الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلنا: إنَّه كان حافظاً لذلك عن ظهر قلبه أو لا، أمّا إن لم يكن حافظاً لذلك، فظاهر، وأمّا إن كان حافظاً له، فلأنَّه إنَّما كتبها، وعلَّقها مع سيفِه ليرجِعَ إليها عند الالتباس، لأن ذِكْر أسنانِ الإبل، ونصابَ زكاتها، ومقادِيرَ الدِّيات لا يصْلُحُ أن يكون تعلَّقه تميمة، ولا اتخذه عُوذةً، فلا وجه لإيجاب الحفظِ.
الحجة الرابعة: ما قَدَّمنا ذكرَه مِن دعوى المنصور بالله
، والحافِظِ يعقوب بن سفيان، والحافظ ابن كثير للإجماع على رجوعِ الصحابة إلى كتاب عمرو بن حزم، ورجوع عمر إليه في دية الأصابع، وكذلك كتابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي كتبه في الصدقات لأبي بكر وكذلك سائرُ الكتب النبوية التي كتبها عليه السلام للمسلمين إلى سائر آفاق الإسلام، لم يُنْقَلْ أنّه عليه السلام أمر أحداً ممَّن كتبت له بحفظها عن ظهر قلبه، وأوجب ذلك على من أراد العملَ بها وهو عليه السلام المُبَيِّن للأمة، الناصح للخلق، الأمينُ على الوحي، فلا هُدَى أوضحُ من هداه، ولا اقتداء بأحدٍ أفضلُ مِمَّن اختاره اللهُ واصطفاه.
الحجة الخامسة: أن الصحابة أجمعت أنَّه لا يجب حفظُ النَّصِّ على المجتهد
، وإنَّما يجب عليه البحثُ عند حدوث الحادثة، وذلِكَ ظاهر، فإن أبا بكر حين سألته الجَدَّةُ نصيبَها قال لها: ما لَكِ في كتابِ اللهِ من شيءٍ وما علمتُ لَكِ في سُنَّة رسولِ الله من شيء، ثم سأل الناسَ، فأخبره المغيرةُ، ومحمدُ بن مسلمة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض لها السُّدُسَ فأمضاه لها (1). فلم يكن حافظاً للنص قبلَ حدوث هذه
(1) تقدم تخريجه ص 294.
المسألة. وكذلك قِصَّةُ عُمَرَ في حُكْم المجوسِ (1) وسؤاله للناس عند احتياجه إلى ذلك، وكذلك قصَّتُهُ في حديثٍ الطَّاعونِ (2).
وكذلك أميرُ المؤمنين عليه السلام قد صحَّ عنه أنَّه كان يغتسِلُ من المذي، ولا يدري ما حُكمُهُ، وأنَّهُ استحى مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لمكان ابنته منه، وما زال يغتسِلُ منه حتَّى تشَقَّقَ ظهرُهُ، ثم أمر المِقْدَادِ بنَ الأسود يسأل له النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك (3). والظاهر أنَّ علياً عليه السلام كان مجتهداً في العلم حين لم يكن يحْفَظُ ذلك الحكمَ، فلو وجبَ في حق المجتهد حفظُ النصوص على الحوادث، لدَلَّ ذلك على أنَّه في تلك الحال يُسمَّى عامِّياً غيرَ مجتهد.
وأيضاًً فإنَّه قد ثبت عنه عليه السلام أنَّه احتاج إلى حديث غيره، وكان يستحلفُ بعضَ الرُّواة ويُصدِّق منْ حلف له، كما رواه المنصور بالله، وأبو طالب عليه السلام ولو كان حافظاً للنُّصُوص عن ظهر قلبه لم يَحْتَج إلى ذلك. ففي هذا أنَّهم لم يتعرَّضوا لجمع النصوص
(1) أخرجه البخاري في " صحيحه "(3156) والشافعي 2/ 126، وأبو عبيد في " الأموال " 32 - 33، والبغوي في شرح السنة (2750) من طريق عمرو بن دينار، سَمِعَ بَجَالَة بن عبدة يقول: لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر.
(2)
هو حديث مطول أخرجه من حديث عبد الله بن عباس البخاري (5729) و (6973) ومسلم (2219) وأبو داود (3103) وفيه أن عبد الرحمن بن عوف حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه ".
(3)
أخرجه من حديث علي أحمد 1/ 108 - 109، وأبو داود (206) وإسناده صحيح، وأخرجه دون ذكر تشقق الظهر البخاري (132)(178) و (269) ومسلم (303) وأحمد (618) و (662) و (811) و (869) و (823) و (847) و (856) وفيه أنه يغسل ذكره ويتوضأ.