الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلو كان القضاء فرض عين على كل من يصلح له لم يكف قاض واحد في كل ناحية.
فإذا قام بهذا الفرض من يصلح له سقط الفرض عن الباقين، وإن امتنعوا ولم يقم به أحد أثموا جميعاً، ووجب على الإمام أن يجبر أحد الصالحين للقضاء على تولي هذا المنصب، والقيام بهذا الفرض.
لذلك قال علماء الشافعية: يجب على الإمام أن يولي في كل مسافة عدوي قاضياً، كما يجب عليه أن يجعل في كل مسافة قصر مفتياً. ومسافة العدوى، هي التي يرجع منها مبكر إلي موضعه ليلاً، أي: إذا خرج من بيته في الصباح الباكر رجع إليه في الليل.
أما إذا تعين للقضاء واحد في ناحية، وذلك بأن لم يصلح غيره، وجب عليه، وكان فرض عيه بالنسبة له، ولزمه طلبه، إن لم يدع إليه لوجود الحاجة إليه، ولا يعذر في رفضه لخوف ميل منه، بل يلزمه، وتحرز من الميل والجور، كسائر فروض الأعيان.
هذا، وإذا عرض القضاء على من يصلح له ليتولاه، وكان في ناحيته من هو أولي منه وأصلح، ورضي أن يتولاه جاز له، وإن كان هناك من هو أولي منه، ما دام قد دعي إليه من غير طلب منه، لأن وجود الأفضل لا يمنع تولي المفضول، ما دام أهلاً له ن وقد ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد قضاء مكة، ولم يكن أفضل الصحابة رضي الله عنهم.
طلب القضاء:
يكره طلب القضاء، إذا كان في الناحية من هو مثله، أو أفضل منه، لورود النهي فيه، والتحذير منه.
روي أبو داود [3578] في الأقضية، باب: في طلب القضاء والتسرع إليه، والترمذي [1324] في الأحكام، باب: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القاضي، عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من ابتغي القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلي نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدده ".
وروي مسلم [1733] في الإمارة، باب [النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها] عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك. فقال:" إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله، ولا أحداً حرص عليه ".
هذا ولقد استثني علماء الشافعية من هذه الكراهة ثلاث صور، حكموا باستحباب طلب القضاء فيها:
الأولي: ما إذا كان العالم خاملاً غير مشهور بين الناس، وكان يرجو في طلبه القضاء نشر العلم، لتحصل المنفعة بنشره إذا عرف الناس فضله وعلمه، فيكون لهم به نفع.
الثانية: أن يكون فقيراً محتاجاً إلي الرزق، فإذا ولي القضاء حصل له كفايته من بيت مال المسلمين، بسبب هو طاعة، لما في العدل بين الناس من جزيل الأجر والثواب.
الثالثة: أن تكون الحقوق مضاعة لجور القضاة، أو عجزهم عن إحقاق الحق، فيقصد بطلبه القضاء تدارك ذلك.
وقد أخبر الله تبارك وتعالي عن نبيه يوسف عليه السلام أنه طلب الولاية على الأموال، شفقة على الناس، وإنصافاً لهم، لا لحظ نفسه، ولا لمنفعة تخصه. قال تعالي عنه:{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف: 55).
أما إذا كان قصده بطلب القضاء الانتقام من الأعداء، أو التكسب بالارتشاء، أو المباهاة والاستعلاء، فإن طلب القضاء، والحالة هذه حرام، لكونه وسيلة إلي الظلم، وفعل الحرام، وللوسائل حكم المقاصد، كما هو معروف.
روي الترمذي [1336] في الإحكام، باب: ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم ".