأجْهَرَنَّ بِما عَلِمتُ فإنْ أعِشْ

أنصَحْ وإن أقضِي فغَيرُ مُخَلَّدِ

هذَا ومَا اختَرْت العتيق لِحيرتي

في الغَامِضَاتِ، ولا لِفَرْطِ تَبلُّدِ

فأنَا الذِي أفْنَيتُ شرْخَ شَبيبَتِي

في بَحثِ كُلِّ مُحَقق وَمُجَوِّدِ

والإفتِخَارُ مَذَمَّةٌ منِّي فسَلْ

عَنِي المَشَايخَ فَالمَشَايِخُ شُهَّدِي

وإذَا أتتْكَ مَذمتِي مِنْ نَاقِصٍ

فَافهم فَتِلكَ كنَايَةُ عَنْ سُؤدُدي

وإذَا شككتَ بأنَّ تِلك فَضِيلةٌ

فاسْتَقْرِ -وَيْحَكَ- وَصفَ كُلِّ مُحَسَّدِ

فلِحُسَّدِي مَا في الضَّمَائِر مِنهُمُ

أبَداً وَلي مَا هُمْ عَلَيهِ حُسَّدِي

وقد انتقده شيخُه علي بن محمد بن أبي القاسم على ما ورد فيها متحاملاً عليه، ومشنِّعاً به، فَرَدَّ عليه الهادي بن إبراهيم الوزير مدافعاً ومحتملاً ومتأولاً لأخيه، ومصححاً لشيخه أوهامه وظنونَه في أخيه، وسمى رده " الجواب الناطق بالحق اليقين الشافي لصدور المتقين " وقال بعدَ الخطبة: وبعد: فإني لما وقفتُ على ما ذكره السيدُ الإمام العلامة جمالُ

(1) أبو القاسم البلخي.

(2)

الإمام الرازي.

(3)

الإمام الغزالي.

ص: 37

الإسلام، رباني العِترة الكرام، وسلالة الأئمة الأعلام عليُّ بن محمد بن أبي القاسم، أبقاه الله غُرَّةً شادِخة في الأنام، وذِروة باذِخَةً على مرور الأيام في جوابه على تلميذه وولدِه الصَّنو محمد بنِ إبراهيم (الوزير) في نقضه لما انتزعه مِن قصيدته التي أشار فيها إلى عقيدته، وجدته -أيده الله- قد نسب إلى محمد في بعض ما ذكره ما لم يَقُلْه، وَفَهِمَ من أبياته ما لم يقصده، وقد أطلق المحققون من الأصوليين أن الفهم شرطُ التكليف، وإليه ذهب بعضُ القائلين بجواز التكليف بالمستحيل، وقد نصَّ على ذلك ابن الحاجب في " منتهى السول " فكيف لا يشترط ذلك في جواز كمال التكليف، ومن حق الجواب أن يكون لِما ورد عليه مطابقاً، ولما سيق من أجله موافقاً، وأن لا يؤاخذ بمفهوم الخطاب، ولا يقطع بوهمٍ يُخالِفُ الصواب، فإن مِن حق الناقض لكلام غيرِه أن يفهمه أولاً، ويعرف ما قصد به ثانياً، ويتحقق معنى مقالته، ويتبين فحوى عبارته، فأما لو جمَعَ لخصمه بَيْنَ عدم الفهم لقصده، والمؤاخذة له بظاهر قوله، كان كمن رمى فأشوى، وخَبَطَ خَبْطَ عشوا. ثم إن نَسَب إليه قولاً لم يعرفه، وحمَّله ذنباً لم يقترِفْه، كان ذلك زيادةً في الإقصا، وخلافاً لِما بِهِ الله تعالى وَصَّى، قال تعالى:{وَإذَا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا} ، وقال تعالى:{قُلْ أمَرَ ربِّي بالقِسْطِ} ، وقال تعالى:{وَلَا يَجْرِمِنكُم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أنْ لَا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقوى} إلى أمثالها من الآيات.

وكانت قصيدة محمد قد اشتملت على أشياء أجبتها، وكلامات نقضتها بكلام جُمْلي (1) لأن الشعر لا يحتمل أكثر من ذلك. ولما عدل السيد أيده الله إلى نقضها بكلامه، وأفاض عليها سَجْلا من علمه، وكان

(1) سيأتي جواب الهادي في قصيدته عقب هذا.

ص: 38

في شيء من ذلك ما ذكرته، رأيت أن أذكر ما ذكره السيد العلامة جمال الدين من الأبيات وأعقبها بما نقضها به أيده الله من الإشارات، ثم أذكر من كلام محمد ما يشهد له بالنزاهة عن القول الباطل، وأرسم من الوساطة بالحق ما يميز بين الحالي والعاطل، وأحمل كلام السيد جمال الدين أيَّده الله على السلامة في جميع أحواله وأنظم ما صدر منه في سلك الفوائد المنتزعة من علومه وأقواله غير أن الأوهام قد تقع، وماء اليقين لصداء النفوس ينقع، والله الهادي إلى الصواب، والموفق لإصابة الحق في المبتدأ والجواب.

ومن أمثلة اعتراضات علي بن محمد بن أبي القاسم على الإمام محمد بن إبراهيم الوزير ما رواه الهادي بن إبراهيم بقوله: قال السيد جمال الدين: ثم إنه قال -يعني محمداً- هو على دين أهل البيت، وأهل البيت ينزهون الله تعالى من شُبه المحدثات ومن قبائح العباد ومن إخلاف الوعيد ويرون أن من خالفهم في هذه المسائل ضال مخطىء، ثم اختلفوا في كفره فأكثرهم كَفَّره، ومنهم من توقف في كفره، وقطع بخطئه فإذا كان هذا اعتقادَهم وصاحبُ هذا الشعر يزعم أنه يُوافقهم، فكيف يقدم رواية هؤلاء الذين هم فساقُ تأويل، أو كفار تأويل على رواية أهل التوحيد والعدل (1)، ولم يقل أحد من هذه الأمة بهذا، والمخالف لنا منهم يقول: إنهم أهلُ الحق، ونحن على الباطل فلذلك قدم روايتهم. واعلم أنه لا بد من أحد أمرين: إما أن تُرَد رواية هؤلاء المبتدعين القائلين بالجبر والتشبيه عند معارضة أهل التوحيد والعدل، وإما أن نقول: بأن الحق معهم، والنافي للتشبيه والجبر هو المبتدع.

الجواب: أن هذه الجملة التي أوردها السيد جمال الدين مفتقرة إلى

(1) التعديل في نسخة أخرى.

ص: 39

إقامة البرهان، وإلا كانت دعوى بغير بيان، لأنه نسب إلى محمدٍ جميع أقاويل الجبرية، وعزا إليه القول بمذاهبهم الفرية، وعدد منها ما أعتقد براءة محمد منه جملة وتفصيلاً وتحقيقاًً وتأويلاً، فحال السيد في هذه المقالات التي ذكرها وإلى محمد نسبها، إما أن يكون علمها من محمد علماً يقيناً، أو يكون وهمها فيها ظناً وتخميناً، فإن كان الأول أظهر ما عنده في ذلك حتى يعرف الصحيح من السقيم، ويتضح المعوج من المستقيم.

فأما مجرد البهت الصراح، فلا يليق بذوي الصلاح.

وقول السيد: وصاحب هذا الشعر يزعم أنه يُوافقهم، فكيف يقدم رواية فساق التأويل وكفار التأويل على رواية أهل التوحيد والتعديل؟ قد تقدم الكلام في جواز رواية فاسق التأويل وكافره بما لا فائدة في إعادته، وأما أن محمداً يقدمها على رواية أهل التوحيد والعدل، فليس الأمر كما ذكره السيد جمال الدين، بل ما من مسألة أخذ بها محمد في الفروع إلَاّ ولها قائل من أهل البيت عليهم السلام، وجملتها فيما علمت ست مسائل:

أولها: التوجه بعد التكبير قال به المؤيد في جماعة من أهل البيت، وفيهم يحيى بن حمزة.

وثانيها: تربيع التكبير في أول الأذان قال به طائفة من أئمة العترة، وهم زيد بن علي، والنفس الزكية، والباقر، والصادق في رواية، وأحمد بن عيسى، والناصر الكبير، والمؤيد بالله، ويحيى بن حمزة.

وثالثها: الإسرار ببسم الله الرحمن الرحيم في الجهريات، فعند الناصر والمؤيد بالله أن الجهر والمخافتة هيئة لا تفسد الصلاة، وقال زيد ابن علي وأبو عبد الله الداعي: إن الجهر سنة يوجب تركه سجود السَّهو،

ص: 40

وبه قال المنصور بالله في من ترك الجهر في الصلاة في القراءة المجهور بها قال: أكثر ما يجب عندنا سجود السهو. قال المؤيد بالله: يجب الجهر ببسم الله الرَّحمن الرحيم في الصلاه الجهرية فإن ترك الجهر، لم تبطل صلاته.

ورابعها: التشهد المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو " التحيات لله والصلوات الطيبات " الخ. وهي رواية المنتخب، وبه قال المؤيد بالله وغيره من أهل البيت عليهم السلام، وقال القاسم والمؤيد بالله: أي تشهد يتشهد به المصلي مما ورد به الأثر، فهو جائز، وهي تشهدات أربعة كلها مأثورة.

وخامسها: القنوت بعد القراءة وقبل الركوع، وبهذا قال زيد بن علي، وأحمد بن عيسى والباقّر وغيرهم وهو اختيار الإمام يحيى بن حمزه.

وسادسها: وضع اليد على اليد قوق السُّرَة، ومذهب الشافعي على الصدر.

فهذه جملة المسائل التي ذكر أن محمداً خالف بها إجماع أهل البيت عليهم السلام، وأنه قدم فيها رواية أهل التشبيه والجبر على رواية أهل التوحيد والعدل، وما من مسألة من هذه المسائل إلَاّ وقد قال بها من ذكرناه من عيون أئمه الزيدية والعترة النبوية.

وأما غيرها من مسائل الاعتقاد فما علمت أن محمداً خالف فيها مذهب الزيدية وأئمة العترة النبوية.

كما أجاب على أخيه محمد بقصيدة مماثلة في الوزن والروي يثني عليه، ويحثه على الرجوع إلى المذهب الزيدي والتمسك به وهذا نصها:

عَجِلَتْ عَوَاذِلُه وَلَم تَتَأيِّد

وَجَنَتْ عَلَيْهِ جِنَايَة المُتَعَمِّدِ

ص: 41

ما سُرْعَةُ العَذْلِ المُعوَّج نَهْجُه

مِنْ سُنة العدْلِ القَوِيم الموْرِد

شيآن ما أعيا الأنام سواهما

لوم البري وتهمة المتودد

وأخُو الهُدَى مسْدُودَةٌ أسْماعُهُ

لا يَرْعوي لمقامِ كلِّ مُسَددِ

سدِّدْ كلامك في إصابةِ رَأيِهِ

أو لا يقع في مَسْمَع مُتَبَدِّد

يا عاذلي فِي حُبِّ آل مُحَمَّدٍ

دَعْ ما تَقولُ فأنت غيْرُ مُحمدِ

لو كُنْتَ تعْذلُ في مَحَبَّةِ غَيْرهِمْ

لَعَلِمْتُ أنكَ بالنصيحَةِ مُرْشِدِي

أأحبهم وأُحِبَّ غَيْرَ طَرِيقهِم

هذا المُحالُ منَ المقَالِ الأبعد

منْ مال عنْهُم لم يَكن مِنْهُم، وسلْ

أَهل المعَارف والطريقِ الأرشَد

أَنَا منْهُم في فِعْلِهمْ وَمقالِهِمْ

يَا شَاهدَ اللهِ المُهيْمِن فَاشْهدِ

حبي لَهُم فَرْضٌ وحُبي جدّهُم

مَجْد وَصَلْتُ فريضَتي بِتَهجْدِ

لا رَيْبَ في حُبِّ النبي لِمُسْلِمٍ

إذْ كانَ ذلِك أصْل دين محَمدِ

فاخصص بحبك آله متقربا

بهم إليه وحبهم فتزود

لم يسأل الرحمن إلا وِدَّهم

أجراً على الإبلاغ منه لأحمد

ما ذاكَ إلا أن حُبَّ مُحَمَّدِ

شرْع لَه في الناسكِ المُتعبدِ

جَمَعَ الطوائِفَ حُبه وَتَفرَّقوا

في حُبِّ عتْرته بِغيْر تَرَددِ

فاجْعَل وِدادَك حُبَّ ما افترقُوا تُصِبْ

نَهْجاً مُعَبدةً بغيرِ مُعبدِ

ومُحَمَّد وافي إليَّ نظَامَهُ

كالدْرِ في عُنُق الغَزَال الأغْيَدِ

رتب محاسنه بِرِقَّه شوقِ منْ

أهداه في طَلَب الحدِيث المُسْندِ

وأفادَ عين كماله وجمالِه

مَرْهى، ولما تكتحل بالإثمد

ما كانَ أحوج ذا الكمال إلى الذي

فيه من العيب اتقاء الحُسَّدِ

لما تَنَحَّى عن محجَّة أهلِه

ومشى على الطُّرقات مشي الأصْيدِ

أأخي وقُوَّة ناظرِي ومُشارِكي

في أصله ومحله والمَولِد

أَخَوَانِ إلا أنَّ هذا قد عَتَا

كبراً وهذا في الشباب الأمْلَدِ

ص: 42

ولد صغيرٌ في حَدَاثَةِ سِنِّه

وأخ كبيرٌ في العلا والسؤْدُدِ

أربَى عليَّ براعةً وبلاغةً

وأكل مِذودُه المفوَّه مذودي

قد زادني علماً فتلكَ وسِيلَةٌ

لِلرَّاغبين فإنْ تَجِدهَا فَاْزدد

وأفادني مِنْ علمه وبيانه

حُسنَ الإفادةِ فاستفدْه وأسنِدِ

أبنيَّ إن ناديتُه لِتلطفٍ

وأخَيَّ إن ناجيتُه لِتَجَلُّدِ

مالي أراك وأنتَ صفوةُ سادةٍ

طابت شمائلهم لطيب المحْتدِ

تمتازُ عنهم في مآخذ علمهم

وهُمُ الذين علومُهم تُروي الصَّدي

اخذُوا مباني علمهم وأصولَه

عَنْ أهلهم مِن سيدٍ عن سيِّد

سند عن الهادي وعن آبائه

لا عن كلام مُسَدَّدٍ بنِ مُسَرهد

سند عن الآباء والأجدداد في

أحكامهم وفنونهم والمفرد

وكذاك في التجريد والتحرير والتـ

ـعليق والمجموع ثُم المرشدِ

لهم من التصنيف ألفُ مصنّفٍ

ما ببنَ علم سابق ومجدّد

قد قلتَ في الأبيات قولاً صادقا

ولقد صدقتَ وكنت غيرَ مُفَندِ

هُمْ باب حطةَ والسفينةُ والهدى

فيهم وهُمْ للظالمين بمرصدِ

وهم الأمان لكلِّ من تحت السما

وجزاء أحمد ودُهُم فَتَوَدَّدِ

والقوم والقرآن فاعْرِفْ قدرهُم

ثقلانِ للثقلين نص محمد

وَكَفَى لَهُم شرفاً ومجداً باذِخاً

فرضُ الصلاة لهم بكل تَشهدِ

هذا مقالُك في القصيدِ وإنَّه

محْضُ الصوابِ وعِصمة المسترشِد

فأتِم قولَك بالمصيرِ إليهم

في كُلِّ قولٍ يا محمد تهتدي

فهُم الأمان كما ذكرت ونهجُهم

نهحُ البُلوغِ إلى تمام المَقصِدِ

مالي أراك تقولُ فيهم هكذا

وبغيرِ مذهبهم تدينُ وتقتدي

أو ليس هم حجج الإله على الورى

والفلك في بحر الضلالِ المزبد

ما كان أحسن حسن فهمك ترتقي

درجاتِ علمهم إلى المتصعِّد

ص: 43

حتى إذا استوريت زندَ علومِهم

وأردتَ تزند ما بدا لكَ فازند

بَعْدَ النهاية في العلوم ودرسها

وإحاطةِ المتوغل المتجرد

ولأنت فرع باسق مِن دوحةٍ

شَرُفَتْ بحيدرة الوصيِّ وأحمد

متردد بينَ النبوة والهدى

مِن أهله ناهيك من متردد

فأعِد هداك اللهُ نظرة وامقٍ

في علمهم تلقَ الرشادَ لمرشد

وتوسَّمِ العلمَ الذي في كتبهم

تجدِ الدراية والهدايةَ عن يد

وذكرت سنة أحمد وحديثه

يا حبّذا سننُ النبي محمد

أورد مسائلها ورد في مائها

يا حبذاك لِوارد ولمُورِد

لسنا نقولُ: بأن سنة أحمدٍ

متروكةٌ وحديثه لم يُوجَدِ

بلْ سُنَّةُ المختار معمول بها

وحديثه شف النضار المسجدِ

ومقالُهم في سنة وجماعة

قول رديء ليس بالمتمخد

سبوا الوصي وأظهروها سنةً

لبني الدُنا من مغورين ومنجد

وكذاك سموْا حين صالح شَبَّرَ

ابنَ التي عُرِفَت بأكل الأكبُدِ

عامَ الجماعة واستمروا هكذا

حتى تملك عصره المستنجد

أعني به عمراً فأنكر بدعةً

ونظيرُه في عدله لم يُوجَدِ

ونقول في كتب الحديث محاسن

مِن سنة المختار لما نقصد

لكن نُرَجِّح ما رواه أهلُنا

سفنُ النجاة وأهلُ ذاك المسجد

ونقول: مذهبهم أصحُّ رواية

وأمتّ في متن الحديث المسند

فبِهِم على كُل الأكابر نبتدي

وإليهم أبداً نروح ونغتدي

وَبهديهم في كل سمتٍ نهتدي

وبقولهم في كل أمرٍ نقتدي

وبفعلهم في كل مجد نحتذي

وبعلمهم في كُل وقت نجتدي

وإذا تعارض عندنا قولٌ لهم

ولغيرهم قول وإن هو واحدي

مِلنا إلى القول الذي قالوا به

لتوثق في حفظهم وتشدد

ص: 44

وتصلّب في دينهم وتنزه

وتورع في كسبهم وتزهد

ولما روينا فيهم عن أحمد

حسبي به للمقتدي والمهتدي

فاليوم عِصمتنا بهم وبحبهم

وهم الأئمة والأدلة في غد

نشروا العلومَ وأيدوا دينَ الهدى

علماً بهادٍ فيهم ومؤيد

وَمَضوْا على سنن الجهاد وَرسمه

ما بين مقتول وبين مشرد

ومخلد في حبسه ومطرد

عن أهله ومصلب ومقيد

من في البرية يا محمد مثلهم

في فضلهم وجهادهم والسؤدُد

وذكرتَ تصحيح الخلاف وأنهم

قد خالفوا آباءهم بتعمد

فصدقتَ فيما قلتَه وحكيتَه

وقع الخلافُ وليس ذاك بمفسِدِ

إنَّ الصحابة ماج فيما بينَهم

شرعُ الخلاف وهم صحابةُ أحمد

وكذا الأئمة بعدَهم لما تزَلْ

آراؤهم في العلمِ ذات تبدُّدِ

والحقُّ تصويبُ الخلاف وما ترى الـ

إجماع إلا في نوادر شرد

وذكرتَ أن الموت يقطع في الهدى

تقليدَ صاحبه لكل مقلد

وحكيتَ ذلك مذهبَ الجمهور عن

علمائهم بينت كالمستشهدِ

فخلاف ذلك ظاهرٌ متعارف

في كتبنا وبكتبهم فاستورد

قد نصَّ بيضاويهم في شرحه

تجويز تقليد الإمام المُلْحَد

وكذاكَ في المعيار جوزه وقد

أفتى به حسنٌ سليلُ محمد

قالوا جميعاً للضرورة: إنه

لم يبق مجتهد فطُفْ وتفقد

قالوا: والا أي فائدة لنا

في درس علم الشافعي وأحمد

وكذاك درس علومِ آل محمد

كم دارس لعلومهم متفرد؟

فاذا تبين أن تقليدَ الورى

حق لمهدي وهادٍ قد هُدِي

وأصبتَ فيما قلت من تصويب أهـ

ـلِ العلم في فنِّ الخلاف الأمجد

فن الفروع فإنه لا بأس في

سَعةِ الخلاف به لكل مجرد

ص: 45

وذكرت قولك في الكلام ومالهم

فيه من القول الغريبِ الموجد

فلقد ذكرت من العلوم أجلَّها

قدراً وأعظمها لكل مُوَحِّدِ

فن به شَهدَ الكتاب وصحة الـ

ألباب ليس لِفَضْلِهِ من مَجْحَدِ

راضته أفكار الأفاضلِ واغتدى

كالدُّرِّ بين زبرجد وزُمرد

ما فيه مِن عيب سوى أن دققوا

لِدفاع قولِ الفيلسوفِ المُلْحِد

لولا صناعتُهم وحسنُ كلامهم

نزعت يدُ الحربا لسان الأسود

وصدقت أن محمداً في صحبه

لم يعرفوا تلك العبادة عن يد

ماذا أرادَ محمد منها وجِبْـ

ـريلٌ لديه كل حينٍ في الندي؟

حمَّاد عجْرَد لم يكن في وقته

ابداً، ولا سمعوا هناك بعجرد

وابن الروندي وابن سينا أحدثا

بعدَ النبوة في الزمان الأقرد

ما كان في وقت النبي مدقق

منهم فيحتاجُ البيان لملحد

لكن علي قد أبان بنهجه

هذي الدقائق فاستبنها واقصدِ

هُوَ أوَّل المتكلمين وقولُه

قبس كنارِ القابس المستوقد

فاتبع مقالتَه فإن شيوخَنَا

اتباعُه فيها أصبها تُرْشَد

ماذا أردتَ بانتقاصِ مشايِخ

هم أصلتوا في العلم كل مهند

لولا سيوفُ كلامهم وعلومهم

لم ينتقض تاج الغواة الجحد

نقضوا به شبه الفلاسفة الأولى

دانُوا تأفلاك وقول أنكد

فنريهم القمر المنير من الهدى

ويروننا وجهَ السُّها والفرقد

فهناك أمسينا بأحسن ليلة

وهناك قد باتوا بليلة أنقد

وأدلة التوحيد ليسَ شعاعُها

يخفي على مَنْ لم يكن بالأرمد

ولهم مسالك في العبارة بعضها

يُشفي به قلبُ العليل المعمد

والبعضُ منها ليس بالمرضي في

قولِ الهُداة من النصاب الأحمد

ولنا مِن الماء السلاسل صفوه

والآجن المنبوذُ للمستورد

ص: 46

فاشرب مِن الماء الزلال ألذَّه

ودعِ الكُدورة في شواطي المورد

وشكوتَ من ألم البُغاة ولم تَجِدْ

ذا سؤدُد الا أصيب بحسد

لا زلتَ باسبطَ الكرام محسَّدا

فالناقصُ المسكين غير محسد

قال السيد جمال الدين: ومن مخالفة إجماعهم ترك " بسم الله الرحمن الرحيم " في الفاتحة، ومن مخالفة إجماعهم القولُ بالرؤية، ومن مخالفة إجماعهم تركُ " حي على خير العمل ".

الجواب على هذه الثلاث المسائل، أما ترك بسم الله الرحمن الرحيم، فلم يقل محمد بتركها، وأكثر ما سمعته يذكر في البسملة الإسرار بها، قال: وهو يحتاط في ذلك فيجعل الإسرار بها بحيث يسمع من بجنبه، وذلك أقل الجهر، وقد قال زيد بن علي: ما خافت من أسمع أذنيه، فأما الترك رأساً، فليس من القبيل الذي نسبه إلى محمد، إذ لم يقل به محمد. ومثله أبقاه الله لا يعجل بنسبة شيء إلى أحد إلا بعد معرفته وتحقيقه وإلا كان خلافَ الصواب، وهو لا يليقُ بمثله، وإنما يليق بالعالم المتقي التثبت في الرواية، وحسن الرد من بعد الهداية، ومسألة الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم غير مسألة الترك، ولكل واحدة منهما كلام لا يحتمِلُهُ الموضع.

وأما مسألة مخالفة إجماع العترة بالقول بالرؤية، فهذا شيء لم أعرفه، ولم أسمعه من محمد لا في قول ولا في كتاب وأنا أنزهه عن هذه المقالة ومعي خطه بأن إعتقاده في العقائد الكلامية والمسائل الإلهية اعتقاد أهل البيت عليهم السلام وأنه غيرُ مخالف في واحدة من هذه المسائل، ويدل على ذلك من شعره قوله من جملة أبياته: -

هذي الفروع وفي العقيدة مذهبي

ما لا يخالِفُ فيه كُلُّ موحد

ص: 47

ديني كأهلِ البيت ديناً قيماً

متنزهاً عن كل معتقد ردي

وكيف يقول بالرؤية بعد هذه المقالة، أو يضاف إليه ذلك، ومذهبُ أهل البيت واعتقادهم أن الرؤية على الله تعالى غيرُ جائزة معقولة ولا غير معقولة وكيف يصرح محمد ها هنا بأنه يتنزه في عقيدته عن كل معتقد ردي؟، ويُضاف إليه اعتقاد مخالفة العترة بالقول بالرؤية وهذه هي المصادمة بنفسها.

وأما مخالفة إجماعهم بترك حي على خير العمل، فهذا من الطراز الأول، وهو التقول على محمد ما لم يقله، والنسبة إليه ما لم يصدر عنه ولم يكن منه، وقد سمعتُهُ يؤذنُ غير مرة، ويذكر (حي على خير العمل)، وأكثر ما يصنعه في الأذان التربيع في أوله كما هو مذهب طائفة من العترة وساداتهم، وذكر محمد أنه وجد في سنن البيهقي وهي السنن الكبيرة رواية حي على خير العمل أثبتها البيهقي، وصححها، وذكر هذا في معرض التصحيح للأذان بـ (حي على خير العمل) وهو على ذلك قبل أن يقف على سنن البيهقي، فكيفَ نَسب إليه السيد جمال الدين ما لم يصح عنه، وأكثر ما يتمسك به السيد في إضافة هذه الأقاويل رواية أحادية لم تبلغ حد التواتر، فيحصل له طريق موصلة إلى العلم. وقد روى القاضي محمد ابن عبد الله بن أبي النجم في كتاب الفصول ما لفظه: وعن القاسم عليه السلام أنه قال الأذان بغير (حي على خير العمل) معناه جائز، وهذه رواية شاذة لم تسمع عن غيره، وهي رواية غريبة، ولو صدر مثل هذه الرواية عن غيره، لأنكرناها ولكن رواية العدل مقبولة.

ص: 48

بين الوزير والمهدي

حينما تُوفِّي الإمام الناصر صلاحُ الدين محمد بن علي بن محمد في ذي القعدة سنة (793) سارع ابنُهُ الإمامُ المنصور علي بن صلاح، فدعا إلى نفسه بالإمامة، ودعا في ذات الوقت إلى نفسه الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، فانحاز الإمام محمدُ بنُ إبراهيم الوزير، وأخوه العلامة الهادي بن إبراهيم وغيرهما من علماء صَعْدَة إلى جانب الإمام علي بن صلاح مما أضعف جانبَ الإمام المهدي الذي خسر المعركة في حربه مع علي بن صلاح، وانتهي به الأمر إلى أن اعتُقِلَ وسُجِن في صنعاء، فبقي في نفس المهدي شيء على الإمام محمد بن إبراهيم الوزير لم تْمْحُهُ السِّنون:

وَقَدْ يَنْبُتُ المَرْعى عَلَى دِمن الثَّرى

وَتَبْقَى حَزازاتُ النُّفُوس كَمَا هيا

وقد انتقل ما في نفس المهدي من كرهٍ للإمام الوزير إلى حفيده الإمام شرف الدين الذي شنع على الإمام الوزير، ونسب إليه أشياء لم يقل بها أحدٌ غيره كما تقدم بيانُ ذلك في بداية هذه الترجمة.

ولما فَرَّ المهدي مِن السجنِ ذهب إلى ثُلاء وأقام هنالك فترةً طويلة، فرحل إليه الإمامُ محمد بن إبراهيم الوزير، ووقف معه مدةَ يُسائله ويُراجعه ويُباحثه كما ذكر أحمد بن عبد الله الوزير في (تاريخ آل الوزير) ومن جملة ذلك أنَّه وجه إليه خمسة وعشرين سؤالاً في مسألة الإمامة، وأن المهدي لم يجب عليها، فكتب إليه محمد بن إبراهيم الوزير هذه القصيدة:

أعالِمَنَا هَلْ لِلسُّؤَالِ جوَابُ

وهَلْ يَرْوِيَ الظمآنَ منك عُبَابُ (1)

(1) في نسخة: وهل ينهل العطشان منك عباب؟

ص: 49

وَهَلْ يكشفُ الظلْماء منْكَ بَصَائِرٌ

يَدُلُّ عليها سُنَّةٌ وكِتَابُ

وَهلْ حَسنٌ مِنِّي إذَا كنْتُ سائِلاً

أمِ البَحْثُ يَا بَحْرَ العُلُومِ يُعابُ

وَهلْ جَاء في شَرْعِ التنَاصُف أنَّه

يُكَدِّرُ مِن صافي الوِدادِ شَرابُ

وَهَلْ قَدْ سعَى بَينِي وبَيْنَكَ جَاهِلٌ

ظَنينٌ يُريكَ الماءَ وهوَ سَرابُ

وَهلْ غَرَّكُمْ في الخُمُولُ فَإنَّمَا

أنَا السَّيْفُ خُبْراً والخُمُول قِرابُ

وَهَلْ يُزْدَرَى بِالسَّيْف مِنْ أجْل غِمْدِه

ويُحْقَرُ من وهنِ المَحَلِّ عُقَابُ

وَهَل لِكَثيرِ الشَّوْقِ وَالوجد رَاحِمٌ

وهَلْ للمساكينِ الضِّعافِ صَحابُ

وَهلْ عَائِدٌ في الدَّهر ودُّكَ عامِراً

فها هُوَ ذَا يابْنَ الكِرامِ خَرَابُ

وَهلْ مُثمِرٌ حَوْكي مُلاءَ رقَائِقٍ

تَهُزُّ صِلابَ الصَّخْرِ وَهِيَ صِلَابُ

وَهلْ عَاطِفٌ لِلودِّ مِنكَ تَلَطُّفٌ

وَهَلْ قَاطِعٌ للهَجْرِ مِنْكَ عِتابٌ

وهلْ لِمَجَلَاّتي إذَا لَم تُجِلَّهَا

رُجُوعٌ إلى مَنْ خَطَّها وإيابُ

وَهَلْ لِسَلامِي مِنْكَ رَدٌّ فإنَّه

يَخُصُّكَ مِني ما اسْتَهَلَّ سَحَابٌ

ولما صنف الإمام محمد بن إبراهيم الوزير كتابه "قبول البشرى في تيسير اليُسرى" ضمنه ما يجوز من الرُّخَص وما لا يجوز، وما يكره وما يستحب، وأقوال أهل العلم في ذلك، فرد عليه الإمامُ المهدي بكتابه " القمر النوار في الرد على المرخصين في الملاهي والمزمار " وكان الإمام المهدي كثير التحامل على الإمام ابن الوزير على غير ذنب سوى أنه كان يأخذ بكتاب الله ورسوله ويعتصم بهما ويفهمها على طريقة السلف الصالح، ولا يعتد بقول من يخالفهما كائناً من كان ذلك القائل حتى قال فيه المهدي من قصيدة:

هذي مقالة من زلَّت به القدم

عن منهج الحق أو في قلبه مرض

وقال أحمد بن عبد الله الوزير يَصِفُ ما جرى بينَ العالِميْنِ

ص: 50

المذكورين: " ولما ظهر لحي الإمام المهدي من سيدي عز الدين الانعزال، وسرى الأمرُ في المراجعة إلى بعض مسائل الكلام، انجرت بينهما المراسلةُ، ووقعت بينهما المراماةُ والمناضلةُ في المنثور والمنظوم، وكُلُّ ذلك موجودٌ في كتبه، وأشعاره حتى أزِف التّرحالُ، ودنا الانتقالُ، وتحول الحال، فاعتذر كُلُّ من صاحِبه، وقبل أعذاره، وأوضح اعتذارَه، وكان ذلك في سنة 839 " أي قبل وفاتهما بسنة واحدة.

بين الوزير والمؤيَّد

ذكر أحمد بنُ عبد الله الوزير في الفضائل في ترجمة محمد بن إبراهيم الوزير ما لفظه: " ووقف رضي الله عنه في فَللَّة (1) مدة مع حي الإمام علي بن المؤيد على جهة الاختبار، ورافقه إلى بعض بلاد الأهنوم، ولم يكن بينَه وبينَه شيء من المصنفات إلا شيء يسير وقع فيه عتابٌ سهل، وكتب فيه حي سيدي عز الدين أبياتاً حسنة رقيقة من محاسن الشعر وأجودِهِ قافية منصوبةَ الروي وهي:

وَلَوْ شِئْتُ أبكيتُ العُيُونَ مُعاتباً

وَألْهَبْتُ نِيران القُلُوبِ دَقَائِقَا

وَلَكنني أصْبَحتُ ِللهِ طَالباً

وأصْبَحْنَ مِنِّي التُّرُّهَاتُ طَوَالِقَا

فإن أنْصفَ الأصْحَابُ لَم أُلْفَ فَارِحاً

وإنْ أعتَبُوا لَمْ يُصْبِحِ الصَّدْرُ ضَائِقَا

وَمَنْ كَمُلَتْ فِيهِ النُّهي لا يَسُرُّهُ

سُرُورٌ ولا خَافَ الحُتُوفَ الطَّوَارِقَا

فَصِلْنِي أو اقْطَعْنِي فَعِنْدِي خلِيقَةٌ

يَضِيعُ رديّاً مِن صَدِيقي وَرَانِقَا (2)

(1) فللَّة: هجرة مشهورة في جُمَاعة من أعمال صَعْدة نكتب بلامين وتنطق بلام واحدة مشدَّدة.

(2)

في نسخة تضيع رديّاً من صديقي ورائقاً.

ص: 51

ولي نَفْسُ حُرٍّ لَيس أكثرُ هَمِّهَا

مُلاطَفَةً تُرضي عَلَيَّ الخلَائقَا

وَلولا الرَّجَا أنْ أرضِيَ اللهَ لَم أكُنْ

عَلى أرْضِ منْ يجْفُو أشيمُ البَوارِقا

ولكِن ذُلِّي في رضَى اللهِ عِزَّةٌ

وإنْ كُنْتُ فيهِ لِلسْلُوِّ مفَارِقا

وَما لِي إلا الصَّبرُ في الدَّهرِ جُنَّة

وإن شّيَّبَ الصَّبْرُ الشَّوى والمفَارِقَا

وما نَحْن إلا في مجازٍ فلا ترِدْ

مَجازاً إذا مَا كُنْت تَبْغِي الحَقَائِقا

وَقائِلةٍ عشْ بالسُّلُوِّ مُمَتَّعَاً

وَنل بِكتسابِ الأصْدِقاءِ مُرافِقا

فقلْتُ لها: لا عَيْشَ لي في سِوى التُّقى

ولا صَاحِب في النَّاس إلا مُخَالِفَا

وَأينَ الصَّفا هيهات مِنْ عَيشٍ طالبٍ؟

غَدَا لأهاويل المَماتِ مُرَاهِقَا

وللخِزي في يوْم الجَزَا مُتَرقِّباً

وللصَّبْرِ في دار الفناءِ مُعَانِقَا

فَلُوْمِى رُوَيداً إنني غَيرُ جَازِعٍ

وعَزْمِي سِواي إنَّنِي لسْتُ مَائِقا

بينه وَبَيْنَ أخيه

لم تنقطع الصلةُ القويَّةُ بَيْنَ الأخوينِ الشقيقين الإمام محمد بن إبراهيم الوزير، والعلامة الهادي بن إبراهيم الوزير على ما بينَهُمَا مِن خلاف في العقيدة، فالهادي كان عالماً جليلاً مبرزاً في علوم كثيرة لا سيما علم أصول الدين، ملتزماً بالمذهب الزيدي، وكان يريد لأخيه محمد أن يسلك مسلكه، لكنه مشى في طريق آخر، فقد مال إلى علوم السنة، وجرى بينَه وبين علماء عصره المتمذهبين صراعٌ كبير سبق ايضاحُهُ فيما تقدم.

وتفرقت الديارُ بَيْنَ الأخوين إلا أنهُما كانا يتبادلان الرسائلَ، ويتطارحان الشعر، فمن ذلك قصيدةٌ قالها الهادي بن إبراهيم الوزير مهنئاً أخاه بعودته سالماً بعدَ أن حُصِرَ عن الحج للمرة الثالثة سنة 818 ورجع من (حَلْي ابن يعقوب) بعد أن بلغه وقوعُ خلافٍ بين الأشراف -أشرافِ مكة-

ص: 52

وقيام الأتراك بعزل الحسن بن عجلان، وتولية بعضِ أهله، فكر حاجٌّ اليمن راجعاً إلى بلاده، ولم نعثر من هذه القصيدة إلا على مطلعها وهو قولُه:

إذا فاتَ حَج البَيْتِ في ذلك المجْرَى

فَقَدْ كتبَ اللهُ المَثُوبةَ وَالأجْرا

فأجاب عليه محمد بن إبراهيم بقصيدة منها:

تبَارَكَ مَنْ أعْطَى مُحَمداً الاسْرَا

وَاحْصَرَه في عام عُمْرَتهِ قَسْرَا

فسُرَّ بذاكَ المُشْركونَ لِجَهلهمْ

وعزَّ علَى قَوْمٍ وقَدْ شَهِدُوا بَدْرَا

ومنها:

فَلِلهِ مَنْ أهْدَى إلَيَّ نِظامهُ

لِيبردَ مِنِّي وَعظُهُ كبِدَاً حَراً

أشَارَ إلى زُهْرِ المَوَاعظِ ناظِماً

لَها نظْمَ أَفْلاكِ السما الأنْجُمَ الزُّهْرَا

فَلَم أرَ شِعراً في الشعَائِر قَبْلَهُ

وَلا مِثْلَه شِعْراً يَتِيهُ عَلَى الشِّعْرَى

وَلوْ لم يَكُنْ فِيهَا سِوَى بيتَها الَّذِي

أرَى مَلَكاً ألْقاهُ في سِرِّهِ سِرَّا

أذاقكمُ فَقراً إلَيْه لِتعْلمُوا .... بأنَّ الغِنَا المَقْصُودَ أنْ تَطْعَمُوا الفَقْرَا

فَمَن لَمْ يَذُقْ هذا الغِنَا في حيَاتِهِ

فَقَدْ عَاشَ مِسْكِيناً وإن مَلَكَ الأمْرَا

ص: 53

ومنها:

وَمَا امتَحَن اللهُ الكلِيمَ بفِعْلِهِ

وَخِدْمتِهِ للشَّاءِ في مَدينٍ عَشْرَا

لِيَقضِيَ مِنْ مَهْرِ الزَّوَاجَة حَقَّه

وَلكِنْ لِيَقْضِي لِلمُكاَلَمَة المهْرَا

وَمَا (1) كان إبْرَاهِيمُ في المَنْجنِيقِ والـ

ـلظَى عَادِماً لُطْفاً وَلا نَاقِصَاً قَدْرَاً

وَلَا ظَمِئَتْ في الوادِ هَاجرُ وابْنُهَا

هوَانَاً على منْ يَمْلِك السُّحْبَ والقَطْرَا

وَلَا بِيعَ بالبَخْسِ المُكَرْم يُوسُفُ

لِيُمْلَكَ لَكِن حُكْمُهُ لِيَلِي مِصْرَا

وفِيمَا رَأَى يَعْقُوبُ مِنْ فَقْدِ يُوسُفٍ

مَواعِظُ تَشْفِي مِنْ مُلاحِظِهَا الصَّدْرَا

وكتب الإمام محمدُ بنُ إبراهيم الوزير إلى أخيه هذه القصيدة يحثُّه على الابتعاد مِن مجالسة الحكام.

يَا سِبْطَ إبْرَاهِيمَ لا تَنْسَ ما

كَانَ عَليْهِ بالتَّحَلِّي أبُوكْ

فَإنَّ آباءك لوْ شَاهَدُوا

بَعْضَ الَّذي تَفْعَلُهُ أنَّبُوكْ

مَا لك لا تَسْلُكُ نَهْجَاً وقَدْ

سَنَّ لنَا فِيهِ أَبُوكْ السُّلُوكْ

وَأهْلُنَا من قبْلِنَا طالَمَا

عَاشُوا وهُمْ فِيهِ لِحَرْبٍ سلوكْ

فانْهَضْ إلى أوْطَانهِمْ شاخِصَاً

وَارْمُكْ بِهَا إمَّا أَردْتَ الرُّمُوكْ (2)

(1) في نسخة: ولا كان.

(2)

الرموك: الإقامة الدائمة.

ص: 54

فَوَقْفَةُ في مَسْجدٍ سَاعَةً

خَيرٌ لنَا منْ مُلْكِ ملْكِ المُلوكْ

هذَا وإنْ كُنْتَ آمْرءاً عَاشِقَاً

لِلمُلْكِ لا تَنْفَع لَدَيكَ الصُّكُوكْ

وإنَّمَا تنفعُ مَنْ قَلْبُهُ

لا يعْتَرِيهِ في المُلُوك الشُّكوكْ

واعْلَم بأن العِزَّ والزُّهدَ

والفَضْلَ وَأهْلَ المُلُوكِ طُرَّاً هَلُوكْ

وابعَدْ عن المُلْكِ وَأرْبَابهِ

وإن هُمُ يَوْمَاً لهُ أَهَّلُوكْ

ولا تُطِعْهُمْ يا شقِيقي وَلَوْ

وليتهم في أمْرِهِمْ أوْ وَلُوكْ

وَلا تُضِعْ يَا سَيِّدِي حُلَّةً

وحِليَةً قَدْ صَاغهَا أَوَّلُوكْ

لا تنْظُرَنْ يَوماً إلى قَائِمٍ

وَانْظُرْ إلى مَا قَالَه نَاصِحُوكْ

وعَاصهِمْ إنْ كُنْت ذَا هِمةٍ

لَهُم وطاوعْهُمْ إذَا نَاصَحُوكْ

وقد أجاب عليه الهادي مؤيداً رأي أخيه الأصغر، وممتثلاً نصيحته مع أنه أكبرُ منه بسبعة عشرَ عاماً.

فَارِقْ بني الدُّنيا وإنْ أكْرَمُوك

وارفُضْ بني المُلْكِ وَإنْ قَرَّبُوكْ

يوماً إذَا ما أنْتَ أرْضَيْتهُمْ

مَلُّوك أو أسْخَطتَهُمْ عَاتبُوكْ

ومِثْلُ خَطَّ فوْقَ ماءٍ إذَا

عَاتبْتَهُمْ، والويْلُ إن عاتَبُوكْ

وإنْ هُمُ أعْلَوْكَ في رُتْبةٍ

فَإنَّما في هوَّةٍ كَبْكبوكْ

إنْ قَطَعُوا عَنْك عطَايَاهُمْ

أوْ قَطَعُوا أملاكَهُمْ عَذَّبُوكْ

لَهُم علَيْكَ الحَقُّ فِيهَا سَوا

أعْتبْتهُمْ في الأمرِ أوْ أعْتَبُوكْ

وَلَا يغُرَّنْكَ أنْ ثَوَّبوكْ

وإنما فيما أرى ثَيبوكْ

فابعَدْ عَنِ القَوْم فَلوْ جِئْتَهُمْ

طِفْلاً وَخَالطتهم شَيَّبُوكْ

ولا تَحَملْ لهُم رَايةً

في الحَرْب لوْ أنَّهُمْ حَاربُوكْ

فإنمَا تحْمِلُ في مثلِ ما

أمَّ بها المختارُ غزوةْ تَبُوكْ

وَاقْنَعْ من الدُّنْيا بِمَرْقُوعَةٍ

لَوْ أنهَا مَوْضُوعَةٌ في مُسُوكْ

فارْغَبْ عَنِ المُلْكِ وأرْبَابِهِ

وَإنْ هُم في شَأنهِ رَغَّبُوكْ

ص: 55

وَكلْ حَلالاً خَشِنَاً وَاتَّدِمْ

شُكراً، وَكُنْ لِلدهر مِمن يَلُوك

وَجَالِسِ الزُّهَّاد وَانْهدْ إلى الـ

ـعبادِ واقْصِدْهُمْ وإن جَانَبُوكْ

فَإنَّ بَعْضَ الفُضلا كَان في

جَزيرَةٍ يَعْبدُ رَبَّ المُلُوكْ

وَكَانَ لا يأكُلُ في عُمرهِ الـ

ـمَحمُود إلَاّ مِن لُحُوم السَّموكْ

وَلَيستِ الدُّنيا بمحمودَةٍ

هيهَاتَ مَا فيها لَنا منْ سُلُوكْ

والزُّهْدُ منها ثوْبُ عزٍ لمَن

يلْبسُهُ جوَّده مَنْ يَحُوكْ

لكَِّنه عزُّ فتىً لابسٍ

في ذلِكَ الثوب الشَّريف المحُوكْ

وقَدْ أتَى يَا وَلدِي منْك لي

نظْمٌ هُوَ الدُّرُّ الَّذي في السُّلُوكْ

كَأنَّهُ الشَّمْسُ ولكِنَّهَا

طَالِعةٌ ما إنْ لها مِن دُلُوكْ

هُوَ اليقينُ الحقُّ مَا خالطتْ

قلْبِي فِيما قُلْت فيه الشْكُوك

ما أوْضحَ النَّهْجَ الذي جئتَه

وأوْضَح المَسْلَك لا فُضَّ فُوكْ

واعْلمْ بأنِِّي يابْن أمِّي عَلى النـ

ـهجِ الَّذِي نَوَّرَهُ سَابقُوكْ

وكلُّ حَالٍ غير هذَا وإن

قِيلَ بِه لا يَرْتضيهِ أخُوكْ

وَلَسْتُ بالراضي بهَا حَاجَةٌ

أحسن فيها رفضها والتُّروكْ

تِلْكَ التي من وصف أصحابِها

حماقةُ الروم وكِبرُ التُروكْ

ولما مَرِضَ الإمام محمد بن إبراهيم الوزير في الأقهوم من جبل عيال يزيد، طلب منه الهادي بن إبرإهيم أن يكتُبَ له بخطِّ يده ما يُطمئنه على تماثله للشقاء فكتب إليه:

طَلَبتَ تقرِير خطِّي كي تَقَرَّ بهِ

قلْباً وَعَيْنَاً وأحشاءاً وَأشْجَانا

وفي الأنامِل ضَعْفُ غيرُ مكتبة

وَرَعْشَةٌ لمْ تَدَعْ لِلخَطِّ تبيانَا

أضْحَتْ عَوَامِلُ خَطَّي بَعْدَ قُوَّتِهَا

وهُنَّ أضْعَفُ خَلْقِ اللهِ أرْكَانا

وَقدْ كَتَبْتُ عَلَى عجْزٍ وَتعْتَعةٍ

هذي القَوافيَ لِلمطلُوبِ عُنوانا

ص: 56

وَلَوْ غَدَا ابنُ هلالٍ والعميدُ وَمَنْ

زان الجزيرة تجويداً وإتقانا

مترجمين لما في القَلْبِ مَا وَجَدُوا

إلى بَيَانِ الَّذِي في القلب إمكانا

وَقَدْ وَقَفْتُ على الأبياتِ جامعَةً

وَداً ولُطْفَاً وإعجازاً وإحسانا

وَلَيسَ في قُدرتي وَصفٌ لِمَوْقعِهَا

وَلَو تَحَوَّلْتُ في الإحْسَانِ حَسَّانا

وقد أجابه الهادي بن إبراهيم الوزير مهنئاً له بشفائه فقال: -

بُشرى بعافية العُلُوم كلامِها

وحديثِهَا وحلالِها وحرامِها

وأصولهَا وفروعِها وبيانِها

وبديعهَا وغريبها ونظامِها

لمحمدٍ شفيت وزالَ سقامُها

وبهِ شفاء الداء من أسقامها

لما ألمَّ بجسمه ألمٌ سَرَى

مِنْه إلى الأرواحِ في أجسامِها

وشفاه مِن آلامه ربُّ السما

فشفى عُلُومَ الدِّينِ مِن آلامها

حمداً لمن أولاك بَرْدَ سَلَامة

وَحَباكَ مِن تُحَفِ الهُدَى بسلامِها

اللهَ أحْمَدُ قَدْ شَفَى لِي مُهْجَةً

هَامَتْ وَحُقَّ لَهَا عظيمُ هُيَامِهَا

لِمحمد عِزِّ الهُدى وهو الَّذي

قَدْ حَلَّ في العَلْيَاءِ فَوْقَ سَنامِهَا

هذا الَّذِي أحيا العُلُومَ وَذَا الذِي

أحيا التِّلاوَة فَهوَ بدرُ ظَلامِهَا

الله قلَّدني بذلك نِعْمَة

عُظْمَى ينوءُ الشُّكرُ تَحْتَ مَصَامها

لا يهتدي الدُّعْموص طرقَ رمالِهَا

أبداً ولا التِّسماحُ في قمقامِهَا

لو أن عدناناً حبتني كُلُّها

بِبيَانِ منطقها وحسْنِ كلامِهَا

ما كُنْتُ أبلُغُ شكرَهَا مِن نِعْمَةٍ

لوْ كانَتِ الأشجارُ مِن أقلامِهَا

فاللهُ يُوزِعُنا جَمِيعاً شُكرَها

ويزيدُنا حَمدَاً على إتمامهَا

إني أقولُ مقالَةً قَدْ قالَهَا

عُمَرٌ بِبَطْحا مَكَّةٍ وَإكَامِهَا

مَعَ حُسْنِ خَاتِمَةٍ أفُضُّ خِتَامَهَا

وَرِضَاه عَنِّي يا لَطِيبِ خِتَامِها

ص: 57

بينه وبين المقري

ولما اطلع الإمامُ العلامة شرفُ الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري الشافعي على " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " مختصر " العواصم والقواصم " كتب إلى مؤلفه رحمه الله ما يلي: ولقد وقف المملوكُ على " الروض الباسم " فما هو إلا الحسامُ القاصم، لقد وقع من القلوب موقع الماءِ من الصادي والنَّجح من الغادي، والراحة من المعمور، والصلة من المجهور (1) ولقد نصرتَ الحديثَ على الكلام، والحلالَ على الحرام، وأوضحت الصراطَ المستقيم، وأشرت إلى النَّهْجِ السليم (2)، ولم تترك شبهة إلا فضحتها، ولا حُجَّةً إلا أوضحتها، ولا زائِغاً إلا قومته، ولا جاهلاً إلا علمته، ولا ركناً للباطِل إلا خفضته، ولا عقداً لمبتدع إلا نقضته، ولقد صدقت الله في النية (3) في الرغبة إليه، ووهبت نفسك لله، وتوكلتَ عليه، فالحمد للهِ الذي أقر عين السنة بمكانه، وأدالها على البدع وأهلها ببرهانه (4)، فلقد أظهر مِن الحق ما ودَّ كثير من الناس أن يكتمه، وأيد دين الأمة الأمية (5) بما علمه الله وألهمه فعض على الجذل، وسيجعل الله لك بعد عسر يسراً، وإنا لا ندري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمراً، وإذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، وفتح لمن أراد له الدخول بابه.

إذا الله سَنَّى حَلَّ عَقْدٍ تَيَسَّرا.

(1) في نسخة من المخمور والصلد من المهجور.

(2)

في نسخة وبينت المنهج السليم.

(3)

في نسخة في الرغبة إليه.

(4)

في نسخة وأذالها على المبتدع وأهله.

(5)

في نسخة الحنفية.

ص: 58

ومن وقف على ما أفحمتَ به ذلك المعتدي (1) من الحق الذي استحلفت فيه بالإعجاز والتحدي علم أن بينه وبينَ النفثات النبوية أسباباً (2) شريفة لا تُحل عقودها، ولا تُضاع حقوقها، ورحماً بلها ببلالها، وبادر إلى صلتها ووصالها، لقد أبقى نوراً في وجه الزمان، وسروراً في قلوب أهل الإيمان، وقلدت جيدَ السنة منة وأي منة، أصبح شخصُك ملموحاً بأعين البصائر، وحديثُك (3) ملتقطاً بأسماع الضمائر والمنة. في ذلك المصنف على عامة أهل الملة وخاصة أعيان هذه النحلة، فحق على الكل أن يعرفوا حقه إن كانت لهم أفهام تقدره حق قدره، وأن يستضيئوا بنوره إن كانت لهم أبصار تثبت للنور فجره، وأرى لهم أن يكتبوا (4) أنفاسه إن كانت الأنفاس مما يكتب سمع الدعاء (5) إلى الفلاح فوثب، وقلب الله قلبه إلى الحق فانقلب من غير ترهيب استفزه، ولا ترغيب هزه، ولا محاسدة اعترته ولا مناظرة غيرته بل توفيق مِن الله (6) إلهي، وإلهام سماوي سهل عليه مفارقةَ العادة وما نشأ عليه بدءاً وإعادة، وإن أمراً هذا أوله، فعواقبه عن النجاح مسفرة، وقصداً هذا مبتلؤه، فمغارسُه مثمرة.

وإني لأرجو الله حَتَّى كأَنَّنِي

أَرى بجميلِ الظَّنِّ ما اللهُ صانِعُ

ومن جواب محمد بن إبراهيم الوزير عليه: -

ومِنْ عَجَبٍ لم أقضِه مِنه أنَّه

توهَّمني في العلم سامي المراتب

(1) في نسخة المتعدي.

(2)

في نسخة أنساباً.

(3)

في نسخة ودرك.

(4)

في نسخة وأن يكبتوا أنفاسه إن كانت الأنفاس مما يكبت.

(5)

في نسخة النداء.

(6)

في نسخة توفيق الهي.

ص: 59

أغرك أنَّي قد ذُكرتُ وإنَّما

ذكرتُ لأني مِن جبال المغارب

وقد عَدِمَت فيها البصائرُ والنهي

فطيَّب ذِكري (1) موْتُ كُلِّ الأطايِبِ

ولَو عدمت وُرْقُ الحَمَائِم لم يَكُنْ

بمستبعَدٍ تشبيبنا (2) بالنَّواعِبِ

وألبست تأليفي العَواصِمَ بالثنا

جمالاً أطاب الشكر مِن آل طالِب

وما فيه منْ حُسن سوى أنه شجا

روافِض صحبِ المصطفي والنواصِب

وما كان تأليفي له عن تضلُّع

مِن العلم يشفي الصدرَ من كُلِّ طالب

ولكنني والحمدُ لله منصف

أذُبُّ بجهدي عن صحاح مذاهبي

فلا تَتَوهَّمني بِعِلْمٍ مُحققاً

فإنَّك ما جربت كُلَّ التَّجارِب

توهمت ناراً بالتخيُّل حينما (3)

دجا الليلُ وامتدت ذيولُ الغياهِب

رويداً خليلي لا يَغُرَّك إنَّما

رأيت التي تُدعى بنار الحُباحِبِ

وما كُلُّ نار نارُ موسى لِمهتدٍ

ولا كُلُّ بَرقٍ في الثقال الهَوَاضِبِ

نصحتُك لا أني تواضعْتُ فَانْتَفعْ

بِنُصْحي فما أرضى خِداعاً لِصاحب

ولا زِلْتَ يا خيْر الأفاضِل باقياً

رضيع لبان للعُلا والمَناقِب

مرحلة التدريس

ولما تَصَدَّرَ للتدريسِ، أقبل عليه طلبةُ العلمِ مِن كل مكانٍ، لينهلوا مِن علومه الواسعة، ومعارفه المتنوعة، وقد سأله بعضُ إخوانه القراءَة عليه في بعض كتبَ المنطق فأجاب عليه بقوله كما في " تاريخ الوجيه العطاب ":

يا طَالِبَ العِلْم والتَّحْقِيقِ في الدِّين

والبَحْثِ عنْ كُلِّ مكْنُونٍ ومخْزونِ

(1) في نسخة فطبت بذكري.

(2)

في نسخة تشبيهنا.

(3)

في نسخة حيثما.

ص: 60

أهلاً وَسَهْلاً عَسَى مَنْ رَامَ تبْصِرةً

منِّي وهدياً إلى الخَيراتِ تهديني

لكِنْ أطعْنِي وأنْصِفْ في الدَّلِيلِ مَعِي

فَمنْ يُقلِّدُ فيهِ لا يُوَاتيني

أمرتَ أن تطلُبَ الدِّين الحَنيفَ وَلوْ

بالصِّين أو بالأقاصي مِن فِلِسْطينِ

والعِلْمُ عَقلٌ وَنقْلٌ ليسَ غَيرهما

والعقلُ فيكَ وَليسَ العَقْلُ في الصِّينِ

أُمرت أن أطلبَ العِلمَ الشريفَ وَلَو

بالصِّين إن كان عِلمُ الدِّين في الصِّينِ

إلى أن يقول ناصحاً له أن ينصرف عنه إلى ما هو أنفع وأجدى:

إن البَصَائِرَ كالأبصارِ لَيسَ تَرَى الـ

ـخَفِيَّ جدّاً سِوى رجْمٍ وَتَظْنينِ

لِذا تَخالف أهْلُ العَقْلِ واضَّطربُوا

فيهِ كَعَادَتِهِمْ في كل مظنونِ

قَليتُ في العلم مِن بعد الرُّسوخ به

واعتضْتُ بالذِّكرِ منه غيرَ مغْبُونِ

مَا فِيهِ إلا عِباراتٌ مُزخْرفةٌ

أتى بِهِنَّ ابنُ حَزْمٍ بالتَّبايينِ

كمْ منْ فتىً منطقي الذِّهن ما خطَرتْ

بالبالِ منه اصْطلاحاتُ القَوانينِ

وَكمْ فَتىً منطِقي كافِر نَجِس

كالكلْبِ بلْ هُوَ شَرُّ منه في الهُونِ

يرى وَساوِسَ أهلِ الكفْرِ منقبةً

فهماً ويسْخرُ من طه وياسِينِ

كذلِكَ الرُّسلُ لم يُعْنَوا بذاك إلى الـ

ـمحمد مِن سليلِ الماء والطِّينِ

بَلِ اكتفوا بالذي في العقْلِ مَعْ نظرٍ

سَهْلٍ بغيرِ شيوخ كالأسَاطينِ

معَ اعتراضِ شَياطينِ الخُصُومِ لَهُم

وَشُهرة الطِّين في كُلِّ الأحايينِ

وَرُبَّمَا كانَ في التدقيق مَفْسَدَةٌ

لِلقلب أو لافتراق الناسِ في الدِّينِ

مثل الغلو بأفعالِ الخوارجِ كالـ

ـوِصَالِ والاختصا خوفاً من العَيْنِ

ص: 61

واللهُ أعلمُ والرسلُ الأكارم من

شيوخ جبة (1) قطعاً غير تخمين (2)

ولا شك أنَّه قد حصر اهتمامه في المقام الأول بنشر علوم الكتاب والسنة، وتدريسها لطلبة العلم، ولكنه لما ظهر أمره، وبَعُدَ صيتُهُ واشتهر علمُه بين الناس، خاف على نفسه من فتنة الشهرة، وحُبِّ الدنيا، فعزف عن المضي في هذا الطريق، ورجع لمحاسبة نفسه على ما أسلف:

ولما عُوتِبَ على انقطاعه من مجالس التدريس أجاب عليهم بقوله:

لامني الأهلُ والأحِبَّةُ طُرّاً

في اعتزالي مَجَالِس التَّدريسِ

قُلْتُ لا تَعذُِلُوا فَمَا ذَاكَ مِنِّي

رغبةً عَنْ علُومِ تِلك الدُّرُوسِ

غَيْرَ أنَّ الرِّيَاضَ تأوي الأفاعي

وجِوَارُ الحَيَّاتِ غيرُ أنيسِ

غَيْرَ أني خَبَرْتُ كُلَّ جليسٍ

فَوَجدْتُ الكتَابَ خَيْرَ جَلِيسِ

هي رِيَاضُ الجِنَانِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ

وَسَنَاهَا يُزْرِي بنُورِ الشُّمُوسِ

حَبَّذَا العِلْمُ لَوْ أمِنْتَ وَصَاحَبـ

ـتَ إماماً في العِلْمِ كالقَامُوسِ

فَدَعُوني فَقَد رَضِيتُ كِتَابِي

عِوَضاً لي عَنْ أنْس كُلِّ أنيسِ (3)

وقد وصف محمد بن عبد الله بن الهادي الوزير حاله قائلاً: ثم إنه بعد ذلك انتصب لنشر هذه العلوم، وتصدر برهةً من الزمان، وهُرِع إليه الطلبة من كل مكان، فاستناروا بمعارفه، واقتبسوا من فوائده، فظهر أمره، وَبعُد صيته. فلما رأى أن في هذا طرفاً من الدنيا والرئاسة قدع نفسَه وقمعها، ومنعها مما تشوَّفت إليه وردعها، ثم أقبلَ على الله بكليته، فلزم العبادَة والأذكار،

(1) شيوخ جُبَّه المراد بهم المعتزليان أبو علي، وأبو هاشم الجبائي نسبة إلى جُبّة بضم الجيم وتشديد الموحدة قرية بالعراق.

(2)

ترجيح أساليب القرآن 40 - 42.

(3)

ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان 40.

ص: 62

وقيامَ الليل وصيام النهار، وتأديب النفس وإذلالَها للملك الجبار، فألجمها بلجامِ الزُهد، وجرها بعِنان التقوى، وأخزاها (1) في ميدان الورع، وساقها بسوط الصبر، وأدخلها اصطبل الخلوة، وربطها إلى جدار التوكل، وعلفها الجوعَ، وسقاها الدموعَ، وألبسها سرابيلَ الذل والخضوع، وتوّجها بتاج التبتل والخشوع، ولم يبق نوع من أنواع الرياضة، ولا طريق من طرق السلوك إلاّ سلك بها مسلكه، وشرع بها في جناحه، وكلفها تحمل أعبائه.

ولقد كان يخصِفُ نَعلَه، ويكتسِبُ لأهله، وربما تظاهر بأنواع التصرفات والحرف كحرف الفدادين والجفاة، ويلبَسُ الصُّوفَ الخشن، ويُفطِرُ على قرص الشعير بلا إدام، ويقصِدُ بذلك رياضة نفسه وتحقيرها وتصغيرها، وردعها، وتعريفها بمنزلتها عنده، ثم يقول: ومِن رقائق أشعاره في بُعْده من الناس وانقطاعه أبيات كان كتب بها إلى المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى في عقب دعوته: -

أعَاذِل دَعْني أُرِي مُهْجَتِي

أزُوفَ الرَّحيل ولُبْسَ الكَفَنْ

وأدْفِنُ نَفْسِي قَبْلَ المَماتِ

في البَيْتِ أو في كُهُوفِ القِنَنْ

فإنْ كُنْتَ مقتدياً بالحُسَيْنِ

فَلِي قُدْوةٌ بأخيهِ الحَسَنْ

فَقدْ حَمِدَ المصطَفي فِعْلَهُ

لإطْفَائِهِ لِنيَارِ المِحنْ

وَلَوْ كانَ في فِعْلِه مُخْطِئاً

لَمَا كانَ لِلمَدْحِ مَعْنىً حَسَنْ

وأقبل ما في حَدِيث الرَّسُولِ

من ذِكْرِ مَوْجِ بِحَارِ الفِتَنْ

فإنَّ السَّلامَةَ في الاعتِزَالِ

جَاءت بِذَا، مُسْنَداتُ السُّنَنْ

(1) في نسخة وأجراها.

ص: 63

وفي دَرْسِ آي الكِتَابِ العَزِيزِ

وَتَرجيعِهَا لِيهِيجَ الحَزَنْ

وَدَرْسِ الصَّحيح من المُسْنَدَات

إلى المُرْسَلِ العَاقِبِ المُؤْتَمَنْ

ومحو الذُّنوبِ بِدَمْع يَصُوب

على مَا مضَى في قَدِيم الزَّمَنْ

وأمسِ الرسوم مَحتْها الغيُومُ

وأنسى الحبيبَ وأنسى الوَطَنْ

وَأنْسَى الدِّيارَ وسُكَّانَهَا

ومَا كَانَ لي فيهمُ مِنْ شَجَنْ

وأبكي بِشَجْوٍ عَلَى مُهْجَتِي

بُكاءَ الحَمَائِم فَوْقَ الفَننْ

فإنِّي رَأيْتُ الوَرَى ظَاعِنيـ

ـنَ نَحْوَ البِلَى ما لَهُمْ مِنْ سَكنْ

فأيْقَنْتُ أني بِلا مِرْيَةٍ

غداً ظَاعِنٌ مِثْل مَنْ قَدْ ظَعَنْ

سَأجْعل ذِكْر البِلَى في القُنُوت

مَكانَ ادِّكار اللِّوا والدِّمَنْ

وأورد من كلامه في الزهد قوله:

أيّها السائر إلى ديار الموتى قد سارتِ الدُّنيا وما تدري والراكب لسفينة البقاء، أما علمت أنَّها إلى الفناء تجري؟ أنتَ المغتر بمدة العُمُر وهي قصيرة، والمُفتن في أنواع الهوى بغير بصيرة، عجباً من اختلاف أحوالك وأطوارك، وتقلباتك وأسفارك، أما أسفار دنياك، فتشفق فيها من عبدٍ عاجز أن يَنْهَب طِمرك، وأما سفرك إلى أُخراك، فتأمن فيه مِن ربِّ قادرٍ أن يقصِفَ عمرك، ما أخوفك في موضع السلامة، وآمنك في موضع المخافة، أما خوفك، فحيث ينجو الغني بفلوسه، والفقير ببؤسه، والمترفِّق برفقائه، والقوي بقوته، وأما أمنُك، فحيث ارتعدت فرائصُ الملوك القواهر، ولم يدفع عنهم الحصون ولا العساكر ضَلَّةً لرأيك، فأستيقظ، وضيعةً لعمرك فاستحفظ.

يَا مُولَعاً بوِصَالِ عَيْشٍ نَاعِمِ

سَتُصَدُّ عَنْهُ رَاضِياً أوْ كارِهَا

إن المَنِيَّة تُزْعِجُ الأحْرَارَ عَنْ

أوْطَانِهمْ والطَّيْرَ عنْ أوْكَارِهَا

ص: 64

فقطع حبائل الأمل ورجاه. واعلم أنك إن لم تمت فجأة مرضت فجأة، فاستعن على ترقيق قلبك وخشوعه، واحتسب (1) طرفَكَ ودموعه بتصور حال خروج الروح من الجسد، والمفارقة للأهل والولد، والسَّفَر الذي ليس بعدَهُ إياب إلى المنزل الذي وساده الحجرُ، وفراشُهُ التراب حيث لا أهل ولا أصحاب، ولا أنس ولا أتراب، هيهاتَ ما في الترابِ من تِرب، ولا في الشراب من شَرب. إن آخر قضاء الإخوان لحقوقكَ، وأول قطيعتهم لك وعقوقك هيلُهُم للتراب على قبرك عند الدفن، وإدرارهم من الدمع ما سحَّ به الجفن، ثم كلما رَمَّ جسمُكَ في لحدك، وأكل الترابُ من جلدك، رمَّت عندهم حبائلُ ودِّك، وامّحت رسومُ عهدك. وإلى هذا أشار من يقول في بعض الفصول: صدق المثل: (لا صَدِيقَ لميت لو كان يصدق مات حين يموتُ) فما اشتغالُكَ بما لا ينفعك في معاشك، ولا معادك، ولا يُبصرك (2) في اقترابك ولا ابتعادك، اصْحَبْ صاحباً لا تحتاج معه إلى سواه، وهُمّ عملاً واحداً لا تكلف نفسك إلا اياه، لعل قلبَكَ بذلك الصاحب يأنس، ونفسَكَ من غير ذلك العمل تيأس، إنَّكَ إن جلوت بالخلوة فؤادك، وقصرت على الخير مرادَكَ، وكحلت عينيك سُهَادَكَ، واتخذت الله في كل أمر عمادَك، وشفعت بالدموع لمردود وجهك الذي لا حياء في ديباجته، ورفعت إلى الله يديك مرتعشاً من هيبته وجلالته، وشفعت ذلك بإطالة السجود والناس هُجود، وبالإلحاحِ في طلب القبول والناس غفول، رَجَعتْ لك رعاية تأخذ بضبُعَيْك عند السقطات، وتُنقذك من ورطتك عند الورطات، لعلهم إن عَلِمُوا بحبه، يرعون حق ودِّهِ لقلبه، ويسمحون طول بُعده منهم بحسن وصله وقربه، فييأس الحساد من حنينه، ويستريحُ من عظيم كربه بإراحة

(1) في نسخة: واستحلب شؤون طرفك.

(2)

في نسخة: ولا ينصرك.

ص: 65

القلب وسلوانه، إن لم يُفِدْ مودة من ربه. ومن كلام له رضي الله عنه: إخواني قَطِّعُوا مراثر الآمال، فإن الأمر قريب، واستكثروا من صالح الأعمال، فإن السفر بعيد، وسرحوا أبصاركم في مواطن الأهوال، فإن الأمر جليل، وقلِّبوا أفكاركم في عواقب الأحوال، فإن اللُّبث قليل، واهتدوا بنور القرآن في ظلمة الحيرات، وانتفعوا بقول الرحمن (فاستبقوا الخيرات) ألا أدلكم على طبيب هذه النفوس ومطلقكلم من هذه الحبوس، عليكم بالقرآن، فإنه الطبيب الآسي، عليكم بالقرآن فإنه الكريم المواسي، ارتعوا في رياض حواميمه، انتفعوا ببيان طواسيمه، اقتدوا بأعلام مصابيحه، استقوا بغمام مجاديحه إلى قوله:

"انظروا إلى معجز لا ينالُهُ طاقاتُ العباد، وجديدٍ لا يَخْلَقُ على الترداد، وأسلوبٍ يتعالى عن الإِقواء والسِّناد، وغريبٍ لا يُمَاثلُهُ ما في الأنجاد، وعربي جاء به أفصح من نطق بالضاد، تحدّى به مَهَرَةَ الكلام فأسكتهم، وأردى به فرسانَ البيان، فكبتهم أظهر به عجزهم، وأبطل به عُزَّاهُم وعِزَّهُم، وتلاه في مجامع محافلهم المشهودة بمسالفهم، وأوحاه في مسامع جحافلهم المرفودة بمصاقعهم، فقالوا مرة: ساحر كذاب، وتارة شاعر مرتاب، تَاللهِ لهم أكذب وأشعر، وأعرفُ بأساليب الكلام وأسحر، راضوا فنون البلاغة وملكوها، وارتضعوا أضاريب البلاغة ولاكوها، وخاضوا أودية الشعر وغماره، ومارسوا أعمارهم كهولة وأغماره فما بالهم وهذه الفرية على من لا يُحسن إقامة بيت من أوزانه، ولا يدري بأفنانهم في ميدان عروضه وميزانه، وأعجب من هذه رميهم له بالخيانة وهو في ألسنتهم يُدعى الأمين وبهتهم له بالخيانة وهو في بيوتهم مُصاصة المُصاصة في النسب العربي المبين، معروف البشارة في باديتهم ومَكَّتِهم،

ص: 66

مشهور العدالة في بطحائهم وبَكَّتهم .. إلى كلام طويل حذفناه اختصاراً (1).

وقد ابتعد الإمام الوزير عن الناس حتى عن أهله؛ ومال إلى الزهد والورع، واشتغل بالذكر والعبادة كما ذكر أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه " الفضائل " وملازمة الخلوات والأماكن الخالية، كمسجد وهب (2)، ومسجد نُقُم، ومسجد الروية، ومسجد الأخضر، وفي المنازل العالية على سطح الجامع ينقطِعُ في بعض هذه الأماكن ثلاثة أشهر: رجب وشعبان ورمضان، ويعتذِرُ عن موافقة أهله وأرحامه، ويسألهم إسقاط الحق من الزيارة وعن غيره.

كما كان يذهب إلى المفاوز، وشِعاف الجبال، وبطون الأودية،

وأقام بعضَ الوقت في رأس قُلة بني مسلم (3)(جبل سَحَمَّر) ووصف حاله بقوله:

فَحِيناً بِطَوْدٍ تُمْطِرُ السُّحْبُ دُونهُ

أشمَّ منيفٍ بالغَمامِ مُؤَزَّرُ

وَحِيناً بشعْبِ بَطْنِ وَادٍ كأنَّهُ

حَشَا قلم تُمْسِي به الطَّيْرُ تصفرُ

أُجَاورُ في أرَجائِهِ البُومَ وَالقَطَا

فَجِيراتُها لِلمَرْء أولى وأجْدَرُ

هُنَالِكَ يصْفُو لي مِن العيشِ وِرْدُهُ

وإلا فَوِرْدُ العَيْشِ رَنْقُ مُكَدَّرُ

فإن يَبِسَتْ ثَمَّ المراعي وأجْدَبَتْ

فروضُ العُلَا والعلم والدين أخْضَرُ

ولا عَار أن ينجو كريمٌ بنفسه

ولَكِنَّ عاراً عجزُهُ حين يُنصر

فَقَدْ هَاجَرَ المختارُ قبلي وَصحْبُهُ

وفرَّ إلى أرض النجاشيّ جَعفَرُ

(1) ليت المترجم أثبتها كاملة.

(2)

مسجد وهب بن منبه في العرضي الأعلى جنوب باب اليمن.

(3)

جبل مشهور في عزلة بني مِسْلِم من أعمال يريم وما يزال في أعلى هذا الجبل بقية مسجد يدعى مدرسة ابن الوزير نسبة إليه.

ص: 67

شعره

له شعر كثير في أغراض شتى وأكثره في مدح علم الحديث ومدح أهله، وقد تقدم شيء من ذلك ومن شعره قوله:

إن كان حبي حديثَ المصطفي زللاً

مني فما الذنبُ إلا من مصنفه

وإن يَكُنْ حبه ديناً لِمعترف

فذاك هَمِّي وديني في تعرفه

ومذهبي مذهبُ الحَقِّ اليَقين فمَا

يُحَوِّل الحال إلا من تشوفه

وذاك مذهبُ أهلِ البيت إنَّهم

نَصُّوا بتصويبِ كُلٍّ في تَصَرُّفِهِ

نَصُّوا بتصويبِ كُلٍّ في الفروعِ فما

لَوْمُ الذي لام إلا مِن تعَسُّفهِ

فما قفوتُ سوى أعلام منهجه

ولا تلوتُ سوى آياتِ مصحفه

أما الأصولُ فقولي فيه قولُهم

لا يبتغي القلب حيفاً عن تحنفه

ففي المَجَازاتِ أمضي نحو معلمه

وفي المجازَات أبقى وسطَ موقفه

فإن سعيتُ فسعيي حَوْلَ كعبتِه

وإن وقفتُ ففي وَادِي مُعرّفه

وحقِّ حبي له أنِّي به كَلِفٌ

يُغنيني الطبعُ فيه عن تكلُّفه

هذا الذىِ كَثُرَ العُذُّالُ فيه فما

تّعَجَّبَ القَلْبُ إلا مِن معنفه

ما الذنب إلَاّ وقوفي بين أظهرهم

كالماء ما الأجن إلَاّ من تفوقه

والمندلُ الرطب في أوطانِه حَطَبٌ

واستقر صرفَ الليالي في تصرفه

يستأهِلُ القَلْبُ ما يلقاه ما بَقِيَتْ

لَهُ عَلاقَةُ توليعٍ بمألفِهِ (1)

وله أيضا:

إذَا فُتِّحَتْ أبوابُ رحمةِ رَبِّنا

صَغُرْن لديها موبقات الجرائِمِ

وإنْ هي لم تُفْتَحْ ولم يَسْمَحِ الخطا

فَعدّ مِن الهُلَاّك أهل العزائم

(1) في نسخة:

تأهل القلبُ ما يلقاه ما بقيت

له علائق تغريه بمألفه

ص: 68

وما الربحُ والخُسران إلا لِحكمة

بها جَفَّت الأقلامُ قبلَ الخواتم

كما حجب الأبصارَ عن كُنْهِ ذاته

لِذَا حَجَب الأسرارَ عن كل عَالِم

فَقُلْ لِجميع الخائضينَ رُويدَكم

فليسَ بسرِّ الرَّبِّ فيكم بِعالمِ

فهذا مرامٌ شَطَّ مَرْمَى العُقُولِ في

مداه فما في سُبْلِهِ غيرُ نادِم

بعض ما مدح به الإمام ابن الوزير من نثر وشعر:

أثنى بعض العلماء على الإمام ابن الوزير فقد وصفه الأديب البارع وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي بكر العطاب في تاريخه بقوله: الإمام الحافظ أبو عبد الله شيخ العلوم وإمامها ومن في يديه زمامها قُلِّد فيها وما قلَّد، وألفي جيد الزمان عاطلاً فطوقه بالمحاسن وقلد، صَنَّف في سائر فنونها وألف كتباً تقدم فيها وما تخلف، وله في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الباع المديد والشأو البعيد الذي ما عليه مزيد، وله شعر تحسده زهر النجوم، وتود لو أنها في سلكه المنظوم.

وقال القاضي أحمد بن صالح بن أبي الرحال في كتابه (مطلع البدور) في وصفه: المحيط بالعلوم من خلفها وأمامها والحري بأن يُدعى إمامها وابن إمامها كان سبَّاق غايات وصاحب آيات وعنايات بلغ من العلوم الأقاصي، واقتداها بالنواصي فما أجد على قصوري عبارة عن طوله ولا أجد في قولي سعة لذكر فعله وقوله " وقد تقدم ما أثنى به عليه أحمد بن عبد الله الوزير في تاريخ آل الوزير والإمام الشوكاني في البدر الطالع.

ومدحه الشاعر شهاب الدين أحمد بن قاسم الشامي بقوله:

ألمَّ بمحمودِ السجايا محمد

يُعنك وإن ضاقت عليكَ المسالِكُ

فتقتبس الأنوارُ مِن روض علمه

وتُلتمَسُ الأزهارُ وهي ضواحك

ص: 69

هو البحرُ علماً بل هو البدرُ طلعةً

هو القطرُ جوداً وهو للمجد مالك

كفاه كتابُ اللهِ والسنة التي

أتانا بها مَنْ صدقته الملائكُ

ففاضت له مِن حضرة القدس نُكتة

من العلم سراً فيضُها متدَاركُ

فأشرق منها طورُ سنين بهجةً

ونوراً تعاطته النجومُ السوامِكُ

فما شاطىء الوادي المقدسِ مِن طُوى

ولا نوره إلا عليه يباركُ

ولم يَتَّبِعْ نعمانَهم وابنَ حنبل

ولا ما يقولُ الشافعي ومالكُ

وأعلامَ أهلِ البيتِ ردَّ علومَهم

وما زالَ يحكي ضعفَها وهو ضاحِكُ

وما ذاك إنكار لِمشهورِ فُضلهم

ولكنَّه في منهجِ الحَقِّ سَالِكُ

وأما رجَالُ الاعتزالِ فإنَّه

لِما صنفوه في الأصولين تَارِكُ

إذا كانَ ذاك العلمُ منهم فعقلُه

لتلك العقول العالمات مشارِكُ

هنيئاً لقوم قلَّدوه لأنَّه

أنار المعالي وهي سُودٌ حوالِكُ

كأني بهم في جّنَّةِ الخُلد حولَه

لهم سُرُرٌ مرفوعةٌ وأرائِكُ

فهذا الذي أحيا شَرِيعةَ جَدِّه

وأحيا به من في الضَّلالَةِ هالِكُ

فَلَوْ قَلَّدُوه الأمر كَانَ خليفةً

وقلتَ له الدنيا وتلك الممالِكُ

وقصَّر كسرى عن مداه وقيصرٌ

وهرموزهم، والنردَسَين (1) وبابكُ

وسار وتاجُ المُلك مِن فوق رأسه

كذا سارَ عيسى وهو لله ناسِكُ

وحوليه مِن آل النبيِّ عِصابةٌ

ترق للقياها الجبالُُ البوارِك

يدورُ عليها من جديد سحائب

بوارِقُها تلك السيوفُ البوائِكُ

فيا لك مِن أقمار ليلٍ تقلنسَت

كواكِب إلا أنَّهن برائِكُ

يشُقُّون قَلْبَ الجيشِ والموتُ شاهد

فيمضون قسراً والقنا متشابِكُ

غُيوث ولكِنْ حين لا يسمَحُ الحيا

ليوث ولكِن حينَ تحمى المعارِكُ

(1) في نسخة: والنردشير.

ص: 70

أولئك أهلُ البيت أثنى بمدحهم

وتطهيرهم مَن للسَّمواتِ سامِك

فيابن رسولِ الله لستُ ببالغ

ثناءَكَ إلَاّ أنَّني متبارِكُ

فَخُذْها بعفوٍ منك واسْتُرْ عيوبَها

ولا يهتِكنْ تلك الستارة هاتِكُ (1)

وهذه أبيات كتبها العلامة العارف البارع يحيى بن رويك الطويلي، وكان مقيماً في تعز، يمدح الإمام محمد بن إبراهيم الوزير:

أَراك تَلُوم ولا أَرْعَوي

فَخَلِّ الهديرَ وخَلِّ الدوي

كلامُك في الحق لم تعدُه (2)

فيدخل في سَمْعِ صّبٍّ جَوِي

وأنتَ الحكيمُ وأنتَ الرشيد

فدَعْ عنك لَومَ السفيهِ الغوي

تملَّك قلبي حُبُّ الحبيب

وصارَ على عرشه مستوي

وما زالَ ينشرُ فيَّ السَّقَام

غرامٌ عليه فؤادي طوي

وما ضَحِكَ البرقُ إلا بكَيتُ

بُكاً ما شَفَى لي قَلباً دوِي

يلوحُ فيمطر مِن أعيني

دموعاً كَوَبْل السحابِ الروي

وأتبعه مِن حنيني ومن

زفيري رعداً شديدَ الدوي

وُيوقد في الغيم ناراً بها

يذوبُ فؤاديَ أو ينشَوِي

لَهَا لهباتٌ يبيت الظلام

يجفَل عنهن أو ينزَوي

وقد طَارَ عَنْ وكر جفني الكَرَا

فَلَيسَ إليه لَه مِن أوي

وساهرني البرق حتّى الصباح

كما ساهَر الخِلِّ خِلٌّ نوي

ويظهر لي كلما شمته

تَضَرُّب من جُنَّ أو من حَوِي

كأن الذي بي من لوعة

به فهو يقلق أو يلتوي

تَصَوَّب مِن صَوبِ صنعاء لي

فَشَبَّ الهوى مِن فؤادي الهوي

(1) من ترجمته لمحمد بن عبد الله بن الهادي الوزير.

(2)

في نسخة: ملامك في الجو لم يَعُدُه.

ص: 71

وذكرني مَن ثوى ثم من

أناس لهم في فؤادي ثوي

مهماتُ قلبي ادِّكارهم

يؤلفها البارقُ الأسنوي

أحن إليهم حنينَ النياق

وأثغوا غراماً ثُغاء الشوي

ولا سيما عزِّ دينِ الهدى

وقطبِ رحا الشرفِ الهادوي

محمد المرتدي بالكمال

وسالك كل صراط سوي

وإنسان عين بني المرتضى

ودُرَّة عقدهم اللؤلؤي

وبحر المعارف ذاك الذي

غدا البحر في جنبه كالطوي

ورافع أعلام علم الحديث

وناصب عرش الهدى المنهوي

وناشر سنة خيرِ الأنام

وقد كان منثسورها منطوي

ومُحييها وبإحيائها

جلا ذهب المذهب اليحيوي

تجرد في بعث مقبورها

وإنقاذ ما كان فيها ثوي

وما زال يفتي بها في أزال

ويخدمها خدمةَ المقتوي

ويسفك في نصر أعلامها

بصُمِّ اليراع دِمَاء الدوي

فروضتُها الآن مخضرَّةٌ

تَرِفُّ من الرِّيِّ بعد الذُّوي

ومرتعها قد غدا مُعْشِبَاً

ومن بعد صفرته قد حوي

فلِلهِ دَرُّكَ من سَيِّدٍ

على كُلِّ مكرمة محتوي

ودَرُّ جحا حجةٍ أشبهُوك

مِن هادويٍ وَمِن مهدوي

هُمُ مثلُ أحرفِ بيت القصيد

وأنتَ لهم مثلُ حرف الروي

إليكم أحِنُّ حنيناً إذا

ظما كَادَ ضلعي به يَشْتَوِي

وأذكركم فيكادُ الفؤاد

يذوبُ مِن الشَّوقِ أو ينشوِي

فقلبي كليمُ بموسى الفِراق

وحُبِّي برؤيتكم موسوي

أحبُّكم يا بني أحمدٍ

وَحُبُّكم أسُّ ديني القوي

أًحِبُّكم مثل حُبِّ المسيـ

ـح دان به الراهب العيسوي

ص: 72

أوفيكم حَقَّ حبي ولا

أُدنِّسُه بغُلُو الغَوِي

وأهوى على البُعدِ لُقياكم

ولُقياكم خَيْرُ شيء هوي

وأعلم أنكم كالوُكور

ونحنُ طيورٌ إليها أوي

عَطِشْتُ إلى لَثْمِ أقدامِكُم

فيا ليتَ شعري متى أرتوي

فلا زلتُم يا بني أحمد

كهوفاً إليها اللحاق الضوي

مؤلفاته

اشتغل بالتأليف منذ سِن مبكرة، فهو قد صنف " العواصم والقواصم " ولما يَبْلُغ الثلاثينَ سنة، ولم ينقطع عن التأليف حتى قرب وفاته:

1 -

إيثار الحق على الخلق في معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته على مناهج الرسل والسلف. صنفه سنة 837 هـ وهو آخر مؤلفائه.

2 -

البرهان القاطع في معرفة الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع فرغ من تأليفه في رجب سنة 801 هـ وقد طبع، وقال يحيى بن الحسين: وله كتاب البرهان في أصول الأديان قرر فيه الاستدلال بالظنيات في الأصول وهو خلافُ الجمهور ولعلَّه هو البرهان القاطع.

3 -

التأديب الملكوتي وهو مختصر، وفيه عجائب وغرائب، قال صلاح ابن أحمد بن عبد الله الوزير: لم أجد هذا الكتاب في الخزانة، وإنما وجدتُ منه وريقاتٍ يسيرة من مُسَوَّدَتِهِ زادت الأسف عليه.

4 -

تحرير الكلام في مسألة الرؤية وما دار بَيْنَ المعتزلة والأشعرية.

5 -

التحفة الصفية في شرح الأبيات الصوفية لأخيه الهادي بن إبراهيم الوزير.

ص: 73

6 -

ترجيحُ أساليب القرآن على أساليب اليونان في أصول الأديان وقد طبع.

7 -

تنقيح الأنظار في علوم الآثار وهو كتاب جليلُ القدر، جمع فيه علومَ الحديث وزاد فيه ما يحتاج إليه طالبُ الحديث مِن علم أصول الفقه، وأفاد فيه التعريف لمذهب الزيدية، وهو يُغني عن كتاب العلوم للحاكم، صنفه سنة 813 هـ وشرحه البدر محمد بن إسماعيل الأمير، وسماه " توضيح الأفكار على تنقيح الأنظار " في مجلدين وقد طبع.

8 -

الحسام المشهور في الذب عن دولة الإمام المنصور.

9 -

حصر آيات الأحكام، وقال يحيى بن الحسين في " طبقاته ": وكتاب في آيات الأحكام قدر مائتين وست وثلاثين آية.

10 -

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم في أربع مجلدات، وهو الذي تقوم مؤسسة الرسالة بنشره وقد اختصره في مجلد وسماه " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " وقد فرغ من تأليف المختصر يوم الأربعاء الثالث من شهر شعبان سنة 817 هـ. وقد طبع مرتين.

11 -

قبولُ البشرى في تيسير اليُسرى، مجلد لطيف ضمنه ما يجوزُ من الرخص وما لا يجوز، وما يكره وما يستحب، وأقوالُ أهل العلم في ذلك.

12 -

كتاب في التفسير من الكلام النبوي ذكره في " إيثار الحق على الخلق " وقال: جمع فيه ما في جامع الأصول، ومجمع الزوائد، والمستدرك للحاكم. وقال صلاح ابن أحمد بن عبد الله الوزير: ولم يُوجد هذا الكتاب.

ص: 74

13 -

نصر الأعيان على شر العميان كتبه رداً على أبي العلاء المعري وقال فيه ما لفظه: وقد ولع بعض أهل الجهل والغرة بإنشاد الأبيات المنسوبة إلى ضرير المعرة، وهي أحقر من أن تسطَّر، وأهون من أن تُذكر، ولم يشعر هذا المسكينُ أن قائلها أراد بها القدحَ في الإسلام من الرأس، وهدم الفروع بهدم الرأس، وليس فيها أثارَةٌ من علم، فيستفاد بيانُها، ولا إشارة إلى شبهة فيوضح بطلانها، وإنما سلك قائلها مسلك سفهاء الفاسقين والزنادقة المارقين وما لا يَعْجِزُ عن مثله إلا الأراذلُ مِن ذم الأفاضل بتقبيح ما لهم من الحسنات، وتسميتها بالأسماء المستقبحات، تارة ببعض الشبهات، وتارة بمجرد التهويل في العبارات، كما فعل صاحب الأبيات. وصدَّر الكتابَ المذكور بهذه الأبيات:

مَا شَأْنُ مَنْ لمْ يدْرِ بالإسْلامِ

والخَوْضِ في مُتشابِه الأحْكامِ

لَوْ كُنْتَ تدْرِي مَا دروْا مَا فَاهَ بِالْـ

ـعَوْرَاءِ فُوكَ، ولا صَمَمْت صَمَام

لَكِنْ جَمَعْتَ إلى عَمَاكَ تَعَامِياً

وَعُمُومَةً فَجمعْتَ كُلَّ ظَلامِ

فَاخْسَأ فَمَالك بالعُلوم دِرَايَةً

القَوْلُ فِيهَا ما تقُول حَذَام

ما أذْكَرَ العُمْيَانَ للأعْيَانِ بَلْ

ما أذْكر الأنعَامَ للأعلامِ

وإذَا سَخِرْتَ بِهمْ فلَيْسَ بِضَائِرٍ

إنْ هَرَّ كَلْبٌ في بُدُورِ تَمَامِ

مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلأنبياءِ مُعَظماً

لَمْ يَدْرِ قَدْرَ أَئِمَّةِ الإسْلامِ

لَمْ تَدْرِ تَغْلِبُ وَائل أَهجَوْتَهَا؟

أمْ بُلْتَ تحْت المَوْجِ وهي طَوامِي

وقال محمد بن عبد الله بن الهادي: وقد أحببتُ ذكر هذه الأبيات لما فيها مِن الذب عن أئمة الاسلام.

14 -

كتاب الأمر بالعزلة في آخر الزمان.

ص: 75

15 -

مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق وقال فيه بيتين:

ولي فيك دِيوان سَقَيْتُ فنونَه

دُموعي فأضحى رَوْضُه مُتفنّنا

وكنتُ امرءاً أهوى البَرَاهِينَ في الثَّنا

فرصعتُه فِيها فَجَاء مُبرْهَنَا

16 -

مختصر في علم المعاني والبيان.

17 -

رسالة في عدم اشتراط الإمام الأعظم في صلاة الجمعة.

18 -

كتاب في علم المعاملة.

19 -

ديوان شعره.

20 -

رياض الأبصار في ذكر الأئمة الأقمار والعلماء الأبرار (1).

وأما المسائل والردود على أصحاب الأفكار المُبَدَّعة، فلا يأتي عليها العد ولا يُستطاع على ما تضمنه الرد.

وفاته

توفي رحمه الله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من المحرم غرة سنة (840)(2) وقد بلغ من العمر أربعة وستين سنة ونصف السنة بمرض الطاعون الذي انتشر في اليمن في سنة (839) وسنة (840 هـ) وقد دفن في الرويات (مسجد الروية) المعروف اليوم بمسجد فروة بن مسيك قبلي مصلى العيد

(1) ذكره إسماعيل باشا البغدادي في هدية العارفين 2/ 191 وقال: إنه يوجد منه نسختان في مكتبة المدرسة السابقة بطهران.

(2)

وتوفي في اليوم نفسه الإمام المنصور علي بن صلاح الدين، كما توفي الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى في اليوم الثاني عشر من صفر من السنة نفسها، أي: بعد نصف شهر من وفاتهما فقط، وكانت ولادة المهدي والإمام محمد بن إبراهيم الوزير في سنة 775 هـ.

ص: 76

بجوار جدار المسجد. ولشمس الحور بنت أخيه الهادي بن إبراهيم الوزير فيه قولها من أبياتِ:

رَحِمَ اللهُ أعظماً دفنُوها

بالرّويات عن يمين المُصَلَّى

وقال يحيى بن الحسين في طبقاته: وروي أن الوزير حسن باشا (الوالي العثماني في اليمن من غرة ذي الحِجة سنة 988 - 1013) لما عمر المسجد الذي بفروة وجدده، وعمر قبة أكيدة البناء الباقي إلى الآن، وجد قبر السيد جنب المواثر على حاله فأبقاه مكانه (1).

خلاصة القول

يتضح مما سبق أن الإمام محمد بن إبراهيم الوزير قد التزم بالعمل بنصوصِ الكتاب، وصحيح السنة في كل أمرٍ من أمور الدين، ودافع عن السُّنة وأهلها دفاعاً مشهوداً، وأبلى في ذلك بلاء حسناً، وله أقوالٌ كثيرة في ذلك منها قولُه من قصيدة دالية سبق ذكرها:

يا حَبَّذا يَوْمُ القيَامَةِ شُهْرَتي

بَينَ الخلائقِ في المَقام الأحمدِ

لِمحبتي سُنَنَ الرَّسولِ وأنَّني

فيها عَصَيْتُ مُعَنِفِّي ومُفَنِّدي

وتركتُ فِيهَا جيرتي وعَشيرتَي

وَمَحل أتْرَابي وَمَوْضِعَ مَولدِي

إلى أن يقول:

إني أُحِبُّ محمداً فَوْقَ الوَرى

وبه كما فَعَلَ الأوائِلُ أقتدي

فقد انقضت خيرُ القرون ولم يكن

فيهم بِغيرِ محمد مَن يهتدي

(1) قبره معروف إلى اليوم في المكان نفسه في مقصورة ملحقة بالمسجد المذكور، وبجواره قبر رئيس العلماء أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله الكبسي المتوفي سنة 1316.

ص: 77

إلا أنه هناك بعضَ قضايا أصولية تردد في تحديدِ موقفه منها؛ وكان يجنح أحياناً في بداية أمره إلى معتقدات الزيدية، كما جاء في قوله من القصيدة السابقة إذا لم تكن مقحمة على صاحبها:

هذي الفروع وفي الأصول عقيدتي

ما لا يُخالف فيه كُلُّ مُوحِّدِ

ديني كأهل البيت دِيناً قيماً

متنزهاً عن كل معتقدٍ ردي

لكنني أرضي العتيقَ وأحتمي

من كل قولٍ حادث متجدِّدِ

والعتيق أقوال أهلِ البيت المتقدمة على ما تضمنه " الجامع الكافي " كما جاء في ترجمته في طبقات الزيدية ليحيى بن الحسين بن القاسم، ويقول في أهل البيت:

وأُحِبُّ آل محمد نفسي الفِدا

لَهُمُ فما أحدٌ كآل محمدِ

هُمْ بَابُ حِطَّة والسفينة والهدى

فِيهم، وهُمْ للظالمين بمَرْصَدِ

وهُمُ النجومُ لِخير متعبِّد

وهُمُ الرجومُ لِكل من لم يعبد

وهُم الأمانُ لِكل من تحت السما

وجزاءُ أحمد ودُّهم فتودَّدِ

والقوم والقرآن فاعرف فضلَهم

ثقلانِ للثقلين نَصُّ محمدِ

ولهم فضائلُ لستُ أُحصي عدَّها

من رام عدَّ الشهب لم تتعدد

وكفي لهم شرفاً ومجداً باذخا

شرعُ الصلاة لهم بكل تَشَهُّدِ

وذكر في مقدمة " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم "(1) ما لفظه: "وأصلي وأسلم صلاة دائمة النما، تملأ، ما بين الأرض والسما وما بينهما عليه وعلى آله الكرما الثقل المذكور مع القرآن (2) أئمة الإسلام،

(1) صفحة 3.

(2)

إشارة إلى ما ورد في كتب الشيعة " إني تركت فيكم ثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي " كما جاء في تعليق الأستاذ محب الدين الخطيب على الروض الباسم، أما عند أهل السنة فهو كتاب الله وسنتى.

ص: 78

وأركان الإيمان المتوجين بتاج: {قُلْ لا أَسْاَلُكُم عَلَيْهِ أَجْراً إلَاّ المَودَّةَ في القُرْبَى} (1) الشاهد بمناقبهم كتاب " ذخائر العقبى "(2).

فهو هنا قد التزم بمقولات الزيدية، وسلك في ذلك مسلك علمائها، وقصد بأهلِ البيت ما يقصِدونه من أنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأولاده في اليمن (3) ناسياً أن كثيراً من أولاده قد سكنوا في غير اليمن مِن ديار المسلمين، وتمذهبوا بمذاهب تلك الديار، ففيهم الحنبلي والحنفي والمالكي، والشافعي، كما أن منهم أيضاً من اعتنق مذهب الإمامية الاثني عشرية، وكذلك فإن الإسماعيلية بفرقتيها المستعلية والنزارية تَدَّعي أنها تسير على منهج أهلِ البيت وإن مؤسسيها هُم من أعيان أهل البيت، وهؤلاء جميعاً يختلفون كثيراً في عقائدهم عن عقائد الزيدية.

كذلك فإن الإمام الوزير التزم ببعض شعائر الزيدية كالقول بـ: حي على خير العمل في الآذان، وقد تفرد بهذه الرواية أخوه العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير حينما رد على جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم لإنكاره على أخيه بأنه خالف الزيدية، وأنكر صحة القول بـ: حي على خير العمل.

(1) سورة الشورى آية 23 وقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس: عجلت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال: " إلا أن تصلوا ما بيني وما بينكم من القرابة ". تعليق الأستاذ الخطيب.

(2)

كتاب (ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى) لمحب الدين أحمد بن عبد الله الطبري المتوفي 694 هـ تعليق الأستاذ الخطيب.

(3)

هذا مع التسليم بأن الآية خاصة بهم وإلا فنساء النبي داخلات فيها بدليل موقعها من الآيات التي تبدأ بقوله تعالى: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيراً} وتنتهي بقوله: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيراً} فقد جاء ذكر أهل البيت في سياق مخاطبة الله لهن.

ص: 79

وأنا في شك مما نسب إليه من تمسكه بعقائد الزيدية أصولاً وفروعاً إذ لو كان الأمر كذلك لما كان هناك مسوغ لمحاربته حرباً لا هوادة فيها في زمانه وبعد زمانه من بعض علماء المذهب الزيدي. حتى من أقرب الناس إليه. وإذا كان قد ورد شيء يدل على انتمائه إلى الزيدية في كلامه على فرض صحة ثبوته فإنما كان ذلك في بداية أمره.

ومهما يكن مما نسب إليه، فإنه كان ملتزماً بالسنة أصولاً وفروعاً كما هو معروف عنه في مؤلفاته كلها، فهو يقول في مقدمة الروض الباسم (1):

" ولم يكن بدعاً أن تنسمت من أعطارها روائح، وتبصرت من أنوارها لوائح، أشربت قلبي محبةَ الحديث النبوي، والعلم المصطفوي، فكنت ممن يرى الحظ الأسنى في خدمة علومه، وتمهيد ما تعفَّى من رسومه، ورأيتُ أولى ما اشتغلت به ما تعين فرض كفايته بعد الارتفاع وتضيق وقت القيام به بعد الاتساع من الذب عنه، والمحاماة عليه، والحث على إتباعه والدعاء إليه، فإنه علم الصدر الأول، والذى عليه بعدَ القرآن المُعَوَّل، وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس، وهو المفسر للقرآن بشهادة {لتبين للناس} .

وهو الذي قال الله فيه تصريحاً {إن هُو الا وحي يوحى} ، وهو الذي وصفه الصادق الأمين بمماثلة القرآن المبين؛ حيث قال في التوبيخ لكل مترف إمَّعة:" إني أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه "(2). وهو العلم الذي لم يشارك القرآن سواه في الإجماع على كفر جاحدِ المعلوم من لفظه ومعناه، وهو العلم الذي إذا تجاثت الخصوم للركب، وتفاوتت العلوم في الرتب أصمت مرنان نوافله كل مناضل، وأصمت برهان معارفه كُل فاضل، وهو العلم الذي

(1) ص 5.

(2)

وهذا الحديث يؤكد أن الرواية الصحيحة لحديث: " إني تركت فيكم ثقلين إنما هي بلفظ كتابي وسنتي ".

ص: 80

ورثه المصطفي المختار والصحابة الأبرار، والتابعون الأخيار، وهو العلم الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام، الباقية حسناته في أمة الرسول عليه السلام، وهو العلم الذي صانه الله عن عبارة الفلاسفة، وتقيدت عن سلوك مناهجه، فهي راسفة في الأغلال آسفة، وهو العلم الذي جلّى الإسلام به في ميدان الحجة وصلّى، وتجمل بديباج ملابسه من صام لله وصلى، وهو العلم الفاصل حين تلجلَجُ الألسنةُ بالخطاب، الشاهد له بالفضل رجوع عمر بن الخطاب، وهو العلم الذي تفجرت منه بحارُ العلوم الفقهية، والأحكام الشرعية، وتزينت بجواهره التفاسيرُ القرآنية، والشواهدُ النحوية، والدقائق الوعظية. وهو العلم الذي يُميز اللهُ به الخبيثَ من الطيب، ولا يرغم إلا المبتدع المتريب، وهو العلم الذي يسلك بصاحبه نهج السلامة، ويوصله إلى دار الكرامة، والسارب في رياض حدائقه، الشارب من حِياض حقائقه، عالم بالسنة، ولابس من كل صوف جُنَّة، وسالك منهاج الحق إلى الجَنة، وهو العلم الذي يرجع إليه الأصولي وإن برز في علمه، والفقيه وإن برز في ذكائه وفهمه، والنحوي وإن برز في تجويد لفظه، واللغوي وإن اتسع في حفظه، والواعظ المبصر، والصوفي والمفسر، كلهم إليه راجعون ولرياضه منتجعون" (1).

وإذا تأملنا هذا الكلام، وأمعنا فيه فإننا نراه قد نقض ما سبقه، بل نسفه نسفاً.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.

(1) ص 5، 6.

ص: 81

التعريف بالعواصم والقواصم

هذا هو الكتاب العظيم الذي تقوم دار البشير بنشره، ويتولى تحقيقه وتخريج نصوصه والتعليق عليه الأخ الأستاذ العلامة شعيب الأرنؤوط، قد اعتمدت في التعريف به، وبما اشتمل عليه من أبحاث على ما كتبه محمد ابن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير في ترجمته له، وقد أوجز ما اشتمل عليه من أبحاث فيما يلي:

ذكر في المجلد الأول الخطبة، وفيها الإشارة إلى سنة الله في إقامة الحجج، ومقام الرفق، ومقام الشدة في ذلك، وفيها شيء من مناقب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم مناقب أهل بيته، ثم مناقب أصحابه رضي الله عنهم، ثم مناقب أمته، ثم ترجيح عدم التكفير لأهل التأويل منهم، وذكر كثير مما جاء في ذلك كتاباً وسنة.

ثم الإشارة إلى أقربِ الطُّرقِ إلى معرفة الله تعالى والاكتفاء بالجُمَل وكيفية التعلم لذلك من كتاب الله تعالى، وذكر أقرب الأشياء إلى قطع الوسواس والشكوك، ثم في ذكر النهي عن التفكير (1) والاختلاف والفرق

(1) في نسخة التفكر.

ص: 82

بينَ المراء المنهي عنه، والجدال بالتي هي أحسن، والحث على الصلح بين المسلمين والتأليف حسب الإمكان، ثم ذكر الموجب لتأليف هذا الكتاب والعذر في التصدي، ثم في الشروع في الجواب.

والذي اشتمل عليه من المسائل العلمية هذا المجلد مسألتان:

المسألة الأولى: الكلامُ في صعوبة الاجتهاد في العلم أو سهولته وذكر شرائط الاجتهاد عند الفريقين المعسرين والميسرين، والرد على من زعم أنه قد صار متعذراً على الإطلاق، وفي ذلك عشرون تنبيهاً تشتمل على بيان غلط من أوهم تعذره، أو شكك في ذلك، ودعا الناس إلى الإعراض عن طلبه.

ثم الكلام فيما يكفي المجتهدين من معرفة الأخبار النبوبة، ومعرفة طرق التصحيح والجرح والتعديل .. وما يؤدي إليه القول بتعذر الاجتهاد، وخلو دار الإسلام ممن يعرف معنى كلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وصحيح حديثه من عموم الضلالات وأنواع الجهالات، وتعذر معرفة جواز التقليد حينئذ، وارتفاع التكليف بتفاصيل الشريعة المطهرة المحفوظة صانها الله عن ذلك. وفي آخر ذلك تمام الكلام في الجرح والتعديل وفي أئمة الحديث الذين أخذ ذلك عنهم، واتصلت الروايةُ بهم، ثم الكلام في معرفة الصحابة رضي الله عنهم، وحكم المجهول منهم، ومعرفة ما يكون المسلم به صحابياً.

ثم القول في معرفة ما يحتاج إليه المجتهدُ من التفسير، ثم معرفة الناسخ والمنسوخ، وحصر المنسوخات وذكرها بأعيانها مع تمييز ما أجمع على نسخه مما اختلف فيه بأوجز عبارة، ثم ذكر اجتهاد الصحابة، وعدد منْ عُرِف بالاجتهاد منهم وفيه الذَبّ عن أبي هريرة رضي الله عنه وعن

ص: 83

أمثاله من السلف وبيان صدقهم والردِّ على من اتهمهم بتعمد الكذب. ثم ذكر الحسن البصري، وأبي حنيفة رضي الله عنهما مناقبهما، واجتهادهما والرد على من قدح فيه، ثم الرد على من قال: إنه لا مجتهد بعدَ الإمامِ الشافعي رضي الله عنه، وما يُؤدي ذلك إليه من تجهيل كبار الأئمة وأحبار الأمة في مقدار ستمائة سنة، وذكر خلائق من المجتهدين في هذه القرون وتسمية كثير منهم.

المسألة الثانية: القول في قبول أهل التأويل في الرواية من أنواع المبتدعة إذا عُرِفَ صدقُهم وحفظهم، وذكر الاختلاف في ذلك، وتقصي الأدلة فيه، وفي ذلك فصلان:

الفصل الأول في ذكر من قال: إن قبولهم باطل قطعاً لا ظناً، وذكر أدلته وإبطالها، وذكر ما يلزمه من دعوى القطع في ذلك من اللوازم الصعبة، والإشكالات الجمّة التي بلغت مئتي إشكال أو أكثر، وفي آخر ذلك ذكر ما يَخُصُّ المرجئة ثم الجبرية من ذلك وما يؤدي إليه القولُ بأن المسألة قطعية.

الفصل الثاني في ذكر الأدلة على قبول المتأولين، وفيه مسألتان:

المسألة الأولى قبولُ فاسق التأويل، وفيها ذكر الاجماع على قبولهم من اثني عشر طريقاً فمن الأئمة المنصور بالله عبد الله بن حمزة، والإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين، وأخوه يحيى بن الحسين الحسنيين الهارونيين، والإمام المؤيَّد بالله يحيى بن حمزة، والأمير الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى الهادي إلى الحق، والقاضي زيد بن محمد، والفقيه العلامة عبد الله بن زيد صاحب الإرشاد، والحاكم المعتزلي صاحب العيون والسفينة والتفسير، والشيخ أحمد بن محمد الرصاص،

ص: 84

وجده الشيخ العلامة المتكلم الحسن بن محمد الرصاص، والشيخ الإمام أبو عمر عثمان بن عمر بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب.

ثم ألحق -رحمه الله تعالى- ما يدل على صحة رواية هؤلاء للإجماع، وما اعترضت به هذه الرواية والجواب عنه، ثم شهرة خلاف المتأخرين في ذلك على تقدير التسليم أن إجماع القدماء لم يصح، وذكر نصوص أهل البيت خاصة على قبول فسّاق التأويل، ونقل ذلك من تصانيفهم المشهورة الموجودة المتداولة، ثم ذكر الحجج العقلية في ذلك ومن ذكرها منهم وتأييدها بالأدلة السمعية إلى أن تمت اثنتان وثلاثون حجة.

ثم ذكر خمسة عشر مرجحاً لقبولهم على ردهم وما فيه من الاحتياط والورع.

ثم ذكر المسألة الثانية من هذا الفصل الثاني، وهي قبولُ كفار التأويل عند مَنْ يقول به، ورواية الإجماع فيه من خمس طرق عن المنصور بالله، والمؤيَّد بالله يحيى بن حمزة، والفقيه عبد الله بن زيد، والقاضي زيد بن محمد، والإحالة بأكثر الأدلة إلى الأدلة على المسألة الأولى، وبيان أن هذه المسألة محل نظر واجتهاد.

ثم ذكر -رحمه الله تعالى- فائدة في حكم حديث فسَّاق أهل التأويل إذا عارض رواية أهل العدل وماهية شرط التعارض.

ثم ذكر رحمه الله خصيصتين: أولهما في فضل أهل البيت، والثانية في تقديم أهلِ كُلِّ فن في فنهم ومعرفة حَقِّ تجويدهم فيه، وعنايتهم فيه، ثم بيان التنزه عن تقديم فساق التأويل على أئمة الإسلام وأن ذلك لم يكن منه رحمه الله قط، وأن الخصم قد وقع فيه من حيث لم يشعر.

ص: 85

ثم بيان القول في العموم والخصوص إذا تعارضا، وطرف من الكلام في مسألة الجهر بالبسملة والإخفات، ثم بيان أن البخاري ومسلماً وأهل السنن الأربع لم يتعرَّضوا لحصر الحديث الصحيح، ولا ادَّعوا ذلك، بل صَرَّحُوا بنقيضه، ثم بيان حكم ما ادعى من الإجماع الظني على صحته من حديث البخاري ومسلم، وما خرج عن دعوى الاجماع الظني من حديثهما ومن لم يقل بهذا الإجماع من جماهير العلماء والمحدثين. ثم ذكر ترجيح الذي ليس بمجتهد لبعض مذاهب العلماء لموافقتهما للأخبار الصحاح، وما يرد على ذلك، والرد على من منعه.

ثم ذكر التزام مذهب معين في التقَليد، وهل يجب ذلك، وما المختار فيه؟.

ثم الكلام في حديث المحاربين لأمير المؤمنين علي عليه السلام وإفراد الكلام عليهم من دون أهل التأويل.

ثم ذكر رحمه الله أربعة عشر وَهْماً من سبعة وعشرين وهْمَاً:

الأول منها قولُ المحدثين بعصمة الصحابة وأن كبائرهم صغائر.

الثاني: أنهم يُجيزون الكبائر على الأنبياء صلوات الله عليهم.

الثالث: أن مروان بن الحكم ليس هو طريدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بل طريدُه الحكم.

الرابع: في حكم مروان.

الخامس: أن الزنا صح من المُغيرة بن شعبة.

السادس: في تعيين جَرْحه بذلك أو جرْح الشهود عليه به.

ص: 86

السابع: أن الشهود الثلاثة إن لم يكونوا قاذفين، وجب جرحُ المغيرة بالزنا الذي أخبروا به.

الثامن: في مناقضته في الثناء على أبي بكر، وذم من قعد عن نصرة علي عليه السلام، لأنه كان من القاعدين عن نصرته.

ثم إنه ذكر رحمه الله كلاماً في الوليد بن عقبة، وفيه الرد على من زعم أنه من رواة الكتب الصحاح.

ثم ذكر كلاماً في عبد الله بن عَمْرو بن العاص وأبي موسى، وجوَّد الكلام على الأحاديث التي فيها ذكر القوم الذين يُؤتى بهم يومَ القيامة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيذهب بهم إلى النار فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أصحابي فيقال له: إِنك لا تدري ما أحدثوه بعدك.

فهذا ما تضمنه المجلد الأول من العواصم.

وأما المجلد الثاني، ففيه تنزيه إمام السنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل عن القول بالتشبيه والتجسيم، وتنزيه أئمة الحديث مطلقاً، وذكر بعض من روى عنه أئمة أهل البيت، وأئمة الحديث ممن يختلف في قبوله وفي توثيقه، وبيان نزاهة الإمام أحمد عن التشبيه، وبيان مذهبه ومذهب أهل الأثر في ذلك في فصل طويل أودعه رحمه الله كتاب الوظائف في ذلك، وزاد عليه زيادة في آخره مفيدة.

ثم إنه رحمه الله ألحقه بما يُناسبه من مقالات أهل الجُمَل من أهل البيت، ثم بيان كيفية الاحتجاج على التوحيد والنبوات وسائر ما يحتاج إليه من أصول الدين، وأخذ ذلك من كتاب الله عز وجل، وكلام علماء

ص: 87

الإسلام من جميع الفرق، وكيفية التعلم لذلك من كتاب الله تعالى وأخذه منه.

ثم ذكر رحمه الله مباحث في دليل الأكوان، وأورد عليهم فيه معارضات ومناقضات لم يسبق إلى مثلها وذكر أبياتاً له صادية (1) وشرح شيئاً منها.

ثم الرد على من نسب الإمام مالكاً رحمه الله وأمثالَه من أئمة الفقه والحديث إلى البَلَه والجمود لعدم محارستهم علم الكلام والمعقولات، وجَوَّد الرد على من زعم ذلك في نحو أربعة عشر وجهاً، وبين ما يرجع إليه التارك لعلم الكلام في مقامين: أحدُهما: مقام النظر في معرفة الله لتحصل قوة اليقين بذلك، وثانيهما: مقام الرد على الفلاسفة والمبتدعة عند الحاجة إلى ذلك.

ثم ذكر رحمه الله تعالى مذهب الفرقة الثانية من أهل الأثر وهم الجامعون بين الآثر والنظر وعلوم المعقولات والمنقولات، وأورد مختصراً لابن تَيمية في ذلك وذكر أدلة الفِرَق في التكفير وعدمه لأهل التأويل، وضمنه أيضاً كلام الإمام المنصور بالله في تعذر معرفة إجماع أهل البيت بعد تفرقهم في البلاد الشاسعة، وذكر جماعة لا يعرفون، ولا تُعرف مذاهبهم من خلفاء ودعاة وغيرهم ممن في بلاد الغرب الأقصى وبلاد اليمامة وغيرهما.

ثم أورد بعد هذا ترجمة الإمام أحمد بن حنبل مستوفاة من كتاب النبلاء للذهبي الشافعي.

(1) في نسخة هادية.

ص: 88

ثم الكلام على مسألة القرآن وتجويدها، والدلالة على عدم تكفير المختلفين فيها، وذكر قول من قال من قدماء أهل البيت: إن القرآن ليس بمخلوق، كقول جمهور أهلِ الحديث، وما ذكره محمد بن منصور الكوفي الزيدي في ذلك، وفي الجُمَل وترك التكفير، ونقله لذلك من جملة أهل البيت وقدماء المعتزلة.

ثم تكلَّم رحمه الله في مسألة الرؤية وفي عرض ذلك الذب عن الإمام الشافعي، والرد على من قدح في اعتقاده، وضمن مسألة الرؤية قواعد كباراً كلامية، وبسط القول في معنى الجسم والكلام على تضعيف أدلة المتكلمين في تماثل الأجسام، وتضعيف القول بأن المعدوم شيء وما يلزم من قال بذلك.

ثم تكلم رحمه الله بعد هذه المقدمات في فصلين في الرؤية أحدهما في إمكانها وإحالتها، وثانيهما فيما ورد من السَمع في أنها تقع في الآخرة عند أهل السنة، وذكر أدلة الفريقين مستوفاة بألفاظهم، ثم الذب عن البخاري محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح، والرد على من ألزمه الجَبر ببعض ما في كتابه الصحيح.

ثم ذكر ستة أوهام تتعلق بمن اعتقد الإيمانَ، ولم ينطِقْ به، وهل التلفظُ بالشهادتين بعدَ الاعتقاد شرط في صحة إلإسلام أو واجب مستقل متأخر مثل الصوم والصلاة والحج؟ ثم الرد على من زعم أن المخالفين كفار تصريح، ثم بيان القدر الضروري في وجوب شكر المنعم، وطرف من الكلام في التحسين والتقبيح بالعقل، وذكر حجة من لا يقول به على أن الله تعالى واجب الصدق محال عليه أن يتصف بصفة النقص عند جميع أهل الإسلام.

ص: 89

ثم ذكر رحمه الله في المجلد الثالث من هذا الكتاب الرد على من زعم أن أئمة السنة الأثبات ينكرون أن لنا أفعالاً وتصرفات، واستخرج من ذلك أنهم كفارُ تصريح لإنكارهم في زعمهم العلومَ الضروريات، وأن هذا مجرد دعوى عليهم من غير بينة، وأنهم مجمعون على إثبات الاختيار ونفي الإجبار، وأن بيان ذلك يظهر من طريقين: أحدهما: النقل لذلك عن المعتزلة والشيعة، فإنه يوجد في كلامهم عند حاجتهم إليه في إلزام الأشعرية لبعض المناقضات، والطريق الثانية: النقل عن أئمة أهل السنة ومتكلميهم، وذكر نصوصهم المتواترة الصريحة من كتبهم الشهيرة. وذكر الفرق بين المحبة والإرادة والرضى والمشيئة، وإن الفرق بينهما في اللغة واضح، فالمحبة والرضى نقيض الكراهة، والإرادة والمشيئة معناهما واحد، وهو ما يقع الفعل به على وجه دون وجه على تفصيل قد ذكره واستدل عليه، وأطِال الحجة فيه وأدلة الفريقين من المعتزلة والأشعرية مستوفاة العقلية والسمعية.

ثم أورد تأويل المعتزلة لآيات المشيئة، وهو قولهم: إن الله لو شاء أن يكره العصاة على الطاعة لفعل، لأنه لو كان يعلم لهم لطفاً إذا فعله لهم أطاعوه، لوجب عليه فعل ذلك، لأنه تعالى لا يخل بالواجب، وقد ألزمهم علماءُ الإسلام تعجيز الرب سبحانه عن هداية عاصٍ واحد على وجه الاختيار وهم يلتزمونه في المعنى، لأنه صريح مذهبهم إلا أنهم يقولون: إنه لا يستلزم اسم العجز، لأن اللطف بهم محال، والمحال ليس بشيء، والقادر لا يوصف بالقدرة على لا شيء.

وأجاب رضي الله عنه عن هذا السؤال بأن الإحالة ممنوعة، ومع تقدير تسليمها، فيلزمهم قبحُ التكليف لأن إزاحة أعذار المكلفين عندهم

ص: 90

واجبة، ولذلك أوجبوا اللطف على الله تعالى، وخالفهم في ذلك قدماء أهلِ البيت عليهم السلام، كما نقله في أوائل هذا الجزء عنهم، وعن غيرهم، وجلة من المتأخرين منهم السيد العلامة الإمام أبو عبد الله مصنف " الجامع الكافي " والإمام يحيى بن حمزة وغيرهم.

ثم ذكر الكلام على القضاء والقدر، وما ورد من النهي في الخوض فيه، وبيان مرتبة ذلك من الصحة، وبيان معناه، وأن الوارد في ذلك عموم وخصوص، فالعموم مثل قوله تعالى:{ولا تقف ما ليس لك به علم} وغير هذه الآية، والخصوص عشرة أحاديث عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثوبان، وأبي الدرداء، وعن ثوبان أيضاًً، وعن ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وعن ابن عباس أيضاً، وأبي رجاء العطاردي (1)، وليس فيها شيء متفق على صحته، ولا خرَّج البخاري ومسلم منهما شيئاً، لكن خرَّج أحمد بن حنبل منها حديثاً من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي طريق مختلف فيها اختلافاً كبيراً، وهي تصلح مع الشواهد، وخرَّج الترمذي منها حديثاً عن أبي هريرة وقال: غريب لكن خرَّج البزار له إسنادين آخرين. قال الهيثمي: رجال أحدهما رجال الصحيح غيرَ رجل واحد، وخرج الطبراني في المعجمين الأوسط والكبير حديثَ ابن عباس في ذلك، وقال الحاكم: صحيح على شرطيهما، وهذا عارض، والعود أحمد.

ثم ذكر رحمه الله ما قاله العلماء وأهل اللغة في تفسير القضاء والقدر على اختلاف مذاهبهم وأدلتهم وأفهامهم، وغلط من زعم أن معنى القدر

(1) في نسخة العطاري. وهي تحريف.

ص: 91

والقضاء معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه، وليس كذلك وذكر أن كثيراً من أهل السنة فسروا القضاء والقدر بعلم الغيب السابق، منهم القاضي عياض في شرحه لمسلم، والنووي في شرحه له، وابن بطال في شرح البخاري وغيرهم.

ثم ذكر -رحمه الله تعالى- أن الأحاديثَ التي وردت في وجوب الإيمان به أكثر من سبعين حديثاً، وأنها قد كثرت كثرة توجبُ التواتر، وذكر أيضاًً بعدها نحو مائة وخمسين حديثاً، في صحة ذلك فيما ليس فيه ذكرُ وجوب الإيمان به، وكل رواتها رجال الصحيح، وتكلم على حديث " القدرية مجوس هذه الأمة " وأنه ضعيف عند المؤيَّد بالله من أئمة الزيدية وعند المحدثين. قال رحمه الله: وأما قول الحاكم أبي عبد الله: إنه صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم عن ابن عمر فشره منه بالتصحيح، فإنه لم يصح ذلك، وتصحيح كل ضعيف على شروط معدومة غير ممكن، فإن فسر القدر بالعلم، فالمذموم منْ نفاه، وإن فسر بالجبر والإكراه، فالمذموم من أثبته، ثم ذكر فائدة العمل مع القدر جواباً على من قدح في أحاديث الأقدار من المبتدعة، وأن الفائدة في العمل مع القدر مثل الفائدة في العمل مع سبق العلم، إذ كل منهما غيرُ مزيل للقدرة، ولا مؤثر فيها، ولو كان شيء من ذلك يؤثر فيها، لما تعلق جميع ذلك بأفعال الله، وجوَّد الكلام في ذلك، وشنَّع الكلام على من وعر إليه المسالك.

ثم ذكر أفعال العباد، وأنه لا خلاف بينَ المسلمين أن للعباد أفعالاً مضافة إليهم يسمون بها مطيعين وعصاة، ويثابون على حسنها، ويستحقون العقاب على قُبحها، وأن الله تعالى قد أقام الحجة عليهم، وأن له سبحانه الحجة البالغة لا عليه، وأن عقابَه لمن عاقبه منهم عدل منه

ص: 92

لا جور فيه ولا ظلم، وأن ذلك معلوم ضرورة من الدين، وأن الإجماع منعقد على أن أفعال العباد اختيارية لا اضطرارية، وأن الفرق بين حركة المختار وحركة المفلوج والمسحوب ضروري إلا من لا يُعتد به في الإجماع من سقط المتاع (1) الذين لم يرجعوا إلى تحقيق في النظر، ولا إلى حسن في الاتباع، ولا لهم في ذلك سلف ماض ولا خلف باق، وهم الجبرية الخالصة الذين لا يثبتون للعبد قدرة أصلاً.

ثم ذكر أن فِرَق المعتزلة عشرون، وفرق الأشعرية أربع فرق، وأن الفرقة الثالثة من الأشعرية أهل الكسب وهم الجمهورُ منهم. قال رحمه الله: وقد طال اللجاجُ بينهم وبينَ المعتزلة وبعض الأشعرية أيضاً: هل الكسبُ معقول أو غيرُ معقول؟، وذكر أن المشنعين على أهل الكسب من الأشعرية هم إمام الحرمين وأصحابه، ومن المعتزلة أبو هاشم وأصحابه. قال: والإنصاف يقتضي أنه معقول كما عقله الشيخُ مختار المعتزلي في كتابه "المجتبى" وغيره، فإن معنى قول المشنعين: إنه غيرُ معقول أنه مستحيل تصورُهُ في الذهن وتفهمه، فإذا استحال ذلك استحالَ الحكْم عليه بالبُطلان أو الصحة. قال: وهذا غلو في العصبية وليس كذلك، ولا في معناه شيء من الغموض والدقة، فإن الكسب هو فِعلُ العبد بعينه الذي هو فعلُ الطاعات والمعاصي والمباحات وسائر التصرفات، وإنما اختاروا تسميةَ فعل العبد بالكسب دونَ الفعل، ومعناهما واحد عندهم، لأن الكسب يختصُّ بفعل العبد دونَ فعل الرب سبحانه ولا يجوزُ أن يُسمَّى الربُّ تعالى كاسباً بخلاف الفعل، فإنه مشترك إلى آخر كلامه. وهو كلامٌ طويل مفيد.

ثم الرد على من نسب إلى أهل السنة إنهم يقولون بتكليف ما لا

(1) كجهم بن صفوان وأتباعه من نفاة الاختيار.

ص: 93

يُطاق، وإنه لم يذهب إلى هذا المذهب إلا الأقل من أهل الكلام منهم كالرازى والسُبكي صاحب " جمع الجوامع " دون حملة العلم الشريف النبوى الذي كلامه رحمه الله فيهم وذبُّه عنهم، ثم الرد على من زعم أنهم يخالفون في القدر الضروري من القول بجواز التعذيب بغير ذنب أو الإيلام لغير حكمة، وأن المحققين منهم لا يجوزون ذلك، وتكلم في ذلك عموماً وخصوصاً، فأما الخصوص، ففي مسألتين: الأولى: مسألة الأطفال، وأن المعتزلة والشيعة ينسبون إليهم القول بأن أطفال المشركين في النار بذنوب آبائهم، ويجزمون بذلك هكذا من غير استثناء قال: وهذا تقصيرٌ كبير في معرفة مذاهبهم، ولهم في ذلك أقوالٌ ذكرها في هذا المجلد.

المسألة الثانية: مما يتوهم مخالفتهم فيه تعذيبُ الميت ببكاء أهله عليه، وأن البخارى في الصحيح والخطابي فيما رواه عنه ابن الأثير والنووي تأوَّلوا ذلك على أن الميت أوصى بالبكاء عليه كما كانت عادة العرب في ذلك، وذكر تأويلين آخرين حذفتهما اختصاراً.

وأما العموم، فقال رحمه الله: إنها كلمة إجماع من أهل السنة ونقله عن نص الإمام الشافعي والزنجاني والذهبي، فهذا ما تضمنه المجلد الثالث من العواصم وهو ميدان الصراع بين الفريقين فمن أراد معرفة المذهبين معرفة تامةً وهو من أهل النظر والفهم والإنصاف فليقف عليه، وإنما طولت في ذلك -وإن كان كالخارج عن المقصود- رجاء أن يقف على هذه الترجمة من لا يشتفي بها، فيدعوه النشاط والرغبة إلى الوقوف على الكتاب، ولم آت على ترتيب ما اشتمل عليه هذا المجلد ما أتيت على ما اشتمل عليه أخواه فليعرف ذلك الواقف عليه.

وأما المجلدُ الرابع من الكتاب، فجملة ما فيه سبعةُ أوهام بعدَ ثلاثين

ص: 94

وهماً فيما قبلَه. ثم بعد السبعة الأوهام القدح على المحدثين برواية ما يُوهم التجسيمَ، وما يُوهم الجبر، وما يُوهم الإرجاء، وما يُوهم نسبة ما لا يجوز إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم الجواب عن المحدثين.

فأما الوهم الأول فتقدم، والثاني فيه تحقيق الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين، وفيه تفصيل غريب جيد، والوهم الثالث والثلاثون في الكلام على إمامة الجائر مطولاً مجرداً، وفيه فصول:

الفصل الأول في بيان أن الباغي هو الخارج على أئمة العدل دون الخارج على أئمة الجور، في مذهب الفقهاء وسائر علماء الإسلام، وذكر في الوجه الرابع منه الإجماع على أن المقاتلين لأمير المؤمنين عليه السلام في صِفِّين والجمل بُغاة عليه ظالمون له، ونص أهل الحديث على ذلك وسائر فقهاء الإسلام، وفيه حكم قاتل علي عليه السلام، ونقل البيهقي أن قتل قاتله كان لكفره عند الشافعية، وما ورد في قاتله من حديث، وكلام أهل السنة وكذا ما ورد عنهم في أمثاله، وحكم الفاسق الصدوق، ثم القول في حكم قاتل الحسين، ثم ذكر يزيد الشقي وما ورد في ذمه من الحديث ومن كلام السلف، ودعوى الإجماع على الإنكار عليه، والإغلاظ في ذمه والإجماع على التصويب لمن حاربه.

ثم ذكر -رحمه الله تعالى- فصلاً ثانياً في بيان أن من جوَّز إمامة الجائر للضرورة كأكل الميتة، فإنه استثنى من ذلك من فَحُشَ جورُه كالحجاج بن يوسف، ويزيدَ بن معاوية، ثم عاد إلى ذكر قتل الحسين عليه السلام والإجماع على تحريمه وتعظيمه، وذكر ما روي عن الغزالي من تحريم لعن كل كافر أو فاسق معين. والجواب على ذلك مستقصى في ذكر كلام الشيعة، وأهل الحديث في ذلك مطولاً مجوداً، وفيه فوائد ونكت وأحاديث في قدر ثلاث

ص: 95

كراريس، ثم عاد إلى الموضع الثالث وذكر موضع الخلاف بيننا وبين الفقهاء في شروط الإمامة وأنهم لم يُخالفونا إلا في النسب، فمذهبهم فيه كمذهب المعتزلة، وإنما خالفوا في مسألة ثانية تعلق بالنظر في المصالح كما بسطه من موضعه من هذا الجزء الرابع، ثم ذكر -رحمه الله تعالى- ثمرة الخلاف وما تنتجه الضرورات، ثم ما ورد من طاعة أولي الأمر وإن جاروا، وأخذ الولاية عن بعضهم، وذكر من عقد له ثم جار، وبين من تغلب من غير عقد وكان جائراً.

ثم ذكر محمد بن شهاب الزهري: وإن بعض الأصحاب من أهل المذهب ادعى أنه ما روى أحد من أهل البيت حديثه وهو غلط، وقد روى عنه الإمام أحمد بن سليمان وغيره من أئمة أهل البيت كما قد ذكروه في موضعه، وعقبه بذكر من خالط الملوك من أهل العلم وما حُكم الموالاة؟ وما هي الموالاة المجمع عليها؟ وما يجوز من المخالطة لهم وما شرط الجواز. وفي ضمن ذلك بيان القدر المحرم من ذكر الدنيا وما يستثنى من ذلك وما يدخل منه في المستحب، ثم القول في إعانة الظلمة والعصاة، وما يسمى إعانة قطعاً أو ظناً وما لا يسمى إعانة. ثم ذكر ترجمة الزهري مستوعبة، وما قدح به عليه، وعدد جميعَ ما روي من الحديث وما الذي تفرَّد بروايته، ثم قصة يحيى بن عبد الله بن الحسن عليهم السلام، ومن شَهِدَ عليه بالرق، وأنه ليس فيهم أحد من الثقات، ولا ثبت أنهم شهدوا بذلك مختارين من غير إكراه. ثم ذكر أبا البختري وهب بن وهب، وأنه مجمع على جرحه، ثم إبطال قياس أهل التأويل على الخطابية، ثم الجواب على من قدح على المحدثين برواية ما يُوهِمُ التجسيم والجبر والإرجاء ونسبة ما لا يجوز على الأنبياء، وفيه المنعُ من العلم بكذب ما رواه أهل الصحاح، وبيان المرجحات للمنع من ذلك، ثم بيان شواهد ما

ص: 96

فيها من القرآن الكريم، ثم بيان مراتب التأويل وعالم المثال، وتأثير السحر في الرؤية، والجواب الجُملي في ذلك.

ثم بين معارضات بذكر تأويلات بعيدة قبلها الأصحاب، ولم يقطعوا بكذب ما أولت به مع ركتها وانحطاطها عن رتبة الصواب عند النظار من العلماء، ثم ذكر الأحاديث التي عينها المعترض، وقطع بكذبها، والجواب عنها بورود مثلها أو نحوها في القرآن ومثل تأويلها في تأويل المعتزلة للقرآن، وجملتها ستة أحاديث الأول: الحديث الذي فيه ذكر مجىء الله تعالى يوم القيامة، والثاني: فيه ذكر الكشف عن الساق ووضع القدم والضحك وتأويل ذلك، الثالث: حديث جرير في الرؤية، الرابع: محاجة آدم وموسى، الخامس: قصة موسى مع ملك الموت، السادس: خروج الموحدين من النار. والجواب عن ذلك مطولاً مجرداً، وذكر فيه فوائد أصولية وقرآنية وحديثية قدر نصف المجلد المذكور، وذكر رحمه الله أن أحاديث الرجاء بلغت قدر أربع مائة حديث وثمانين حديثاًً وذكر كثيراً من آيات الوعد والوعيد، وختم ذلك بقدر ثلاثين حديثاً في الوعيد بعد ذكر نيف وعشرين آية من القرآن الكريم. أعاد اللهُ علينا مِن بركته وفضله العميم ثم إنه رحمه الله تعالى ختم كتابه بهذه الأبيات:

جمعتُ كتابي رَاجياً لِقَبُولهِ

مِنَ اللهِ فالمرجوُّ منه قريبُ

رجوتُ بِنَصْرِ المصطفي وحَدِيثِه

تُكَفِّرُ لي يومَ الحِسَابِ ذُنوبُ

ومَنْ يتشَفَّعْ بالحبيبِ مُحَمَّدٍ

إلى اللهِ في أمر فَلَيْسَ يخِيبُ

فيا حافظي علم الحَديثِ ليَ اشْفعُوا

إلى اللهِ فالرَّبُ الكَرِيمُ يُجيبُ

لَعَلَّ كِتابي أنْ يكونَ مُذَكِّراً

لَكُمْ بالدُّعا لِلعَبْد حِين يَغِيبُ

ولا سَيَّما بعدَ المماتِ عَسَى به

يُبَلُّ غَلِيلٌ أوْ يُكَفِّرُ حوبُ

ص: 97

ولا تُغْفِلُوني إن بَلِيتُ بودِّكم

وإن بَلِيت مني العظام تشيب

ومهما رأيتُم من كتابي قُصُوَرَه

فستراً وغفراً فالقُصُورُ مَعِيبُ

وَلكِنَّ عُذْرِي واضِحٌ وهو أنَّنِي

مِن الخلْقِ أُخْطِي تَارَةً وأُصِيبُ

وقد ينْثنِي الصَمْصَامُ وهُو مُجرَّدٌ

وينكسِرُ المُرَّان وهو صَليبُ

وَلكِنَّنِي أْرْجُو إذا حََّل دارَكُم

حَلَى منه وِرْدٌ بالأجاجِ مَشُوبُ

يكون أُجَاجاً دُونَكُم فإذَا انتهَى

إلَيكُم تلَقَّى طيبَكُم فيَطِيبُ

ولما أكمل الإمام محمد بن إبراهيم الوزير كتابه " العواصم والقواصم " ختمه بقصيدته اللامية المشهورة والتي ختم بها أيضاًً " الروض الباسم ".

عليكَ بأصحابِ الحَديثِ الأفاضِلِ

تجِدْ عِنْدَهُم كُلَّ الهُدَى والفَضائِلِ

أَحِنُّ إليهِمْ كُلَّمَا هَبَّتِ الصَّبَا

وأَدعُو إلَيْهِمْ في الضُّحى والأصائِلِ

ولما وقف أخوه العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير رحمه الله على هذا الكتاب وعلى هذه الأبيات تلقى ذلك بالقبول، وقال مجيباً لأخيه، فما أحسن ما يقول:

وقفتُ على سِمْطٍ من الدُّرٍ فَاضِل

تَرقُّ له شوقاً قلوبُ الأفاضِلِ

لِمُتَّبعٍ منهاجَ أحمدَ جَدَّه

وحامي حِمَى أقوالِهِ غير ناكل

بديعِ المعاني في بديع نظامِهِ

وثِيقِ المَبَانِي في فُنُونِ المَسائِلِ

إذا لَزِمَتْ يُمناه نَصْلَ يَراعِهِ

سَجَدْنَ لهُ طَوعاً جباه المناصلِ

وإن خَاضَ في بَحْرِ الكَلام تَزَيَّنتْ

بِجَوْهَرِهِ عنق الرِّقابِ العَوَاطِلِ

تَبَارَى وقوم في الجدال فأصبحوا

وإن لجَّجوا من علمهم في جداول

أسمتُ عيونَ الفكرِ في رَوْضِ قَوْلهِ

فأنشدتُ بيتَ الأبطحي المُواصِل

أعوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طاعِنِ

عَلَينَا بِشَكٍّ أوْ مُلِحٍ بِبَاطِلِ

ص: 98

وثنَيَّتُ لمّا أن تَصفَّحْتُ نظْمَهُ

بِقَوْلِ فَصيحٍ نَابِهِ القَوْلِ فَاضِل

يَرُومُ أنَاسٌ يَلْحَقُونَ بِشأوِهِ

وَأيْن الثُّريا مِن يدِ المُتَطَاوِلِ؟

وثلَّثت بالبيتِ الشهير وإنه

لدُرَّةُ عقد المفردات الكوَاملِ

وقد زادني حباً لِنَفْسِي أنَّنِي

بَغِيضٌ إلى كُلِّ امرىءٍ غَيْرِ طَائِلِ

علامَ افتراقُ النَّاسِ في الدِّين إنَّه

لأمْرٌ جلي ظَاهِرٌ غَيْرُ خَامِلِ

عليكَ بمَا كَان النَّبِيُّ مُحمَّدٌ

علَيه وَدَع مَا شِئتَ مِنْ قَولِ قَائِلِ

هُو المَسلكُ المَرضِي والمَذهَبُ الَّذِي

عَليْهِ مَضَى خَيْرُ القُرُونِ الأوائِلِ

فَدِنْ بالذِي دَانَ النَّبِيُ وَصحبُهُ

مِن الدِّينِ، واترُك غيرَهُم في بَلابلِ

هُمُ الشَّامَة الغَرَّا وهُم سَادَة الوَرَى

وَهُمْ بَهجَةُ الدُنيا ونُورُ القَبائلِ

وأرفَعُ مَا تدلي به مِنْ فضَائِلٍ

على الخَلقِ أدنَى مَا لَهُم مِنْ فَوَاضِلِ

إذَا أنت لم تسلُك مسالك رُشدِهم

وَتُمسِكُ مِنْ أقوَالهِم بِالوَصائلِ

فَقَدْ فَاتك الحَظُّ السِّنِيُّ وَلم تكُنْ

إلى الحَقِّ فِي نَهْج السَّبِيلِ بِوَاصلِ

رَضيتَ بِدينِ المُصطفي ووصِيِّه

وأصحابِهِ أهْل النُّهي والفَوَاضَلِ

همُ قادةُ القاداتِ بَعْدَ نَبِيِّهِم

إلى مَشرَعِ الحَقِّ الرّّوِي (1) السلاسِل

إلى السُّنَّةِ البيضَاءِ والمِلَّةِ التي

عَليها مَثارُ النَّقعِ مِنْ كُلِّ صَائِلِ

وَلَكنَّها عَزَّت بِدَعوَةِ أحمَد

وَقَامَتْ بِبُرْهانٍ مِن الحَقِّ فاضِلِ

مؤيَّدة في حَربِهَا بِمَلائِكٍ

مُشَيَّدَةٍ في أمْرِها بِعَواسِل

عِصَابَة جِبرِيل الأمينِ جُنُودُها

تَحُفُّ بِهَا في خَيلِهَا في قنابِلِ (2)

أقَامَت مَعَ الرَّايَات حَتَّى كَأنَّهَا

مِنَ الجَيشِ إلا أنَّها لَم تُقَاتِلِ

ولَم يعْجِزِ الصِّدِّيقُ بَعَدَ وَفَاتِهِ

عَنِ الحَرْبِ بَلْ شَادَ الهُدَى بِجَحَافِل

(1) في نسخة السوي.

(2)

القنابل جمع القنبل أو القنبلة: طائفة من الناس ومن الخيل.

ص: 99

وتَابَعَهُ الفارُوقُ فَاشْتَدَّ رُكْنُهُ

وسَار بِهِم في الحقِّ سِيرَة عَادِلِ

وتمَّم ذو النُّورَينِ سَعْياً مُبَارَكاَ

وَعَمَّ جَمِيعَ المُسْلِمِينَ بِنَائِلِ

وَقامَ بِأعْبَاءِ الخلافَةِ بَعدَهُم

عَلِيٌّ فأمسَى الدِّينُ رَاسِي الكَلاكلِ

عَلَيكَ بهَدْي القَوم تنْجُ مِنَ الرَّدَى

وتَعلُو بِهِم في الفَوزِ أعلى المنَازِلِ

وختم الهادي بن إبراهيم الوزير رحمه الله هذه القصيدة العظيمة بما يلي: كتب هذه الأسطر الفقيرُ إلى رحمة الله ورضوانه الهادي بن إبراهيم ابن علي بن المرتضى أرضاه الله بعفوه حامداً له، ومصلياً على نبيه ومسلماً ومُرَضياً على آله وصحبه " ربنا اغفر لنا ولإخواننا الَّذين سبقونا بالإيمان ولا تجعلْ في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ".

صنعاء في 19 رجب سنة 1404

الموافق 19 نيسان سنة 1984

إسماعيل بن علي الأكوع

غفر الله له ولوالديه

ص: 100