الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
549 - (35) باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك فوق ثلاثة أيام
3606 -
(1412)(172) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْت عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بَكْرٍ. عن حُمَيدِ بْنِ نَافِعٍ، عن زَينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّهَا
ــ
549 -
(35) باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك فوق ثلاثة أيام
والإحداد بمهملات مع كسر الهمزة من أحَدَّ الرباعي، ويقال فيه الحداد بكسر الحاء من حد الثلاثي، ويروى بالجيم من جددت الشيء أي قطعته لأنها قطعت نفسها من الزينة والطيب، وأما الاستحداد بالسين فهو استعمال الحديد كالموسى في حلق الشعر من العانة كما هو معلوم أي فمعناه لغة المنع، وشرعًا امتناع المرأة من الزينة أي من استعمال الزينة في البدن بترك لبس مصبوغ يقصد لزينة كثوب أصفر أو أحمر ويترك حلي من ذهب أو فضة أو غيرهما إن مُوّه بأحدهما، وإنما حرم عليها ذلك لأنه يزيد في حسنها كما قيل:
وما الحلي إلا زينة لنقيصة
…
يتمم من حسن إذا الحسن قصرا
فأما إذا كان الجمال موفرًا
…
كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا
وامتناعها من الطيب أي من استعماله في بدن أو ثوب أو طعام أو كحل غير محرم وضابط الطيب الذي يحرم على المعتدة هو كل ما حرم على المحرم لكن لا فدية عليها في استعماله بخلاف المحرم في ذلك، وخرج بالمرأة الرنجل فلا يجوز له الإحداد مطلقًا ولو لحظة لأن الإحداد إنما شرع للنساء لنقص عقلهن المقتضي عدم صبرهن وأحكامه مبسوطة في كتب الفروع فراجعها ولها سابقية في الجاهلية كما سيأتي.
3606 -
(1412)(172)(وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (قال: قرأت على مالك) بن أنس (عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، ثقة، من (5)(عن حميد بن نافع) الأنصاري المدني، ثقة، من (3)(عن زينب بنت أبي سلمة) المخزومية الصحابية المشهورة المدنية ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنها، روى عنها في (9) أبواب ماتت سنة (73)(أنها) أي أن زينب
أَخْبَرَتْهُ هذِهِ الأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ. قَال: قَالتْ زَينَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ. فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَة. خَلُوقٌ أَوْ غَيرُهُ. فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارَية. ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيهَا. ثُمَّ قَالتْ: وَاللهِ، مَا لِي بِالطيبِ مِنْ حَاجَةٍ. غَيرَ أَنِّي
ــ
(أخبرته) أي أخبرت لحميد بن نافع (هذه الأحاديث الثلاثة) الآتية الأول عن أم حبيبة، والثاني عن زينب بنت جحش، والثالث عن أمها أم سلمة رضي الله تعالى عنهن (قال) حميد بن نافع:(قالت) لي (زينب) بنت أبي سلمة (دخلت على أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان الأموية (زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنها. وسند هذه الأحاديث الثلاثة من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري (حين توفي) ومات (أبوها أبو سفيان) صخر بن حرب الأموي رضي الله عنه، كذا في رواية الصحاح ووقع عند الدارمي من طريق هاشم بن القاسم عن شعبة أن أخًا لها مات أو حميمًا لها، وعليه فإن هذه القصة وقعت لأم حبيبة عند وفاة أخيها يزيد بن أبي سفيان، ومال الحافظ في جنائز الفتح إلى أن القصة تعددت عند وفاة أخيها يزيد ثم عند وفاة أبيها أبي سفيان فكلتا الروايتين صحيحة والله أعلم.
(فدعت) أي طلبت (أم حبيبة بطيب فيه صفرة) أي لونها، وقوله:(خلوق أو غيره) بالرفع بدل من صفرة أي طلبت طيبًا ذا صفرة هو خلوق أو غيره والخلوق بفتح الخاء المعجمة أخلاط من الطيب يتخذ من الزعفران وغيره كالورس قاله الزبيدي في تاج العروس، وقال الأبي: وهو العبير أيضًا (فدهنت) أم حبيبة (منه) أي من ذلك الطيب (جارية) عندها أي طلتها من ذلك الطيب تقليلًا وتخفيفًا لما في يديها (ثم مست) أم حبيبة (بعارضيها) أي أفضت وألصقت أم حبيبة بيديها إلى جانبي وجهها فمسحتهما به أي بما بقي في يديها منه، قال النووي: وإنما فعلت ذلك لدفع صورة الإحداد مع دلالة الحديث على جوازه على غير الزوج في الجملة، والعارضان هنا الخدان، وأصل العوارض الأسنان، وسميت الخدود عوارض لأنها عليها من باب تسمية الشيء باسم مجاوره، وقال السنوسي: هما الوجه من فوق الذقن إلى ما دون الأذن.
(ثم قالت) أم حبيبة: (والله ما لي بالطيب من حاجة) في هذا الوقت (غير أني) أي
سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، عَلَى هذَا الْمِنْبَرِ:"لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
ــ
لكن أني (سمعت رسول الله على الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) أن (تحد) على تقدير أن المصدرية لأنه فاعل الحل أي لا يحل ولا يجوز لها إحدادها، والإحداد كما مر ترك الزينة والطيب، ولفظ البخاري (أن تحد) وهو واضح ومثله قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} واكتفى في الحديث بذكر طرفي المؤمن به عن بقيته اختصارًا وفيهما الكفاية في مقام الإخافة (على ميت) أيًا كان (فوق ثلاث) من الليالي ولو نصف ليلة وإنما قدرنا الليالي لأنه ذكر اسم العدد وأكثر روايات البخاري (فوق ثلاث ليال) قال النووي: وفيه دلالة على جواز الإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام فما دونها، ولو أرادت أن تحد على قرابة ثلاثة أيام فما دون ولها زوج فله أن يمنعها لأن الزينة حقه وهذا الإحداد مباح لها لا واجب عليها، وقال القرطبي: ويستفاد منه أن المرأة إذا مات حميمها فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها فإن مات قريبها في بقية يوم أو ليلة ألغتها وحسبت من الليلة القابلة المستأنفة اهـ من المفهم.
وقوله: (إلا على زوج) فتحد عليه (أربعة أشهر وعشرًا) من الليالي منصوب على الظرف والعامل فيه تحد مقدرًا وعشرًا معطوف عليه أي تحد عليه إلى انقضاء عدة الوفاة قاله القرطبي، وذكر ابن الملك عن الطيبي أن قوله أربعة أشهر وعشرًا إن جعل بيانًا لقوله فوق ثلاث يكون الاستثناء متصلًا فيكون المعنى لا يحل لامرأة أن تحد أربعة أشهر وعشرًا على كل ميت إلا على زوجها وإن جعل معمولًا لتحد مقدر يكون منقطعًا فالمعنى لكن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرًا اهـ.
قال القرطبي: وهذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن المتوفى عنهن فيدخل فيه الحرائر والإماء والكبار والصغار وهو مذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا إحداد على أمة ولا صغيرة والحديث حجة عليه ولا خلاف أعلمه أنهما لا بد لهما من العدة فبالطريق التي تلزمهما به العدة يلزمهما الإحداد.
وقوله: (إلا على زوج) إيجاب بعد نفي فيقتضي حصر الإحداد على المتوفى عنها
3607 -
(1413)(173) قَالتْ زَينَبُ: ثمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا. فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ. ثُمَّ قَالتْ: وَالله، مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ. غَيرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، عَلَى الْمِنْبرِ: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ،
ــ
زوجها فلا تدخل المطلقة فيه من جهة لفظه بوجه فلا إحداد على مطلقة عندنا رجعية كانت أو بائنة واحدة أو أكثر وهو مذهب مالك والشافعي وربيعة وعطاء وابن المنذر، وقال قوم: إن المطلقة ثلاثًا عليها الإحداد وإليه ذهب أبو حنيفة والكوفيون وأبو ثور وأبو عبيد، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة، وقد شذ الحسن فقال: لا إحداد على مطلقة ولا على متوفى عنها زوجها وهو قول يدل على إبطاله نص الحديث المتقدم.
وأما من رأى أن الإحداد على المطلقة فمستنده إلحاقها بالمتوفى عنها زوجها وليس بصحيح وللحصر الذي في الحديث لوجود الفرق بينهما وذلك أن الإحداد إنما هو مبالغة في التحرز من تعرضها لأسباب النكاح في حق المتوفى عنها لعدم الزوج إذ ليس من جهته من يقوم مقدمه في البحث عنها والتحرز بها بخلاف المطلق فإنه حي متمكن من البحث عن أحوالها فافترقا هذا إن قلنا: إن الإحداد معقول المعنى فإن قلنا: إنه تعبد انقطع الإلحاق القياسي ولو سلم صحة الإلحاق القياسي لكان التمسك بظاهر اللفظ أولى، وقد بينا أنه يدل على الحصر والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
وإنما خص الله تعالى عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر لأن غالب الحمل يبين تحركه في تلك المدة لأن النطفة تبقى في الرحم أربعين ثم تصير علقة أربعين ثم مضغة فتلك أربعة أشهر ثم ينفخ فيه الروح بعد ذلك فتظهر حركته في العشر الزائد على الأربعة الأشهر اهـ منه.
3607 -
(1413)(173) والحديث الثاني من الثلاثة ما ذكره بقوله: (قالت زينب) بنت أبي سلمة (ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق
إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".
3608 -
(1414)(174) قَالتْ زَينَبُ: سَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ
ــ
ثلاثٍ إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا) وهذا مثل الحديث الذي قبله لفظًا ومعنى إلا فيما سنذكر فيه من الإشكال عليه.
قوله: (ثم دخلت على زينب بنت جحش) ظاهره أن هذه القصة الثانية وقعت بعد قصة أم حبيبة ولكنه لا يصح لأن زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين على الصحيح المشهور عند أهل العلم بالأخبار فيُحمل على أنها لم ترد بلفظ (ثم) ترتيب الوقائع، وإنما أرادت الذكر والإخبار فثم للترتيب الذكري لا للترتيب المعنوي وقد وقع في رواية أبي داود بلفظ ودخلت وذلك لا يقتضي الترتيب كذا في الفتح في كتاب الجنائز [3/ 117].
وقوله: (حين توفي أخوها) ورد في بعض نسخ الموطإ أن اسمه عبد الله بن جحش وكذلك أخرجه الدارقطني من طريق مالك فيما حكاه الحافظ في الفتح واستشكله بأن عبد الله بن جحش قُتل بأحد شهيدًا وزينب بنت أبي سلمة يومئذٍ طفلة ترضع فيستحيل أن تكون دخلت على زينب بنت جحش في هذه الحالة، ثم رَجَّح أن هذه القصة وقعت عند وفاة عبيد الله بن جحش، وكان قد توفي بالحبشة نصرانيًّا، وكانت زينب بنت أبي سلمة حينئذٍ في سن من يضبط، ولا مانع أن يحزن المرء على قريبه الكافر ولا سيما إذا تذكر سوء مصيره، ولعل الرواية التي وردت في بعض نسخ الموطإ بلفظ حين توفي أخوها عبد الله كانت عبيد الله بالتصغير فلم يضبطها الكاتب كذا قال في الفتح [3/ 117 و 9/ 427].
قيل: وكان لزينب أخ آخر اسمه أبو أحمد بن جحش، ويحتمل أن يكون هو المراد ها هنا وقد ذكره الحافظ في الكنى من الإصابة، وقال: قيل إنه الذي مات فبلغ أخته موته فدعت بطيب فمسته، ويقوي أن المراد بهذا أبو أحمد أن كلًّا من أخويها عبد الله وعبيد الله مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم اهـ من التكملة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الحديث الثالث من الأحاديث الثلاثة التي روتها زينب بنت أبي سلمة رضي الله تعالى عنها فقال:
3608 -
(1414)(174)(قالت زينب) بنت أبي سلمة: (سمعت أمي أم سلمة)
تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. فَقَالتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا. وَقَدِ اشْتَكَتْ عَينُهَا. أَفَنَكْحُلُهَا؟ فَقَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"لَا"(مَرَّتَينِ أَوْ ثَلاثًا. كُلَّ ذلِكَ يَقُولُ: لَا). ثُمَّ قَال: "إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وعَشْرٌ. وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ"
ــ
بدل من أمي زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنهما (تقول: جاءت امرأة) اسمها عاتكة بنت نعيم بن عبد الله بن النحام كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها) المغيرة المخزومي (وقد اشتكت) وآلمت ورمدت (عينها) بالرفع على الفاعلية، وعليه اقتصر النووي، ويجوز النصب على أن الفاعل ضمير مستتر في اشتكت يعود على المرأة ورجحه المنذري، وقال الحريري: إنه الصواب والرفع لحن، وفي بعض روايات مسلم (عيناها) وهي ترجح رواية الرفع (أ) نعالجها (فنكحلها) بفتح النون وفتح الحاء والضمير إليها أو إلى عينها أي أفنكحلها أم نتركها على حالها (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا) تكحلنها، قال ذلك (مرتين أو ثلاثًا كل ذلك) بالنصب على الظرفية متعلق بقوله:(يقول لا) قال الطيبي: والجملة صفة مؤكدة ثلاثًا، قال النووي: فيه دليل على تحريم الاكتحال على المحدة سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في الحديث الآخر في الموطإ وغيره في حديث أم سلمة:"اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار" ووجه الجمع بين الأحاديث أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل لها وإن احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز في الليل مع أن الأولى تركه فإن فعلته مسحته بالنهار اهـ من العون (ثم قال) لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو مصرح في رواية البخاري (إنما هي) أي العدة الشرعية أي عدة الوفاة في الشرع (أربعة أشهر وعشر) ليال والمراد تقليل المدة وتهوين الصبر عما منعت منه وهو الاكتحال في العدة، والمعنى لا تستكثر مدتها ومنع الاكتحال فيها فإنها مدة قليلة ولذا قال:(وقد كانت إحداكن في الجاهلية) إذا مات عنها زوجها تعتد كامل الحول ثم (ترمي بالبعرة على رأس الحول) وتمامه، والبعرة بفتح الموحدة والعين وتسكن وهي روث البعير، قال في القاموس: البعرة رجيع ذي الخف والظلف واحدتها بالهاء والجمع بعار، وفي ذكر الجاهلية إشارة إلى أن الحكم في الإسلام صار بخلافه وهو كذلك
قَال حُمَيدٌ: فَقُلْتُ لِزَينَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْل؟ فَقَالتْ زَينَبُ: كَانَتِ المَرْأَةُ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيئًا، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ. ثُمَّ تُؤتَى بِدَابَّةِ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بِهِ. فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيءٍ إِلَّا مَاتَ. ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمِي بِها. ثُمَّ تُرَاجِعُ، بَعْدُ، مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيرِهِ
ــ
بالنسبة لما وصف من الصنيع لكن التقدير بالحول استمر في الإسلام بنص قوله تعالى: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} ثم نُسخت بالآية التي قبل وهي {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} والناسخ مقدم عليه تلاوة ومتأخر نزولًا كقوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} مع قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} اهـ من الإرشاد (قال حميد) بن نافع بالسند السابق: (فقلت لزينب) بنت أبي سلمة: (وما) المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (ترمي) إحداكن (بالبعرة على رأس الحول) أي بيّني لي بهذا الكلام الذي خوطبت به إحداكن (فقالت زينب) بنت أبي سلمة: (كانت المرأة) في الجاهلية (إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشًا) بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها شين معجمة أي بيتًا صغيرًا جدًّا قريب السمك خسيس البناء، وقيل الخص الصغير، وقال الشافعي: الذليل الشعث البناء (ولبست شر ثيابها) أي خسيس ثيابها (ولم تمس طيبًا) بفتح التاء الفوقية والميم (ولا شيئًا) من الدهان (حتى تمر بها) أي عليها (سنة) كاملة من وفاة زوجها (ثم توتى) تلك المرأة بضم أوله وفتح ثالثه (بدابة) بالتنوين، قال في القاموس: الدابة كل ما يدب على الأرض من الحيوان وغلب على ما يركب ويقع على المذكر، وقوله:(حمار) بالجر والتنوين بدل مما قبله (أو شاة أو طير) أو للتنويع لا للشك وإطلاق الدابة عليهما بطريق الحقيقة اللغوية (فتفتض به) أي فتتمسح بالشيء الذي أوتيت به من الدابة قبلها وفرجها (فقلما تفتض بشيء) من ذلك الحيوان أي فقل افتضاضها ومسحها قبلها بشيء من ذلك الحيوان (إلا مات ثم تخرج) من حفشها وبيتها الخسيس (فتعطى بعرة) من بعار الإبل أو الغنم (فترمي) أمامها أو وراءها (بها) أي بتلك البعرة (ثم تراجع بعد) أي ترجع بعد رمي البعرة إلى (ما شاءت من طيب أو غيره) من الزينة والحلي، قالوا: البعرة هي روث الغنم أو الإبل وكانت ترميها عند تمام السنة التي هي مدة إحداد المرأة لموت زوجها يقال إن رميها بها إشارة إلى أن اعتدادها وإحدادها سنة لزوجها في جنب ما يجب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليها من حقه أهون عليها من رمي تلك البعرة اهـ من بعض الهوامش. وقيل بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك.
قوله: (فتفتض به) بفاء فمثناة فوقية ففاء ثانية ففوقية أخرى فضاد معجمة مشددة، قال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرًا ولا تزيل شعرًا ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض أي تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش بعد ما تفتض به، وقال الخطابي: هو من فضضت الشيء إذا كسرته وفرقته أي أنها كانت تكسر ما كانت فيه من الحداد بتلك الدابة، وقال الأخفش: معناه تتنظف به وهو مأخوذ من الفضة تشبيهًا له بنقائها وبياضها، وقيل تمسح به ثم تفتض أي تغتسل بالماء حتى تصير بيضاء نقية كالفضة، وقال الخليل: الفضفض الماء العذب يقال افتضضت به أي اغتسلت به، قوله:(فقلما تفتض بشيء) مما ذكر من الدابة (إلا مات) فما في قلما مصدرية أي فقل افتضاضها، وقيل تكون ما في ثلاثة أفعال زائدة كافة لها عن العمل وهي قل وكثر وطال وزاد عليها بعضهم (قَصُرما) وعلة ذلك شبه هذه الأفعال برب ولا تدخل هذه الأفعال إلا على جملة فعلية صرح بفعليتها كقوله:
قلّما يبرح اللبيب إلى ما
…
يورث المجد داعيًا أو مجيبَا
وعلى هذا تكتب قلما متصلة الميم وعلى الأول تكتب منفصلة. وقوله: (بشيء) يتعلق بتفتض وإلا إيجاب لما في الجملة من معنى النفي لأن قولك قل يقتضي نفي الكثير فالإيجاب لنفيه والمعنى قلما تفتض بشيء فيعيش (ثم تخرج فتعطى) بالبناء للمجهول (بعرة) من بعر الإبل أو الغنم وباب أعطى يتعدى إلى مفعولين الأول هنا للضمير المستتر عليها والثاني بعرة (فترمي بها) أي بالبعرة أمامها فيكون ذلك إحلالًا لها كذا في رواية ابن الماجشون عن مالك، وفي رواية ابن وهب من وراء ظهرها (ثم تراجع) بضم التاء الفوقية وبعد الراء ألف فجيم مكسورة (بعد) أي بعدما ذكر من الافتضاض والرمي (ما شاءت من طيب أو غيره) مما كانت ممنوعة منه في العدة اهـ من الإرشاد.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها فقال:
3609 -
(00)(00) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ نَافِعٍ. قَال: سَمِعْتُ زينَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ قَالتْ: تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لأُمِّ حَبِيبَةَ. فَدَعَتْ بِصُفْرَةِ فَمَسَحَتهُ بِذِرَاعَيهَا. وَقَالتْ: إِنَّمَا أَصْنَعُ هذَا، لأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ. إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".
وَحَدَّثتْهُ زَينَبُ عَنْ أُمِّهَا. وَعنْ زينَبَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
3610 -
(00)(00) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ
ــ
3609 -
(00)(00)(وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن حميد بن نافع قال: سمعت زينب بنت أم سلمة قالت توفي) أي مات (حميم) أي قريب (لأم حبيبة فدعت بصفرة) أي بطيب لونه صفرة (فمسحته بذراعيها) أي فمسحت ساعديها بذلك الطيب. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة شعبة لعبد الله بن أبي بكر في روايته عن حميد (وقالت) أم حبيبة:(إنما أصنع هذا) التمسح بالطيب (لأني سمعت رسول الله على الله عليه وسلم يقول: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد) أي أن تمتنع من الطيب والزينة (فوق ثلاث) ليال مع أيامها (إلا على زوج) فتحد عليه (أربعة أشهر وعشرًا) من الليالي مع أيامها كما قاله الجمهور فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة، وقوله:(وحدثته زينب) أي وحدثت حميد بن نافع زينب بنت أبي سلمة معطوف على قوله: (سمعت زينب بنت أم سلمة) وهذا أيضًا من المتابعة في حديث أم سلمة وزينب بنت جحش أي حدثته زينب بنت أم سلمة (عن أمها) أم سلمة (وعن زينب) بنت جحش (زوج النبي على الله عليه وسلم أو عن امرأة من بعض أزواج النبي على الله عليه وسلم) والشك من شعبة، والشك في الصحابي لا يقدح في الحديث لأن الصحابة كلهم عدول لا سيما أمهات المؤمنين.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال:
3610 -
(00)(00)(وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن حُمَيدِ بْنِ نَافِعٍ. قَال: سَمِعْتُ زَينَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّهَا؛ أَنَّ امْرَأَةَ تُوُفِّيَ زوْجُهَا. فَخَافُوا عَلَى عَينِهَا. فَأَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَأذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ. فَقَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيتِهَا فِي أَحْلاسِهَا (أَوْ فِي شَرِّ أَحْلاسِهَا فِي بَيتِهَا) حَوْلًا. فَإذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ فَخَرَجَتْ. أَفَلا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؟ "
ــ
البصري المعروف بغندر (حدثنا شعبة عن حميد بن نافع) وهذا السند نفس السند الذي قبله، غرضه أيضًا بيان متابعة شعبة لعبد الله بن أبي بكر ولكن المتن مختلف (قال) حميد بن نافع:(سمعت زينب بنت أم سلمة تحدث عن أمها أن امرأة) تسمى عاتكة كما مر (توفي زوجها) المغيرة (فخافوا) العمى (على عينها) لشدة الرمد، ولفظ البخاري (فخشوا على عينها) (فأتوا) أي جاءوا (النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كانت إحداكن) يا معشر النساء (تكون) في الجاهلية إذا توفي زوجها تعتد (في شر بيتها) وأخسه وحفشه حالة كونها (في أحلاسها) بمهملتين جمع حلس بكسر ثم سكون؛ الثوب أو الكساء الرقيق يكون تحت البرذعة والبرذعة هي التي توضع على الحمار ويركب عليها (أو) قالت (في شر أحلاسها في بيتها) بالشك من الراوي هل وقع الوصف لثيابها أو مكانها، وقوله:(في أحلاسها) قال النووي: المراد في شر ثيابها، والأحلاس جمع حلس وهو المسح أو الثوب أو الكساء الرقيق يكون تحت البرذعة أو بساط يبسط في البيت والمراد أنها كانت تنزع ثيابها المعروفة وتلبس الحلس أي شر الثياب، وقوله:(حولًا) كاملًا ظرف متعلق بتكون وقوله (فإذا مر كلب) فيه حذف كما في رواية البخاري؛ أي فإذا كان حول من وفاة زوجها فمر عليها كلب (رمت ببعرة) من بعار الإبل أو الغنم لتري من حضرها أن مقامها حولًا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبًا، وظاهره أن رميها البعرة متوقف على مرور الكلب سواء طال زمن انتظار مروره أم قصر وهذا التفسير وقع هنا مرفوعًا بخلاف ما وقع في الباب السابق فلم تسنده زينب وهو غير مقتض للإدراج في رواية شعبة لأن شعبة من أحفظ الناس فلا يقضى على روايته برواية غيره بالاحتمال، قاله الحافظ اهـ من الإرشاد (فخرجت) مما كانت فيه من العدة والإحداد (أ) تجزع من إحدادها (فلا) تمكث بعد الإسلام (أربعة أشهر وعشرًا) أي أفلا تصبر هذه المدة اليسيرة المشروعة في الإسلام
3611 -
(00)(00) وحدّثنا عُبَيدُ الله بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ نَافِعٍ، بِالْحَدِيثَينِ جَمِيعًا: حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الكُحْلِ. وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُخْرَى مِنْ أزْوَاج النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. غَيرَ أَنَّهُ لَمْ تُسَمِّهَا زَينَبَ. نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ
ــ
وتجزع عن الإحداد ومشقته، وزاد في رواية البخاري (فلا تكتحل حتى تمضي أربعة أشهر وعشر). وشارك المؤلف في هذه الرواية البخاري [5336].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال:
3611 -
(00)(00)(وحدثنا عبيد الله بن معاذ) العنبري البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري البصري (حدثنا شعبة عن حميد بن نافع) غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة معاذ بن معاذ لمحمد بن جعفر، وقوله:(بالحديثين جميعًا) متعلق بحدثنا أبي؛ والمراد بالحديثين السندان اللذان قبل هذا السند يعني قوله: (وحدثته زينب عن أمها) وقوله: (وحدثنا محمد بن المثنى) الذي يلي هذا السند، وقوله:(حديث أم سلمة في الكحل وحديث أم سلمة و) امرأة (أخرى) معطوف على أم سلمة (من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بدل من الحديثين بدل تفصيل من مجمل أي حدثنا معاذ بن معاذ عن حميد بن نافع بالحديثين جميعًا اللذين أحدهما حديث أم سلمة في الكحل وهو المذكور قبل هذا السند، وثانيهما حديث مشترك بين أم سلمة وبين امرأة أخرى من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو المذكور قبيل القبيل بقوله: (وحدثته زينب عن أمها وعن زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم (غير أنه) أي لكن أن معاذ بن معاذ (لم تسمها) أي لم تسم في روايته زينب بنت أم سلمة تلك المرأة الأخرى لحميد بن نافع (زينب) أي بزينب بنت جحش، وقوله:(لم تُسَمِّها) ضمير الفاعل يعود لزينب بنت أم سلمة، والبارز يعود لأخرى في قوله:(وأخرى) وقوله: (زينب) يعني زينب بنت جحش مفعول ثان لسمى، وساق معاذ بن معاذ (نحو حديث محمد بن جعفر) فليتأمل فإن في المحل دقة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أم سلمة وأم حبيبة رضي الله تعالى عنهما فقال:
3612 -
(00)(00) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ نَافِعٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ زَينَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ تُحدِّثُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ. تَذْكُرانِ أَنَّ امْرَأَةَ أَتَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم. فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ بِنْتًا لَهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَاشْتَكَتْ عَينُهَا فَهِيَ تُرِيدُ أَنْ تَكْحُلَهَا. فَقَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ. وَإنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ".
3613 -
(00)(00) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو). حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
ــ
3612 -
(00)(00)(وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد قالا: حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة، من (9)(أخبرنا يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني (عن حميد بن نافع) الأنصاري المدني (أنه سمع زينب بنت أبي سلمة تحدث عن أم سلمة وأم حبيبة) رضي الله تعالى عنهن. وهذا السند من سداسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة يحيى بن سعيد لشعبة بن الحجاج في رواية هذا الحديث عن حميد بن نافع، حالة كون أم سلمة وأم حبيبة (تذكران أن امرأة) وهي عاتكة بنت نعيم كما مر (أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له) صلى الله عليه وسلم (أن بنتًا لها توفي عنها زوجها فاشتكت) أي مرضت (عينها) بالرفع على الفاعلية (فهي) أي فتلك البنت (تريد أن تكحلها) أي تكحل عينها الرمداء بضم الحاء وهو مما جاء مضمومًا وإن كانت عينه حرف حلق (فقال) لها (رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت إحداكن) في الجاهلية تعتد حولًا كاملًا و (ترمي بالبعرة عند رأس الحول) وتمامه من مبدإ عدتها (وإنما هي) أي وإنما مدة العدة المشروعة في الإسلام (أربعة أشهر وعشر) ليال فهي مدة يسيرة أفلا تصبرن على الإحداد فيها.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها فقال:
3613 -
(00)(00)(وحدثنا عمرو) بن محمد (الناقد) البغدادي (و) محمد بن يحيى (ابن أبي عمر) العدني المكي (واللفظ) الآتي (لعمرو) الناقد (حدثنا سفيان بن
عُيَينَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ حُميدِ بنِ نَافِعٍ، عن زَينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ. قَالتْ: لَمَّا أَتى أُمَّ حَبِيبَةَ نَعِيُّ أَبِي سُفْيَانَ، دَعَتْ، فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، بِصُفْرَةٍ. فَمَسَحَتْ بِهِ ذِرَاعَيهَا وَعَارِضَيهَا. وَقَالتْ: كُنْتُ عَنْ هذَا غَنِيَّةَ. سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ. فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".
3614 -
(1415)(175) وحدّثنا يَحْيَى بن يَحْيَى وَقُتَيبَةُ وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيثِ بْنِ سَعْدٍ، عن نَافِعٍ؛ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيدٍ
ــ
عيينة عن أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي الكوفي، ثقة، من (7) (عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة قالت: لما أتى أم حبيبة نعي) بكسر العين وتشديد الياء وإسكانها مع التخفيف أي خبر موت أبيها (أبي سفيان) بن حرب. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة أيوب بن موسى ليحيى بن سعيد (دعت) أي طلبت (في اليوم الثالث بصفرة) أي بطيب ذي صفرة خلوق أو غيره (فمسحت به) أي بالطيب (ذراعيها) أي ساعديها (وعارضيها) أي خديها وجانبي وجهها، وإنما فعلت ذلك للتباعد عن شبهة الإحداد على أبيها مع أن الحديث الذي ذكرته ليس فيه المنع من ذلك ثلاثة أيام فما دونها (وقالت) أم حبيبة:(كنت عن هذا) الطيب (غنية) أي مستغنية عن استعماله، ولكني (سمعت النبي على الله عليه وسلم يقول: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث) ليال (إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر) بالنصب على الظرفية (وعشرًا) معطوف عليه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لأحاديث الأمهات الثلاث أم حبيبة وزينب بنت جحش وأم سلمة بحديث حفصة أو عائشة أو كليهما رضي الله تعالى عنهن أجمع فقال:
3614 -
(1415)(175)(وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وقتيبة) بن سعيد البلخي (و) محمد (بن رمح) المصري (عن الليث بن سعد) الفهمي المصري (عن نافع) مولى ابن عمر القرشي العدوي أبي عبد الله المدني، يقال إنه كان من أبرشهر، ويقال إنه كان من أهل المغرب أصابه ابن عمر في بعض غزواته، ثقة، من (3)(أن صفية بنت أبي عبيد) بن مسعود الثقفية المدنية امرأة عبد الله بن عمر، روت عن حفصة أو
حَدَّثَتْهُ، عَنْ حَفْصَةَ، أَوْ عَنْ عَائِشةَ، أَوْ عَنْ كِلْتَيهِمَا؛ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال:"لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ (أَوْ تُؤمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثةِ أَيَّامٍ. إلا عَلَى زَوْجِهَا".
3615 -
(00)(00) وحدّثناه شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَنْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ مسْلِمٍ). حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ دِينَارٍ، عَنْ نَافِعٍ. بإسْنَادِ حَدِيثِ اللَّيثِ. مِثْلَ رِوَايَتِهِ.
3616 -
(00)(00) وحدّثناه أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ
ــ
عائشة أو كلتيهما في الطلاق والحدود والكهانة، ويروي عنها (م د س ق) ونافع وسالم وعبد الله بن دينار وغيرهم، قال العجلي: مدنية ثقفية ثقة، وقال في التقريب: ثقة، من الثانية (حدثته) أي حدثت صفية لنافع، قال نافع: حدثتني صفية (عن حفصة) بنت عمر (أو) حدثتني (عن عائشة أو) حدثتني (عن كلتيهما) رضي الله تعالى عنهن، والشك من نافع. وهذا السند من خماسياته ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان أو مصري وبلخي أو مصري ونيسابوري (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أو) قال الراوي أو من دونه (تؤمن بالله ورسوله) بزيادة رسوله (أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها). وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته النسائي وابن ماجه اهـ تحفة الأشراف.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
3615 -
(00)(00)(وحدثناه شيبان بن فروخ) الحبطي مولاهم أبو محمد الأبلي، صدوق، من (9)(حدثنا عبد العزيز يعني ابن مسلم (القسملي -بفتح القاف والميم المخففة بينهما مهملة ساكنة- نسبة إلى القساملة محلة بالبصرة، أبو زيد المروزي، ثقة، من (7) روى عنه في (2) بابين (حدثنا عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني (عن نافع) العدوي (بإسناد حديث الليث) يعني عن صفية عن حفصة الخ أي حدثنا عبد الله بن دينار عن نافع بإسناد حديث الليث (مثل روايته) أي مثل رواية الليث عن نافع لفظًا ومعنى، غرضه بيان متابعة عبد الله بن دينار لليث بن سعد.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه ثانيًا فقال:
3616 -
(00)(00)(وحدثناه أبو غسان المسمعي) مالك بن عبد الواحد البصري
وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب. قَال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيدٍ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ حَفْصَةَ بنْتَ عُمَرَ. زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيثِ وَابْنِ دِينَارٍ. وَزَادَ:"فَإنَّهَا تُحِدُّ عَلَيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا".
3617 -
(00)(00) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيدُ الله. جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيدٍ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. بمَعْنَى حَدِيثِهمْ
ــ
(ومحمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري (قال: سمعت يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، حالة كون يحيى (يقول: سمعت نافعًا) مولى ابن عمر (يحدّث عن صفية بنت أبي عبيد) امرأة ابن عمر (أنها سمعت حفصة بنت عمر زوج النبي صلى الله عليه وسلم تحدِّث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة يحيى بن سعيد لليث بن سعد وعبد الله بن دينار، وساق يحيى (بمثل حديث الليث) بن سعد (و) عبد الله (بن دينار و) لكن (زاد) يحيى بن سعيد على الليث لفظة (فإنها تحد عليه) أي على الزوج (أربعة أشهر وعشرًا).
ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة فيه ثالثًا فقال:
3617 -
(00)(00)(وحدثنا أبو الربيع) الزهراني سليمان بن داود البصري (حدثنا حماد) بن زيد بن درهم الأزدي البصري، ثقة، من (8)(عن أيوب) السختياني البصري، ثقة، من (5)(ح وحدثنا) محمد (بن نمير)(حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (حدثنا عبيد الله) ابن عمر بن حفص بن عاصم العدوي المدني (جميعًا) أي كل من أيوب وعبيد الله رويا (عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم وساق أيوب وعبيد الله (بمعنى حديثهم) أي بمعنى حديث ليث بن سعد وعبد الله بن دينار ويحيى بن سعيد غرضه بيان متابعة أيوب وعبيد الله لليث بن سعد وعبد الله بن دينار ويحيى بن سعيد.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث الأمهات الثلاث بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
3618 -
(1416)(176) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى)(قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَال:"لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلا عَلَى زَوْجِهَا".
3619 -
(1417)(177) وحدّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ. حَدَّثَنَا ابْنُ إدريسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله
ــ
3618 -
(1416)(176)(وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب واللفظ) الآتي (ليحيى) بن يحيى (قال يحيى: أخبرنا وقال الآخرون حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة) رضي الله تعالى عنها (عن النبي على الله عليه وسلم) وهذا السند من خماسياته ففيه الإخبار والتحديث والمقارنة والعنعنة، رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان أو كوفي ونيسابوري أو بغدادي أو نسائي (قال) النبي صلى الله عليه وسلم:(لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت) أب أو غيره (فوق ثلاث إلا على زوجها) فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي وابن ماجه اهـ تحفة الأشراف.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث الأمهات ثالثًا بحديث أم عطية رضي الله تعالى عنهن فقال:
3619 -
(1417)(177)(وحدثنا حسن بن الربيع) البجلي أبو علي الكوفي البوراني، ثقة، من (10)(حدثنا) عبد الله (بن إدريس) بن يزيد الأودي الكوفي، ثقة ثقة، من (8)(عن هشام) بن حسان الأزدي القردوسي البصري، ثقة، من (6)(عن حفصة) بنت سيرين الأنصارية البصرية، ثقة، من (3)(عن أم عطية) نسيبة مصغرًا بنت كعب الأنصارية المدنية، وكانت من أفاضل الصحابيات كانت تمرّض المرضى وتداوي الجرحى وتغسل الموتى ولأجل ذلك تلقب الغاسلة رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم بصريان واثنان كوفيان وواحد مدني (أن رسول الله
صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ. إلا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثوْبَ عَصْبٍ. وَلَا تَكْتَحِلُ. وَلَا تَمَسُّ طِيبًا. إلا إِذَا طَهُرَتْ، نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ"
ــ
صلى الله عليه وسلم قال: لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث) ليال قال في المصباح: حدّت المرأة على زوجها تحد وتحد حدادًا بالكسر فهي حاد بغير هاء وأحدت إحدادًا فهي محد ومحدة إذا تركت الزينة لموته، وأنكر الأصمعي الثلاثي واقتصر على الرباعي (إلا على زوج) فتحد عليه (أربعة أشهر وعشرًا ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا) بأي صبغ كان إذا قُصد للزينة (إلا ثوب عصب) والعصب على وزان فلس برد يصبغ غزله ثم ينسج وهو من برود اليمن فإن العصب صبغ لا ينبت إلا باليمين أفاده الفيومي، قال القسطلاني: سمي بالعصب لأنه يعصب غزلها أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج مصبوغًا فيخرج موشىً لبقاء ما عصب منه أبيض ولم ينصبغ وإنما يعصب السدى دون اللحمة (فإن قلت): ما الحكمة في وجوب الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق (أُجيب) بأن الزينة والطيب يستدعيان النكاح فنهيت عنه زجرًا لأن الميت لا يتمكن من منع معتدته من النكاح بخلاف المطلق الحي فإنه يستغني بوجوده عن زاجر آخر اهـ من الإرشاد (ولا تكتحل) إلا لضرورة ليلًا فتمسحه نهارًا (ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت) من حيض أو نفاس، والظرف مقدم على الاستثناء الآتي، فاصل بين المستثنى والمستثنى منه، والتقدير ولا تمس طيبًا إلا (نبدة) أي قطعة (من قسط أو أظفار) فتستعملها إذا طهرت من حيضها أو نفاسها، والنبذة بضم النون وسكون الموحدة وفتح الذال المعجمة القطعة من الشيء واليسير منه، وأما القسط والأظفار فنوعان من البخور وليس المقصود منه الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب، أفاده النووي. وتقدم استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة ممسكة في موضع الدم في بابه فالمفهوم من المقام أن استحباب ذلك لغير المحدة وإنما الجائز لها التبخر بالبخور المذكور، وانتصاب نبذة على الاستثناء من طيبًا قدم عليه الظرف كما مر آنفًا اهـ من بعض الهوامش. قال القرطبي: وأكثر ما يستعمل القسط والأظفار مع غيرهما فيما يتبخر به لا بمجردهما اهـ مفهم.
قوله: (ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا) اعلم أن الثوب إذا كان مصبوغًا بما فيه طيب أو لبسته المرأة للزينة فلا خلف في حرمته على المعتدة إلا الثوب الأسود فإنه يجوز عند
3620 -
(00)(00) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيرٍ. ح وَحدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ. كِلاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَقَالا:"عِنْدَ أَدْنَى طُهْرهَا إِذَا طَهُرَتْ. نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ وَأَظفَارٍ"
ــ
الأئمة الأربعة، وأما إذا كان مصبوغًا بما ليس فيه طيب أو لبسته المرأة لغير الزينة مثل أن يكون الثوب خلقًا لا رائحة له فيجوز وكذلك إذا لم يكن عندها إلا ثوب مصبوغ فإنه لا بأس به لضرورة ستر العورة ولكن لا تقصد الزينةكما صرح الحاكم في الكافي، وقيده ابن الهمام بقدر ما تستحدث ثوبًا غيره إمّا ببيعه والاستخلاف بثمنه أو من مالها إن كان لها مال.
قوله: (إلا ثوب عصب) قال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام [4/ 62] العصب ثياب تجلب من اليمن فيها بياض وسواد، ولعله استثني من الحرمة لخشونته وسواده فإنه لا تقصد به الزينة، فأما إن كان مصبوغًا بلون آخر أو قصد به الزينة فلا يجوز ولذلك ذكر أكثر فقهاء الأحناف كراهة لبس العصب وكرهه أيضًا المالكية والشافعية كما في شرح الأبي، فالحاصل أن الذي أذن به صلى الله عليه وسلم هو المصبوغ بالسواد والذي كرهه الفقهاء ما كان مصبوغًا بغيره والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [2302]، والنسائي [6/ 202]، وابن ماجه [2087].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها فقال:
3620 -
(00)(00)(وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير ح وحدثنا عمرو الناقد حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة، من (9) (كلاهما) أي كل من عبد الله بن نمير ويزيد بن هارون رويا (عن هشام) بن حسان القردوسي البصري (بهذا الإسناد) يعني عن حفصة عن أم عطية (و) لكن (قال): أي قال عبد الله ويزيد بن هارون في روايتهما (عند أدنى) أي عند قرب (طهرها) أو أقل طهرها (إذا طهرت) من حيض أو نفاس (نبذه) أي شيئًا قليلًا (من قسط وأظفار) وفي الكلام تقديم وتأخير كما مر أي ولا تمس طيبًا إلا نبذة من قسط وأظفار عند قرب طهرها إذا طهرت من دمها، ووقع في كتاب البخاري (قسط أظفار) وهو خطأ إذ لا يضاف أحدهما إلى الآخر لأنهما لا نسبة بينهما، وعند بعضهم (قسط ظفار) وهذا له وجه فإن ظفار
3621 -
(00)(00) وحدّثني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ. قَالتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ. إِلَّا عَلَى زَوْجٍ. أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْرًا. وَلَا نَكْتَحِلُ. وَلَا نَتَطَيَّبُ. وَلَا نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَقَدْ رُخِّصَ لِلْمَرأَةِ فِي طُهْرِهَا، إِذَا اغْتَسَلَتْ إحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا، فِي نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ
ــ
مدينة باليمين نُسب إليه القسط وما في مسلم أحسن والله تعالى أعلم، وعلى هذا فينبغي أن لا يصرف للتعريف والتأنيث المعنوي ويكون كـ (حذام) و (قطام) أو يكون مبنيًّا على القول الثاني في حذام وقطام أعني مبنيًّا على الكسر اهـ من المفهم. وقد بسطنا الكلام على هذا في نزهة الألباب على ملحة الإعراب بما لا مزيد عليه فراجعه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها فقال:
3621 -
(00)(00)(وحدثني أبو الربيع الزهراني) سليمان بن داود البصري (حدثنا حماد) بن زيد الأزدي البصري (حدثنا أيوب) بن أبي تميمة العنزي البصري (عن حفصة) بنت سيرين البصرية (عن أم عطية) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون إلا أم عطية، غرضه بيان متابعة أيوب لهشام القردوسي (قالت) أم عطية:(كنا ننهى) أي ينهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن نحد على ميت) أب أو غيره (فوق ثلاث) ليال (إلا على زوج) فيحد عليه (أربعة أشهر وعشرًا) من الليالي، خرج مخرج الغالب وإلا فذوات الحمل بوضعهن كما لا يخفى (ولا نكتحل) بكحل زينة (ولا نتطيب ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا وقد رخص للمرأة) المعتدة (في طهرها) من محيضها (إذا اغتسلت إحدانا من محيضها) أي رخص لها (في) التبخر بـ (نبذة) أي بقطعة يسيرة (من قسط وأظفار) وهذا بيان لمحل المخالفة بين الروايتين.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ستة أحاديث: الأول والثاني والثالث أحاديث الأمهات الثلاث ذكرها للاستدلال بها على الترجمة وذكر فيها خمس متابعات، والرابع: حديث حفصة أو عائشة ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات، والخامس: حديث عائشة ذكرها للاستشهاد أيضًا، والسادس: حديث أم عطية ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعتين والله سبحانه وتعالى أعلم.