الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 -
رضا الوالدين: فلو لم يرض أبوه وأمه بخروجه للجهاد لم يجز له مخالفتهما، لأن حقهما عند الضرورة والحاجة إلي المساعدة ألزم إذ هو فرض عين بينما الجهاد في الحالة التي نذكرها فرض كفاية.
جاء في الصحيحين: أن رجلاً استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال:{ألك والدان؟ } قال: نعم، قال:{ففيهما فجاهد} .
وفي رواية: أقبل رجل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله، فقال: هل من والديك أحد حي؟ قال: نعم، بل كلاهما حي، قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم قال: فأرجع إلي والديك فأحسن صحبتهما.
وفي رواية لأبي داود والنسائي: قال: جاء رجل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبواي يبكيان، قال:{ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما} (رواه البخاري [2842] في الجهاد، باب: الجهاد بإذن الأبوين، ومسلم [2549] في البر والصلة، باب: بر الوالدين، وأبو داود [2530] في الجهاد، باب: في الرجل يغزو وأبواه كارهان، والترمذي [1671] في الجهاد، باب: فيمن خرج في الغزو وترك أبويه، والنسائي [6/ 10] في الجهاد، باب: الرخصة في التخلف لمن له والدان، كلهم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
وكالوالدين في ذلك الغريم صاحب الدين الذي حل أجله مع يسر المدين به، فلا يجوز له الخروج إلي الجهاد إلا بإذن غريمه، وأنت تعلم أن هذا كله في الجهاد الذي هو فرض كفاية.
ثانياً: الشروط التي تتعلق بالكفار:
إنما يجب على المسلمين الخروج لقتال الكفار على وجه الجهاد بعد ملاحظة الشروط التالية:
1 -
أن يكون الكفار مستأمنين، أو معاهدين، أو من أهل الذمة وذلك لقوله عز وجل في حق المستأمنين: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى
يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَعْلَمُونَ} (سورة التوبة: 6).
وقال تبارك وتعالي في حق المعاهدين: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ} (سورة الأنفال: 58)، فإذا لم يجد بوادر الخيانة فلا يجوز نكث العهد وخرقه، ومقاتلة أصحاب تلك العهود.
وقال عليه الصلاة والسلام في حرمة قتال أهل الذمة وقتلهم: {من قتل رجلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاماً} (رواه أبو داود [2760] في الجهاد، باب: في الوفاء للمعاهد، وحرمة ذمته، عن أبي بكر رضي الله عنه.
وروي الترمذي [1403] في الديات، باب: ما جاء فيمن يقتل نفساً معاهدة، وابن ماجه [2687] في الديات، باب: من قتل معاهداً، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ألا من قتل نفساً معاهدة له ذمة الله ورسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً ". [أخفر بذمة الله: نقض العهد وغدر به].
2 -
أن يسبق القتال تعريف لهم بالإسلام، وشرح لحقيقته، ورد لما قد يكون من شبه لهم فيه، حتى إذا قامت بذلك عليهم الحجة، ولم يتحولوا عن عنادهم على الكفر، قوتلوا على ذلك، ودليل ذلك إرساله عليه الصلاة والسلام الرسائل والكتب إلي الملوك والأمراء في العالم يومئذ يعرفهم فيها بالإسلام، ويشرح لهم جوهر رسالته التي أرسله الله بها إلي العالمين، ويأمرهم بالخضوع لهذا الإسلام والدخول فيه، ولقد كان ذلك منه عليه الصلاة والسلام مقدمة لابد منها بين يدي جهادهم، وليس أدل على هذا الشرط من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبدالله ورسوله إلي هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدي، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم
الأريسيين، و {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (سورة آل عمران: 64). (الحديث رواه البخاري [7] في بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسلم [1773] في الجهاد، باب: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلي هرقل).
[بدعاية الإسلام: بدعوته وهي كلمة الشهادة التي يدعي إلي النطق بها أهل الملل الكافرة. توليت: أعرضت عن الإسلام، ورفضت الدخول فيه. إثم الأريسيين: إثم استمرارهم على الباطل والكفر أتباعاً لك، والمراد بالأريسيين الأتباع من أهل مملكته، وهي في الأصل جمعي أريسي، وهو الحارث والفلاح كلمة سواء بيننا وبينكم: مستوية لا تختلف فيها الكتب المنزلة، ولا الأنبياء المرسلون]
فإذا توفر هذان الشرطان، كان لإمام المسلمين أن يقاتلهم إذا اقتضته مصلحة الدعوة الإسلامية، حتى وإن كان ذلك بدون سابق إنذار.