الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غير نكير، ولا قدح على من اختار ذلك، فما خصَّ المحدِّثين بالنكير؟ وقد صرَّح الشيخُ أبو الحسين في " المعتمد"(1) باختيار مذهب المحدِّثين، فقال -ما لفظه-: واعلم أنه إذا ثبت اعتبارُ العدالة وغيرِها مِن الشروط التي ذكرناها، وجب إن كان لها ظاهرٌ أن نعتمِدَ عليه، وإلا لَزِمَ اختبارُها. ولا شُبهة أن في بعض الأزمان كَزَمَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت العدالةُ منوطة بالإسلام، وكان الظاهرُ من المسلم كونَه عدلاً. ولهذا اقتصر النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قبولِ خبرِ الأعرابيِّ عن رؤيةِ الهِلال على ظاهر إسلامه، واقتصرت الصحابةُ على إسلامِ مَنْ كان يروي الأخبار من الأعراب. فأمَّا الأزمانُ التي كثرت فيها الخياناتُ ممن يعتقد الإسلام، فليس الظاهرُ من إسلامِ الإنسان كونه عدلاً، فلا بد من اختباره. وقد ذكر الفقهاء هذا التفصيل. انتهى كلامُ الشيخ. وفيه فائدتان:
أحدهُما: أنه روى مذهب المحدِّثين عن الصحابة وأنهم كانوا يقبلون أحاديثَ الأعراب، بل هذا أوسع من مذهب المحدِّثين لأنهم اقتصروا على من رأى النبي مِن الأعراب.
و
ثانيهما: روايته أن الفقهاء ذهبوا إلى ما ذهب إليه المحدثون
، بل إلى قبول جميع المسلمين في وقته عليه السلام وإن لم يكونوا أصحابه.
وقال الحاكم في " شرح العيون، -ما لفظه-: واحتجُّوا بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قبل خبر الأعرابيِّ لما أظهر الشهادتين ولم يعتبِرْ شيئاً آخر.
والجواب: وَلِمَ قلتَ: إنَّه لم يعْرِفْ مِن أحواله ما اقتضى العدالة.
(1) 2/ 136.
وأيضاًً، فإن أحوال المسلمين كانت أيامَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم معلومةً، وكانت مستقيمة مستغنية عن اعتبارها، فلم يحتجْ إلى استئناف نظرٍ، وحديثُ الأعرابيِّ الذي احتجَّ به الشيخ أبو الحسين والحاكم معروف عند أهل الحديث. قال ابن حجر في كتاب الصيام من " تلخيصه ": رواه أصحابُ السُّنن الأربعة، وابن خزيمة وابن حبَّان، والدارقُطني، والبيهقي، والحاكم من حديث سماك عن عكرمة، عن ابن عباس، وروي مرسلاً عن عكرمة من غير ذكر ابن عباس، ورجحه النسائي (1).
وذكر ابن الحاجب في " المنتهي " عن المعتزلة مثل قول المحدِّثين، إلا في من حارب علياً، ولفظه: وقالت المعتزلة: عدولٌ إلا من حارب علياً. وهذا هو الذي أنكره السَّيِّد على المحدثين، فأمَّا حربُ علي عليه السلام فهو فسقٌ بغيرِ شَكٍّ، ولكن ليس يجرح به في الرواية متى وقع على وجه التأويل كما يأتي بيانُه. وعن معمر البَصري عن أبي العوَّام البصريِّ قال: كتب عُمَرُ إلى أبي موسى، وساق كتابَه الطويل في القضاء، وفيه من كلام عمر: والمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُم عَلى بَعْضٍ في الشَّهَادَاتِ إلَاّ مَجْلُوداً في حَدٍّ، أو مُجرَّباً عَلَيْهِ شَهَادَةُ الزُّور، أو ظَنِيناً في وَلاء أوْ نَسَبٍ، فإنَّ الله تَوَلَّى مِن العِبَادِ السَّرَائِرَ، وَسَترَ عليهم الحُدُودَ إلا بالبينات والأيمانِ، وساق بقيةَ كتابه. رواه البيهقي (2) هكذا، ثم قال: وهو
(1)" التلخيص الحبير " 2/ 187، وتمامه فيه: وسماك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة.
(2)
هو في " سننه " 10/ 150 من طريق جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام البصري قال: كتب عمر إلى أبي موسى
…
وأخرجه أبو عبيد من طريق كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام وقال سفيان بن عينية: حدثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبي بردة، فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة، فأخرج إليه كتباً، فرأيت في كتاب منها رجعنا إلى حديث أبي العوام قال: كتب عمر إلى أبي موسى
…
كتابٌ معروف مشهور لا بُدَّ للقضاة مِن معرفته والعملِ به. انتهي كلام البيهقي.
وفيه ما يَدُلُّ على مثلِ مذهب المحدِّثين من عدالة المجاهيل في ذلك العصر، وأنَّ مذهَبَهم هذا مشهور في السَّلَف والخَلَفِ غير محدث، ولا مستبعد، ولا مستنكر. وعن شقيقِ بنِ سَلَمَةَ قال: أتانا كتابُ عمر: أن الأهِلَّة بعضُها أكبرُ من بعض فإذا رأيتُم الهلالَ نهاراً، فلا تُفْطِرُوا حتى يشهدَ رجلانِ مسلمانِ أنهما أهلاه بالأمس، وفي رواية: يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمسِ، رواه الدارقطني والبيهقي (1) باللفظين المذكورين قال: وهو أثر صحيح ذكره ابنُ النحويِّ في " خلاصة البدرِ المنير ".
الوجه الثالثُ: أن الأدلةَ قد دلَّت على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع، أمَّا الكتابُ، فذلك كثيرٌ في غيرِ آيةٍ مثل قَولهِ تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].
وأما السُّنة، ففي ذلك آثارٌ كثيرة نذكر منها نُبذةً يسيرة:
الأثر الأول: ما روى ابنُ عمر عن عُمَرَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قام فيهم فقال: " أُوصِيكُمْ بِأصْحَابِي ثُمَّ الَّذِين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُوا الكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ ولا يُسْتحْلَفُ، ويَشْهَدُ الشَّاهِدُ ولا يُسْتشْهَدُ " الحديث (2) رواه أحمد والترمذي، وقد رواه عن شعبةَ أبو داود الطيالسيُّ
(1) هو في سنن الدارقطني 2/ 168 من طريقين عن سفيان حدثني منصور، عن أبي وائل، وأخرجه البيهقي 4/ 212 - 213 من طريق سفيان به، وأخرجه أيضاً من طريق روح عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل
…
(2)
هو في مسند أحمد 1/ 18 و26، والترمذي (2165) وقال: حسن صحيح، وأخرجه الشافعي في " الرسالة "(1315) والطيالسي (34)، وصححه الحاكم 1/ 113 - 114، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن عمر، وله طرق أخرى وهو حديث مشهور جيِّد، قال ذلك الحافظُ ابنُ كثير في " إرشاده ".
وذكر أبو عمر بنُ عبد البرِّ في أول كتاب " الاستيعاب " له شواهدَ كثيرة بلفظ: " خَيْرُكُم القرْنُ الَّذين بُعِثْتُ فِيهِم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُوَنهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ "(1) عن ابن مسعود، وعِمران بن حُصين، والنُّعمان بنِ بشير، وبُريدة الأسلميِّ، وجعدة بنِ هبيرة. وذكر المنصور بالله في " المجموع المنصوري " أنه لا يُسأل عن عدالةِ ثلاثة قُرون وأن ذلك معلوم، أو معروف لأهل الفقه.
قلتُ: وفيه ما يدلُّ على أنَّ المراد بأصحابه أهلُ زمانه، بدليل قولِه: ثُمَّ الذينَ يلونهم.
الأثرُ الثاني: عن ابنِ عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيتُ الهِلَال -يعني رمضانَ- فقال: أتشْهَدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأنَّ محمداً رَسُولُ اللهِ؟ قال: نعم. فقال: يا بلالُ أذِّنْ في الناسِ أن يصُومُوا غداً (2). رواه أهلُ السُّنَنِ، وابنُ حِبَّان صاحب الصحيح (3)، والحاكم أبو عبد الله الشِّيعيُّ العلامة، وقال: هو حديثٌ
(1) تقدم تخريجه في الصفحة 144 من حديث عمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة، وحديث النعمان بن بشير أخرجه أحمد 4/ 267، والطبراني، وابن أبي شيبة كما في الجامع الكبير، وحديث جعدة بن هبيرة أخرجه الطبراني في " الكبير "(2187)، وقال الحافظ في " الفتح ": ورجاله ثقات إلا أن جعدة مختلف في صحبته. وقالا في " المجمع " 10/ 20: ورجاله رجال الصحيح إلا أن أدريس بن يزيد الأودي لم يسمع من جعدة.
(2)
تقدم تخريجه ص 372.
(3)
طبع الجزء الأول منه بمؤسسة الرسالة بتحقيقنا، والثاني قيد الطبع، وسيصدر قريباً إن شاء الله.
صحيح، وذكره الحاكم أبو سعد في " شرح العيون "، واحتجَّ به أبو الحسين في " المعتمد "، واحتج به الفقيه عبدُ الله بن زيد.
الأثرُ الثالثُ: حديثُ أبي محذورةَ، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم علَّمه الأذانَ عقيبَ إسلامه واتَّخذه مؤذِّناً (1)، وذلك يدلُّ على عدالته مِن قِبَلِ الخِبرة، لأنَّ العدالةَ معتبرة في المؤذِّن، إذ هو مخبرٌ بدخول وقت الصلاة، معتمد عليه في تأدية الفرائض وفي إجزائها.
الأثرُ الرابعُ: وهو أثرٌ صحيح ثابت في جميع دواوين الإسلام، بل متواترُ النقلِ، معلومٌ بالضرورة، وهو عندىِ حُجَّة قويةٌ صالحةٌ للاعتماد عليها، وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل عليّاً عليه السلام ومعاذاً رضي الله عنه قاضيين أو مفتيين ومعلمين (2)، ولا شكَّ أن القضاءَ متركب على
(1) أخرجه مسلم (379) وأحمد 3/ 409، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 130، وأبو داود (505).
(2)
أخرج البخاري (4349) من طريق أبي إسحاق، سمعت البراء رضي الله عنه: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث علياً بعد ذلك مكانه، فقال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليُعقب، ومن شاء فليقبل، فكنت فيمن عقب معه، قال: فغنمت أواقي ذواتِ عدد.
وأخرج أحمد 1/ 111، وأبو داود (3582) من طريقين، عن شريك بن عبد الله القاضي، عن سماك بن حرب، عن حنش بن المعتمر، عن علي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، قال، فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني، وأنا حديث السن لا أبصر القضاء قال: فوضع يده على صدري، وقال: اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه، يا علي إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء، قال: فما اختلف علي قضاء بعد، أو ما أشكل علي قضاء بعد.
وأخرجه مختصراً أحمد 1/ 90، والترمذي (1331) من طريق حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن سماك به.
وحديث معاذ أنه لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال له: كيف تقضي
…
قد تقدم تخريجه ص 258. =