المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌546 - (32) باب إيلاء الرجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة - الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - جـ ١٦

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌534 - (20) باب تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها ونَشْرِ أحدِهما سِرَّ الآخر وبيان حكم العزل

- ‌535 - (21) باب تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع وذكر الغيلة وهو وطء المرضع وكراهة العزل

- ‌ أبواب الرضاع

- ‌536 - (22) باب تحرم الرضاعة ما تحرمه الولادة وتحريمها من قبل الفحل وتحريم بنت الأخ من الرضاعة

- ‌537 - (23) باب تحريم أخت المرأة والربيبة ولا تحرم المصة والمصتان ونسخ عشر رضعات بخمس

- ‌538 - (24) باب رضاعة الكبير، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الرضاعة من المجاعة

- ‌539 - (25) باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء وأن الولد للفراش وقبول قول القافة في الولد

- ‌540 - (26) باب قدر المقام عند البكر أو الثيب والقسم بين الزوجات وجواز هبة المرأة نوبتها لضرتها

- ‌541 - (27) باب الحث على نكاح ذات الدين ونكاح البكر

- ‌542 - (28) باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة ومداراة النساء وخيانتهن الأزواج

- ‌فائدة في الصفات المطلوبة في الزوجة

- ‌ كتاب الطلاق

- ‌543 - (29) باب في طلاق السنة

- ‌544 - (30) باب إمضاء الطلاق الثلاث ووجوب الكفارة في تحريم ما أحل الله له من امرأة وغيرها ولم يقصد طلاقها

- ‌545 - (31) باب بيان أن تخيير الرجل امرأته لا يكون طلاقًا لا بالنية

- ‌تتمة ذكر من اختارت نفسها

- ‌546 - (32) باب إيلاء الرجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة

- ‌فائدتان

- ‌547 - (33) باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها ولا سكنى

- ‌مسألة النفقة والسكنى للمبتوتة

- ‌548 - (34) باب جواز خروج المعتدة في النهار لقضاء حاجتها وانقضاء العدة بوضع الحمل

- ‌549 - (35) باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك فوق ثلاثة أيام

- ‌ أبواب اللعان

- ‌550 - (36) باب بيان سببه

- ‌551 - (37) باب بيان كيفية اللعان ووعظ المتلاعنين

- ‌552 - (38) باب ما يتبع اللعان من الأحكام إذا كمل من التفريق وإلحاق الولد بالمرأة

- ‌553 - (39) باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في اللعان بقوله: اللهم افتح، وبيان أول من لاعن وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لو رجمت أحدًا بغير بينة لرجمت هذه

- ‌554 - (40) باب إذا وجد رجل على امرأته رجلًا لا يقتله بل يشهد عليه أربعة شهداء إن أمكن وإلا لاعن

- ‌555 - (41) باب لا ينتفي الولد بمخالفة لون أبيه

- ‌ أبواب العتق

- ‌556 - (42) باب فيمن أعتق شركًا له في عبد وذكر الاستسعاء

- ‌557 - (43) باب إنما الولاء لمن أعتق

- ‌558 - (44) باب كان في بريرة ثلاث سنن

- ‌559 - (45) باب النهي عن بيع الولاء وعن هبته وإثم من تولى غير مواليه

- ‌560 - (46) باب ما جاء في فضل عتق الرقبة المؤمنة وفي عتق الوالد

الفصل: ‌546 - (32) باب إيلاء الرجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة

‌546 - (32) باب إيلاء الرجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة

3571 -

(1406)(166) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنَا عِكرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ سِمَاكٍ أَبِي زُمَيل. حَدَّثَنِي عَبدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ. حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَال: لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ قَال: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ. فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالحَصَى وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ. وَذلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤمَرْنَ بِالْحِجَابِ

ــ

546 -

(32) باب إيلاء الرجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة

3571 -

(06 14)(166)(حدثني زهير بن حرب حدثني عمر بن يونس) بن القاسم (الحنفي) أبو حفص اليمامي، ثقة، من (9) روى عنه في (9) أبواب (حدثنا عكرمة بن عمار) العجلي الحنفي أبو عمار اليمامي، صدوق، من (5) روى عنه في (9) أبواب (عن سماك) بن الوليد الحنفي (أبي زميل) اليمامي، ليس به بأس، من (3) روى عنه في (5) أبواب (حدثني عبد الله بن عباس) قال:(حدثني عمر بن الخطاب) رضي الله عنه. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم يمانيون وواحد مدني وواحد طائفي وواحد نسائي (قال) عمر بن الخطاب: (لما اعتزل) وابتعد وانفصل وفارق (نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه) في السكن (قال) عمر: (دخلت المسجد) النبوي (فإذا الناس) كلهم (ينكتون) أي يضربون (بالحصى) الأرض كفعل المهموم المفكر في أمر مشكل، وفيه اهتمام المسلمين لما أهمَّ نبيهم صلى الله عليه وسلم واجتماعهم لذلك، قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم، وإذا في قوله:(فإذا الناس) فجائية، والفاء عاطفة؛ أي دخلت المسجد ففاجأني نكت الناس الأرض بالحصى (و) الحال أنهم (يقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه) أي أزواجه (وذلك) أي اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه وقول الناس طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم (قبل أن يؤمرن) النساء (بالحجاب) أي بالاحتجاب من الرجال، استدل به ابن العربي في أحكام القرآن وغيره على أن واقعة التخيير كانت قبل نزول الحجاب، ولكن رد عليه الحافظ في الفتح فقال: هو غلط بيّن فإن نزول الحجاب كان في أول زواج زينب بنت جحش سنة أربع أو خمس، وهذه القصة كانت سبب نزول آية التخيير سنة تسع وكانت زينب بنت جحش فيمن خُيّر فبهذا يظهر أن نكاح زينب قبل التخيير، وقد ثبت أن الحجاب إنما نزل في

ص: 222

فَقَال عُمَرُ: فَقُلْتُ: لأَعْلَمَنَّ ذلِكَ الْيَوْمَ. قَال: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ. فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكرٍ! أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالتْ: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ عَلَيكَ بِعَيبَتِكَ. قَال: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصةَ بِنْتِ عُمَرَ. فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ! أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُحِبُّكِ. وَلَوْلا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم

ــ

وليمة زينب فدل على أن التخيير كان بعد نزول الحجاب، وأما حديث الباب فقال فيه الحافظ: وأحسن محامله عندي أن يكون الراوي لما رأى قول عمر أنه دخل على عائشة ظن أن ذلك قبل الحجاب فجزم به ولكن جوابه أنه لا يلزم من الدخول رفع الحجاب فقد يدخل من الباب وتخاطبه من وراء الحجاب كما لا يلزم من وهم الراوي في لفظة من الحديث أن يطرح حديثه كله اهـ (فقال عمر فقلت) في نفسي والله (لأعلمن ذلك) الذي قالوا من طلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أي لأبحثن عنه (اليوم) أي في هذا اليوم الحاضر وأعرفن حقيقته هل هو كذب انتشر أو صدق استقر؟ (قال) عمر: (فدخلت على عائشة فقلت) لها: (يا بنت أبي بكر أقد بلغ) ووصل (من شأنك) وترفعك على ضرائرك (أن توذي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اعتزل عنكن (فقالت) لي عائشة: (ما لي) أي أي عُلقة لي بك (وما لك) أي وأي علقة لك بي أي وأي علقة بيني وبينك (يا ابن الخطاب عليك بعيبتك) أي عليك بخاصتك وموضع سرك، والعيبة وعاء يجعل فيه الإنسان أفضل ثيابه ونفيس متاعه فشبهت بها عائشة حفصة ابنة عمر، والمعنى عليك بوعظ ابنتك حفصة لا بوعظي (قال) عمر:(فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة أقد بلغ من شأنك) وسوء أدبك (أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك) أي لا يحب صحبتك (ولولا أنا) موجود ولولا استحياؤه مني موجود (لطلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن هذا إشارة إلى ما رواه موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر فبلغ ذلك عمر فحثى التراب على رأسه وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل من الغد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر. وفي رواية أبي صالح عند أبي

ص: 223

فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ. فَقُلْتُ لَهَا: أَينَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالت: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشرُبَةِ. فَدَخَلْتُ فَإذَا أنَا بِرَبَاحٍ غُلامِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشرُبَةِ

ــ

يعلى دخل عمر على حفصة وهي تبكي فقال: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طلقك إنه كان قد طلقك مرة ثم راجعك من أجلي فإن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدًا. ذكرهما الحافظ في ترجمة حفصة من الإصابة [4/ 265]، وأخرج ابن سعد عن قيس بن زيد مرسلًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة بنت عمر فأتاها خالاها عثمان وقدامة ابنا مظعون فبكت وقالت: والله ما طلقني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شبع فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها فتجلببت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن جبريل عليه السلام أتاني فقال لي أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة " اهـ طبقات ابن سعد [8/ 84](فـ) ـلما قلت لها ذلك (بكت) حفصة (أشد البكاء) قال عمر: (فقلت لها) أي لحفصة: (أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قالت) حفصة: (هو) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (في خزانته) ومستودعه، والخزانة بكسر الخاء مكان الخزن كالمخزن وما يُحزن فيه يسمى خزينة، وقوله:(في المشربة) بفتح الميم والراء وبضمها بدل من خزانته بدل كل من كل، قال في المصباح: المشربة هي الخزانة التي يكون فيها طعامه وشرابه، قيل لها مشربة فيما أرى لأنهم كانوا يخزنون فيها شرابهم، وقيل بمعنى الغرفة العلية، وقال ابن قتيبة: هي كالصفة بين يدي الغرفة، وقال الداودي: هي الغرفة الصغيرة كذا في عمدة القاري وذكر في مجمع البحار: أن المشربة بمعنى الخزانة مفتوحة الراء فقط، وأما بمعنى الغرفة فتفتح راؤها وتضم اهـ والمراد أن الخزانة هي المستوح الذي يُخزن فيه الطعام والشراب والمتاع لا يدخله إلا صاحبه وخواصه، والمشربة الصفة أمامه يدخل فيها الزائرون ويستريحون فيها ويأكلون ويتحدثون فيها مع صاحب الخزانة والمعنى هو في خزانته التي هي في داخل المشربة، قال عمر:(فدخلت) المشربة (فإذا أنا) راءٍ (برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عبده، وهو بفتح الراء من موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأذن في الدخول عليه، حالة كون رباح (قاعدًا على أسكفة المشربة) أي على عتبتها، والأسكفة بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء المفتوحة عتبة الباب السفلى، وفيه

ص: 224

مُدَلٍّ رِجْلَيهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ. وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَيَنْحَدِرُ. فَنَادَيتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيئًا. ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَبَاحُ، استأذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ

ــ

مجاز بالحذف أي قاعد على أسكفة خزانة المشربة لان عمر دخل المشربة ولم يدخل الخزانة التي فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله:(مدلٍّ رجليه) من دلى يدلي تدلية نظير زكى يزكي تزكية فهو مزكٍّ أي مرسل الرجلين ومادهما إلى الأسفل كالدلوفي البئر (على نقير من خشب) والنقير هو الجذع المنقور أي مدل رجليه على شيء من خشب منقور نقر وسطه وقور حتى يكون كالدرجة، قال النووي: هذا هو الصحيح الموجود في جميع النسخ، وذكر القاضي أنه بالفاء بدل النون وهو فقير بمعنى مفقور مأخوذ من فقار الظهر وهو جذع فيه درج اهـ نووي، وفقار الظهر خَرَزات عظامه التي بطوله (وهو) أي النقير (جذع) أي أصل نخل قوّر وسطه (يرقى) من رقي من باب رضي أي يصعد (عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد إلى الخزانة (وينحدر) أي ينزل منه إذا خرج من الخزانة. وفي بعض هوامش المتن قوله:(على نقير) أي شيء من خشب نقر وسطه حتى يكون كالدرجة يدل على ذلك قوله: (وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر) أي يصعد عليه إلى الغرفة وينزل عليه منها، وسيأتي في أواخر هذا الحديثه (فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة يرتقى إليها بعجلة أي بدرجة والجذع أصل النخلة) اهـ. قال عمر:(فناديت) الغلام فقلت: (يا رباح استأذن لي) في الصعود (عندك) لأدخل (على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر رباح إلى الغرفة) التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستأذن لي (ثم نظر إليّ فلم يقل) لي (شيئًا) من الإذن لي وعدمه، وفيه جواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بوابًا يمنع من يدخل إليه بغير إذنه، وأما ما رواه أنس عند البخاري وغيره في المرأة التي وعظها النبي صلى الله عليه وسلم فلم تعرفه ثم جاءت إليه فمحمول على الأوقات التي يجلس فيها للناس قاله الحافظ في الفتح (ثم قلت يا رباح استأذن لي) في الصعود (عندك) لأدخل (على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر رباح إلى) داخل (الغرفة) التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم استئذانًا لي من

ص: 225

ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ. فَلَمْ يَقُلْ شَيئًا. ثُمَّ رَفَعْتُ صوْتِي فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ. وَاللهِ، لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِضَرْبِ عُنُقِهَا لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا. وَرَفَعْتُ صَوْتِي. فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ارْقَةْ. فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُضطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ. فَجَلَسْتُ. فَأَدْنَى عَلَيهِ إِزَارَهُ. وَلَيسَ عَلَيهِ غَيرُهُ. وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ

ــ

النبي صلى الله عليه وسلم (ثم نظر إليّ فلم يقل) لي (شيئًا) من الكلام، وفي الحديث دلالة على أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصته عند الأمر يطرقه من جهة أهله حتى يذهب غيظه ويخرج إلى الناس وهو منبسط إليهم، وعلى الرفق بالأصهار والحياء منهم إذا وقع للرجل من أهله ما يقتضي معاتبتهم، وعلى أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام لأنه صلى الله عليه وسلم لو أمر غلامه برد عمر لم يجز لعمر العود إلى الاستئذان مرة بعد أخرى فلما سكت فهم عمر من ذلك أنه لم يؤثر رده مطلقًا، وعلى أن الحاجب إذا علم منع الإذن بسكوت المحجوب لم يأذن، وعلى أن الاستئذان مشروع ولو كان الرجل وحده لاحتمال أن يكون على حالة يكره الاطلاع عليها كذا قال في الفتح، قال عمر:(ثم رفعت صوتي) في المرة الثالثة كأنه أراد أن يبلغ صوته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه جواز تكرار الاستئذان إذا رجا صاحبه الإذن (فقلت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل) الاستشفاع لي (حفصة، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها ورفعت صوتي) أيضًا بهذا الكلام (فأومأ) أي أشار (إلي) رباح بـ (أن ارقه) أي بالصعود إلى المشربة بواسطة ذلك الجذع المنقور كالسلم فـ (أن) تفسيرية و (ارقه) أمر من الرقي بمعنى الصعود والهاء في آخره إما للسكت أي للوقف أو ضمير عائد إلى الجذع، وفي الكلام حذف تقديره فرقيت (فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغرفة (وهو) صلى الله عليه وسلم (مضطجع على حصير) أي على نسيج خوص النخل (فجلست) عنده (فأدنى عليه إزاره) أي تغطى به زيادة على تغطيه في خلوته صلى الله عليه وسلم، وفي نسخة (فإذا عليه إزاره)(و) الحال أنه (ليس عليه) صلى الله عليه وسلم (غيره) أي غير إزاره (وإذا الحصير قد أثر) أي أظهر

ص: 226

فِي جَنْبِهِ. فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْو الصَّاعِ. وَمِثلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ. وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ. قَال: فَابْتَدَرَت عَينَايَ. قَال: "مَا يُبكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ " قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! وَمَا لِي لَا أَبْكِي؟ وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ. وَهذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إلا مَا أَرَى. وَذَاكَ قَيصَرُ

ــ

خيوطه (في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا) راءٍ (بقبضة) بضم القاف وفتحها والضم أفصح، قال الجوهري: القبضة بالضم ماقبضت عليه من شيء يقال أعطاه قبضة من سويق أو تمر أو شعير أي حفنات (من شعير نحو الصاع) أي قدر الصاع (و) رأيت (مثلها) أي مثل قبضة شعير (قرظًا) تمييز لمثلها أي ورأيت قرظًا مثلها (في ناحية الغرفة) وجانبها، والقَرَظ بفتحتين ورق السلم يدبغ به، قال أبو حنيفة: القرظ أجود ما يدبغ به الأهب (يعني الجلود) في أرض العرب وهي تدبغ بورقه وثمره، وقال مرة: القرظ شجر عظام لها سوق غلاظ أمثال شجر الجوز، ورقه أصغر من التفاح وله حب يرضع في الموازين وهو ينبت في القيعان، واحدته قرظة وبها سمي الرجل قرظة أو قريظة (وإذا أفيق) بفتح الهمزة وكسر الفاء هو الجلد الذي لم يتم دباغه، وفيه بقية رائحة ويجمع على أفق بفتحتين نظير أدم وأديم وزنًا وهو مبتدأ خبره (معلق) أي بالجدار، وقيل: الأفيق الأديم المدبوغ قبل أن يخرز أو قبل أن يشق، وقيل هو ما دُبغ بغير القرظ والأرطى وغيرهما من أدبغة أهل نجد، وقيل هو حين يخرج من الدباغ مفروغًا منه وفيه رائحته، وقيل أول ما يكون من الجلد في الدباغ فهو منيئة ثم أفيق ثم يكون أديمًا، وجمعه أفق بفتح الهمزة والفاء كأديم وأدم اهـ من تاج العروس (قال) عمر:(فابتدرت) أي أسرعت (عيناي) إلى البكاء، أي لم أتمالك أن بكيت حتى سالت دموعي فـ (قال) لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما يبكيك يا ابن الخطاب) فـ (قلت يا نبي الله ومالي) أي وأي شيء ثبت لي، حالة كوني (لا أبكي) أي وأي شيء مانع يمنعني من البكاء (وهذا الحصير) أي والحال أن هذا الحصير (قد أثر) أي قد ظهر أثر خيوطه (في) لحم (جنبك وهده) الغرفة الفارغة (خزانتك) أي مخزن مالك ومتاعك، والحال أني إلا أرى) ولا أبصر (فيها) أي في خزانتك (إلا ما أرى) وأنظر من محقرات الأموال أي وأي مانع منعني من البكاء والحال أن الفقر بلغك هذا الحد (وذاك) العدو مبتدأ (قيصر) بدل

ص: 227

وَكِسرَى فِي الثِّمَارِ وَالأنْهَارِ. وَأَنتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَصَفوَتُهُ. وَهذِهِ خِزَانَتُكَ. فَقال: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! أَلا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟ " قُلْتُ: بَلَى. قَال: وَدَخَلْتُ عَلَيهِ حِينَ دَخَلْتُ وَأَنا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَشُقُّ عَلَيكَ مِنْ شَأنِ النِّسَاءِ؛ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ

ــ

من اسم الإشارة وهو كل من ملك الروم (وكسرى) معطوف عليه وهو كل من ملك الفرس، وقوله:(في الثمار والأنهار) خبر المبتدإ أي وأي مانع منعني من البكاء، والحال أن أولئك الأعداء قيصر وكسرى متبسطون ومترفهون في الثمار اليانعة والأنهار النابعة (وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته) أي مصطفاه ومختاره من خلقه (وهذه) الغرفة الفارغة (خزانتك) أي مستودع نفائس أموالك، فوجب بكائي تعجبًا من هذه الحكمة الباهرة والقسمة العادلة، قوله:(صفوته) وصفوة الشيء بتثليث الصاد خالصُهُ وما صفا منه كما في القاموس والصحاح، والمراد ها هنا صفوة خلق الله تعالى، قوله:(وهذه خزانتك) قال الحافظ: وفيه جواز نظر الإنسان إلى نواحي بيت صاحبه وما فيه إذا علم أنه لا يكره، وبهذا يجمع بين ما وقع لعمر وبين ما ورد من النهي عن فضول النظر أشار إلى ذلك النووي، ويحتمل أن يكون نظره في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وقع أولًا اتفاقًا فرأى الشعير والقرظ مثلًا فاستقله فرفع رأسه لينظر هل هناك شيء أنفس منه فلم ير إلا الأهب فقال ما قال، ويكون النهي الوارد محمولًا على من تعمد النظر في ذلك والتفتيش ابتداءً. كذا في فتح الباري [9/ 257].

(فقال) له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا) معاشر المؤمنين (الآخرة) ونعيمها (و) تكون (لهم) أي الكفار (الدنيا) وزخارفها (قلت: بلى) رضيت ذلك يا رسول الله (قال) عمر: (ودخلت عليه) صلى الله عليه وسلم (حين دخلت) عليه أولًا، وجملة قوله:(وأنا أرى في وجهه الغضب) حال من ضمير المتكلم في دخلت الأول أي ودخلت عليه أول دخولي، والحال أني أرى الغضب في وجهه أي أثره من تغير اللون (فقلت) له:(يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء) أي لا يشق عليك شيء من شؤونهن فلا تهتم بهن، فما نافية ويحتمل كونها شرطية أو استفهامية (فإن كنت طلقتهن) وفارقتهن (فإن الله) سبحانه وتعالى (معك) بتعويضك خيرًا

ص: 228

وَمَلائِكَتَهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكرٍ وَالْمُؤمِنُوَنَ مَعَكَ. وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ، وَأَحْمَدُ اللهَ، بِكَلامٍ إلا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ. وَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ. آيَةُ التخيِيرِ:{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ} [التحريم: 5]{وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4] وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكرٍ وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَطَلَّقتَهُنَّ؟ قَال: "لَا" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ

ــ

منهن (و) إن (ملائكته وجبريل وميكائيل) كلهم معك بالتأييد (وأنا وأبو بكر والمومنون معك) أيضًا بالمناصرة على أعدائك فلا تهتم بهن، قال عمر:(وقلما تكلمت) وقلما من الأفعال الأربعة المكفوفة بما عن الفاعل وهي قلما وكثرما وطالما وقصرما وزاد عليها بعضهم فليطلب في محله، وقوله:(وأحمد الله) جملة معترضة، وقوله:(بكلام) متعلق بتكلمت أي وقل تكلمي بكلام يتعلق بأمر الله ودينه (إلا رجوت أن يكون الله يصدّق قولي الذي أقول) في دينه بوحي نزل من السماء وأحمد الله سبحانه على قبول رجائي وتصديق قولي (و) في قبول رجائي وتصديق قولي المذكور (نزلت هذه الآية آية التخيير) بدل مما قبله يعني قوله: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن) وقوله: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) والظهير المعين، ويطلق كما في المصباح على الواحد والجمع، وقوله:(وإن تظاهرا عليه) خطاب لعائشة وحفصة والمعنى فإن تتعاونا عليه صلى الله عليه وسلم بما يسوؤه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره فإن الله تعالى مولاه وناصره عليكما لأن الآية نزلت في تظاهرهما في قصة العسل أو في قصة تحريم مارية كما مر تفصيله (وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة) بنتي (تظاهران) أي تتظاهران وتتعاونان (على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم أي على غيرهما من أمهات المؤمنين، وقوله: (فقلت: يا رسول الله أطلقتهن) الخ معطوف على قوله سابقًا (فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء) أي قلت له: هل طلقتهن (قال) لي: (لا) أي ما طلقتهن لأنه صلى الله عليه وسلم إنما آلى من نسائه شهرًا ولم يطلقهن، وسيأتي ذكر الإيلاء في الحديث الآتي إن شاء الله (قلت) له صلى الله عليه وسلم:(يا رسول الله إني دخلت المسجد) آنفًا (والمسلمون ينكتون) أي يضربون الأرض

ص: 229

بِالحَصَى. يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ. أَفَأَنْزِلُ فَأُخبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَال: "نَعَمْ. إِنْ شِئْتَ" قَال فَلَمْ أَزَلْ أُحَدَّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ. وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ. وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا. ثُمَّ نَزَلَ نَبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَنَزَلْتُ. فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذع وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَأنَّمَا يَمْشِي عَلَى الأرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسعَةً وَعِشْرِينَ. قَال: "إِن الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ"

ــ

(بالحصى) تأسفًا على طلاقك، حالة كونهم (يقولون: طلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أ) أُبشرهم ببيان الحال والشأن (فأنزل) إليهم (فأخبرهم أنك لم تطلّقهن) أم أتركهم على حالهم، وفيه بيان ما كانت عليه الصحابة من محبة الاطلاع على أحوال النبي صلى الله عليه وسلم جلت أو قلت وتأسفهم بما يتأسف له رضي الله عنهم (قال) لي:(نعم) أخبرهم حقيقة الأمر (إن شئت) الإخبار لهم (قال) عمر: (فلم أزل أحدّثه) أي أتحدث معه وأكلمه (حتى تحسر) أي زال وانكشف (الغضب) أي أثره من الاحمرار بعد البياض (عن وجهه) الشريف (وحتى كشر) أي أظهر مقدم أسنانه بالتبسم (فضحك) أي بالغ في التبسم، والكشر بدو الأسنان يقال كشر الرجل عن أسنانه من باب ضرب إذا أبداها في الضحك (وكان) صلى الله عليه وسلم (من أحسن الناس ثغرًا) أي فمًا، والثغر بفتح الثاء وسكون الغين مقدّم الأسنان كما في القاموس، وقال الفيومي: الثغر المبسم يعني الفم ثم أطلق على الثنايا يعني مقدّم الأسنان (ثم نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم من مشربته راجعًا إلى نسائه (ونزلت) معه صلى الله عليه وسلم (فنزلت) أنا (أتشبث) أي أتعلق وأتمسك (بـ) يدي (الجذع) الذي كان كالسلم للغرفة خوفًا من السقوط (ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض) السهلة التي ليس فيها عقبة ولا درجة (ما يمسه) أي ما يمس الجذع (بيده) الشريفة لعدم مخافته من السقوط إما لزيادة تمكنه صلى الله عليه وسلم وإما لاعتياده ذلك (فقلت) له: (يا رسول الله إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين) يومًا ولم يكمل لك الشهر، وفيه تذكير الحالف بيمينه إذا وقع منه ما ظاهره نسيانها لأن عمر رضي الله عنه خشي أن يكون صلى الله عليه وسلم نسي مقدار ما حلف عليه وهو شهر فذكّره صلى الله عليه وسلم (قال) النبي صلى الله عليه وسلم:(إن) هذا (الشهر) الذي آليت فيه (يكون) أي كان (تسعًا وعشرين) ليلة أو إن جنس الشهر يكون تسعًا وعشرين ليلة

ص: 230

فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ. فَنَادَيتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّق رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ. وَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]

ــ

وهذا الشهر من ذلك، قال الحافظ: وفيه تقوية لقول من قال إن يمينه صلى الله عليه وسلم اتفق أنها كانت في أول الشهر، ولهذا اقتصر على تسعة وعشرين وإلا فلو اتفق ذلك في أثناء الشهر فالجمهور على أنه لا يقع البر إلا بثلاثين يومًا، قال عمر:(فـ) لما نزلت أنا من الغرفة ووصلت إلى المسجد (قمت على باب المسجد) النبوي (فناديت بأعلى صوتي) وأرفعه وقلت إنه (لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه) رضي الله تعالى عنهن، قال عمر رضي الله عنه:(ونزلت هذه الآية) يعني قوله تعالى: (وإذا جاءهم) أي جاء المنافقين أو ضعفاء المسلمين (أمر) وشأن من أمور المسلمين الغزاة (من الأمن) والسلامة والغلبة (أو الخوف) والقتل والهزيمة والخلل (أذاعوا به) أي بذلك الأمر أي أخبروه للناس وأشاعوه بينهم فتضعف قلوب المؤمنين بذلك ويتأذى به النبي صلى الله عليه وسلم (ولو ردوه) أي ولو ردوا شأن ذلك الأمر من الإخبار أو عدمه (إلى الرسول) صلى الله عليه وسلم (وإلى أُولي الأمر) والرأي والعقل (منهم) أي من المؤمنين وفوّضوا إذاعة ذاك الأمر إليهم (لعلمه) أي لعلم ما في إذاعة ذلك الأمر من المصلحة والمفسدة (الذين يستنبطونه) أي يستخرجون نتائج ذلك الأمر من مصلحة الإذاعة ومفسدتها (منهم) أي من أولي الأمر.

والمشهور من هذه الآية أنها نزلت في الأخبار التي كان المنافقون وغيرهم يشيعونها في المدينة في أمر الحروب، قال ابن عباس: وإذا غزت سرية من سرايا المسلمين أخبر الناس عنها فقالوا: أصاب المسلمين من عدوهم كذا وكذا وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم به، ولو ردوه إلى الرسول حتى يكون هو الذي يخبرهم به وإلى أولي الأمر منهم أي إلى أولي الفقه والدين والرأي كذا في الدر المنثور وتفسير ابن جرير.

وهذه الآية من آيات سورة النساء، ورواية مسلم هذه ليس لها ذكر في التفاسير المتداولة ولا في تفسير ابن جرير وليس في سياق الآية وسياقها مناسبة فإن الذين في

ص: 231

فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطتُ ذلِكَ الأَمْرَ. وَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل آيَةَ التَّخْيِيرِ.

3572 -

(00)(00) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخبَرَنِي سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ). أَخبَرَنِي يَحْيَى. أَخبَرَنِي عُبَيدُ بْنُ حُنَينٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ. قَال:

ــ

المسجد ما أذاعوا شيئًا بل تكلموا فيما بينهم مهمومين ومناداة عمر رضي الله عنه إياهم بهذا الخبر كانت بعد أخذه الإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فلينظر فيه. (قلت): لا تعارض بين ما ذكره المفسرون في سبب نزول الآية وما ذكره مسلم في سبب نزولها لما تقرر عندهم أنه لا تزاحم في أسباب النزول فيمكن أن يكون لهذه الآية شبان فإن الله تعالى ذكر في الآية أمرين أمرًا من الأمن وأمرًا من الخوف فلعل الأول ما ذكره عمر في حديث الباب فإن خبر الطلاق في حالة الأمن، والثاني سببه ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما فليتأمل.

قال عمر: (فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر) أي بحثت عن ذلك الأمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت باطنه وأظهرت نتيجته للناس حين ناديتهم في المسجد (وأنزل الله عز وجل بعد ذلك (آية التخيير) بين نسائه، قال الخفاجي في تفسيره: والاستنباط أصله استخراج الشيء من مأخذه كالماء من البئر والجوهر من المعدن والمستخرج نبط بالتحريك فتجوّز به عن كل أخذ وتلق اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [5191]، والترمذي [3315]، والنسائي [4/ 137].

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:

3573 -

(00)(00)(حدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم (الأيلي) أبو جعفر التميمي نزيل مصر (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، من (9)(أخبرني سليمان يعني ابن بلال) التيمي المدني، ثقة، من (8)(أخبرني يحيى) بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني (أخبرني عبيد بن حنين) مصغرًا بنونين مولى آل العباس، ويقال العدوي مولى زيد بن الخطاب أبو عبد الله المدني، روى عن عبد الله بن عباس في الطلاق، وأبي سعيد الخدري في الفضائل، ويروي عنه (ع) ويحيى بن سعيد الأنصاري وسالم أبو النضر، وثقه ابن سعد، وقال في التقريب: ثقة، قليل الحديث، من الثالثة، مات سنة (105) خمس ومائة (أنه سمع عبد الله بن عباس) رضي الله عنهما (يحدّث قال)

ص: 232

مَكَثتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ. فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيبَةً لَهُ. حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ، فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيق، عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ. فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ. ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَزوَاجِهِ؟ فَقَال: تِلْكَ

ــ

ابن عباس (مكثت) أي جلست (سنة) كاملة (وأنا) أي والحال أني (أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن) معنى (آية) من آي القرآن. وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد طائفي، غرضه بيان متابعة عبيد بن حنين لسماك بن الوليد في رواية هذا الحديث عن ابن عباس، قال ابن عباس (فما أستطيع) أي أقدر (أن أسأله) أي أن أسأل عمر (هيبة له) أي خوفًا منه لأنه رجل مهاب، قال المهلب: فيه توقير العالم ومهابته عن استفسار ما يخشى من تغيره عند ذكره وترقب خلوات العالم ليسأل عما لعله لو سُئل عنه بحضرة الناس أنكره على السائل، ويؤخذ منه مراعاة المروءة كذا في الفتح [9/ 255] ثم قال الحافظ: وفيه حسن تلطف ابن عباس وشدة حرصه على الاطلاع على فنون التفسير، وفيه طلب علو الإسناد لأن ابن عباس أقام مدة طويلة ينتظر خلوة عمر ليأخذ عنه وكان يمكنه الأخذ بواسطة عنه ممن لا يهابه، وفيه حرص الصحابة على طلب العلم وضبط أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم اهـ منه (حتى خرج) عمر من المدينة، حالة كونه (حاجًّا) أي قاصدًا مكة لنسك الحج (فخرجت معه فلما رجع) عمر من حجه (فكنا ببعض الطريق عدل) عمر (إلى) محل (الأراك) أي إلى محل كثير الأراك ليستتر به (لـ) قضاء (حاجة له) حاجة الإنسان (فوقفت له) أي لانتظاره (حتى فرغ) من قضاء حاجته يعني عدل عن الطريق المسلوكة إلى طريق لا يسلك غالبًا لقضاء حاجته، وكان ذلك بمر الظهران، والأراك شجر معروف ترعاه الإبل، وجاء في المعجم للعلايلي: الأراك في وصف القدماء شجرة طويلة ناعمة كثيرة الورق والأغصان خوارة العود يستاك بفروعها أي تنظف بها الأسنان وهو طيب النكهة له حمل كحمل عناقيد العنب، ويعدّ اليوم من فصيلة الزيتونيات اهـ من بعض الهوامش (ثم سرت معه) أي مع عمر (فقلت) له:(يا أمير المؤمنين) قال الحافظ: وفيه البحث عن العلم في الطريق والخلوات وفي حال القعود والمشي (من) المرأتان (اللتان تظاهرتا) أي تعاونتا وتشاورتا (على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه) في منعه من شربه العسل أو تحريم مارية (فقال) عمر (تلك)

ص: 233

حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. قَال: فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ، إِنْ كُنْتُ لأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هذَا مُنْذُ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيبَةً لَكَ. قَال: فَلَا تَفْعَل. مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَسَلْنِي عَنْهُ. فَإِن كُنْتُ أَعْلَمُهُ أَخبَرْتُكَ. قَال: وَقَال عُمَرُ: وَاللهِ، إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا. حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ. وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ. قَال: فَبَينَمَا

ــ

المرأتان هما (حفصة وعائشة قال) ابن عباس: (فقلت له) أي لعمر: (والله إن) وإن مخففة من الثقيلة بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها أي والله إنه أي إن الشأن والحال (كنت) من زمان (لأريد أن أسألك عن هذا) السؤال (منذ سنة) أي من سنة (فما أستطيع) أن أسألك (هيبة لك) أي خوفًا منك، قال القاضي عياض: هيبته له عن سؤاله من تفسير تلك الآية تلك المدة هولما كانت إحدى المتظاهرتين ابنته حفصة، ولذلك قال له: واهًا لك يا ابن عباس، وهي كلمة وُضعت للتعجب كما قال في الآخر واعجبًا لك اهـ (قال) له عمر:(فلا تفعل) ذلك أي ترك سؤالي عما أشكلك هيبة مني، قال المهلب: وفي الحديث سؤال العالم عن بعض أمور أهله وإن كان عليه فيه غضاضة إذا كان في ذلك سنة تنقل ومسألة تحفظ، وفيه مهابة الطالب للعالم وتواضع العالم له كذا في الفتح، و (ما ظننت أن عندي من علم) به (فسلني عنه فإن كنت) أنا (أعلمه أخبرتك) عنه (قال) ابن عباس:(وقال عمر) أيضًا معطوف على قوله قال فلا تفعل، قال الحافظ: وفيه سياق القصة على وجهها وإن لم يسأل السائل عن ذلك إن كان في ذلك مصلحة من زيادة شرح وببان وخصوصًا إذا كان العالم يعلم أن الطالب يؤثر ذلك (والله إن) أي إن الشأن والحال (كنا) نحن معاشر قريش (في الجاهلية) أي قبل الإسلام (ما نعدّ) أي ما نظن ولا نعتقد أن (للنساء قدرًا) أي منزلة وأمرًا للرجال يعني كنا نحكم عليهن ولا يحكمن علينا بخلاف الأنصار فكانوا بالعكس من ذلك، وفي رواية يزيد بن رومان كنا ونحن بمكة لا يكلم أحد امرأته إلَّا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته، وفي رواية الطيالسي (كنا لا نعتد بالنساء ولا ندخلهن في أمورنا) كذا في الفتح (حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل) يعني حتى أمرنا بأداء حقوقهن كما في قوله تعالى:{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وفي رواية البخاري في اللباس: فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك حقًّا علينا من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا (وقسم لهن ما قسم) من الحقوق والميراث (قال) عمر: (فبينما) هو ظرف زِيد فيه (ما) وكذا (بينا) ملازم للإضافة إلى الجملة، وللجواب

ص: 234

أَنَا فِي أَمْرٍ أَأْتمِرُهُ. إِذْ قَالتْ لِي امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا! فَقُلْتُ لَهَا: وَمَا لكِ أَنْتِ وَلمَا ههُنَا؟ وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالتْ لِي: عَجبًا لَكَ، يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضبَانَ. قَال عُمَرُ: فَآخُذُ رِدَائِي ثُمَّ أَخرُجُ مَكَانِي. حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ. فَقُلْتُ لَهَا:

ــ

المقرون بإذا الفجائية كما تقدم البحث عنه في أوائل شرحنا هذا في مواضع أي فبينما (أنا في) تدبير (أمر) من أموري (أأتمره) أي أشاور فيه نفسي، والقياس في اجتماع الهمزتين تسهيل الثانية فيكون رسم الخط آتمره بمدة فوق الأولى كما في آمر وآخذ وآكل ومثلها قول الصدّيقة: وكان يأمرني إذا حضت أن أتزر. وذكر جواب بينما بقوله: (إذ قالت لي امرأتي) زينب بنت مظعون (لو صنعت كذا وكذا) والمعنى فبينما أوقات ائتمار نفسي في أمر من أموري ومشاورتي إياها فاجأني قول امرأتي: لو فعلت كذا وكذا في أمرك هذا لكان أصلح لك وأحسن، فلو شرطية جوابها محذوف أو للتمني أي أتمنى صنعتك كذا وكذا يعني أشارت عليّ بشيء وأغلظت لي فيه كما هو مصرح في رواية البخاري في اللباس وفي رواية يزيد بن رومان (فقمت إليها بقضيب فضربتها به، فقالت: يا عجبًا يا ابن الخطاب) قال عمر: (فقلت لها) أي لامرأتي زينب بنت مظعون (ومالك) أي وأي شيء ثبت لك (أنت) تأكيد للضمير المجرور ليعطف عليه قوله: (ولما ها هنا) أي وأي شيء ثبت لك ولهذا الأمر الذي أريد أنا ائتمار نفسي فيه ومشاورتي إياها وأي علقة بينك وبينه فتقولي لي لو صنعت كذا وكذا (وما تكلفك) أي وما تكليف نفسك بالدخول (في أمر أريده) أي أريد استئمار نفسي فيه؛ أي وأي علقة بينك وبينه لأنك من النساء اللاتي لا أمر ولا شأن لهن (فقالت لي) امرأتي: (عجبًا لك يا ابن الخطاب) أي عجبت لك عجبًا يا ابن الخطاب (ما تريد أن تراجع) وتراد (أنت) في كلامك وتعارض فيه، والمراجعة هي المعارضة في الكلام والمناظرة فيه (وإن ابنتك) أي والحال أن ابنتك حفصة (لتراجع) وتعارض (رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان) أي حتى يكون طول نهاره غضبان عليها لمراجعتها الكلام عليه (قال عمر: فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة) أي فلما سمعت من امرأتي ذلك أخذت ردائي ثم خرجت من مكاني الذي سمعت فيه خبرها بلا تأخر حتى دخلت على حفصة (فقلت لها:

ص: 235

يَا بُنَيَّةُ! إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضبَانَ. فَقَالت حَفْصَةُ: وَاللهِ! إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ. فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ. يَا بُنَيَّةُ! لَا تَغُرَّنَّكِ هذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا. وَحُبُّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهَا. ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ. لِقَرَابَتِي مِنْهَا. فَكَلَّمْتُهَا. فَقَالتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ: عَجبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّاب! قَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيءٍ حتَّى تَبْتَغِي أَنْ تَدْخُلَ بَينَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَزْوَاجِهِ! قَال: فَأَخَذَتْنِي أَخْذًا كَسَرَتنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ

ــ

يا بنية) تصغير ابنة تصغير شفقة (إنك لتراجعين) أي لتعارضين (رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه (حتى يظل يومه غضبان) عليك (فقالت حفصة: والله إنا) معاشر أزواجه (لنراجعه) أي لنرد كلامه عليه، قال عمر:(فقلت) لها: (تعلمين) أي اعلمي مني ما أقول لك نصيحة (أني أحذرك) وأخوّفك (عقوبة الله) أي حلول عقوبة الله عليك (وغضب رسوله) صلى الله عليه وسلم من عطف السبب على المسبب (يا بنية لا تغرنك هذه) يعني عائشة أي لا يغرنك مراجعة هذه (التي أعجبها حسنها) وجمالها (وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها) يعني بها عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد صرح به الراوي في رواية عبد العزيز بن عبد الله عند البخاري في تفسير سورة التحريم، والمعنى أنك لا تقيسي نفسك على عائشة ولا تسيري سيرها في كل شيء لأنها أحب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فربما يصدر من دلالها برسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يليق بك، قال عمر:(ثم خرجت) من عند حفصة وذهبت (حتى أدخل على أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية (لقرابتي منها فكلمتها) أي كلمت أم سلمة في مراجعتهن رسول الله صلى الله عليه وسلم (فقالت لي أم سلمة: عجبًا لك) أي عجبت لك عجبًا (يا ابن الخطاب قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي) وتريد (أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم و) بين (أزواجه) صلى الله عليه وسلم (قال) عمر: (فأخذتني) أم سلمة أي فمنعتني بحدة لسانها (أخذًا) أي منعًا (كسرتني) أي دفعتني به (عن) قول (بعض ما كنت أجد) في قلبي وأريد أن أقوله بلساني أي أخذتني بلسانها أخذًا دفعتني ومنعتني به عن مقصدي وكلامي، وفي رواية لابن سعد فقالت أم سلمة: إي والله إنا لنكلمه فإن تحمل ذلك فهو أولى به وإن نهانا عنه كان أطوع عندنا منك، قال عمر: فندمت على كلامي

ص: 236

فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا. وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الأَنْصَارِ. إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ. وَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ. ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَينَا

ــ

لهن (فخرجت من عندها) أي من عند أم سلمة، وفي رواية يزيد بن رومان (ما يمنعنا أن نغار على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجكم يغرن عليكم) وكان الحامل لعمر على ما وقع منه شدة شفقته وعظم نصيحته فكان يبسط على النبي صلى الله عيه وسلم فيقول له: افعل كذا، ولا تفعل كذا كقوله: احجب نساءك، وقوله: لا تصل على عبد الله ابن أُبي وغير ذلك، وكان النبي صلى الله عيه وسلم يحتمل ذلك لعلمه بصحة نصيحته وقوته في الإسلام قاله الحافظ في الفتح.

قال عمر: (وكان لي صاحب) وجار (من الأنصار) يسكن معي في العوالي اسمه أوس بن خولي بن عبد الله بن الحارث الأنصاري على الصحيح اهـ تنبيه المعلم (إذا غبت) أنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لم أتزل إلى المديتة (أتاني) أي جاءني ذلك الصاحب في الليل (بالخبر) أي يخبر ما جرى عند رسول الله صلى الله عيه وسلم في ذلك اليوم (وإذا غاب) ذلك الصاحب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لم ينزل إلى المدينة (كنت أنا آتيه) أي آتي ذلك الصاحب في الليل (بالخبر) أي بخبر ما جرى في ذلك اليوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال النووي: فيه استحباب حضور مجالس العلم، واستحباب التناوب في حضور العلم إذا لم يتيسر لكل وأحد الحضور بنفسه اهـ (قلت): وبهذه المناسبة أورد البخاري هذا الحديث في باب التناوب في العلم، وقال الحافظ في الفتح: وفيه قبول خبر الواحد ولو كان الآخذ فاضلًا والمأخوذ عنه مفضولًا، وفيه رواية الكبير عن الصغير، وفيه أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم وغيره لما علم من حال عمر أنه كان يتعانى التجارة إذ ذاك كذا في الفتح في [1/ 168].

(ونحن) معاشر المسلمين (حينئذٍ) أي حين إذ تناوب مع الأنصاري في النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم (فتخوف ملكًا) أي نخاف هجوم ملك (من ملوك غسان) الأشهر منع صرفه، قبيلة مشهورة من قبائل العرب اسم ذلك الملك الحارث بن أبي شمر (ذكر لنا أنه) أي أن ذلك الملك (بريد) ويقصد (أن يسير) ويذهب (إلينا) للغزو ويهجم

ص: 237

فَقَدِ امْتَلأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ. فَأَتَى صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ. وَقَال: افتَحِ. افْتَحْ. فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فَقَال: أَشَدُّ مِنْ ذلِكَ. اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَزْوَاجَهُ. فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ

ــ

علينا في المدينة (فقد امتلأت صدورنا) خوفًا أو غيظًا (منه) أي من ذلك الملك (فأتى) أي فجاء (صاحبي الأنصاري) إلى منزلي يوم نوبته، حالة كونه (يدق) ويقرع (الباب) أي باب منزلي دقًا بليغًا لأخرج إليه بسرعة (وقال) لي (افتح) الباب يا عمر (افتح) بالتكرار مرتين للتأكيد (فقلت) له: هل (جاء الغساني) وقد سماه في رواية ابن سعد: الحارث بن أبي شمر (فقال) الأنصاري وقع أمر (أشد من ذلك) لأنه (اعتزل) وانفرد وابتعد وفارق (رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه) وطلقهن فلا يدخل عليهن، قال عمر:(فقلت رغم) ولصق (أنف حفصة وعائشة) بالتراب خصهما بالذكر لكونهما متظاهرتين على سائر أزواجه صلى الله عليه وسلم. وقوله: (أشد من ذلك) فيه ما كان عليه الصحابة من الاهتمام بما يهتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه جعل اعتزال نسائه أشد من طروق ملك الشام الغساني بجيوشه إلى المدينة وذلك لأنه كان يتحقق أن عدوهم ولو طرقهم مغلوب ومهزوم واحتمال خلاف ذلك ضعيف بخلاف الذي توهمه من تطليق رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه فإن وقوع الغم بذلك متيقن.

وقوله: (اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه) وفي رواية سفيان الآتية طلّق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه ولعل الراوي في روايتنا هذه رواها بالمعنى لأن أكثر الروايات على الطلاق، وأخرج ابن مردويه من طريق سلمة بن كهيل عن ابن عباس أن عمر قال: لقيني عبد الله بن عمر ببعض طرق المدينة فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، وهذا إن كان محفوظًا محمول على أن ابن عمر لاقى أباه وهو يجيء من منزله من العوالي فأخبره بمثل ما أخبره به الأنصاري، ولعل الجزم بالطلاق وقع من إشاعة بعض أهل النفاق فتناقله الناس، وأصله ما وقع من اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه ولم تجر عادته بذلك فظنوا أنه طلّقهن قاله في الفتح.

وقوله: (رغم أنف حفصة وعائشة) هو بفتح الغين وكسرها أي لصق بالرغام وهو التراب هذا هو الأصل ثم استعمل في كل من عجز من الانتصاف ووقع في الذل والانقياد كرهًا أفاده النووي.

ص: 238

ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ. حَتَّى جِئْتُ. فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يُرْتَقَى إِلَيهَا بِعَجَلَةٍ. وَغُلامٌ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ. فَقُلْتُ: هذَا عُمَرُ. فَأُذِنَ لِي. قَال عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم هذَا الْحَدِيثَ. فَلَمَّا بَلَغتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَينَهُ وَبَينَهُ شَيءٌ. وَتَحْتَ رَأْسِهِ وسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ. وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيهِ قَرَظًا مَضبُورًا. وَعِنْدَ رأْسِهِ أُهُبًا مُعَلَّقَةً

ــ

(ثم آخذ ثوبي فأخرج) فالمضارع هنا بمعنى الماضي أي ثم بعدما سمعت كلام الأنصاري أخذت ثوبي فخرجت من منزلي (حتى جئت) ونزلت المدينة، قال النووي: فيه استحباب التجمل بالثوب والعمامة ونحوهما عند لقاء الأئمة والكبار احترامًا لهم (فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم معتزل عن نسائه (في مشربة) وغرفة (له يرتقى) ويصعد (إليها بعجلة) أي بدرجة من جذع النخل، ويروى بعجلتها بالإضافة إلى ضمير المشربة وبعجلها بحذف التاء وبالإضافة وكله صحيح وأجوده ما كان بالتاء من غير إضافة (وغلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي عبد (أسود) حارس واقف (على رأس الدرجة) أي على أعلاها (فقلت) له؛ أي لذلك الغلام قل لرسول الله صلى الله عليه وسلم (هذا) الحاضر (عمر) ليأذن لي في الدخول عليه فأخبره (فأذن لي) بالبناء للمجهول أي فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدخول عليه (قال عمر): فدخلت عليه صلى الله عليه وسلم (فقصصت) أي أخبرت (على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث) الذي جرى بيني وبين الأنصاري وبين أزواجه (فلما بلغت حديث أم سلمة) وقصتها (تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه) أي والحال إنه صلى الله عليه وسلم (لـ) مضطجع (على حصير ما بينه) صلى الله عليه وسلم (وبينه) أي وبين ذلك الحصير (شيء) من البساط (وتحت رأسه وسادة) أي مخدة (من أدم) أي من جلد مدبوغ وهو على ما قاله المجد اسم جمع للأديم (حشوها) أي حشو تلك الوسادة (ليف) أي لحيُ النخل (وإن عند رجليه قرظًا مضبورًا) بالضاد المعجمة أي مجموعًا منضدًا من ضبر الكتب من باب ضرب إذا جعلها في حزمة، قال النووي: وقع في بعض الأصول مضبورًا بالضاد المعجمة، وفي بعضها بالمهملة وكلاهما صحيح أي مجموعًا (وعند رأسه أُهبًا معلقة)

ص: 239

فَرَأَيتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَبَكَيتُ. فَقَال: "مَا يُبْكِيكَ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ. وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ؟ فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا وَلَكَ الآخِرَةُ؟ ".

3573 -

(00)(00) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. أَخبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيدِ بْنِ حُنَينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قال: أَقْبَلْتُ مَعَ عُمَرَ

ــ

بفتح الهمزة والهاء وبضمهما لعان مشهورتان جمع إهاب وهو الجلد قبل الدباغ وقيل الجلد مطلقًا اهـ نووي، والضبط الثاني قياس مثل كتاب وكتب بخلاف الأول، بل قال بعضهم كما في المصباح ليس في كلام العرب فعال يُجمع على فعل بفتحتين إلَّا إهاب وأهب وعماد وعمد اهـ من بعض الهوامش، قال عمر:(فرأيت أثر الحصير) أي أثر خيوطه (في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت) لذلك (فقال) لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يبكيك؟ ) يا عمر (فقلت) له: (يا رسول الله إن كسرى) ملك فارس (وقيصر) ملك الروم (فيما هما فيه) من زخارف الدنيا مع كفرهما (وأنت رسول الله) وصفيّه على هذا الحصير (فقال) لي (رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولك الآخرة) هكذا هو في الأصول (ولك في الآخرة) وفي بعضها لهم في الدنيا وفي أكثرها لهما بالتثنية وأكثر الروايات في غير هذا الموضع لهم الدنيا ولنا الآخرة وكله صحيح.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:

3573 -

(00)(00)(حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الأنصاري الحصري، ثقة، من (10)(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، عن (8)(أخبرني يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، ثقة، من (5)(عن عبيد بن حنين) المدني، ثقة، من (3)(عن ابن عباس) رضي الله عنهما. وهذا السند عن سداسياته، غرضه بيان متابعة حماد بن سلمة لسليمان بن بلال (قال) ابن عباس:(أقبلت) أي رجعت (مع عمر) من مكة إلى المدينة بعد فراغنا من

ص: 240

حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِطولِهِ. كَنَحْو حَدِيثِ سُلَيمَانَ بْنِ بِلالٍ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: قُلْتُ: شَأنُ الْمَرْأَتَينِ؟ قَال: حَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ. وَزَادَ فِيهِ: وَأَتَيتُ الْحُجَرَ فَإِذَا فِي كُلِّ بَيتٍ بُكَاءٌ. وَزَادَ أَيضًا: وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا. فَلَمَّا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَزَلَ إِلَيهِنَّ

ــ

الحج (حتى إذا كنا بمر الظهران) وفي القاموس: هو واد قريب إلى مكة (وساق) أي ذكر حماد بن سلمة (الحديث) السابق (بطوله كنحو حديث سليمان بن بلال) الكاف بمعنى مثل، ونحو مقحم بدليل الاستثناء بعده؛ أي وساق حماد الحديث المذكور حالة كونه مثل حديث سليمان بن بلال لفظًا ومعنى (غير أنه) هذا استثناء من المماثلة أي لكن أن حماد بن سلمة (قال) في روايته قال ابن عباس:(قلت) لعمر بن الخطاب: (شأن المرأتين) اللتين تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم من هما، ولفظ شأن مقحم أيضًا بدليل الجواب المذكور بعده، يعني ما شأن المرأتين، وقد صرح في بعض النسخ بما الاستفهامية كما في حاشية الشيخ محمد دهني على صحيح مسلم [1/ 679] اهـ من التكملة (قال) عمر: هما (حفصة وأم سلمة) والراجح ما في الرواية السابقة من أنهما حفصة وعائشة لأنه رواية الأكثر اهـ من الأبي (وزاد) حماد بن سلمة (فيه) أي في الحديث أي زاد على سليمان بن بلال قول عمر (وأتيت الحجر) أي بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (فإذا في كل بيت) من بيوتهن (بكاء) لظنهن أن النبي صلى الله عليه وسلم طلّقهن، والحجر بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة، والحجرة في اللغة الغرفة وحظيرة الإبل وتُجمع على حجرات أيضًا كما في القاموس يعني بها بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله:(في كل بيت بكاء) لما كانت الأزواج فيه من الحزن الشديد بسبب اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم إياهن اهـ تكملة (وزاد) حماد أيضًا أي كما زاد ما مر أي زاد على سليمان بن بلال لفظة (وكان) النبي صلى الله عليه وسلم (آلى منهن شهرًا) أي حلف أن لا يدخل عليهن شهرًا، وليس هو من الإيلاء المعروف في اصطلاح الفقهاء وليس له حكلمه لأن الإيلاء عندهم هو الحلف على الامتناع من وطء زوجته مطلقًا أو مدة تزيد على أربعة أشهر، وأحكامه مبسوطة في كتبهم، وإيلاء النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه هو الحلف على أن لا يدخل عليهن شهرًا لا على الوطء لأن الإيلاء لغة مطلق الحلف (فلما كان) اعتزاله كمل (تسعًا وعشرين) ليلة (نزل) من مشربته ورجع (إليهن)

ص: 241

3574 -

(00)(00) وحدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ) قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. سَمِعَ عُبَيدَ بْنَ حُنَينٍ (وَهُوَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ) قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَينِ اللَّتَينِ تَظَاهَرَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَلَبِثْتُ سَنَةً مَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا. حَتَّى صَحِبْتُهُ إِلَى مَكَّةَ. فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ذَهَبَ

ــ

مبتدئًا بعائشة رضوان الله تعالى عليهن جُمع. يعني حلف على عدم قربانهن ولم يكن ذلك إيلاء بحسب اصطلاح الفقهاء فإنه لا يكون لأقل من أربعة أشهر وإنما كان ذلك يمينًا كسائر الأيمان وإطلاق لفظ الإيلاء عليه في الحديث إطلاق لغوي.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:

3574 -

(00)(00)(وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب واللفظ لأبي بكر قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني (سمع عبيد بن حنين) المدني العدوي مولاهم، وقوله:(وهو مولى العباس) بن عبد المطلب، قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ مولى العباس قالوا: وهذا قول سفيان بن عيينة، قال البخاري: لا يصح قول ابن عيينة هذا، وقال مالك: هو مولى آل زيد بن الخطاب، وقال محمد بن جعفر بن أبي كثير: هو مولى بني زريق، قال القاضي وغيره: الصحيح عند الحفاظ وغيرهم في هذا قول مالك اهـ (قال) عبيد بن حنين (سمعت ابن عباس يقول: كنت أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سفيان بن عيينة لسليمان بن بلال، وقوله: (على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا هو في جميع النسخ، إنما قال ابن عباس: تظاهرتا على عهده ولم يقل تظاهرتا عليه تأدبًا منه مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرًا لهما، والمراد تظاهرتا عليه في عهده كما قال تعالى: {وَإِنْ تَظَاهَرَا} وقد صرّح في سائر الروايات بأنهما تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاده النووي نقلًا عن القاضي، قال ابن عباس: (فلبثت سنة) كاملة، حالة كوني (ما أجد) أي لا أجد (له موضعًا) أخلو به فيه لسؤالي له في الخلوة (حتى صحبته) في سفري معه (إلى مكة) للحج (فلما كان) عمر (بمر الظهران) قافلًا من حجه (ذهب) عمر أي عدل عن

ص: 242

يَقْضِي حَاجَتَهُ. فَقَال: أَدْرِكنِي بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيتُهُ بِهَا. فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَرَجَعَ ذَهَبتُ أَصُبُّ عَلَيهِ. وَذَكَرْتُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ! مَنِ الْمَرْأَتَانِ؟ فَمَا قَضَيتُ كَلامِي حَتَّى قَال: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ.

3575 -

(00)(00) وحدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ (وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ)(قَال ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا. وَقَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَال: لَمْ أَزَل حَرِيصًا

ــ

الطريق لـ (يقضي حاجته) حاجة الإنسان (فقال) عمر: (أدركني) يا ابن عباس (بإداوة) أي بمطهرة (من ماء) لأتوضأ بها، ليس المراد أن يأتي ابن عباس بالماء ليستنجي به عمر رضي الله عنهم، وإنما ذهب عمر رضي الله عنه لقضاء حاجته وبعث ابن عباس ليأتي بالماء لوضوئه في أثناء ذلك واستنجى عمر بالحجارة وهو المراد بقول ابن عباس في الرواية الآتية (عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرّز ثم أتاني فسكبت) الخ ومن ثم قال الحافظ [9/ 255]: وفيه إيثار الاستجمار في الأسفار وإبقاء الماء للوضوء (فأتيته) أي أتيت عمر (بها) أي بالإداوة (فلما قضى حاجته ورجع) إليّ (ذهبت) أي شرعت (أصب عليه) الماء ليتوضأ (وذكرت) له سؤالي الذي لم أتمكن منه سنة كاملة (فقلت له) في سؤالي (يا أمير المؤمنين من المرأتان؟ ) اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم (فما قضيت كلامي) ولا أتممت سؤالي (حتى قال) لي: هما (عائشة وحفصة) رضي الله تعالى عنهما.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث عمر رضي الله عنه فقال:

3575 -

(00)(00)(وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) المروزي (ومحمد) بن يحيى (ابن أبي عمر) العدني المكي (وتقاربا في لفظ الحديث قال ابن أبي عمر: حدثنا، وقال إسحاق: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور) القرشي النوفلي التابعي المدني، الثقة، روى عن ابن عباس في الطلاق، وليس له عن ابن عباس غير هذا الحديث، وصفية بنت شيبة، ويروي عنه (ع) والزهري، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا) أي شديد الرغبة في

ص: 243

أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأتينِ مِنْ أَزْوَاج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم اللَّتَينِ قَال اللهُ تَعَالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]. حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيق عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلْتُ مَعَة بِالإِدَاوَةِ. فَتَبَرَّزَ. ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيهِ. فَتَوَضَّأَ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ! مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اللَّتَانِ قَال اللهُ عز وجل لَهُمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]؟ قَال عُمَرُ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ (قَال الزُّهْرِيُّ: كَرِهَ، وَاللهِ! مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمُهُ) قَال: هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ

ــ

(أن أسأل عمر) بن الخطاب رضي الله عنه. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور لعبيد بن حنين (عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى) فيهما:({إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا})[التحريم: 4] وقوله: (حتى حج عمر) غاية لمحذوف تقديره أي كنت حريصًا على سؤال عمر عنهما فلم أتمكن من سؤاله حتى حج عمر (وحججت معه فلما كنا) ععمر (ببعض الطريق) يعني بمر الظهران كما هو مصرح في الرواية السابقة (عدل عمر) عن الطريق المسلوك لقضاء حاجته (وعدلت معه) ملتبسًا (بالإداوة) أي بالمطهرة ليتوضأ بها (فتبرّز) عمر أي قضى حاجته، يقال تبرّز إذا أتى اليراز يفتح الباء وهو كما في المصباح الصحراء البارزة، ثم كُني به عن النجو كما كُني عن الغائط فقيل تبرز كما قيل تغوّط (ثم أتاني فسكبت) أي صببت (على يديه) الماء (فتوضأ فقلت) له (يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله عز وجل لهما {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} فـ (قال) لي (عمر واعجبًا) بالتنوين اسم فعل بمعنى أعجب كقوله (واهًا) ويجوز تركه لأن الأصل فيه: واعجبي فأُبدلت الكسرة فتحة فصارت الياء ألفًا كقوله يا أسفا، ويا حسرتا، وفي رواية لمعمر واعجبي (لك يا ابن عباس) أي كيف خفي عليك هذا القدر مع حرصك على طلب العلم اهـ من الإرشاد (قال الزهري) بالسند السابق، وإنما قال: واعجًا لك لأنه (كره والله ما سأله عنه) ابن عباس (و) لكن (لم يكتمه) أي لم يكتم عمر عن ابن عباس ما سأله عنه فأجابه فـ (قال) عمر في جواب سؤاله (هي) أي القصة هما (حفصة وعائشة) رضي الله تعالى عنهما، أراد الزهري أن يبين منشأ قول عمر واعجبًا لك يا ابن عباس فقال: إنه كره هذا السؤال لما كان يتضمن جوابه نوع شين على ابنته حفصة

ص: 244

ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ. قَال: كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيشٍ، قَوْمًا نَغلِبُ النِّسَاءَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ. فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ. قَال: وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيدٍ، بِالْعَوَالِي. فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي. فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي. فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي

ــ

ولكنه لم يكتم جوابه ديانة منه رضي الله عنه، ولكن القرطبي استبعد قول الزهري لأن عمر أوصاه في نفس الحديث بأن يسأله عما يشاء ولا يمنعه من ذلك الحياء والمهابة فكيف يكره عمر هذا السؤال، والأصح أنه رضي الله عنه إنما تعجب من ابن عباس كيف خفي عليه هذا القدر مع شهرته في علم التفسير وعظيم موقعه في نفس عمر ومع كونه حريصًا على العلم.

وعبارة القرطبي: هنا (قولا عمر واعجبًا لك يا ابن عباس) فهم الزهري من هذا التعجب إنكار عمر لما سأله عنه، وفيه بعد، ويمكن أن يقال إن تعجبه إنما كان لأنه استبعد أن يخفى مثل هذا على مثل ابن عباس مع مداخلته لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وشهرة هذه القصة وشدة حرصه هو على سماع الأحاديث وكثرة حفظه وغزارة علمه، ولما كان في نفس عمر من ابن عباس فإنه كان يعظمه ويقدمه على كثير من مشايخ الصحابة كما اتفق له معه إذ سأله عن قوله تعالى:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)} والقصة مشهورة اهـ من المفهم (ثم) بعد جوابه (أخذ) أي شرع عمر (يسوق) أي يذكر (الحديث) أي تمامه إلى آخر القصة التي كانت سبب نزول الآية المسؤول عنها، فـ (قال) عمر:(كنا) أخص (معشر قريش) وجملة الاختصاص معترضة أي كنا ونحن بمكة قومًا نغلب النساء أي قومًا يغلبون النساء أي نحكم عليهن ولا يحكمن علينا، ففيه التفات (فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم) ويحكمن عليهم يعني الأنصار (فطفق نساؤنا) أي شرعن (يتعلمن من نسائهم) عادتهن وسيرتهن يعني غلبة الرجال وولاية أمرهم فجعلن يكلمننا ويراجعننا (قال) عمر:(وكان منزلي) وداري في منازل (بني أمية بن زيد) أي وسطها، حالة كونها (بالعوالي) موضع قريب بالمدينة أي في مواضعهم بالعوالي فسميت البقعة باسم من نزلها كذا في عمدة القاري وبنو أمية فرع من أوس كذا يؤخذ من الفتح، وفي الإرشاد: والعوالي قرية من قرى المدينة مما يلي الشرق وكانت منازل الأوس (فتغضبت) أي غضبت (يومًا) من الأيام (على امرأتي) زينب بنت مظعون لأمر غضبت منه (فإذا هي تراجعني) أي تراددني في الكلام (فأنكرت) عليها (أن تراجعني) في

ص: 245

فَقَالتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ، إِنَّ أزوَاجَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَيُرَاجِعْنَهُ. وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيلِ. فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ. فَقُلْتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالت: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيلِ؟ قَالت: نَعَمْ. قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فعَلَ ذلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ. أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم. فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ. لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيئًا. وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ. وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَت جَارَتُكِ

ــ

القول (فقالت) لي: (ما تنكر) أي أي شيء تنكر من (أن أُراجعك) في الكلام أي أي شيء من مراجعتي إياك تراه منكرًا، ورواية البخاري (ولم تنكر) على (أن أراجعك)(فوالله أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه) بكسر الجيم وسكون العين وفتح النون (وتهجره) صلى الله عليه وسلم في الكلام (إحداهن اليوم) أي طوال اليوم (إلى الليل) وفي رواية عبيد بن حنين (وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان) كما مرت، قال عمر:(فانطلقت) أي ذهبت ونزلت من العوالي إلى المدينة (فدخلت على حفصة فقلت) لها: (أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكلام، والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري (فقالت) حفصة: (نعم) أراجعه في الكلام وأغاضبه (فقلت: أتهجره) صلى الله عليه وسلم (إحداكن اليوم) بالنصب على الظرفية (إلى الليل) وتقعد مفارقة له في بيتها بلا عذر (قالت) حفصة: (نعم) تهجره، قال عمر: فـ (قلت) لها: (قد خاب) في الدنيا (من فعل ذلك) الهجران (منكن) برسول الله صلى الله عليه وسلم (وخسر) الآخرة (أ) تفعلن ذلك الهجران (فتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا هي) أي إحداكن (قد هلكت) في الدنيا والآخرة، يا بنية (لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكلام (ولا تسأليه شيئًا) من المال لا كثيرًا ولا قليلًا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عنده دنانير ولا دراهم (وسليني ما بدا) وعرض (لك) من حاجة (ولا يغرنك) بتشديد الراء والنون أي لا يخدعنك يا بنية (أن كانت جارتك) أي ضرتك أو على حقيقته لأنها كانت مجاورة لاصقة لها، والعرب تطلق على الضرة جارة لتجاورهما المعنوي لكونهما عند شخص واحد وإن لم يكن حسيًا، وقال القرطبي: اختار عمر تسميتها جارة تأدبًا من أن يضاف

ص: 246

هِيَ أَوْسَمُ وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْكِ (يُرِيدُ عَائِشَةَ). قَال: وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الأَنْصَارِ. فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا. فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيرِهِ. وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذلِكَ. وَكُنَّا

ــ

لفظ الضرر إلى أحد من أمهات المؤمنين كذا في الفتح (هي أوسم) أي لا تغِرْن بأن كان جارتك أوسم أي أجمل وأحسن منك (وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك) أي وأكثر محبوبية منك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوسم اسم تفضيل من الوسامة وهي العلامة والمراد أجمل كأن الجمال وسمها أي أعلمها بعلامة، ولفظ البخاري (أوضأ) بدل أوسم من الوضاءة وهو الحسن والبهجة، والمعنى لا تغتري بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه فإنها تُدِلُّ بجمالها وحبِّ النبي صلى الله عليه وسلم إياها فلا تغتري بذلك لاحتمال أن لا تكوني عنده في تلك المنزلة كذا في فتح الباري، وقوله:(يريد) عمر بالجارة (عائشة) رضي الله تعالى عنها، كلام مدرج من الراوي يعني أن مراد عمر بالجارة التي وصفها بالوسامة والأحبية إليه صلى الله عليه وسلم عائشة الصدّيقة، وفي إعراب أوسم وأحب كما في شروح البخاري وجهان النصب والرفع وحاصل المعنى لا تغتري يا حفصة بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه فإن لها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحظوة والمنزلة ما ليس لك فلا يؤاخذها النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعلت ما نهيتك عنه فإنها تدل بجمالها ومحبته صلى الله عليه وسلم إياها اهـ من الإرشاد بزيادة (قال) عمر (وكان لي) بالعوالي (جار من الأنصار) سماه ابن القسطلاني عتبان بن مالك، والصحيح أنه أوس بن خولي بن عبد الله بن الحارث الأوسي حكاه الحافظ عن ابن سعد [9/ 244](فكنا) أي كنت أنا وذلك الجار (نتناوب النزول) أي نتعاقب النزول من العوالي (إلى) المدينة عند (رسول الله صلى الله عليه وسلم والتناوب أن تفعل الشيء مرة ويفعل الآخر مرة أخرى وفسر التناوب بقوله أي (فينزل) ذلك الجار إلى المدينة (يومًا وأنزل) أنا يومًا آخر لئلا يفوتنا خبر ما حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم من الوحي وغيره كما بينه بقوله (فيأتيني) ذلك الجار (بخبر) ما حدث في ذلك اليوم من (الوحي وغيره) كوفود الوفد وهجوم العدو وبعث البعوث وتدوم السرية (وآتيه) أي وآتي أنا ذلك الجار (بمثل ذلك) أي بمثل ما يأتيني به في يومه من الوحي وغيره (وكنا) معاشر

ص: 247

نَتَحَدَّثُ؛ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الخَيلَ لِتَغزُوَنَا. فَنَزَلَ صَاحِبِي. ثُمَّ أَتَانِي عِشَاءً فَضَرَبَ بَابِي. ثُمَّ نَادَانِي. فَخَرَجْتُ إِلَيهِ. فَقَال: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَاذَا؟ أَجَاءَت غَسَّانُ؟ قَال: لَا. بَل أَعْظَمُ مِنْ ذلِكَ وَأَطْوَلُ. طَلَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ. فَقُلْتُ: قَدْ خَابَت حَفْصَةُ وَخَسِرَت. قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هذَا كَائِنًا. حَتَّى إِذَا صَلَّيتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي. ثُمَّ نَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي

ــ

المسلمين (نتحدث) فيما بيننا (أن غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة أي أن قبيلة غسان وملكهم الحارث بن أبي شمر (تنعل الخيل) بضم الفوقية وكسر العين المهملة، أي يجعلون لخيولهم نعالًا (لتغزونا) والمراد التهيؤ للقتال، وفي كتاب اللباس من البخاري (وكان من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقام له فلم يبق إلَّا ملك غسان بالشام وكنا نتخوف أن يأتينا) (فنزل صاحبي) الأنصاري في يومه من العوالي إلى المدينة (ثم أتاني) أي جاءني من المدينة إلى العوالي (عشاء) أي أوائل الليل (فضرب) أي طرق (بابي) طرقًا شديدًا ليخبرني بما حدث عند النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي وغيره على العادة (ثم ناداني) بأرفع الصوت لما أبطأت عن إجايته فقال: أثم هو؟ أي في البيت عمر وكأنه ظن أنه خرج من البيت (فخرجت إليه) فقلت له ما الخبر؟ (فقال) لي: (حدث) اليوم (أمر عظيم) فـ (قلت) له: (ماذا) أي ما الذي حدث؟ (أجاءت غسان؟ قال لا) أي ما جاءت غسان (بل) حدث أمر (أعظم من ذلك) أي من مجيء غسان (وأطول) منه أي أشد من ذلك، وفي رواية البخاري في النكاح (وأهول) أي أفزع منه لأنه (طلّق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه) أي وحفصة منهن، فهو أهول بالنسبة إلى عمر لأجل ابنته يعني اعتزلهن، قال عمر:(فقلت: قد خابت حفصة وخسرت) إنما خصها بالذكر لمكانتها منه (قد كنت) أولًا (أظن هذا) الطلاق (كائنًا) أي حاصلًا لأن مراجعتهن قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة، ففزعت من ذلك وأخذني الهم وجلست في بيتي (حتى إذا) طلع الفجر (صليت الصبح) في بيتي منفردًا في أول وقتها ثم بعد فراغي من الصلاة (شددت علي ثيابي) وفي رواية البخاري (فجمعت علي ثيابي) أي ليستها جميعًا (ثم نزلت) إلى المدينة (فدخلت على حفصة وهي تبكي) لِما اجتمع عندها من الحزن على فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما تتوقعه من شدة غضب أبيها عليها، وقد قال لها فيما أخرجه ابن مردويه (والله إن كان طلقك لا أكلمك أبدًا) كما في فتح الباري.

ص: 248

فَقُلْتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالتْ: لَا أَدْرِي. هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هذِهِ المَشرُبَةِ، فَأَتَيتُ غُلامًا لَهُ أَسْوَدَ. فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ. فَقَال: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ. فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ. فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ. فَجَلَسْتُ قَلِيلًا. ثُمَّ غَلَبنِي مَا أَجِدُ. ثُمَّ أَتَيتُ الْغُلامَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ. فَقَال: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ

ــ

(قلت): والظاهر من رواية مسلم صلاته الفجر في بيته بالانفراد في غير لباسه المعتاد ثم نزوله إلى المدينة والمذكور في صحيح البخاري نزوله متلبسًا وصلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم فبين الروايتين معارضة.

(قلت): يُجمع بينهما بأنه صلى في بيته أولًا في أول وقتها ثم نزل إلى المدينة فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فصلى معه ثم دخل على حفصة رضي الله تعالى عنهما اهـ ما ظهر للفهم السَّقيم.

(فقلت) لها: (أطلّقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا أدري؟ ) ولا أعلم أطلّقنا أم لا؟ ولكن (ها) أي انتبه واستمع ما أقول لك: (هو) صلى الله عليه وسلم هـ (إذا) الحاضر (معتزل) عنا (في هذه المشربة) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتحها أي في هذه الغرفة، قال عمر:(فأتيت غلامًا له) صلى الله عليه وسلم (أسود) يسمى رباحًا كان بوابًا له (فقلت) للغلام: (استأذن)، النبي صلى الله عليه وسلم (لعمر) في الدخول عليه (فدخل) الغلام على النبي صلى الله عليه وسلم (ثم خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له) صلى الله عليه وسلم (فصمت) أي سكت عني فلم يرد عليّ جوابًا، قال عمر:(فانطلقت) أي ذهبت من عند الغلام ودخلت المسجد النبوي ومشيت في نواحيه (حتى انتهيت) ووصلت (إلى المنبر فجلست) عنده (فإذا عنده) أي عند المنبر (رهط) وقوم (جلوس يبكي بعضهم) لأجل اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، لم يقف الحافظ ابن حجر على أسمائهم (فجلست) معهم كما في رواية البخاري أي مع الرهط جلوسًا (قليلًا ثم غلبني ما أجد) وأرى من اعتزاله صلى الله عليه وسلم نساءه ومنهن حفصة، وفيه أن الغضب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التأني المألوف قاله الحافظ (ثم أتيت الغلام) ورجعت إليه (فقلت) له:(استأذن لعمر فدخل) الغلام على النبي صلى الله عليه وسلم (ثم خرج إليّ فقال) الغلام (قد ذكرتك له) صلى الله عليه

ص: 249

فَصَمَتَ. فَوَلَّيتُ مُدْبِرًا. فَإِذَا الْغُلامُ يَدْعُونِي. فَقَال: ادْخُل. فَقَدْ أَذِنَ لَكَ. فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ. قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ. فَقُلْتُ: أَطَلَّقْتَ، يَا رَسُولَ اللهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَقَال:"لَا" فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ، لَوْ رَأَيتَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيشِ، قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءِ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ. فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ

ــ

وسلم (فصمت) عني، قال عمر:(فوليت) أي ذهبت من عند الغلام، حالة كوني (مدبرًا) أي جاعلًا دبري وظهري إليه (فإذا الغلام يدعوني) أي يناديني أي ففاجأني نداء الغلام (فقال) الغلام:(ادخل) على رسول الله صلى الله عليه وسلم (فـ) إنه (قد أذن لك) في الدخول عليه، قال عمر:(فدخلت) المشربة (فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو) صلى الله عليه وسلم (متكئ) أي مضطجع كما هو رواية البخاري (على رمل حصير) أي على سرير حصير بفتح الراء وسكون الميم، وفي رواية البخاري (على رمال حصير) بكسر الراء وتضم أي على سرير مرمول أي منسوج بما يُرمل به أي ينسج به الحصير من الخيوط المتداخلة فيه ورمال الحصير ضلوعه المتداخلة فيه كالخيوط في الثوب اهـ من الإرشاد، و (قد أثر) الرمال كما هو رواية البخاري أي ظهر أثرها (في جنبه) الشريف، قال عمر:(فقلت) له صلى الله عليه وسلم: وأنا قائم كما هو رواية البخاري (أطلّقت) أي هل طلقت (يا رسول الله نساءك فرفع رأسه إليّ) وكان متكئًا على وسادة من أدم حشوها ليف كما في البخاري (وقال) لي: (لا) أي ما طلقتهن (فقلت: الله أكبر) تعجبًا مما أخبرني به الأنصاري من التطليق جازمًا به أو قاله حامدًا لله تعالى على ما أنعم به عليه من عدم وقوع الطلاق، وفي حديث أم سلمة عند ابن سعد (فكبر عمر تكبيرة سمعناها ونحن في بيوتنا، فعلمنا أن عمر سأله: أطلقت نساءَك؟ فقال: لا، فكبر حتى جاءنا الخبر بعد) كذا في الفتح، ثم قال عمر:(لو رأيتنا يا رسول الله) ونحن بمكة (و) قد (كنا) أخص (معشر قريش قومًا) خبر كان (نغلب النساء) صفة قومًا، وجواب لو محذوف تقديره لرأيت أمرًا عجيبًا أو هي للتمني لا جواب لها (فلما قدمنا) من مكة (المدينة وجدنا قومًا) من الأنصار (تغلبهم نساؤهم) ويحكمن عليهم (فطفق نساؤنا) نساء قريش بفتح الطاء المهملة وكسر الفاء وتفتح أي جعل أو أخذ أي شرع نساؤنا (يتعلمن

ص: 250

مِنْ نِسَائِهِمْ. فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا. فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي. فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي. فَقَالت: مَا تُنْكِرُ أنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ، إِنَّ أَزْواجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيُرَاجِعْنَهُ. وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيلِ. فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ. أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغضَبَ اللهُ عَلَيهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم. فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَت؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْكِ. فَتَبَسَّمَ

ــ

من) دأب (نسائهم) وسيرتهن فجعلن يكلمننا ويراجعننا (فتغضبت على امرأتي) زينب بنت مظعون أي غضبت عليها لأمر يوجب الغضب عليها (يومًا) من الأيام (فإذا هي تراجعني) أي تراددني في القول (فأنكرت) عليها (أن تراجعني) في الكلام (فقالت) لي (ما تنكر أن أراجعك) يا ابن الخطاب؛ أي أي شيء أنكرت من مراجعتي إياك فهل استغربتها (نوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه) في الكلام فضلًا عني وعنك (وتهجره) صلى الله عليه وسلم (إحداهن اليوم) كله (إلى) دخول (الليل).

قال عمر: (فقلت) لزوجتي: (قد خاب) وحُرم مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم (من فعل ذلك) الهجر (منهن وخسر) عند الله تعالى بغضبه عليها لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم (أ) أتفعلنَ ذلك (فتأمن إحداهن أن يغضب الله) تعالى (عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا هي) أي تلك الإحدى (قد هلكت) بعقوبة الله تعالى اللازمة لغضبه (فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ضحك من غير صوت، فيه أن شدة الوطأة على النساء مذموم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بسيرة الأنصار في نسائهم وترك سيرة قومه قريش قاله المهلب كما حكى عنه الحافظ.

قال عمر: (فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت) لها: (لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم) وأجمل (منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك) بالرفع فيهما على أنهما خبران لضمير المؤنث، والجملة الاسمية خبر كان وبالنصب على أنهما خبر كان ولفظة هي ضمير فصل لتوفر الشروط فيه، قال النووي: في فعل عمر هذا وملاطفته ما يقتدى به في مثله من التلطف في الكلام المباح الحسن اهـ (فتبسم)

ص: 251

أُخرَى فَقُلْتُ: أَسْتَأنِسُ. يَا رَسُولَ اللهِ، قَال:"نَعَمْ" فَجَلَسْتُ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي البيتِ. فَوَاللهِ! مَا رَأَيتُ فِيهِ شَيئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ، إِلَّا أُهَبًا ثَلاثَةً. فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ. فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ. وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ. فَاسْتَوَى جَالِسًا ثُمَّ قَال: "أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابنْ الْخَطَّابِ؟ أُولئِكَ

ــ

رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة (أخرى ققلت) له: أ (أستأنس) بتقدير همزة الاستفهام أي أأطلب منك (يا رسول الله) الإذن لي في المحادثة معك والمؤانسة بك فهل تأذن لي في ذلك (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم) أذنت لك في المؤانسة والمحادثة معي.

والظاهر من كلمة إجابته صلى الله عليه وسلم بقوله: (نعم) أن الاستئناس هنا هو الاستئذان في الإنس والمحادثة، ويدل عليه قوله:(فجلست) عنده ولا يبعد فيه تقدير الاستفهام كما قررناه، ودل الحديث على أن الإنسان إذا رأى مهمومًا وأراد إزالة همه ومؤانسته بما يشرح صدره ويكشف همه ينبغي له أن يستأذنه في ذلك لئلا يأتي بما لا يوافقه فيزيده همًا وغمًا، وهذا الاستئذان من الأدب بين يدي الأكابر والعلماء اهـ من إكمال المعلم (فـ) لما أذن لي (جلست) عنده صلى الله عليه وسلم مؤانسًا له بالمحادثة الموافقة له في إزالة غضبه (فـ) لما جلست (رفعت رأسي) لأنظر ببصري إلى ما (في البيت) والغرفة من المواعين والأمتعة، وفي رواية البخاري (فرفعت بصري في بيته) أي نظرت فيه (فوالله ما رأيت فيه) أي في البيت (شيئًا يرد البصر) أي يحمله على تكرار النظر (إلا أُهبًا) يضم الهمزة وفتح الهاء جمع أهبة أي إلَّا جلودًا (ثلاثة) لم تدبغ أو مطلقًا دُبغت أو لم تدبغ (فقلت: ادع الله) عز وجل (يا رسول الله أن يوسّع) ويبسط الرزق (على أمتك) أمة الإجابة (فقد وسّع) الله عز وجل وبسط الرزق (على فارس والروم وهم) أي والحال أنهم (لا يعبدون الله) تعالى ولا يستحقون التوسعة (فـ) لما قلت ذلك (استوى) واعتدل عن اتكائه (جالسًا) حال مؤكدة لعاملها، وكان متكئًا كما في رواية البخاري معناه لم يكن استواؤه قائمًا بل جلس مستويًا غير متكئ (ثم قال) لي (أفي شك أنت يا ابن الخطاب) أي هل أنت في شك أن التوصع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا، وفي رواية البخاري (أوَفي هذا أنت يا ابن الخطاب) بهمزة الاستفهام الإنكاري وواو العطف على مقدر بعدها، قال الكرماني: أي هل أنت في مقام استعظام التجملات الدنيوية واستعجالها يا بن الخطاب (أولئك) الفُرس والروم

ص: 252

قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا". فَقُلْتُ: اسْتَغفِرْ لِي. يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخلَ عَلَيهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيهِنَّ. حَتَّى عَاتَبَه اللهُ عز وجل.

3576 -

(1407)(167) قَال الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشةَ. قَالت: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيلَةً، دَخَلَ عَلَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. بَدَأَ بِي

ــ

(قوم) قد (عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت) له: (استغفر لي يا رسول الله) عن اعتقادي أن التجملات الدنيوية مرغوب فيها أو عن جرأتي بهذا القول بحضرتك أو عن إرادتي ما فيه مشابهة الكفار في ملابسهم ومعايشهم، وفيه كراهة سخط النعمة واحتقاره ما أنعم الله به عليه ولو قليلًا والاستغفار من وقوع ذلك وطلب الاستغفار من أهل الفضل. كذا في فتح الباري، قال القاضي: يحتج به لتفضيل الفقر لأنه يدل أنه بمقدار ما عجل من طيبات الدنيا يفوت الآخرة، وتأوله آخرون بأنه في قوم كفار ليس لهم حظ إلَّا ما نالوه في الدنيا، قال عمر:(وكان) صلى الله عليه وسلم (أقسم) أي حلف على (أن لا يدخل عليهن) أي على أزواجه (شهُرًا) كاملًا (من شدة موجدته) أي غضبه، يقال: وجدت عليه موجدة إذا غضبت عليه (عليهن) أي على أزواجه (حتى عاتبه الله عز وجل بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} أي لامه على ذلك التحريم يعني تحريم مارية أو تحريم العسل على ما سبق من الخلاف، والعتاب: لوم الحبيب حبيبه على ما لا يليق.

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عمر بحديث عائشة رضي الله عتهما فقال:

3576 -

(1407)(167)(قال الزهري) بالسند السابق يعني عن إسحاق عن عبد الرزاق عن معمر فقوله: (فأخبرني عروة عن عائشة) معطوف على قوله السابق عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس عن عمر (قالت) عائشة: (لما مضى تسع وعشرون ليلة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حالة كونه قد (بدأ بي) في القَسْم لكونه اتفق أنه كان يوم نوبتها بعد التي خرج عنها قبل اليميني أو لفضيلتها وأثرتها عنده، ويحتمل أنه ابتداء قَسْم، ويحتمل أنه ابتدأ بها ويدخل على جميعهن فيسوّي بينهن قاله القاضي عياض، وقال الأبي: ويحتمل أنه لم يحضر عند نزول الآية إلَّا هي اهـ

ص: 253

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَينَا شَهْرًا. وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعِ وَعِشْرِينَ. أَعُدُّهُنَّ. فَقَال:"إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشرُونَ" ثُمَّ قَال: "يَا عَائِشَةٌ! إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأمِرِي أَبَوَيكِ". ثُمَّ قَرَأَ عَلَى الآيَةَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} . حَتَّى بَلَغَ: {أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28 - 29]. قَالت عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ، وَاللهِ، أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالت: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ.

قَال مَعْمَرٌ:

ــ

(فقلت) له: (يا رسول الله إنك أقسمت) في مبدأ اعتزالك على (أن لا تدخل علينا شهرًا وإنك) اليوم (دخلت) علينا (من) تمام (تسع وعشرين) ليلة، وجملة قوله:(أعدّهن) ليلة ليلة صفة لتسع وعشرين (فقال) صلى الله عليه وسلم لها: (إن) هذا (الشهر) الذي أقسمت عليه (تسع وعشرون) فهي ناقصة عن ثلاثين، وقوله:(أن لا تدخل علينا شهرًا) تقدم رواية سماك أن عمر رضي الله عنه ذكّره صلى الله عليه وسلم بذلك ولا منافاة بينهما لأن في سياق حديث عمر أنه ذكره بذلك عند نزوله من الغرفة وعائشة ذكرته بذلك حين دخل عليها فكأنهما تواردا على ذلك اهـ من التكملة، قال القرطبي: قوله: (إن الشهر تسع وعشرون) ظاهره أنه دخل في أول ذلك الشهر وأنه كان تسعًا وعشرين لكن قول عائشة (أعدّهن) يدل على أنه أراد به العدد وقد تقدم استيفاء هذا المعنى في الصيام اهـ من المفهم، قال في الفتح: ومن اللطائف أن الحكمة في الشهر مع أن مشروعية الهجر ثلاثة أيام أن عدتهن كانت تسعة فإذا ضُربت في ثلاثة كانت سبعة وعشرين واليومان لمارية لكونها كانت أمة فنقصت عن الحرائر اهـ (ثم قال) لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة إني ذاكر لك أمرًا) من أموركن و (لا) في قوله (فلا عليك) زائدة أي فعليك (أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري) أي تشاوري (أبويك) أبا بكر وأم رومان (ثم قرأ عليّ) هذه (الآية) أعني قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} ، حتى بلغ) قوله:({أَجْرًا عَظِيمًا}. قالت عائشة) رضي الله تعالى عنها إنما قال لي ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم (قد علم) وأيقن (والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت) عائشة (فقلت) له: (أ) تأمرني بذلك (وفي هذا) التخيير (أستأمر أبوي) والهمزة للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف كما قررناه (فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قال معمر) بن راشد بالسند

ص: 254