الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
553 - (39) باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في اللعان بقوله: اللهم افتح، وبيان أول من لاعن وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لو رجمت أحدًا بغير بينة لرجمت هذه
3634 -
(1421)(181) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَان بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لِزُهَيرٍ)(قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله. قَال: إِنَّا، لَيلَةَ الْجُمُعَةِ، فِي الْمَسْجِدِ. إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ
ــ
553 -
(39) باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في اللعان بقوله: اللهم افتح، وبيان أول من لاعن وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لو رجمت أحدًا بغير بينة لرجمت هذه
3634 -
(1421)(181)(حدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (وعثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (واللفظ لزهير قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (عن الأعمش عن إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي (عن علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة مخضرم من (2)(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله عنه. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون أو خمسة منهم كوفيون وواحد إما نسائي أو مروزي.
(قال) عبد الله بن مسعود: (إنا ليلة الجمعة في المسجد) النبوي أي إنا جالسون في المسجد في أوائل ليلة الجمعة كذا في نسخ صحيح مسلم، ووقع عند أبي داود (إنا لليلة جمعة) بزيادة لام التأكيد على الليلة، وحذف لام التعريف من الجمعة، وفي رواية المحاربي عند أحمد (بينا نحن في المسجد ليلة الجمعة) وفي رواية أبي عوانة عنده (كنا جلوسًا عشية الجمعة في المسجد) اهـ تكملة، ورواية المحاربي هي المناسبة لقوله:(إذ جاء رجل من الأنصار) لأن إذ هنا فجائية رابطة لجواب بينا لفظًا أو مقدرًا أي بينا أوقات جلوسنا في المسجد فاجأنا مجيء (رجل من الأنصار) كذا وقع مبهمًا في جميع الروايات، واستظهر صاحب البذل أنه عويمر العجلاني والأظهر عندي أنه هلال بن أمية لأن سياق هذا الحديث يناسب سياق قصة هلال فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم
فَقَال: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ؛ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيظٍ. وَاللهِ! لأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ. فَقَال: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيظٍ. فَقَال:"اللَّهُمَّ! افْتَحْ" وَجَعَلَ يَدْعُو. فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ} ،
ــ
افتح" إنما روي في قصة هلال ولم يرو في قصة عويمر مثل ذلك، وإنما قال له صلى الله عليه وسلم: "قد نزل فيك وفي صاحبتك .. " الخ كما سبق في حديث سهل بن سعد، ثم قد زاد أحمد من طريق أبي عوانة في آخر الحديث (قال فكان الرجل أول من ابتلي به) وهذا عين ما ذكروه في قصة هلال كما سيأتي في حديث ابن عباس والله أعلم (فقال) الرجل الأنصاري لنا معاشر الجالسين (لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا) يزني بها (فتكلم) أي باح وأظهر بما رآه من زناها (جلدتموه) لحد القذف (أو قتل) الرجل الذي رآه (قتلتموه) للقصاص (وإن سكت) عنها (سكت على غيظ) وغضب عليها وبغض لها (والله لأسألن عنه) أي عن حكم من وجد امرأته تزني (رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان) ذلك الرجل (من الغد) أي في الغد وهو اليوم الذي بعد يومك أو ليلتك وهو يوم الجمعة (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله) عن حكمه، وقوله: (فقال) ذلك الرجل عطف تفسير للسؤال (لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا) يزني بها (فتكلم) فيها (جلدتموه أو قتلـ) ـه عليها (قتلتموه) للقصاص (أو سكت سكت على غيظ) وحقد لها (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم افتح) أي بيّن لنا الحكم في هذا الأمر المسؤول عنه، قال الخطابي في معالمِ السنن: معناه اللهم احكم أو بيّن الحكم فيه، والفتاح الحاكم، ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ يَفْتَحُ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} قلت: وقد وقع هكذا مفسرًا في رواية أبي عوانة عند أحمد بلفظ "اللهم احكم" وقال النووي: معناه اللهم بين لنا الحكم في هذا اهـ. وقال القرطبي: معناه "اللهم بين لنا في هذه الواقعة" (وجعل) النبي صلى الله عليه وسلم أي شرع (يدعو) الله سبحانه وتعالى بيان هذه الواقعة (فنزلت آية اللعان) يعني قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ} وقوله: (والذين يرمون إلخ) بدل محكي عن قوله آية اللعان، ويجوز قطعه إلى النصب
هذِهِ الآيَاتُ. فَابْتُلِيَ بِهِ ذلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَينِ النَّاسِ. فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَتَلاعَنَا. فَشَهِدَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ لَعَنَ الْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. فَذَهَبَتْ لِتَلْعَنَ. فَقَال لَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَهْ" فَأَبَتْ فَلَعَنَتْ. فَلَمَّا أَدْبَرَا قَال: "لَعَلَّهَا
ــ
كما قدرناه، وقوله:(هذه الآيات) بالرفع بدل ثان من آية اللعان (فابتلي به) أي بوجدان امرأته مع رجل يزني بها (ذلك الرجل) الأنصاري الذي سأل الجالسين ثم النبي صلى الله عليه وسلم (من بين الناس) وسياق الكلام يدل على أنه لم ير ذلك عيانًا حين السؤال عنه، قال الأبي: قال ابن العربي: هذا من البلاء الموكل بالمنطق اهـ (فجاء هو) أي ذلك الرجل السائل (وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا فشهد الرجل) أي حلف (أربع شهادات) أي أربع أيمان (بالله إنه لمن الصادقين) فيما رماها به (ثم لعن) أي الرجل (الخامسة) أي دعا اللعنة على نفسه في المرة الخامسة بقوله: (أن لعنة الله عليه) أي على نفسه (إن كان من الكاذبين) عليها فيما رماها به (فذهبت) المرأة أي قصدت (لتلعن) أي أن تلعن أبي أن تأتي بكلمات اللعان الأربع ثم بالخامسة فاللام زائدة (فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: منه) هي كلمة زجر وكف ومنع أي كفي نفسك وانتهي عمّا تريدينه من اللعان واعترفي بالحق فإن عذاب الدنيا الذي هو الرجم أهون من عذاب الآخرة، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم غلب على ظنه كذبها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث:(لعلها أن تجيء به أسود جعدًا) يعني على خلاف شبه صاحب الفراش فجاءت به كما وصف صلى الله عليه وسلم وقد ورد في قصة هلال في حديث ابن عباس عند البخاري وأبي داود وغيره أن المرأة تلكأت (توقفت) بعد ذلك ونكصت حتى ظن الصحابة أنها سترجع ولكنها قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره:"لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن".
(فأبت) أي امتنعت من الانزجار (فلعنت) أي شهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين عليها، ثم لعنت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (فلما أدبرا) وذهبا أي المتلاعنان (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لعلها) أي لعل هذه المرأة
أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا" فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا.
3635 -
(00)(00) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيمَانَ جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ. نَحْوَهُ
ــ
(أن تجيء به) أي بالولد أي أن تلد به أي أرجو مجيئها بالولد حالة كونه (أسود) أي متصفًا بالسواد (جعدًا) أي قططًا أي متصفًا بالجعودة وهي التواء الشعر وتقبضه كشعر السودان (فجاءت به) أي بالولد (أسود جعدًا) مثل ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، قال الخطابي في معالم السنن: قوله: (لعلها أن تجيء به) الخ دليل على أن المرأة كانت حاملًا، وأن اللعان وقع على الحمل وممن رأى اللعان على نفي الحمل مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تلاعن بالحمل لأنه لا يدري لعله ريح اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود من طريق عثمان بن أبي شيبة [2250] وابن ماجه من طريق عبدة بن سليمان كلاهما في اللعان، وأحمد في مسند ابن مسعود من طريق أبي عوانة عن الأعمش [1/ 421]، ومن طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي عنه [1/ 448].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن مسعود رضي الله عنه فقال:
3635 -
(00)(00)(وحدثناه إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة، من (8)(جميعًا) أي كل من عيسى بن يونس وعبدة بن سليمان رويا (عن الأعمش بهذا الإسناد) يعني عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله (نحوه) أي نحو ما روى جرير عن الأعمش، غرضه بيان متابعة عيسى وعبدة بن سليمان لجرير بن عبد الحميد.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه فقال:
3636 -
(1422)(182) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ. قَال: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. وَأَنَا أُرَى أَنَّ عِنْدَهُ مِنْهُ عِلْمًا. فَقَال: إِنَّ هِلال بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ. وَكَانَ أَخَا الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لأُمِّهِ. وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لاعَنَ فِي الإِسْلامِ. قَال:
ــ
3636 -
(1422)(182)(وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، ثقة، من (8)(حدثنا هشام) بن حسان الأزدي القردوسي البصري، ثقة، من (6) (عن محمد) بن سيرين (قال) محمد:(سألت أنس بن مالك) رضي الله عنه عن أصل اللعان. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون (وأنا) أي والحال أني (أرى) بضم الهمزة أي أظن (أن عنده) أي عند أنس (منه) أي من اللعان (علمًا) أي أن عنده علمًا بسبب اللعان وأوّل مشروعية (فقال) لي أنس في بيان سببه وأوّل من شرع عليه (إن هلال بن أمية) -بضم الهمزة وفتح الميم والياء المشددة المفتوحة- الأنصاري الواقفي نسبة إلى بني واقف شهد بدرًا رضي الله عنه وهو كما في أسد الغابة أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فتيب عليهم والباقيان كعب بن مالك ومرارة بن الربيع (قذف امرأته بشريك بن سحماء) -بفتح السين وسكون الحاء المهملتين- وهي أمه، واسم أبيه عبدة بن مغيث بن الجد بن عجلان البلوي حليف الأنصار، شهد مع أبيه أُحدًا، وسحماء أمه عُرف بها وهو أخو البراء بن مالك لأمه اهـ من هامش القرطبي، وذكر مقاتل في تفسيره أن والدة شريك التي يقال لها سحماء كانت حبشية، وقيل كانت يمانية، وذكر أبو نعيم في الصحابة أن لفظ شريك صفة له لا اسم، وأنه كان شريكًا لرجل يهودي يقال له ابن سحماء فعلى هذا يتعين كتابة ألف بين شريك وابن سحماء ولكنه قول شاذ، ويقال إن شريك بن سحماء بعثه أبو بكر الصديق رسولًا إلى خالد بن الوليد باليمامة كذا في الإصابة (وكان) شريك بن سحماء (أخا البراء ابن مالك لأمه) لأن البراء ولدته سحماء أيضًا، وكان البراء أخًا لأب لأنس بن مالك، وكان البراء رجلًا شجاعًا مقدامًا مجاب الدعوة (وكان) هلال بن أمية (أول رجل لاعن في الإسلام) وهذا هو القول المحقق، وقد تقدم في شرح حديث سهل بن سعد أن آية اللعان إنما نزلت في هلال بن أمية، ولما كانت قصة عويمر العجلاني قريبة منه ربما ذكروها في سبب النزول، وقد تقدم وجه الجمع بين الروايات هناك فراجعه (قال) أنس بن مالك
فَلاعَنَهَا. فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَبْصِرُوهَا. فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ الْعَينَينِ فَهُوَ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ. وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَينِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ" قَال: فَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَينِ
ــ
(فلاعنها) أي فلاعن هلال امرأته (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبصروها) أي أبصروا امرأة هلال وانظروا ولدها، وامرأة هلال قد ظهر كذبها بالأمارات والقرائن وغلب على ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كاذبة فلعله صلى الله عليه وسلم أراد تبرئة هلال بن أمية رضي الله عنه في أنظار العامة لأنه من الصحابة البدريين الأجلاء ولذلك أمرهم بالنظر في شبه الولد لئلا يبقى في صدور الناس ما يتهمون به هلالًا بالكذب وتظهر براءته بالأمارات الظاهرة إن لم تظهر بالبينة والقضاء والله أعلم (فإن جاءت به) أي بالولد (أبيض سبطًا) أي مسترسل الشعر منبسطه (قضيء العينين) أي فاسدهما بكثرة دمع أو حمرة أو غير ذلك (فهو) أي الولد (لهلال بن أمية) لشبهه به (وإن جاءت به أكحل) أي أسود كالكحل من الكحل بفتحتين وهو سواد في أجفان العين خلقة (جعدًا) أي منقبض الشعر (والجعد) بفتح الجيم وسكون العين إذا وُصف به الشعر فهو ضد السبط يعني هو ما كان فيه التواء، وإذا وُصف به الرجل فهو معصوب الخلق شديد الأسر أو القصير المُردّد أو البخيل فإذا أردنا بالسبط في الفقرة الأولى المسترسل الشعر فالمراد ها هنا ضده وإن أردنا بالسبط هناك تام الخلق فالمراد هنا القصير المتردد والله سبحانه وتعالى أعلم (حمش الساقين) بفتح الحاء وسكون الميم، ويقال أحمش الساقين معناه دقيق الساقين من الحموشة وهي الدقة (فهو) أي ذلك الولد (لشريك بن سحماء) لشبهه به (قال) أنس:(فأُنبئت) أي أُخبرت (أنها جاءت به كحل جعدًا حمش الساقين) يعني على خلاف شبه هلال بن أمية، وعن عكرمة فيما أخرجه أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ولدها صار بعد ذلك أميرًا على مصر أي على مصر من الأمصار لا البلد المشهور، وكان يدعى لأمه وما يدعى لأبيه كذا في الفتح [9/ 401] في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت راجمًا امرأة إلخ.
قال القرطبي: وقوله صلى الله عليه وسلم أبصروها مع ذكر النعوت المتقدمة في هلال وفي شريك يدل على أن هذا كان منه تفرسًا وحدسًا لا وحيًا، ولو كان وحيًا لكان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معلومًا عنده، وفيه ما يدل على إلغاء حكم الشبه في الحرائر كما هو مذهب مالك اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [1/ 142] في مسندات أنس، والنسائي أخرجه في باب اللعان.
(فائدة): وتمام هذه القصة ما أخرجه أحمد في مسنده [1/ 238] عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت آية: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم" قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرًا، وما طلق امرأة له قط، فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من الله تعالى ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعًا تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته، قالوا: فما لبثوا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلًا فرأى بعينه وسمع بأذنيه فلم يهجه حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلًا فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه واجتمعت الأنصار فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية ويُبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا، فقال هلال: يا رسول الله إني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به والله يعلم إني لصادق، ووالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، وكان إذا نزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد جلده يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} الآية فسُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا" فقال هلال: قد كنت أرجو ذاك من ربي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عز وجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أرسلوا إليها" فجاءت فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها، فقالت: كذب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لاعنوا بينهما" فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة قيل: يا هلال: اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه هي الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل لها: اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل لها: اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فتلكأت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى أنه لا يدعى ولدها لأب ولا تُرمى هي به ولا يُرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال: إن جاءت به أصيهب (أبيض) أريصح (خفيف الأليتين) حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدًا جماليًا (عظم الخلق كالجمل) خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو للذي رُميت به فجاءت به أورق جعدًا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن". قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وكان يدعى لأمه وما يدعى لأبيه اهـ. قال القرطبي: وقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" وفي البخاري: "لولا ما مضى من كتاب الله" يفهم من ذلك أن الحكم إذا وقع على شروطه لا ينقض وإن تبين خلافه هذا إن لم يقع خلل أو تفريط في شيء من أسبابه، فأما لو فرط الحاكم فغلط وتبين تفريطه وغلطه بوجه واضح نُقض حكمه وهذا مذهب الجمهور، وفيه أن ذكر الأوصاف المذمومة للضرورة والوصف بها للتعريف ليس بغيبة اهـ من المفهم.
قال القرطبي: وظاهر هذا الحديث أن هلالًا لما صرح بذكر شريك أنه قذفه ومع ذلك فلم يحدّه النبي صلى الله عليه وسلم له وبهذا قال الشافعي إنه لا حدّ على الرامي
3637 -
(1423)(183) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيَّانِ (وَاللَّفْظُ لابْنِ رُمْحٍ) قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَال: ذُكِرَ التَّلاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. فَقَال عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذلِكَ قَوْلًا
ــ
لزوجته إذا سمى الذي رماها به ثم التعن لهما، وعند مالك أنه يحدّ ولا يكتفى بالتِعانه لأنه إنما التعن للمرأة ولم يكن له ضرورة إلى ذكره بخلاف المرأة فهو إذًا قاذف له فيحد، واعتذر بعض أصحابنا عن حديث شريك بأن يقال إنه كان يهوديًّا، وأيضًا فلم يطلب شريك بشيء من ذلك وهو حقه، قال القاضي: ولا يصح قول من قال إن شريكًا كان يهوديًّا وهو باطل اهـ من المفهم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
3637 -
(1423)(183)(وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر) التجيبي (وعيسى بن حماد) بن مسلم الأنصاري التجيبي مولاهم، ثقة، من (10) ولقبه زغبة وهو لقب أبيه أيضًا (المصريان واللفظ لابن رمح قالا: أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني (عن) أبيه (القاسم بن محمد) بن أبي بكر (عن ابن عباس) رضي الله عنهما. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد طائفي (أنه) أي أن ابن عباس (قال ذُكر التلاعن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أي شأنه وسببه، وفي رواية البخاري (ذكر المتلاعنان)(فقال عاصم بن عدي) الأنصاري (في ذلك) أي في شأن التلاعن وسببه (قولًا) أي غير لائق به مما يدل على عجب النفس والنخوة والغيرة وعدم الإحالة إلى إرادة الله وحوله وقوته، وهو قوله لو وجد الرجل مع امرأته رجلًا يضربه بالسيف حتى يقتله اهـ من شروح البخاري.
(واعلم) أن حديث سهل بن سعد وحديث ابن عباس هذا من طريق القاسم كلاهما في قصة واحدة وهو قصة عويمر العجلاني بخلاف حديث ابن عباس من طريق عكرمة الذي أخرجه البخاري مختصرًا وأبو داود وأحمد مفصلًا فإنه في قصة أخرى وهي قصة
ثُمَّ انْصَرَفَ. فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا. فَقَال عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهذَا إلا لِقَوْلِي. فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيهِ امْرَأَتَهُ. وَكَانَ ذلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا، قَلِيلَ اللَّحْمِ، سَبِطَ الشَّعَرِ. وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ، خَدْلًا، آدَمَ،
ــ
هلال ونقلناه بتمامه في شرح الحديث السابق، ولا مانع من أن يروي ابن عباس القصتين معًا ويؤيد التعدد اختلاف السياقين وخلو أحدهما عما وقع في الآخر وما وقع بين القصتين من المغايرة كما حققه الحافظ في فتح الباري اهـ من التكملة.
(ثم) بعدما قال ذلك القول (انصرف) وذهب عاصم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم (فأتاه) أي فأتى عاصمًا في بيته (رجل من قومه) وعشيرته وهو عويمر العجلاني ولا يمكن تفسيره بهلال بن أمية فإنه لا قرابة بينه وبين عاصم، وجملة (يشكو) ذلك الرجل (إليه) أي إلى عاصم ويخبره على سبيل الشكوى (أنه وجد مع أهله) وزوجته خولة (رجلًا) يزني بها حال من رجل لتخصصه بالصفة (فقال عاصم) عند ذلك (وما ابتليت) واختبرت (بهذا) الأمر في رجل من قومي (إلا لقولي) أي إلا لسؤالي عما لم يقع كأنه قال فعوقبت بوقوع ذلك في أهل بيتي فقد وقع في مرسل مقاتل بن حيان عند ابن أبي حاتم (فقال عاصم: إنا لله وإنا إليه راجعون هذا والله بسؤالي عن هذا الأمر بين الناس فابتليت به) حكاه الحافظ في الفتح (فذهب) عاصم (به) أي بذلك الرجل يعني عويمرًا (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره) أي فأخبر ذلك الرجل النبي صلى الله عليه وسلم (بـ) الحال (الذي وجد عليه امرأته) من الخلوة بالأجنبي (وكان ذلك الرجل) الذي رمى امرأته بالزنا وهو عويمر العجلاني (مصفرًا) أي ذا صفرة في اللون وهي اللون بين البياض والحمرة، وقد ورد في حديث سهل عند البخاري في باب التلاعن في المسجد ما يدل على أن عويمرًا كان أحمر، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن ذاك لونه الأصلي والصفرة عارضة (قليل اللحم) أي نحيفًا (سبط الشعر) أي مسترسل الشعر غير جعده (وكان) الرجل (الذي ادعى عليه أنه وجد) هـ (عند أهله خدلًا) بفتح الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة وكسرها وتخفيف اللام، وضبطه الحافظ بفتح الدال وتشديد اللام، والكل سائغ في اللغة أي ممتلئ الساقين، وقال ابن فارس: ممتلئ الأعضاء، وقال الطبري: لا يكون إلا مع غلظ العظم مع اللحم (آم) بالمد أصله
كَثِيرَ اللَّحْم. فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ! بَيِّنْ" فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا. فَلاعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَينَهُمَا، فَقَال رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ، فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هذِهِ؟ " فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا. تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الإِسْلامِ السُّوءَ
ــ
أأدم مؤنثه أدماء كأحمر وحمراء أي أسمر اللون من الأدمة وهي لون بين الحمرة والسواد يعني أن لونه قريب إلى السواد (كثير اللحم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بيّن) لنا ما التبس من المتلاعنين، قال ابن العربي: ليس معنى هذا الدعاء طلب ثبوت صدق أحدهما فقط بل معناه أن تلد ليظهر الشبه ولا تمتنع ولادتها بموت الولد مثلًا فلا يظهر البيان، والحكمة فيه ردع من شاهد ذلك عن التلبس بمثل ما وقع لما يترتب على ذلك من القبح ولو اندرأ الحد اهـ من الإرشاد، قال القرطبي:(قوله اللهم بين) ظاهره أنه دعاء في أن يبين له ممنِ الولدُ فأجيب بأنه للذي رمى به وتبين له ذلك بأن الله تعالى خلقه يشبه الذي رُميت به وعلى الصفة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك نسق قوله: فوضعت على الكلام المتقدم بالفاء وقيل المعنى اللهم بيّن الحكم في هذه الواقعة كما جاء في الرواية الأخرى اللهم افتح أي احكم اهـ من المفهم (فوضعت) المرأة أي ولدت ولدا (شبيهًا) أي مشابهًا (بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما) عقب إخباره بالذي وجد عليه امرأته وهو معطوف على قوله فأخبره بالذي عليه امرأته وحينئذٍ فقوله وكان ذلك الرجل إلى آخره اعتراض (فقال رجل) من الحاضرين عند ابن عباس اسمه عبد الله بن شداد بن الهاد كما سيأتي من طريق أبي الزناد عند المصنف (لابن عباس في) ذلك (المجلس) أي في مجلس ابن عباس (أهي) أي هل هذه هي (التي قال) فيها (رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو رجمت أحدًا بغير بينة رجمت هذه) ولا يخفى أن إشارته صلى الله عليه وسلم كانت إلى امرأة معينة يعرفها الجميع ولم أر من ذكر اسمها (فقال) له (ابن عباس لا) أي ليست هذه هي التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الكلام بل (تلك) أي بل التي قال فيها الرسول ذلك الكلام (امرأة كانت تظهر) وتعلن (في الإسلام السوء) أي الفاحشة لكن لم تعترف ولا أقيمت عليها بينة بذلك فيقام عليها الحد، قال النووي:(قوله لو رجمت أحدًا) معنى
3638 -
(00)(00) وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيسٍ. حَدَّثَنِي سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ) عَنْ يَحْيَى. حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَال: ذُكِرَ الْمُتَلاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيثِ وَزَادَ فِيهِ، بَعْدَ قَوْلِهِ كَثِيرَ اللَّحْمِ، قَال: جَعْدًا قَطَطًا
ــ
الحديث أنه اشتهر وشاع عنها الفاحشة ولكن لم يثبت بينة ولا اعتراف ففيه أنه لا يقام الحد بمجرد الشيوع والقرائن بل لا بد من بينة أو اعتراف اهـ منه. (قوله تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء) أي تظهر عليها قرائن تدل على أنها بغي تتعاطى الفاحشة ولكن لم يثبت عليها سبب شرعي من إقرار أو بينة أو حمل يوجب عليها الحد وقطع الأنساب لا يعتبر فيه إلا اليقين اهـ من الأبي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [5316]، والنسائي [6/ 174].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله عنهما فقال:
3638 -
(00)(00)(وحدثنيه أحمد بن يوسف) بن خالد بن سالم (الأزدي) السلمي أبو الحسن النيسابوري المعروف بحمدان، ثقة، من (11)(حدثنا إسماعيل بن أبي أويس) عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني، صدوق، من (10) روى عنه في (7) أبواب (حدثني سليمان يعني ابن بلال) التيمي المدني، ثقة، من (8) روى عنه في (13) بابا (عن يحيى) بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني (حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد عن ابن عباس) رضي الله عنهما. وهذا السند من سباعياته رجاله خمسة منهم مدنيون وواحد طائفي وواحد نيسابوري، غرضه بسوقه بيان متابعة سليمان بن بلال لليث بن سعد (أنه) أي أن ابن عباس (قال ذكر المتلاعنان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وساق سليمان بن بلال (بمثل حديث الليث) بن سعد (و) لكن (زاد) سليمان بن بلال (فيه) أي في ذلك المثل (بعد قوله) أي بعد قول الراوي (كثير اللحم) لفظة (قال) ابن عباس: كان ذلك الرجل الذي وجد عند أهله (جعدًا قططًا) بفتح الطاءين وقيل بكسر الأولى صفة مبالغة للجعد يعني شديد الجعودة والتقبض كشعر السودان كذا في مجمع البحار.
3639 -
(00)(00) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو) قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. قَال: قَال عَبْدُ الله بْنُ شَدَّادٍ. وَذُكِرَ الْمُتَلاعِنَانِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَال ابْنُ شَدَّادٍ: أَهُمَا اللَّذَانِ قَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا؟ " فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا. تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلنَتْ. قَال ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عباس رضي الله عنهما فقال:
3639 -
(00)(00)(وحدثنا عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (واللفظ) الآتي (لعمرو) بن محمد الناقد (قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني (عن القاسم بن محمد قال) القاسم: (قال عبد الله بن شداد و) الحال أنه قد (ذكر) بالبناء للمفعول أي ذكر (المتلاعنان عند ابن عباس) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي الزناد لعبد الرحمن بن القاسم (فقال ابن شداد) توكيد لفظي لقال الأول (أهما) أي هل هذان المتلاعنان هما (اللذان قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهما (لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتها) يعني امرأة عويمر (فقال ابن عباس) لابن شداد (لا) أي ليست هي هي (تلك) المرأة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها ذلك (امرأة أعلنت) وأظهرت بالسوء والفاحشة (قال ابن أبي عمر في روايته عن القاسم بن محمد قال) القاسم:(سمعت ابن عباس) بصيغة السماع بلا ذكر واسطة عبد الله بن شداد.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الأول: حديث ابن مسعود ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث أنس بن مالك ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والثالث: حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين والله سبحانه وتعالى أعلم.
* * *