الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اللهُ تعالى بعلمه، مع أنَّ من الجائز أن يكون العالمُ غيرَ عامل كَبَلْعَمَ (1) وغيرِه، ولكن تجويز بعيد، قليلُ الاتفاق، نادرُ الوقوع، فلم يجب الاحترازُ منه. وفي بعض هذه الآثار أثرٌ مِن ضعف وهو ينجبِرُ باجتماعها وشهادةِ القُرآن لها، وهي الحجة الثانية وهي قولُه تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] فأمر اللهُ تعالى بسؤالهم، وهو لا يأمر بقبيح، فَدَلَّ إطلاقُه على جواز سؤال العُلماء على العموم إلا مَنْ عُرِفَ بقلة الدِّين.
وأما الاستدلالُ على ذلك مِن جهة النَّظرِ، فهو يتبيَّنُ بإيراد أنظارٍ:
النَّظر الأول: أن الظاهِرَ من حملة العلم أنهم مقيمون لأركان الإسلام الخمسة، مجتنُبون للكبائر
والمعاصي الدَّالة على الخِسَّة، معظِّمون لِحرمة الإسلام، لا يجترئون على الله بتعمُّدِ الكذب عليه، ولا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر أيضاًً فيهم قِلَّةُ الوهم بغير الاعتماد على الكِتابة، وظهور العناية بالفَن.
فالمحدِّث وإن كان يَغْلطُ في العربية، والفقيهُ وإن كان يَغْلَطُ في الحديث، فليس ذلك الذي عَنيناه بالقبولِ وإنما أردنا أن المحدِّث يقبل في فنِّه، وأن الظاهر عدمُ غلطه ووهمه، وهذه الأشياءُ هي أمارة (2)، العدالة.
النظرُ الثاني: أن الأمة أجمعت على الصلاة على مَنْ هذه صفتُه
، وخلْفَ منْ هذه صفتُه، وعلى الاعتداد بأذانِه، وعلى جواز الترحم عليه،
(1) بلعم هذا، رجل من علماء بني اسرائيل انظر قصته في تفسير الطبري 13/ 257 - 268 وابن كثير 3/ 507 - 512 في تفسير قوله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175].
(2)
أي: علامة، يقال: أمار ما بيني وبينك كذا، وأمارة ما بيني وبينك بالهاء وغير الهاء.
والترضية، والاستغفار، والتعظيم، وسائر حقوق المسلمين. وأجمع على ذلك مَنْ يشترِطُ العدالةَ في هذه الأمور ومن لا يشترِط، وإنما قلنا: إنهم أجمعوا على ذلك، لأن العمل عليه في جميع أقطار الإسلام في قديم الزمان من غير نكير من أحدٍ من المسلمين.
النَّظر الثالث: أنَّه قد ثبت أنَّ العاميَّ من الزُّرَّاع وغيرهم إذا احتاج إلى فتوى، ودخل مِصراً من أمصار المسلمين لِيستفتي، فإنه يسأل مَنْ يراه منتصباً للفتوى، ويرى الناسَ يأخذون عنه وإن لم يتقدم له خِبْرةٌ بحاله، ولا طولُ صحبة إلا مجرد ظنِّ عدالته المستندِ إلى كونه من أهل العلم، وأنَّ أهل العلم من أهل الدِّيانة في ظاهر الأحوالِ وغالبها، وكون الناس يستفتونه، ولو كان مِن أهل الفسوق والمعاصي ما كان بهذه المنزلة عند الناس، وهذا كافٍ للعاميِّ في معرفة عدالة المفتي. ولو أوجبنا على العاميِّ أن يُلازم المفتي أولاً، ويختبره في حَضَرِه وسفرِه ورضاه وغضبه، لخالفنا إجماعَ الأمة.
قال الإمامُ المنصورُ بالله عليه السلام في " الصفوة ": اعلم أن شروط الاستفتاء ترجِعُ إلى أصل واحدٍ: وهو أن يغلِبَ ظنُّ المستفتي أنَّ من يستفتيه من أهل الاجتهاد والعلم، ويحصل له هذا الظنُّ بوجوه:
أحدُها: أن يراه منتصباً للفتوى بمشهدٍ من أعيان الناس، وأخذِ الناس عنه، وأن يراه مِن أهل الدِّين بأن يرى سِمَاتِ الخير عليه ظاهرة، ويرى الجماعة مطبقةً على سؤاله، والأخذِ عنه، والفَزَع إليه، أو يعلمه أو يظنه من أهل الدِّين، ولكن صَرفَ الجماعةَ عن سؤاله بعضُ الصَّوارف.
وكذلك الشيخُ أبو الحسين، فإنه قال في" المعتمد " (1): شروطُ
(1) 2/ 363 - 364.
الاستفتاء: أن يَغْلِبَ على ظنِّ المستفتي أنَّ من يستفتيه من أهل الاجتهاد بما يراه من انتصابه للفتوى
…
إلى قوله: وأن يظنَّه من أهل الدِّيِن بما يراه من اجتماعِ الجماعات على سؤاله واستفتائه، وبما يراه من سِمات السِّتر والدين انتهى.
وحديثُ معاذٍ (1) أوضح دليلٍ على ذلك، فإن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن مفتياً ومعلماً وقاضياً، ولا شكَّ أنه مجهولُ الحال عندَ أهل اليمن، أو عند الأكثر منهم، لكنهم يظنُّون مِن قرائنِ الأحوال أنه من أهل العلم والدِّيانة.
وقد ذكر المنصور بالله عليه السلام ما هو أكثرُ ترخيصاً من هذا فقال عليه السلام في المستفتي: وذهب قوم أنه لا يجب عليه ذلك، بل له أن يَقْبلَ قَوْلَ المفتي مِن غير نظرٍ في حاله. قال عليه السلام: وما ذكرنا هو الذي كان شيخُنا رحمه الله يذهبُ إليه وهو الذي يختارُهُ -يعني عليه السلام أنه لا يَحِلُّ الرُّجُوعُ إلى المفتي من غير نظر، بل لا بُدَّ من الظنِّ لأهليته لذلك - وهذا هو المختارُ الذي عليه الجماهيرُ، فإذا تقرَّر في العامي المستفتي أنه يجوزُ له العملُ بقول المفتي عند ظنِّ عدالته بأخف الأماراتِ الحاصلةِ في ساعةٍ واحدة من غير سابق خِبرة ولا طول صُحبة.
وعلى هذا عملُ المسلمين في جميع الأقطار والأمصار من غير نهي للعامّة عن ذلك ولا إنكار، فغيرُ خافٍ على المنصف أن جميعَ المدرسين
(1) تقدم تخريجه ص 258.
في علم الحديث المأخوذِ عنهم الإجازاتِ على صفة المفتين للعامة وفي الديانة وفي معرفة ما يدرسون فيه.
النظر الرابع: أن طلبة العلم ما زالوا يدخلونَ أمصارَ الإسلام للقراءة، وطلب العلم، فإذا دخلُوا سألُوا عن العالم في الفن، فإذا أُخْبِرُوا بالعالم قرؤوا عليه، وأخذوا عنه العلمَ مِن غير سابقِ خِبرةٍ ولا طُولِ صُحبة متقدمة إلا لِظنِّ علمه وديانته وتحريه للصدق بغيرِ سببٍ لذلك الظنِّ أكثر مِن كونه من أهل العِلم والانتصاب للتدريس.
وهذا إجماعُ من المسلمين، لأن منهم من يفعلُهُ كالطالب للعلم، ومنهم من يسكت عنه كالعالم المفيد للطَّالب، وسائر من يعلم ذلك من العلماء، وهذا غيرُ خافٍ على العلماء ولا يخافون مِن طلبة العلم بمضرةٍ تلحقُهُم إن نصَحُوهم في ذلك، كما رُبَّما خافوا مِن جبابرة الملوك، وأهلِ التَّكَبُّرِ في الأرض إذا نصحوهم. فثبت بهذا أنَّ ظَاهِرَ العلماء العدالةُ والدِّيانةُ ما لم يظهر ما يجْرَحُهُمْ، وَيمْنَعُ العَمَلَ بالظاهر.
فإذا ثبت هذا، ثبتَ أنه لا قَدْحَ في كُتُبِ الحديثِ المسموعة، فإنَّ الظاهِرَ أنَّ منْ بيننا وبَيْنَ مصنفيها كُلُّهم مِن أهل العلم، ويغلِب على ظنِّ كُلِّ منصفٍ أنَّه ليس فيهم أحدٌ مِن أهل الفسق والفواحش والتظاهر بارتكاب الكبائر، وما فيهم منْ يَتعَمَّدُ الكذبَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فيهم بحمدِ اللهِ إلا من يُظَنُّ صِدْقُه وأمانتُهُ، ومنْ لم يحْصُلْ له هذا الظنُّ، حَرُمَتْ عليه الروايةُ، وحَرُمَ عليه النَّكيرُ، وكلُّ متعبِّد بِظنِّه.
النظر الخامس: أجمعت الأمةُ على قبولِ علومِ الأدب مِن اللغة والمعاني والعربية بنقل علماء الأدب من غير تعرُّضٍ إلى جرح وتعديل غالباً، وفي هذا ما يدل على صحة كلام ابن عبد البرِّ مِن قبول العلماء في
فنونهم التي ظهرت عنايتُهُم فيها حتى يتبيَّنَ جرحُهُم.
فهذه الوجوهُ مما يُمْكِنُ أن يَقْوَى بها قولُ أبي عُمَرَ بن عبد البَرِّ. وقد قال ابنُ الصَّلَاح: إن في قوله اتِّساعاً غيرَ مرضيٍّ (1).
ولا شكَّ أن المسألة محتملةٌ للنظر، وأن في أدلَّتِه قُوَّةً.
فإن قلتَ: نِسبةُ هذا القولِ إلى ابنِ عبد البَرِّ وحدَهُ تدلُّ على شُذُوذه وإصْفَاقِ (2) العلماء على مخالفته.
قلتُ: ليس كذلِكَ، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى قبول المجهول مطلقاًً، سواءً كان مِن أهل العِلْمِ أو لم يكن منهم، وهو أحَدُ قَوْلي المنصور بالله عليه السلام، وجزم الفقيهُ عبدُ الله بن زيد به، وقال: هو مذهبُنا، حكاه في " الدرر المنظومة " وحكاه الإمامُ المنصورُ بالله عن الشافعيِّ (3) في كتاب " الصفوة " وهو مذهبُ الحنفيةِ بأسرهم (4).
(1) مقدمة ابن الصلاح ص 138.
(2)
إصفاق مصدر أصفق، يفال: أصفقوا على كذا، أي: أطبقوا عليه قال يزيد بن الطثرية:
أثيبي أخَا ضَارُورَةٍ أصْفَق العِدَى
…
عَلَيْه وَقَلَّتْ في الصِّدِيق أوَاصِره
(3)
هذا المحكي عن الشافعي لا يصح، ففي الرسالة ص 370: ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً منها: أن يكون من حدَّث به ثقة في دينه، معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ
…
وفي اختلاف الحديث ص: والظاهر في المجهول: هو من لا تعرف عدالته عن خبرة أو عينه.
وقال الإسنوي في " نهاية السول " 3/ 138: إن الشخص إذا علمنا بلوغه وإسلامه،
وجهلنا عدالته، فإن روايته لا تقبل كما نقله الإمام وغيره عن الشافعي، واختاره هو والآمدي وأتباعهما.
وقال السبكي في " جمع الجوامع " 2/ 150، 151، بشرح المحلي وحاشية البناني: فلا يقبل المجهول باطناً وهو المستور خلافاً لأبي حنيفة وابن فورك وسليم، وقال إمام الحرمين: يوقف ويجب الانكفاف إذا روى التحريم، أما المجهول ظاهراً وباطناً فمردود إجماعاً.
(4)
قال في " مسلم الثبوت وشرحه " 2/ 146: مجهول الحال من العدالة والفسق، وهو =
وتوقَّف السَّيِّدُ أبو طالب في قبوله في كتاب " المُجزي " ولم يقطع بردِّة، وقال: المسألة محتمِلة للنظر، ورجح السيد أبو طالب قبولَهُ في " جوامع الأدلة ". وأشار قاضي القضاة (1) في " العهد " إلى قبولِه. فالذاهبُ إلى ما قَالَهُ ابنُ عبد البَرِّ، لم يأت ببديعٍ، بل قولُهُ أقوى مِنْ قولِ من يقبل المجاهيلَ على الإطلاق.
واعْلَمْ أني مكمِّل للكلام في هذه المسألة بذكرِ سؤالٍ وجواب:
= المستور في الاصطلاح غير مقبول عند الجمهور، وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه في غير رواية الظاهر قبوله، واختاره ابن حبان نقله عنه في الحاشية. قال ابن الصلاح: يشبه أن يكون العمل في كثير من كتب الحديث المشهورة بهذا الرأي، والأصل أن الفسق مانع من القبول بالاتفاق كالكفر، فلا بد من ظن عدمه، فإن اليقين متعسر، لكن اختلف في أن الأصل العدالة، فتظن ما لم يطرأ ضدها، أو الأصل الفسق فلا تظن العدالة، ولك أن تقول: العدالة شرط اتفاقاً، لكن اختلف في أن أيهما أصل، ثم إن المعتبر في حجية الخبر ظن قوي، فلا يكتفي بالظن الضعيف، فإنه لا يغني عن الحق شيئاً ألا ترى أنه قد يحصل الظن بخبر الفاسق إذا جرب مراراً عدم الكذب منه، لكن لا يقبل قوله شهادة ورواية، فكذا ظن العدالة من الأصالة لا يكفي ها هنا، كيف وقبول الخير من الدين ولا بد فيه من الاحتياط، فمبنى ظاهر الرواية هو هذا لا ما ذكروه، وإلى ما ذكرنا أشار الإمام فخر الإسلام بقوله: وهي نوعان: قاصر وكامل، أما القاصر، فما ثبت بظاهر الإسلام واعتدال العقل، لأن أصل حاله الاستقامة، لكن الأصل لا يفارقه هوى يضله ويصده عن الاستقامة، ثم قال بعد هذا: والمطلق ينصرف إلى كمال الوجهين، ولهذا لم يجعل خبر الفاسق والمستور حجة. انتهي. وبهذا تعلم أن ظاهر مذهب الحنفية عدم قبول رواية المستور كغيرهم، وأن ما جعله بعضهم قول أبي حنيفة إنما هو رواية عنه على خلاف ظاهر المذهب.
(1)
هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسدأباذي كان شيخ المعتزلة في عصره وهم يلقبونه قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره توفي سنة 415 هـ. وكتابه العهد هو من أهم الكتب التي ألفت في أصول الفقه، وقد شرحه أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المتكلم على مذهب المعتزلة المتوفى سنة 436 بشرح كبير سماه " العمدة " ثم اختصر هذا الشرح وسماه المعتمد وهو مطبوع، وكتاب المحصول للفخر الرازي مستمد من كتابين لا يكاد يخرج عنهما غالباً، أحدهما هذا، والثاني المستصفي للغزالي فيما قاله الإسنوي في " نهاية السول " 1/ 4.
أمَّا السُّؤال: فيُقال: هذه الحججُ مبنية على تحسينِ الظَّن بِحَمَلةِ العِلْمِ، والقولِ بأن المجروح نادِرٌ فيهم، وأنه إذا كان نادراً، فالحكم بالنادِرِ تقديمُ للمرجوح على الغالب الراجح، وتقديمُ المرجوح على الراجح ضروريُّ القُبْح، والتوقف أيضاً مساواة بين الراجح والمرجوح، والمساواة بينَهما على الإطلاق قبيحةٌ بالضرورة، لكن كونُ المجروحِ نادراً فيهم غيرُ مُسَلَّم، فإن وقوع الغيبة والحَسَدِ والمنافسة في الدنيا كثير فيما بينهم، والسَّالم من هذه الأشياء عَزِيْزٌ.
والجواب عن ذلك: أمَّا قوله: إن المجروحَ غيرُ نادرٍ فيهم، فهو بناء على أن كُلَّ مَنْ صَدَر منه فِعلٌ قبيح، فهو مجروحٌ، ومتى سُلِّمَ له أن العدالةَ هي تركُ جميع الذنوب والمعاصي، فالسؤالُ واقع، ولكن متى فسرنا العدالَةَ بهذه عزَّ وجودُهَا في جميع المواضع التي تُشْترَطُ فيها كعقدِ النكاح، والطَّلاقِ على السُّنَّة، والشهاداتِ في البيوع والحقوقِ والحدودِ، وقد دل الشرعُ على ما تبيَّن أن العدالة مرتبةٌ دونَ هذه المرتبة. وفي الحديث عن أبي هُريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" مَنْ طلبَ قَضاء المُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غلبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ، فلَهُ الجَنَّةُ، ومَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ، فَلَهُ النَّارُ " رواه أبو داود (1)، وقال الحافظ ابن كثير: إسناده حسن (2).
ولأنهم يُسَمَّوْنَ مسلمينَ ومؤمنين، وقد دَلَّ السمْعُ على قبولهم كما تقدَّمَ، وقد قال بذلك أبو الحسين، لأنَّه قال في " المعتمد "(3) في تفسير لفظة العدْلِ -ما هذا لفظه- وتُعُورِفَ أيضاًً فيمن تُقْبَلُ روايتُهُ عن النبي صلى الله عليه وسلم،
(1) برقم (3575) ومن طريقه البيهقي في " سننه " 10/ 88.
(2)
كيف وفي سنده موسى بن نجدة الحنفي اليمامي وهو مجهول كما في " التقريب ".
(3)
2/ 621.
وهو من اجتنب الكبائرَ والكذبَ والمُسَتَخفَّاتِ من المعاصي والمباحات، ومَثلَ للمستخفاتِ بالتطفيف بحبة، وللمباحات بالأكل على الطريق. ومما يُقَوِّيَ هذا ما ورَدَ في الحديث، وأجمعتِ عليه الأُمَّةُ من أنه لا تقبل (1) مَنْ بيْنَه وبينَ أخيه إحْنَةٌ (2) مع أنه مقبولٌ على مَنْ ليس بينَهُ وبينَه إحنة. فلم يُجْرَحِ المُسْلِمُ الثقةُ بالإحْنَة التي بينَه وبين أخيه ما لم يُسْرِفْ في العداوة إلى حدٍّ لا يتجاوزُ إليه أهلُ الدِّين، وأمَّا مجرد الإحنة، فوقوعها كثيرٌ بين أهل الخير قال الله تعالى: في صفة أهل الجنة {وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورهِمْ مِنْ غِلٍّ} [الأعراف: 43] وقد حكى الله تعالى وقوعَ بعضِ المعاصي مِن أنبيائه الكرام -عليهم أفضل الصلاة رالسلام- وقد جوَّز المنصور عليه السلام شهادة الفسقة المصرِّحين عند الضرورة، ونظراً إلى مصلحة العامة، فكيف بقبولِ مَنْ هو مِن القائمين بأركان الإسلام، والمجتنبين للكبائر، ولمعاصي الخِسّة، ولِمَا لَمْ تَشتدَّ المِحْنَةُ بملابسته من المعاصي؟! وإنك متى تركت شهادةَ هؤلاء ورِوايَتَهُم، واعتبرتَ قولَ المنصور بالله عليه السلام في العدالة: إنها الخروج مِن كل شبهة، ومحاسبةُ النفس في كل طرفةٍ ونحو هذا من التشديدات، تعطَّلت المصالحُ والأحكام، وتضرَّر جميعُ أهلِ الإسلام، ولم يَكَدِ الإنسانُ يجد مَنْ يشْهَدُ
(1) أي: الشهادة.
(2)
الإحنة: الحقد والضغينة، وقد أخرج الإمام أحمد 2/ 204 و208 و225، وأبو داود (3600) و (3601) وعبد الرزاق في " المصنف "(15364) والدارقطني 4/ 243، والبيهقي 10/ 200 والبغوي في شرح السنة (2511) من طريق سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغِمْرِ على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم " وهذا سند حسن، وقواه الحافظ في " التلخيص " 4/ 198. وذو الغمر: الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة، والغمر: الضغن. والقانع: الخادم والتابع.
على النكاح، ولا يجدُ القاضي مَنْ يَشْهَدُ في الحقوق، ولا يجد العاميُّ مَن يُفْتيه، ولا القارىء من يُقرئه، سواءً كان طالباً للاجتهاد أو للتقليد، فإن المقلد أيضاً يحتاج إلى عدالة من يُقَلِّدُهُ، وعدالة من يروي له مذهبَ العلم، وأهْلُ التَّحَرُّزِ من الغِيبة، ومِن سماعها والقائمين بما يجبُ على الحدِّ المشروعِ من إنكارها، والمتنزهين من الشُّبهَات أجْمَعَ؛ أعزُّ من الكبريت الأحمر، وإذا وجدتَهم، فلا تكادُ تجدهم إلا أهلَ العِبَادَةِ والزُّهد والاعتزال دونَ أهل التدريس والفتوى.
فلو اشترطنا هذا في المفتي والمدرِّس، والشَّاهد في الحقوق، والشَّاهِدِ في النكاح، لعَظمَتِ المضَرَّةُ من غيرِ شك، وتعطَّلَتِ المصالِحُ بلا ريب.
وقد قال الشافعي في العدالة قولاً استحسنه كثيرٌ من العقلاء مِن بعده، قال: لو كان العَدْلُ مَنْ لم يُذْنِبْ لم تَجِدْ عدلاً، ولو كان كُلُّ ذَنبٍ لا يمنع من العدالة لم تَجِدْ مجروحاً، ولكن مَنْ تَرَكَ الكَبَائِرَ، وكانت محاسنُهُ أكثرَ من مساوئه، فهو عَدْل. حكى معنى هذا عنه النواويُّ في " الروضة "(1).
وقال عبدُ الله بنُ زيد في " الدُّرر" في تفسير لفظ العدل: ومعنى كونه عدلاً: أن يكون مؤدياً للواجباتِ، ومجتنباً للكبائِرِ من المستقبحات، وحديث أبي هريرة الذي قدّمناه في من غلب عدلُهُ جورَه يشهد لهذا. وما زال أهلُ الوَرَعِ الشَّحيح، والخوفِ العظيم يُقِرُّونَ بذنوبهم ويذمُّون أنفسَهم بذلك. وقد روى الأعمش عن إبراهيم التَّيميِّ، عن أبيه، قال:
(1)" روضة الطالبين " 11/ 225 بتحقيقنا مع صاحبنا الشيخ عبد القادر الأرنؤوط نفع الله به.
قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: لوْ تعْلَمُونَ ذُنُوبِي مَا وَطِىءَ عَقِبي اثْنَانِ، ولَحَثَيْتُم على رأسِي التُّرَاب، ولَوَدِدْتُ أنَّ اللهَ غَفَرَ في ذنباً من ذنوبي، وأني دُعيتُ عبدَ الله بنَ رَوْثةَ (1).
وروى الأعمشُ، عن إبراهيم التَّيميِّ، عن الحارثِ بنِ سُوَيْدٍ، قال: أكثرُوا على عبدِ الله يَوْمًا، فقال: والله الذي لا إلهَ غَيْرُهُ لوْ تعلمون عِلْمِي، لَحَثيْتُمُ التُّرابَ على رأسي (2). قال الذهبي (3): رُوِيَ هذا مِن غير وجه عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وقد روى علقمةُ عن أبي الدَّرداءِ أنه قال: إنَّ الله أجارَ ابن مَسعودٍ من الشيطان على لسان نبيِّه (4). وجاء مِنْ غير وجهٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لَوْ كنْتُ
(1) رجاله ثقات أخرجه الحاكم في " المستدرك " 3/ 326 من طريق عبد الله بن وهب، عن سفيان الثوري، عن الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي وإبراهيم التيمي: هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي تيم الرباب، هو وأبوه ثقتان من رجال الستة، وأخرجه الفسوي في تاريخه 2/ 548 من طريق سعيد بن منصور، عن أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله
…
ورجاله ثقات أيضاً.
(2)
رجاله ثقات، أخرجه الفسوي 2/ 549، وأبو نعيم في " الحلية " 1/ 133.
(3)
انظر سير أعلام النبلاء 1/ 495 طبع مؤسسة الرسالة.
(4)
هذا وهم من المصنف رحمه الله، فالذي رواه علقمة عن أبي الدرداء أن الذي أجاره الشيطان على لسان نبيه هو عمار بن ياسر وليس ابن مسعود، فقد أخرج البخاري في " صحيحه "(3742) في فضائل الصحابة من طريق إبراهيم، عن علقمة، قال: قدمت الشام فصليت ركعتين، ثم قلت: اللَّهم يسر لي جليسًا صالحًا، فأتيتُ قومًا فجلست إليهم، فإذا شيخ جاء حتى جلس إلى جنبي، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء، فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليسًا صالحًا فيسرك لي، قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: أو ليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلبين والوساد والمطهرة، أفيكم الذي أجاره الله من الشيطان يعني على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؟ أو ليس فيكم صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلم أحد غيره؟
…
واستدركه الحاكم 3/ 326 على البخاري فأخطأ. وأخرجه أحمد 6/ 449 و451 وفي آخر الرواية الأولى: صاحب الوساد: ابن مسعود، وصاحب السر: حذيفة، والذي أجير =
مُؤَمِّرَاً أحَدَاً مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لأمَّرْتُ ابنَ أمِّ عَبْدٍ" (1)
وقال عليه السلام: " رضِيتُ لأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابنُ أمِّ عَبْدٍ "(2) وجاء عنه عليه السلام أنه قال: " اهْتَدُوا بهَدْي عَمَّار، وتَمَسكوا بعَهْدِ ابنِ أُمِّ عَبْدٍ "(3).
= من الشيطان: عمار، وفي الرواية الثانية: أليس فيكم صاحب الوساد والسواك يعني عبد الله ابن مسعود، أليس فيكم الذي أجاره الله على لسان نبيه من الشيطان يعني عمار بن ياسر، أليس فيكم الذي يعلم السر ولا يعلمه غيره يعي حذيفة .. وهو في تاريخ الفسوي 2/ 534، 535 بنحو الرواية الثانية. وأخرج الترمذي (3811) من طريق معاذ بن هشام عن أبيه، عن قتادة، عن خيثمة بن أبي سبرة قال: أتيت المدينة، فسألت الله أن ييسر لي جليسًا صالحًا فيسر لي أبا هريرة، فجلست إليه، فقلت له: إني سألت الله أن ييسر لي جليسًا صالحًا فوفقت لي، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، جئت ألتمس الخير وأطلبه، قال: أليس فيكم سعد ابن مالك مجاب الدعوة، وابن مسعود صاحب طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وبغلته، وحذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه، وسلمان صاحب الكتابين؟ قال قتادة: والكتابان: الإنجيل والفرقان. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(1)
أخرجه أحمد 1/ 76 و95 و107 و108، والترمذي (3808) و (3809) والخطيب في " تاريخ بغداد " 1/ 148 وابن ماجة (137) والفسوي في تاريخه 2/ 534، وابن سعد في " الطبقات " 3/ 154 من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور، عن علي والحارث ضعيف، لكن تابعه عاصم بن ضمرة وهو حسن الحديث عند الحاكم 3/ 318 فيتقوى ويعتضد.
(2)
أخرجه الحاكم 3/ 319 من حديث عبد الله، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وله شاهد من حديث أبي الدرداء بلفظ:" رضيت بما رضي الله تعالى لي ولأمتي وابن أم عبد " أخرجه الطبراني كما في " المجمع " 9/ 290، قال الهيثمي: ورجاله ثقات إلا أن عبيد الله بن عثمان بن خيثم لم يسمع من أبي الدرداء.
(3)
حديث صحيح رواه الترمذي (3805) والحاكم 3/ 75 من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود " وهذا إسناد ضعيف، إبراهيم وأبوه وجده ضعفاء، وصححه الحاكم ورده عليه الذهبي. =
فإذا كان مثلُ هذا الصاحِب الجليل يُقسِمُ بالله الَّذي لا إلهَ إلا هو لَوْ يَعْلَمُ الناسُ ذنوبَهُ، لَحَثَوْا على رأسه الترابَ، فكيف بمن هو دونَه من سائر المؤمنين؟!.
والكلامُ في هذه الجملةِ يحتملُ التطويلَ، لتعلُّقه بالمصالح المرسلةِ وما يجوزُ منها، وما لا يجوز، وبالأقوالِ والحُجج في ذلك، وما يَرِدُ عليها، وما يُجَابُ به. وهذا بابٌ واسع، وبحر عميق، وليس القصدُ الاستيفاءَ، وإنما القصدُ التنبيهُ على مثارات الأنظار، وللناظر نظرة في مثل هذا. فهذه من المسائل الظنية، والأمرُ فيها قريبٌ إن شاء الله تعالى.
فهذه مُقَوِّمَاتٌ لاعتمادنا في رواية الحديث على مرسل الثقة، وإنما يعتمد عليها في إسناد الحديث وتسميته مسنداً وترجيحِهِ على المرسل، لأن رجال المسند من أهل العلم الَّذِين دلَّت هذه الوجوهُ على قبولهم. فأما قبولُه ومعرفةُ صحته، فاعتمادُنَا فيه على قبول المرسل على الشروط التي قدمناها، كما ذلك مذهبُ الجماهير من الأئمة عليهم السلام، وإن قدَّرنا عدمَ صحةِ الطريق المسندة.
= ورواه الطحاوي في " مشكل الآثار " 2/ 83، وأحمد 5/ 385 و402 والحميدى في " مسنده "(449) والخطيب في " تاريخه " 12/ 20، والحاكم 3/ 75 من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعي بن حراش، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة
…
ورجاله ثقات غير مولى ربعي -وسمي في بعض الروايات هلالاً- فإنه لم يوثقه غير ابن حبان، وقد تابعه عمرو بن هرم، عن ربعي بن حراش به عند أحمد 5/ 399 والترمذي (3663) وابن حبان (2193) والطحاوى 2/ 85، وسنده حسن في الشواهد.
ورواه ابن عدي في " الكامل " 2/ 666 من طريق حماد بن دليل، عن عمر بن نافع، عن عمرو بن هرم، قال دخلت أنا وجابر بن زيد على أنس بن مالك فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
وهذا سند حسن.
الجواب السادس: أن كلام السَّيِّد -أيَّده الله- مما يجب عليه النظر في نقضه، لأنَّه ليس مما يختصُ بمحمدِ بنِ إبراهيم، بل هو تشكيكٌ في القواعد الإسلامية، وتشكيكٌ على أهل الملَّة المحمّدية، وذلك أًنَّهم أجمعوا على حُسْنِ الرجوعِ إلى الكِتاب والسُّنة في جميع الأحوال على الإطلاق، وأجمعوا على وجوبِ ذلك على جميع المكلفين في بعض الأحوال.
والسَّيِّد -أيَّده الله- بالغ في التشكيك على مَنْ أراد الرجوع إلى الكتاب والسُّنَّة، بحيث لو تصدَّى بعضُ الفلاسفة للتَّشكيكِ على المسلمين في الرجوع إلى كتاب ربِّهم الذي أُنزِل عليهم، والاعتمادِ على سُنَّة نبيهم الذي أُرْسِل إليهم، ما زاد على ما ذكر السَّيِّدُ، فإنه شكك في صحة الأخبار النبوية، وطعن في جميع طُرُقِها، وطرَّقَ الشك في إسلام رُواتها، وفي إسلام من استطاعَ أن يُشكِّكَ في إسلامه، حتى شَكَّكَ في إسلامِ الإمامين الكبيرين مالكٍ والشافعيِّ، فمنع من معرفة حديثِ الفقهاء، وأوجب معرفةَ رجال الأسانيد، ومعرفةَ عدالتهم وعدالة مَن عدَّلهم، وعدالة من عدَّل المعدل، وهذا غيرُ موجودٍ في حديث أهلِ البيت عليهم السلام لِقبولهم للمرسل، ولهذا لم يصنفوا في الجَرحِ والتعديلِ، ومعرفةِ الرجال، واختصرُوا ذِكْرَ الأسانيد، فإن ذُكِرَتْ في بعض كتبهم البسيطة التي لا تُوجد في هذه الأرض، فذكرها لا ينفع، بل ذكُرها يَضرُّ، وذلك لأن المُرْسَلَ مقبولٌ عند كثير من أهل العلم.
وأما المسند فإنْ كان رجالُه معروفينَ بالعدالة، فمقبول بالإجماع، وإن كانوا غير معروفين، فمردودٌ عند من يقبل المرسلَ وعند من يشترط العدالةَ، والأسانيدُ الموجودة في كتب أهل المذهب مِن هذا القيد
بالضرورة، لأنه لا يُعرف أحوالُ رجالها إلا بالرجوع إلى كتب الفقهاء في معرفة الرجال.
وأيضاً كثيرٌ من أهل البيت يقبل فُسَّاق التأويل، وقال المنصور بالله: هو الظاهِرُ مِنْ مذهبِ أصحابنا. وكثيرٌ منهم ادَّعى أن قَبولهم إجماع، ومن لا يقبلُهم، فإنه يَقْبَلُ مُرْسَلَ العدل الذي يقبلهم والذي لا يؤمن أنه يقبلهم، لأنهم نَصُّوا على قبول مرسل الثقة، ولم يشترطوا أن يكون الثقة ممن لا يقبلهم، فتطرَّف احتمالُ فسق التأويل إلى مُرْسَلِ أهلِ البيت عليهم السلام من يقبل المتأول ومن لا يقبل، وقد منع السَّيِّد مِن قبول كُلِّ حديث احتمل أن في رواتِه فاسِقَ تأويلٍ بمجرد الاحتمال، وقال: لا بُد من تبرِئةٍ صحيحة.
وسيأتي تحقيقُ هذه النكتة في الإشكال الرابع؛ آخر الفصل الثاني من الكلام في المتأولين.
فثبت بهذا أن السَّيِّد -أيَّده الله- سدَّ طريقَ معرفة السنَّة النبوية المروية مِن طريق العِترة، والمروية من طريق أهلِ الحديث، لأنَّه منع مِن قبول المرسل الذي مدارُ حديثٍ العِترة عليه، ومنع من معرفة عدالة أهل الأسانيدِ الَّتي مدارُ معرفة أهل الحديث عليها، ثم إنه شكَّك في معرفة معنى الحديث على تسليم صحته. وذكرَ صعوبةَ معرفةِ الناسخِ والمنسوخ، والخاصِّ والعامِّ، وغيرِ ذلك مما يأتي لفظُه ونَقْضُه، إن شاء الله تعالى.
ثم إِنه سلك ذلك المسلكَ في معرفة تفسير القُرآن بما فيه من الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، ووقوفِ العمل بالعام، والظاهر على معرفة
ما في السنة مما يُوجب تأويلَ الظاهر، وتخصيصَ العام مع تشكيكِهِ في معرفة السنة، فأشكل حينئذٍ معرفةُ معنى القرآن، ثم شكك في معرفة اللُّغة والعربية اللَّتيْنِ هما عمودُ تفسيرِ الكتاب والسنة، ثم منع صحتهما عن اللغويين والنحويّين، وصرَّح بأن اتِّصال الرواية الصحيحة بهم متعذِّرٌ.
هكذا أطلق القول بهذا، وجزم به، وقطعه عن الشك والتردد، ولم يُبال بما يلزم منه مِن سدِّ باب رجوعِ المسلمين إلى كتاب ربِّهم سبحانه وتعالى الذي أنزله عليهم نوراً وهدىً وعِصْمَةً للمتمسك به أبداً، والقرآن الكريمُ هو عِصمةُ الأمة عند مَوْر بِحَارِ الضَّلالات إلى يوم القيامة، وليس عصمةً للقرن الأول من هذه الأمة، ولا لِلقَرن الثاني والثالث، بل هو حُجَّةُ الله العُظْمى على جميع عباده إلى يومِ يلْقَوْنَهُ.
ثم إن السَّيِّد شَكَّكَ في قبول النحويِّين واللغويِّين على تسليمِ صحة الرواية عنهم، وثبوتِ اتِّصالها بهم، فقال: إن قَبولَها منهم على سبيلِ التقليدِ لهم. ومنع من التفسير بهذا الوجه، وهذا ما لم يَقُلْ به أحد. وليت شعري!! كيف الاجتهادُ في ثبوت لغة العرب؟ وهل ثَمَّة طريقٌ إليها إلا بقولِ الثقات، مثل ما أنه لا معنى للاجتهاد في ثبوت الأحاديث النبوية إلا قبول الثقات، ومتى كان قبول الثقات تقليداً عند السَّيِّد، فهل يُوجب على المجتهدين أن يُحيوا الموتى مِن العرب، ثم يسألوهم عن العربية فيأخذوها عنهم مشافهةً مِن غير تقليد؟! أو كيف السبيلُ عنده إلى معرفة اللغة العربية بعد منعه من قبول الرواة، وتعليله لذلك بكونه تقليداً لهم لا بكونهم مجروحين ولا مجهولين؟! فأما المتواتراتُ الضرورياتُ، فلا تكفي المجتهد، ولا تُسمَّى معرفتُها فقهًا ولا اجتهاداً. وقد أجمع العلماءُ مِن جميع طوائف الإسلام قديماً وحديثاًً على قبول الثقات فيما لا يدخله النظر
والاجتهاد إلا مَنْ شَذٍّ مِن متكلمة البغدادية، وانطبق إجماع السَّلَفِ الصالح على ذلك قَبل حدوث هؤلاء المخالفين، وأصفق فضلاءُ الأمة، ونجوم الأئمة بعدَهم على ذلك، ودانوا به قَرْناً بعدَ قرنٍ ما أنْكرَ ذلك أحَدٌ، ولا شَكٍّ فيه مسلم.
وقد أورد ابن الخطيب الرازي (1) في " محصوله "(2) هذه الشُّبهة بأطول من كلام السَّيِّد وأوسعَ، وهي إحدى دواهي كتابه، ولكنَّه هذَّبها على أسلوبٍ دقيقٍ يصعب على كثير من الناظِرين فيه كيفية الانفصالِ منه، لكنَّه أجاب عنها، ولم يسْكُتْ عليها كما فعل السَّيِّد -أيده الله-، والسيد منزَّه عن قصد التشكيك في الإسلام، ولكنه لما وَلِعَ بالتعنُّتِ في رسالته، لَزِمَه ذلك من غيرِ قصد، والتعنتُ والغُلُوُّ في الأمور يجر الإنسان إلى ما لم يقصد، ويجرُّ إليه ما يكره، ولهذا جاءت السنة بالاعتدال في جميع الأمور.
الجواب السَّابعُ: قال الله تعالى في حقِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4] وقال اللهُ تعالى فيما أوحاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
وهذا يقتضي أن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزالُ محفوظةً، وسُنَّتُه لا تبرح محروسةٌ، فكيف يكثر السَّيِّد -أيَّده الله- في تشويش قلوبِ الراغبين
(1) هو الإمام الأصولي النظار المفسر فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي المتوفى سنة 606 هـ.
(2)
انطر الجزء الأول ق 1 ص 275 - 297 بتحقيق الدكتور طه جابر فياض العلواني.
في حفظها، ويوعِّرُ الطريق إلى معرفة معناها ولفظها.
الجواب الثامنُ: أنَّ كتب الحديث وغيرَها مِن كُتُبِ الإسلام موجودةٌ بحمد الله في خزائن الأئمة والعلماء رضي الله عنهم، فلو قَدَّرْنا موتَ أهلِ العلم والعدالة، لجاز لنا أن نعمل بما في الكتب التي كتبت العلماءُ الثقاتُ عليها خُطُوطَهم بالصِّحة والسَّماع متى عرفنا أنها خطوطُهم، أو غلب صحةُ ذلك على ظنوننا بِالقرائن، أو أخبرنا بذلك من نثق به، وهذه إحدى طرائقِ (1) الرِّواية وهي المسمَّاة بالوِجَادَة (2)، وقد ذكرها الأصوليُّون والمحدِّثون.
وقال الإمام المنصورُ بالله عليه السلام في " صفوة الاختيار ":
فإن غلب على ظنِّه سماعُه، وعرف خطَّ شيخِه، أو خطَّ نفسه فيما يغلِبُ على ظنه أنها لا تقع إلا فيما سَمِعَه، فقد اختلفوا في ذلك، فحكى شيخُنا رحمه الله عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز له أن يرويه
…
إلى قوله: وحكى عن أبي يوسفَ ومحمدٍ والشافعيِّ جوازَ روايته، ووجوبَ قبولِ خبره، والعمل به، وهذا غيرُ بعيد على أصلنا، بل هو الذي نختارُه، لأن أكثرّ الأخبار والشرائع منتهاها على غالب الظنِّ، والدليلُ على
(1) في أ: طرق.
(2)
الوِجادة ليست من باب الرواية، وإنما هي حكاية عما وجده، والقول بوجوب العمل بها هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة، فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول لتعذر شرط الرواية فيها، فإذا اطمأن طالب العلم إلى صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه وكان ثقة مأموناً وجب أن يعمل بما فيه من الأحاديث بعد التأكد من صحة أسانيدها، وسلامتها من الشذوذ والعلة. انظر " مقدمة ابن الصلاح " ص 200 - 202، " وتوضيح الأفكار "2/ 343 - 352، وتدريب الراوي 2/ 60 - 64، ومقدمة جامع الأصول 1/ 87 - 88، و" الباعث الحثيث " ص 127.