الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإذاً فإن علاقة الإمام بالناس قائمة على الأُسس التالية:
1 -
الإمام مستخلف فيهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن خلفائه من بعده، مع ملاحظة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُوحي إليه، وكانت آراؤه الاجتهادية أحكاماً شرعية إذا أقرها الوحي ولم يردها أما خلفاؤه من بعده فليس أمامهم إلا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه المسلمون، وما أمره الله بأن يجتهد فيه، وهو داخل في عموم دلالة السنة.
2 -
الإمام ولىّ لأمور المسلمين العامة، وهو التي لا تغني فيها ولاية الأفراد بعضهم على بعض. ومن ثمّ فتصرفاته في أمورهم منوطة بالمصلحة، أي لا تعتبر عنها أحكام الله عز وجل، لا لسيادة يتمتع بها عليهم، بل ليمكنوه من العمل على تحقيق مصالحهم العامة، والتنسيق بينهما وبين مصالح الأفراد.
3 -
الإمام هو الذي يباشر الإشراف على عمل من دونه من الولاة والوزراء والقضاة، فيما وكّل إليهم من الخدمات المختلفة للأُمة، فهو مرجعها فيما قد يكون لها من شكوى أو ظلامة عند أحد من ولاته أو موظفيه، وليس له أن يفوّض الأمور إلى من دونه، ثم ينصرف إلى شؤونه وملاذه، أو مصالحه الخاصة.
يقول الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية: (عليه أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفّح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملّة، ولا يعّول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح).
4 -
وعلاقة الإمام بالأمة بناءً على ذلك كله، هي علاقة خادم أمين بمخدومه، ورب الأسرة الرحيم بأفراد أسرته، ويبذل جهده لإسعادها، ولا يدّخر وسعاً لنشر الأمن والرخاء في ربوعها، ينساق لتحقيق ذلك كله بروح من الرحمة والإخلاص، لا بدافع من الوظيفة أو الإكراه.
ما ينعزل به الإمام:
ينعزل الإمام عن الإمامة بواحد من الأسباب التالية:
السبب الأول: الكفر، سواء كان صريح القول، أو بأي فعل أو قول يستلزم الكفر، فإذا صدر من الإمام ذلك بطلت إمامته، وخرجت الأُمة عن بيعته، ووجب عليهم الخروج عليه وخلعه.
أما موجبات الفسق، سواء بارتكاب المحظورات، أو باعتناق بعض البدع غير المكفرة، فلا يستوجب العزل.
قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: (أجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق)، ذلك لأن ضرر الفتنة التي قد تنشأ عن عزله يفوق في الغالب ضرر بقائه متلبساً بالفسق.
فقد علمت سابقاً أن الإمامة لا تنعقد لفاسق ابتداءً، فأما الفسق الطارئ بعد انعقاد الإمامة، فلا نعزل به الإمام لما قد علمت. وإن كان الفسق منه معصية وحراماً.
السبب الثاني: طروء نقص جسمي في شيء من أعضائه أو حواسه، بحيث يقعده عن القيام بواجبات الإمامة، كزوال البصر، أو السمع، أو كانقطاع يده أو رجله أو نحو ذلك. والعبرة ليست بشكل النقص، بل بما يترتب عليه من تعذر القيام بمهام الإمامة والحكم، فإن كان بحيث لا يضير في شيء من ذلك فلا يستوجب العزل، ولا يعتبر مجرد الشين في الجسم موجباً للعزل.
ومثل نقص شيء من الحواس والأعضاء فيما ذكرنا طروء خبل أو جنون ولو كان متقطعاً، فإذا كان من الشدة والكثرة بحيث يؤثر على نهوضه بواجبات الحكم عُزل وإلا فلا.
السبب الثالث: طروء نقص في إمكان التصرف، وهو يكون لأحد سببين:
أحدهما: الحجر: كأن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور، فهذا الحجر لا يكون سبباً لانعزاله، ولا يقدح في استمرار إمامته، ولكن يُنظر في حكم المستولي وسياسته، فإن كان جاريين وفقاً لأحكام الدين ومقتضي العدل، وجب إقراره عليها، مع استمرار حكم الإمامة للإمام الأصلي، أما إن كانت أحكام المستولي خارجة عن حكم الدين ومقتضي العدالة، فلا يجوز إقراره عليها، بل يجب على المسلمين كف يده، وبذل كل ما في الوسع لإزالة تغلبه.