الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون} [الحجرات: 4] وكحديث وفد عبد القيس (1).
أقولُ: قد اشتملَ كلامُه -أيَّده الله- على مسائل: الأُولى: القدحُ على المحدِّثين بقَبولِ المجهول حالُه مِن الصحابة، وقولهم: إن المجهول حالُه مقبولٌ لا يحتاجُ إلى تعديلِ مُعدِّل، وهذا لا يقتضي القدحَ في صحة كُتُبِ الحديث لوجوه:
الوجه الأوَّلُ: أن القارىء فيها أن كان ممن يرى رأيَهم
، جاز له أن يعمل بذلك، لأنَّها مسألة ظنية، وللمجتهد أن يَعْمَلَ فيها برأيه، وإنما قلنا: إنها ظنية، لأن أدلتها مِن العمومات، وأخبارِ الآحاد والقياسِ ظنيَّةً، وللمجتهد أن يعمل فيها برأيه وليس فيها دليلٌ قاطِعٌ من براهين العقل، ومن ادَّعى شيئاً غيرَ ذلك، فليَدُلَّ عليه.
الوجهُ الثاني: أن هذا المذهب لا يختصُّ به المحدِّثونُ، فيرميهم به، بل هو مذهب منشور مشهور، منسوب إلى أكثر طوائف الإسلام، وقد نُسب إلى الزيدية والشافعية والحنفية والمعتزلة وغيرهم من أكابر العلماء. أمَّا الزيديةُ، فنسبه إليهم علَاّمتُهُم بغير منازعةٍ الفقيهُ عبدُ اللهِ بنُ زيد في كتاب " الدُّرر ".
(1) هم من ربيعة وخبرهم مطول عند البخاري (53) و (87) ومسلم (17) وأبو داود (3692) من حديث ابن عباس. وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، وقد سبقوا جميع القرى إلى الإسلام، ففي البخاري (892) من حديث ابن عباس أنه قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجُواثى من البحرين. وأخرجه أبو داود (1068) ولفظه " إن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لجمعة جمعت بجواثى قرية من قرى البحرين ". قال عثمان بن أبي شيبة -وهو شيخ أبي داود في هذا الحديث-: قرية من قرى عبد القيس.
وأمَّا الشافعيةُ، فنسبه إليهم المنصورُ بالله عليه السلام في كتاب " الصَّفوَة " وغيره.
وأمَّا الحنفية، فمشهور عنهم.
وأما المعتزلة، فذكره الحاكم، وأبو الحسين، وابنُ الحاجب.
وسيأتي بيان هذه الجملة وقد مضى طرفٌ منها أيضاًً.
قال الفقيه عبد الله بن زيد في كتاب " الدُّرَرِ المنظومة في أصول الفقه ": إنَّ مذهبنا قبولُ المجهول. قلتُ: هكذا على الإطلاق، سواءً كان صحابياً أو غيرَ صحابي، وهذا أكثرُ تسامحاً مِن قول المحدِّثين. قال الفقيه عبد الله بن زيد في " الدُّرر" في بيان معنى المجهول: إنه قد يُذكر، ويُراد به مجهولَ العدالةِ، وقد يُراد به مجهولَ الضبط، وقد يُراد به مَنْ لَا يُعْرَفُ بمخالطة العلماء، والأخذِ عنهم، ومجالسةِ المحدِّثين، وقد يُراد به مَنْ لا يُعرف نسبُه ولا اسمُه.
قال: ومذهبنا أنه يُقْبَلُ خبرُ من هذه حالُه إلا مجهولَ الضَّبطِ، فسيأتي الكلامُ عليه، واحتج بقبول النبيِّ صلى الله عليه وسلم للأعرابيين في رؤية الهلال (1)
(1) رواه ابن عباس قال: جاه أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إني رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله، أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال أذَّن في الناس أن يصوموا غداً " رواه الترمذي (691) وأبو داود (2340)، والنسائي 4/ 131 - 132، وابن ماجة (1652)، وابن حبان (870)، والحاكم 1/ 454، والدارمي 2/ 5، وابن الجارود في " المنتقى "(379) و (380) والطحاوي في " مشكل الآثار " 1/ 201 - 202، والبيهقي في سننه 4/ 211 - 212، وفي سنده عندهم سماك بن حرب، وروايته عن عكرمة مضطربة، وهذا الحديث منها، وقد اختلفوا عليه فيه، فتارة رواه موصولاً، وتارة مرسلاً، انظر " نصب الراية " 2/ 443. لكن له شاهد من حديث ابن عمر ولفظه:" تراءى الناسُ الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه " أخرجه أبو داود =
وبغير ذلك. فأما مجهولُ الضَّبطِ، فذكر أنه إن عُرِفَ أن ضبطَه أكثرُ قبِلَ بالاتفاق، أو أقلُّ ردَّ بالاتفاق، وإن استويا، فحكى الخلافَ، وقال: مذهبُنا قبولُه إذا لم يعلم من حاله شيء من ذلك، كذا نصَّ عليه، فدلَّ على أنه مقبولُ أيضاًً، وإنما استثنيناه، لأنَّ الكلامَ عليه سيأتي منفرداً في موضع يشتمِلُ على حكاية الخلافِ، وذكر الدليل، ولأنه جهالة صفة معتبرة في الرَّاوي، فلا فرق بينَها وبينَ سائِر الصِّفات، واحتجاجُه بقبول الأعرابيين يدلُّ على ذلك -والله أعلم-.
وقال: ويقبل مَن ظاهره العدالة من غير اختبار لعدالته. ومعنى كونه عدلاً: أن يكونَ مؤدياً للواجبات، مجتنباً للكبائر مِن المستقبحات. وقد ذكر المنصورُ باللهِ في أحدِ قوليه -ما لفظه-: ولسنا نعتبِرُ العدالة إلا في أربعةٍ: في الحاكم، والشَّاهِدِ، والإمامِ الأعظم، وإمامِ الصلاة. أو قال في الرابع: المفتي -الشك من قِبلي- ذكره في " هداية المسترشدين " من فتاويه عليه السلام في الاحتجاج على وِلاية الفَسَقَةِ ومَنْ ليس بمأمون.
وهذا يقتضي مثلَ كلامِ عبدِ الله بن زيد، وقد ذكرتُ فيما تقدم أن ذلك أحدُ احتمالي أبي طالب في " المجزي "، وأرجحُ احتماليه في " جوامع الأدلة "، ولم أعْرِفْ للهادي والقاسم عليهما السلام نصاً في هذه المسألة، ولا ثبت أنهم نصُّوا على خِلاف كلام المنصورِ بالله، وأبي طالب والمحدِّثين، لأن كلامَهم في فاسق التأويل معروف، وليس لهم نصٌّ في مجهول الصحابة ولا مجهول غيرهم، ولا إجماعَ يقتضي وجوب النكير على مَنْ خالفه، ولم يزل الأصوليون يذكرون الخِلَاف في هذه المسألة من
= (2342) وابن حبان (871) والحاكم 1/ 423، وسنده قوي، وسيأتي كلام المصِنف عليه ص 277.