الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استكملت أربع سنين، ودخلت في الخامسة، سميت بذلك، لأنها أجذعت مقدم أسنانها، أي أسقطته. خلفة: الخلفة هي التي تكون أولادها في بطونها].
العفو عن الدية:
لولي المقتول أن يعفو عن القصاص، وينتقل إلي الدية، كما قلنا، وكذلك له أن يعفو عن الدية، أو يعفو عن بعضها، فإذا عفا عنها، أو عن بعضها سقط المعفو عنه من الدية، لأن الله عز وجل، شرع الدية حقاً للعبد، وتسوية للعلاقات الإنسانية حتى لا يتهددها الخطر والضغائن والأحقاد، فإذا عفا صاحب الحق عن حقه، كان ذلك له، بل هو الأفضل والأنفع له ولغيره. قال الله عز وجل:{وأن تعفوا أقرب للتقوى} (سورة البقرة: 237).
حكم النوع الثاني، وهو القتل شبه العمد:
وللقتل شبه العمد ـ وقد عرفت حقيقته ـ أيضاً حكمان، ديني أخروي، وهو الحرمة، والإثم، واستحقاق العذاب في الآخرة، لأنه قتل بقصد، لكن عقابه دون عقاب القتل العمد.
وأما حكمه القضائي الدنيوي، فهو الدية مغلظة من بعض الوجوه، وقد مر معنا معنى تغليظ الدية.
فإن هذا النوع من القتل لا يستوجب قصاصاً، كالقتل العمد، وإن طالب به ولي المقتول. وإنما تثبت به الدية على عاقلة القاتل مؤجلة، تستوفى خلال ثلاث سنوات. فكونها على العاقلة ومؤجلة تخالف دية العمد العدوان، وكونها مثلثة ذات أعمار معينة تشبه دية العمد، فهي مغلظة من هذين الوجهين.
ودليل هذا الحكم ما رواه أبو داود [4547] في الديات، باب: في الخطأ شبه العمد، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" عقل شبه العمد مغلظة مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه".
[العقل: الدية. وأصلها أن القاتل كان إذا قتل قتيلاً جمع الدية من الإبل، فعقلها بفناء أولياء المقتول ليقبلوها منه، فسميت الدية عقلاً. والعاقلة: هم العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يعطون دية قتيل الخطأ، وشبه العمد].
وروي النسائي [8/ 40] في القسامة، باب: كم دية شبه العمد؟، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" شبه العمد قتيل السوط والعصا، فيه مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها".
وأما كون الدية في قتل شبه العمد علي العاقلة، فلما رواه مسلم [1681] في القسامة، باب: دية الجنين، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، قال: ضربت امرأة ضرة لها بعمود فسطاط، وهي حبلى فقتلتها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عصبة القاتلة.
وروى البخاري [6521] في الديات، باب: جنين المرأة. .؛ ومسلم [1681] في القسامة، باب: دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن دية المرأة على عاقلتها.
هذا ولقد قلنا: إن العاقلة هم عصبة الإنسان وأقاربه من جهة أبيه، ونقول هنا: إن المقصود بالعاقلة الذين يلزمهم أداء الدية إلي ولي المقتول إنما هم عصبة الجاني الذكور، ما عدا الأصول والفروعـ أما هم، فلا يتحملون من الدية شيئاً.
ويقدم الأقرب فالأقرب من عصبة الجاني، في تحمل الدية.
والدليل على أن الأصول والفروع لا يدخلون في العاقلة، ولا يتحملون من الدية شيئاً: ما رواه أبو رمثة رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ابني، فقال:" من هذا "؟ فقلت: ابني وأشهد به، قال:"أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه". (أخرجه أبو دادو [4206] في الترجل، باب: في الخضاب، والنسائي [8/ 53] في القسامة، باب: هل يؤخذ أحد بجريرة غيره؟ ).
[لا يجني عليك ولا تجني عليه: أي الوالد لا يضمن من جناية ابنه شيئاً، ولا يضمن الولد من جناية أبيه شيئاً [.
وروي النسائي [7/ 176] في تحريم الدم، باب: تحريم القتل، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤخذ الرجل بجناية أبيه".
وقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم برأ الولد من عقل أبيه.
حكم النوع الثالث، وهو القتل الخطأ:
وللقتل الخطأ ـ وقد عرفت حقيقته ـ حكمان: الأول ديني أخروي، والثاني دنيوي قضائي.
أما حكمه الديني الأخروي فعفو لا إثم فيه ولا عقاب، لأنه عمل وقع خطأ من غير قصد، وقد جاء في الحديث:"إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه". رواه ابن ماجه [2045] في الطلاق، باب طلاق المكره والناسي عن ابن عباس.
وأما حكمه في الدنيا فهو وجوب الدية على عاقلة القاتل، مؤجلة إلى ثلاث سنوات، ومخففة: أي مقسمة إلى خمسة أنواع: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
أما وجوب الدية في القتل الخطأ، فيدل عليه قول الله عز وجل:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَاّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَاّ أَن يَصَّدَّقُواْ} (سورة النساء: 92).
أما كون الدية في القتل الخطأ على العاقلة فلما قلنا إنها في القتل شبه العمد على العاقلة، فهي في الخطأ أولي أن تكون عليهم.
وأما كون الدية مخففة: أي في خمسة أسنان، فلما رواه الدارقطني [3/ 172] عن ابن مسعود رضي الله عنه، موقوفاً، أنه قال:(دية الخطأ أخماساً: عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض).
ومثل هذا الكلام من ابن مسعود رضي الله عنه، له حكم الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه من المقدرات، وهي ليست مما يقال بالرأي.
وأما كون الدية في قتل الخطأ مقسطة في ثلاث سنوات، فلما روي عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، أنهم قضوا بذلك ولم ينكر عليهم أحد من الصحابة، فكان إجماعاً، وهم رضي الله عنهم لا يقولون مثل هذا إلا بتوقيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولم أعلم مخالفاً أن