الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوجه الثاني: أنَّ الجماهير من العلماء قد أجازوا الرواية بالمعنى
، فمن الجائز أن يعتقدَ هذا الراوي في الحديث النَّبويِّ معنىً، فيعبرَ عنه قاطعاً على أنَّ المعنى واحد، وليس كذلك مثل ما جاز عليه ذلك في قوله: هذا منسوخ، أن يعتقد تعارُضَ النصوصِ فيقضي بنسخ المتقدِّم قاطعاً على تعارضها. ومِنْ ها هنا رجَّحُوا روايةَ من لا يستجيزُ الرِّواية بالمعنى على رواية مَن يروي بالمعنى، فلو كان الراوي بالمعنى لا يغْلَطُ قطعاً، لم تكن رواية من يُوجِبُ نقلَ اللفظ النبويِّ أرجحَ منه.
فإن قلتَ: إنَّه يجوز أنَّ القائل بأنَّ هذا منسوخ قال ذلك اجتهاداً، واحتمالُ الاجتهاد يقدَح بخلاف احتمال الوهم.
قلتُ: هذا خلافُ الظاهر، لأنَّ الاجتهادُ الصادِرَ عن القياس، والأمارات الضعيفة، ليس مِن طُرُقِ النسخ، فحملُ الراوي عليه بمنزلةِ حمل الراوي للحديث المرفوع على أنَّه بَنَى الروايةَ للحديث على اجتهاده في أنَّ ذلك هو معنى الحديث النبويِّ، فكما أن ذلك مردودٌ غيرُ مسموع مِن قائله لِبعده، فكذلك هذا.
فإذا عرفت هذا، فكيف ينبغي مِن السَّيِّد إطلاقُ القولِ بضعف هذه المسألة المحتملة مِن غير استدلال، ولا توقُّفٍ، ولا نَظَرٍ، ولا تأمُّل. ولو ذهب ذاهب إلى هذا المذهب، لم يكن خارقاً لإجماع الأُمة، ولا مستحقاً للنَّكِير عند الأئمة.
ثم نقول للسَّيِّد -أيَّده الله-: ما زال أهلُ العلم يتعرَّضُونَ لمعرفة المنسوخ، ويذكرون المجمعَ عليه من ذلك، والمختلفَ فيه، وقد صنَّف غيرُ واحد في معرفة المنسوخ من الأئمة وغيرهم، وحَصَرُوا ما صَحَّ نَسْخُه، وبيَّنوا الدَّلِيلَ على صحة النسخ، والدليلَ على بُطلانِ النسخ في بعض ما
وقع الوَهْمُ في دعوى نسخه، وانحصرَ ذلك في شيءٍ يسيرٍ، لا سيما ما يتعلَّق بالأحكام، ولعلَّ الجميعَ من المنسوخ في ذلك لا يأتي في أربع ورقاتٍ مجرداً عن الاستدلال على صحة النسخ وعدمه. فما هذا التهويلُ العظيمُ، والتعسيرُ الشديد؟!! وقد ذكر أهل العلم أنَّ النسخ في الشريعة قليلٌ جداً. وجُلُّ ما صح نسخه بالإجماع نَيِّف وعشرون حُكماً، وادُّعِي النسخ في أكثر من ذلك.
وهذا جملة ما صحَّ وما ادُّعي فيه النسخ:
أجمعوا على نسخ استقبالِ بيت المقدس، والكلام في الصلاة (1)، وحكم المسبوق (2)، وتركِ الصلاة في الخوف، والجمعة قبل الخطبة (3)، والصلاة على المنافقين، وتحريمِ زيارة القبور، وجواز الاستغفار للكفار بعد موتهم، ووجوب عاشوراء، وقيام الليل على الأمة، (4) والسحور بعدَ
(1) أخرج البخاري (1200) و (4534) ومسلم (539) والترمذي (405) من حديث زيد بن أرقم، قال: كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، يكلِّمُ الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وانظر " شرح السنة " للبغوي 3/ 233 - 242.
(2)
كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سبق أحدهم بشيء من الصلاة سأل المصلين، فأشاروا إليه بالذي سبق به، فيصلي ما سبق به، ثم يدخل معهم في صلاتهم، فنسخ ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:" إذا جاء أحدكم وقد سبق بشيء من الصلاة، فليصل مع الإمام بصلاته، فإذا فرغ الإمام، فليقض ما سبقه به " انظر " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار " ص 104 - 106 للحازمي.
(3)
انظر " الاعتبار " ص 118 - 119 للحازمي.
(4)
وذلك في قوله تعالى في سورة المزمل: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ =
طُلوعِ الفجر إلى شروقِ الشمس على خلاف في تفسير الفجر (1)، ورجعة المطلقة أبداً، واعتدادِ المتوفَّى عنها حولاً، وجوازِ شرب خمر العنب، وتحريمِ الأكلِ والنكاحِ ليلاً في رمضان، والتخييرِ في صومه، أو الكفارة من غير حَبَلٍ ولا كبَرٍ، ولا رَضَاعٍ، وتحريمِ الجهاد بالسيف ولو لآمِّ البيت، والعشرِ الرضعات، وتحريم كتابةِ غير القرآن، ووجوبِ الوصيَّة للأقربين، وفرضِ الصلاة ركعتين ركعتين على القول بأن الزيادة نسخ، وتركِ الحجابِ، والتوارثِ بغيرِ القرابة، وحبسِ الزانيينِ حتَّى يموتا، وقتالِ الواحدٍ لِعشرة ولم يذكر إجماع، ولا خلاف في نسخ الأمر بالفَرَعِ (2)، وقتلِ الشَّارِبِ (3) في الرابعة، وتحريمِ الكنز بعدَ الزكاة،
= إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المزمل: 20] قال ابن كثير في تفسير. وقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} أي: أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، قال: وهذا يدل لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النُّصُب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة والله أعلم، قال: وقد قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نسخت الذي كان الله أوجبه على المسلمين أولاً من قيام الليل، واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال، وقد ثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل الذي سأل: ماذا فرض الله عليه من الصلوات: " خمس صلوات في اليوم والليلة " قال: هل علي غيرها؟ قال: " لا إلا أن تطوع ".
(1)
انظر تفصيل المسألة في " الاعتبار " ص 144 - 145، و" أحكام القرآن " 1/ 226 - 230 لأبي بكر الجصاص.
(2)
قال ابن الأثير في " النهاية ": الفرع: أول ما تلده الناقة كانوا يذبحونه لآلهتهم، فنهي المسلمون عنه، وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا تمت إبله مئة، قدم بكراً فنحره لصنمه، وهو الفرع وقد كان المسلمون يفعلونه في صدر الإسلام ثم نسخ، وأخرح البخاري (5474) ومسلم (1976) وأبو داود (2831) و (2832) والترمذي (1512) والنسائي 7/ 167 من حديث أبي هريرة مرفوعاًً " لا فرع ولا عتيرة " قال (القائل الزهري): والفَرَعُ أوَّلُ النتاج كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب. وانظر " جامع الأصول " 7/ 506 - 511.
(3)
أي: شارب الخمر، وللمحدث العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله رسالة في هذه المسألة سماها " القول الفصل في قتل مدمني الخمر " ذهب فيها إلى عدم النسخ وهي مستلُّة من =
ووجوبِ التنفيل قبل القسْمِ، ولبسِ خواتيم الذهب (1)، والأمر بقتلِ الكلاب إلا الأسودَ، والمُثْلَة، والأمرِ بأذى الزَّاني.
وشذَّ المخالفُ في نسخ تحريم القتال في الأشهرِ الحرم، ونسخِ الماء من الماء (2)، والوضوء مما مسَّتِ النَّارُ، وجوازِ لحوم الحمر الأهلية، وضرب النِّساءِ (3)، والتطبيقِ في الركوع، وموقفِ الإمامِ بين اثنين، وتحريمِ القتال في مكَّة، وقصرِ تحريم الربا على النسيئة، ووجوبِ الصدقات بالزكاة، والأمرِ بالعتيرة (4)، ومُتْعَةِ النكاح (5)، وتحريم الضحيَّة
= شرح حديث ابن عمر من المسند ورقمه فيه (6197) وانظر " الاعتبار " ص 199 - 200، و" شرح السنة " 10/ 334 - 336.
(1)
أي: لبس خواتيم الذهب للرجال، ففي البخاري (5865) من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله اتخذ خاتماً من ذهب وجعل فصه مما يلي كفه، فاتخذه الناس، فرمى به، واتخذ خاتماً من ورق أو فضة.
وقد ورد النهي عن لبس خاتم الذهب للرجال من حديث البراء بن عازب وحديث أبي هريرة، وكلاهما في الصحيح، وانظر " الاعتبار " ص 231.
(2)
أي: وجوب الغسل من الإنزال، فقد أخرح أحمد 5/ 115 و116، وأبو داود (214) والترمذي (110) من طريق الزهري عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب، قال: الماء من الماء في أول الإسلام " ثم أمر بالاغتسال بعد رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذي: حسن صحيح، وجاء من طريق آخر صحيح عند أبي داود (215) والدارمي 1/ 194 عن أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد. وصححه ابن خزيمة (225)، وابن حبان (228) و (229) والدارقطني في سننه ص 46، والبيهقي 1/ 165.
(3)
انظر " فتح الباري " 9/ 302 - 304، وشرح السنة 9/ 181 - 187.
(4)
العتيرة في اللغة: هي النسيكة التي تُعتر، أي: تذبح، كانوا يذبحون في رجب تعظيماً له " لأنَّه أول شهر من الأشهر الحرم. وانظر شرح السنة 4/ 349 - 353.
(5)
قال الإمام البغوي في " شرح السنة " 9/ 99: نكاح المتعة كان مباحاً في أول الإسلام، وهو أن ينكح الرجل المرأة إلى مدة، فإذا انفضت، بانت منه، ثم نهي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد روى الربيع بن سبرة، عن أبيه أنَّه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة " أخرجه =
بعدَ ثلاث، وجوازِ الحرير للرجال، والرَّضاع بعدَ الحولين، وعدمِ وجوب الشياه في زكاة البقر على تفصيل فيه.
واختلفوا في مُتْعَةِ الحج (1)، وتحرِيم استقبالِ القِبلة بالبوْل والغائِط، وفي تركِ الوضوء من مسَّ الذكر، وفي طهارةِ جلودِ الميتة بالدبغ، وابتداء الكفار بالقتال في الحرم، وفي التيمّم إلى المناكبِ، والصحيح النسخ، وفي مسحِ القدمين، وفي المسحِ على الخُفَّيْنِ، والالتفاتِ في الصلاة، وفي جواز إقامة غير المؤذن، وفي قطعِ المار للصلاة، وفي الصلاة إلى التصاوير، ووضعِ اليديْن قَبْل الركبتين، والجهرِ بالتسمية، والقنوتِ والقراءةِ خلفَ الإمام، وأفضليةِ الإسفارِ بالصبح، وصلاةِ المأموم جالساً إذا صلَّى الإمامُ جالساً (2)، وسجودِ السَّهوِ بعدَ السَّلام، والقيام للجنائزِ، وتكبير الجِنازة أربعاً، والنَّهي عن الجلوسِ حتى تُوضَعَ الجِنازَةُ، وفسادِ
= مسلم في صحيحه (1406)(21) في النكاح.
واتفق العلماء على تحريم نكاح المتعة، وهو كالإجماع بين المسلمين. وانظر " فتح الباري " 9/ 148 الطبعة البولاقية.
(1)
انظر " زاد المعاد " 2/ 178 - 223 بتحقيقنا، فقد فصل القول في هذه المسألة بما لا مزيد عليه.
(2)
قال الإمام البغوي في " شرح السنة " 3/ 422 بعد أن ساق حديث أبي هريرة " وإذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً أجمعين " وهو متفق عليه: اختلف أهل العلم فيما إذا صلى الإمام قاعداً بعذر هل يقعد القوم خلفه؟ فذهب جماعة إلى أنهم يقعدون خلفه وبه قال من الصحابة جابر بن عبد الله، وأسيد بن حضير، وأبو هريرة وغيرهم، وهو قول أحمد وإسحاق وقال مالك: لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعداً.
وذهب جماعة إلى أن القوم يصلون خلفه قياماً وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك والشافعي، وأصحاب الرأي، وقالوا: حديث أبي هريرة منسوخ بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه الذي مات فيه قاعداً، والناس خلفه قيام، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وانظر " الاعتبار " ص 108 - 109، والمغني لابن قدامة 2/ 222.
صومِ المصبح جنباً (1)، والحجامةِ للصائم، وإباحة الفطر في السفر بالوجوب، والانتباذ في الآنية المسرعة بالتخمير كالدُّباء والمطليِّ، والنَّهْيِ عن الرُّقى، وعن القِرانِ في التَّمر، وعن قول: ما شاء الله وشاءَ فلان، والاشتراط في الحج، وتحريم لحومِ الخيل، والمزارعة، والإذن للمتوفّى عنها في النُّقلة أيامَ عِدتها، وقتل المسلم بالذِّميِّ، والتحريقِ بالنَّار في غيرِ الحرب، واستيفاءِ القِصاص قبل اندمالِ الجرح، وجلدِ المُحْصَنِ قبلَ الرَّجْمِ، وحُكمِ الزاني بأمة أمرأته، والهجرةِ، والدعوةِ قبل القتال، وقتلِ النساء والوِلدان، والنَّهي عن الاستعانة بالمشركين، وأخذ السَّلب بغيرِ بيِّنة، والحَلفِ بغير الله، وقبولِ هدايا الكفار، والنَّهيِ عن البول قائماً، ووجوب الغسل يومَ الجمعة، وشهادةِ الكِتابيِّ للضرورة (2).
الجملة ستَّة وتسعون حكماً، منها ستة وعشرون مجمعٌ عليها،
(1) انظر المسألة في " شرح السنة " 6/ 279 - 281 وتعليقنا عليها.
(2)
جاء في شرح المفردات ص 333 ما نصه: إذا كان مسلم مع رفقة كفار مسافرين ولم يوجد غيرهم من المسلمين، فوصّى وشهد بوصيته اثنان منهم قبلت شهادتهما، ويستحلفان بعد العصر لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله وأنها وصية الرجل بعينه، فإن عثر على أنهما استحقا إثماً قام آخران من أولياء الموصي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، ولقد خانا وكتما ويقضى لهم. قال ابن المنذر: وبهذا قال أكابر العلماء، وممن قاله شريح، والنخعي، والأوزاعي، ويحيى بن حمزة، وقضى بذلك عبد الله بن مسعود في زمن عثمان، رواه أبو عبيد، وقضى به أبو موسى الأشعري رواه أبو داود، والخلال. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا تقبل، لأن من لا تقبل شهادته على غير الوصية لا تقبل في الوصية كالفاسق وأولى
…
(ولنا) قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} الآية. وهذا نص الكتاب، وقد قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس، رواه أبو داود، وقضى به بعده أبو موسى، وابن مسعود كما تقدم، وحمل الآية على أنَّه أراد من غير عشيرتكم، لا يصح، لأن الآية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين، ودلت عليه الأحاديث، ولأنه لو صح ما ذكروه لم تجب الأيمان لأن الشاهدين من المسلمين لا قسامة عليهما.
وثمانية لم يُذكر فيها إجماع ولا خلاف، وستةَ عَشرَ شذَّ فيها الخلافُ، والبقيةُ ستة وأربعون، وقد يختلِفُ الاجتهاد فيما هو شاذٌّ أو غير شاذّ -والله أعلم-.
وقد يُوجد غيرُ هذه مما ادُّعي نَسْخُهُ بغيرِ حُجَّةٍ، وفي نسخ كَثِيرٍ من هذه ضعف، فليُرَاجَعْ لها مبسوطاتُها، ومِن أحسنها كتابُ الحازِميِّ (1).
وبالجملة فجميعُ المنسوخ مِن الكتاب والسُّنة المجمعِ عليه والمختَلف فيه إذا جُمِعَ كُلُّهُ على الاستقصاء لا يكونُ في كثرة الأحاديثِ مثل " الشِّهاب "(2) للقُضَاعيِّ ولا يُقارِبُه وإذا أحببتَ معرفة ذلك، فلا تَلْتفِتْ إلى كلامي، ولا إلى كلام السَّيِّد -أيَّده الله- وانظُرْ إلى كتب العلماء المُصَنَّفة في معرفة ذلك، وكم في المُصَنَّف منها عدة أحاديث منسوخة، أو آيات
(1) المسمى بـ " الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار " ومؤلفه هو الإمام الحافظ البارع النسابة أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الهمذاني المتوفى سنة 584.
قال ابن النجار: كان من الأئمة الحفاظ، العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله، ثقة نبيلاً حجة زاهداً ورعاً عابداً، ملازماً للخلوة والتصنيف، أدركه أجله شاباً. مترجم في " تذكرة الحفاظ " 4/ 1363. وكتاب الاعتبار طبع بدائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن سنة 1359، وهو مطبوع أيضاً في مصر بالمطبقة المنيرية. وليطالع القارىء أيضاًً للتوسع في المسائل التي عرضها المصنف رحمه الله في أمهات الكتب التي تعنى بمسائل الخلاف كالمغني لابن قدامة، والمجموع للنووي، وفتح القدير للكمال بن الهمام، ونيل الأوطار للشوكاني، وفتح الباري لابن حجر وعمدة القاري للعيني، وأحكام القرآن للجصاص وابن العربي وإلكيا الهراسي، وشرح السنة للبغوي.
(2)
عدة ما فيه من الأحاديث 1500 على وجه التقريب، ومؤلفه: هو القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي المتوفى سنة 454 هـ. قال أبو طاهر السَّلفي: كان من الثقات الأثبات، شافعي المذهب والاعتقاد، مرضي الجملة. وله عدة تآليف. وغالب الأحاديث التي في مسنده ضعاف، وبعضها موضوع، وقد قام الشيخ الفاضل حمدي عبد المجيد السَّلفي بتحقيقه وتخريج أحاديثه تخريجاً موسعاً، وقد نجز طبعه في مجلدين، طبع مؤسسة الرسالة.
منسوخة، وكم بين معرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة معاني كُتُب العربية من مقدِّمتي ابنِ الحاجب الإعرابية والتصريفية (1) ومعرفة معاني تذكرة ابن مَتَّويْهِ، ومعرفة معاني مختصر منتهي السُّولِ (2) وما تَضمَّنُ من المنطق والجدل وكلام المنطقيين في عكس النقيض، وكلامِ ابن الحاجب في الاستدلال وغيرِ ذلك من العلوم العويصةِ، والعباراتِ الدقيقة التي السَّيِّد مُدَّعٍ لمعرفتها، والتبريزِ فيها، إمَّا بلسان المقال، وإمَّا بلسان الحال، فإن التَّصدر للتدريس فيها قاضٍ بدعوى معرفنها، ومنادٍ بذلك نداءٌ صريحاً.
فما بال السَّيِّد يدَّعي معرفةَ الغوامضِ المتعسِّرة، وَيمْنَعُ غيرَه مِن معرفة الجليَّاتِ المتسهلة!
فإن قلتَ: قد طوَّل بعضُ العلماء في التصنيف في ذلك، ووسَّع
(1) الأولى تسمى الكافية والثانية الشافية، وقد شرح الكتابين شرحاً حافلاً نفيساً رضي الدين محمد بن الحسن الاستراباذي المتوفى سنة 684 أو 686 هـ، وخرج شواهد الكتابين، وشرحها شرحاً موسعاً عبد القادر بن عمر البغدادى المتوفى سنة 1093 هـ. وابن الحاجب: هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الكردي المالكي، كان أبوه حاجباً للأمير عز الدين موسك الصلاحي فعرف به، اشتغل في صغره بالقرآن الكريم، ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك ثم بالعربية والقراءات، وبرع في علومه، وأتقنها غاية الإتقان، ثم انتقل إلى دمشق، ودرَّس بجامعها في زاوية المالكية، وأكب الخلق على الاشتغال عليه، والتزم لهم الدروس، وتبحر في الفنون، وصنف مختصراً في مذهبه، وفي أصول الفقه، وفي العربية وخالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم إشكالات وإلزامات ثم عاد إلى القاهرة، وأقام بها والناس ملازمون للاشتغال عليه، ثم انتقل إلى الاسكندرية للإقامة بها، وتوفي بها سنة 646 هـ. " وفيات الأعيان " 3/ 248 - 250.
(2)
هو من تأليف أبي عمر ابن الحاجب المتقدم، اختصره من كتاب " منتهي السول والأمل في علمي الأصول والجدل " وهذا الثاني مختصر من كتاب الآمدي المسمى بـ " الإحكام في أصول الأحكام " فهو إذن مختصر المختصر، وقد شرحه غير واحد من العلماء، وأهم شروحه " رفع الحاجب عن ابن الحاجب " لتاج الدين السبكي المتوفى سنة 771 هـ، ولم يطبع، وقد نُمي إلينا أن أحد طلبة العلم قد استنسخه، وهو بصدد تحقيقه.
مثل الإمام محمد بن المطهر في كتابه " عقود العِقيان ".
قُلتُ: ذلك التطويلُ إنَّما هو فيما لا يتعلق بعلمِ الناسخ والمنسوخ، فالتوسيعُ بذكرِ ما لا يُشترط معرفته، وبالخروج إلى غير المقصود، فنٌّ آخر، وقد صنَّف الرَّازي تفسيرَ الفاتحة في مجلَّدٍ، وصنَّف الطبريُّ كتاب الطهارة في ثلاثة آلاف ورقة (1) وأمثال ذلك كثيرة.
قال: وأمَّا الأصلُ الرابعُ وهو أن يكون ماهراً في علوم الاجتهاد، حافظاً لأقوال اللهِ، وأقوالِ رسوله، ومسائلِ الإجماع، ففيه صعوبةٌ شديدة.
أقول: قد اشتمل كلامُه هذا على اشتراط أمرين، أحدهما: أن يكون ماهراً فقط.
(1) الذي في " تذكرة الحفاظ " 2/ 713 في ترجمة ابن جرير: وابتدأ بكتاب البسيط فعمل منه كتاب الطهارة في نحو ألف وخمس مئة ورقة.
وقال ياقوت في " معجم الأدباء " 18/ 75 - 76: ومن كتبه الفاضلة: كتابه المسمى بكتاب بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام، وهذا الكتاب قدّم له كتاباً سماه كتاب مرات العلماء، حسناً في معناه، ذكر فيه خطبة الكتاب، وحض فيه على طلب العلم والتفقه، وغمز فيه من اقتصر من أصحابه على نقله دون التفقه بما فيه. ثم ذكر فيه العلماء ممن تفقه على مذهبه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أخذ عنهم، ثم من أخذ عنهم، ثم من أخذ عمن أخذ عنهم من فقهاء الأمصار. بدأ بالمدينة لأنها مُهاجر النبي صلى الله عليه وسلم ومن خلفه أبو بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم، ثم بمكة لأنها الحرم الشريف، ثم العراقين الكوفة والبصرة ثم الشام وخراسان، ثم خرج إلى كتاب الصلاة بعد ذكر الطهارة، وذكر في هذا الكتاب اختلاف المختلفين واتفاقهم فيما تكلموا فيه على الاستقصاء والتبيين في ذلك والدلالة لكل قائل منهم، والصواب من القول في ذلك، وخرّج منه نحو ألفي ورقة. وأخرج من هذا الكتاب كتاب آداب القضاة وهو أحد الكتب المعدودة له المشهورة بالتجويد والتفضيل، لأنَّه ذكر فيه بعد خطبة الكتاب الكلام في مدح القضاة وكتابهم، وما ينبغي للقاضي إذا وُلِّي أن يعمل به وتسليمه له ونظره فيه، ثم ما ينقض فيه أحكام من تقدمه، والكلام في السجلات والشهادات والدعاوى والبينات وسيأتي ذكر ما يحتاج إليه الحاكم من جميع الفقه إلى أن فرغ منه وهو في ألف ورقة وكان يجتهد بأصحابه أن يأخذوا البسيط والتهذيب، ويجدّوا في قراءتهما، ويشتغلوا بهما دون غيرهما من الكتب.
وثانيهما: أن يكون حافظاً لثلاثة أشياء: وهي أقوالُ اللهِ، وأقوالُ رسوله، ومسائلُ الإجماع.
فأقولُ: أمَّا الأمرُ الأولُ وهو كونُ المجتهد ماهراً - فهذا شرطٌ غريبُ ما سمعتُ به، ولا عرفتُ ما مرادُ السَّيِّد به، وهذا يحتمل أن يكون لِغرابته في نفس الأمر، ويحتمِلُ أن يكونَ لغرابته بالنظر إليَّ فقط، فأُحِبُّ من السَّيِّد بيانَ المرادِ به، والدليلَ على اشتراطه، فهذا السؤالُ مما يُقْبَلُ مِثْلُه وهو الاستفسارُ عند علماءِ الجدل.
فإن قلتَ: هذا السؤالُ لا يُقبَلُ حتَّى تُبيَنَ أنَّ في اللفظ غرابةً، أو احتمالاً، أو إجمالاً، أو اشتراكاً فبيِّن لنا ما في لفظ المهارةِ من ذلك، فإنه ليس بغريبٍ حَوْشِيٍّ، لا يُعْرَفُ معناه في اللغة، ولا هو لفظٌ مشترك.
قلتُ: فيه احتمال، لأن المهارة في أصل الوضعِ اللغويِّ هي الحِذْقُ. قال في " الضياء " (1) يُقال: مَهَرَ بالشيء مَهَارَةً، فهو ماهِرٌ: إذا كان حاذِقاً. وقد يكونُ في حفظ اللفظ، وشِدَّة الضبط، ومنه الحديثُ:
" المَاهِرُ بالقُرْآنِ مَعَ الكِرَامِ البرَرَةِ "(2) وقد يكون في فهمِ المعاني، والغوصِ على الدقائق. وعلى كلِّ تقدير، فما الدَّليلُ على اشتراط المهارةِ في الاجتهادِ، وهَلِ المهارةُ مقدورة للبشر مكتسبة، أم مخلوقةٌ لله تعالى لا يَقْدِرُ عليها سِواه؟ فإن كانت غيرَ مقدورة للبشر، لم يَحْسُنْ ذِكْرُها في
(1) واسمه الكامل: " ضياء الحلوم المختصر من شمس العلوم " تأليف محمد بن نشوان الحميري اليمني المتوفى 610 هـ اختصره من كتاب أبيه نشوان بن سعيد المسمى شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم المطبوع منه الأول والثاني. وفي المكتبة الغربية بالجامع الكبير الجزء الرابع من المختصر وهو الآخير. انظر الفهرس ص 442.
(2)
أخرجه من حديث عائشة رضي الله عنها البخاري (4937) ومسلم (798) والترمذي (5906) وأبو داود (1454).