الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثاني: أن تعريف الخطبة اصطلاحًا: «طلب الرجل يد امرأة معينة تحل له شرعًا في الحال للتزوج بها» (1).
ولا يجب بمجرد الطلب الصداق، بل يجب في حال العقد عليها أو الدخول بها.
الفرع الثالث: حكم رد الشبكة
مما سبق من الترجيح في تكييف الشبكة أنها في حكم الهدية.
تحرير محل النزاع:
- أجمعوا أن الهبة التي يراد بها الصدقة لوجه الله تعالى لا يجوز لأحد الرجوع فيها (2).
- وأنه لا فرق بين حكم الهدية والهبة (3).
واختلف العلماء في حكمها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز الرجوع مع الكراهة التحريمية. وهو مذهب
(1) بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي، للدريني (2/ 459)، ومحاضرات في عقد الزواج وآثاره، لأبي زهرة، ص 55، وأحكام الزواج والطلاق في الإسلام، لأبي العينين، ص 41.
(2)
بداية المجتهد، لابن رشد (4/ 1542)، والمغني، لابن قدامة (8/ 279)، وفتح الباري، لابن حجر (5/ 278)، والاستذكار، لابن عبد البر (22/ 312).
(3)
فتح الباري، لابن حجر (5/ 278).
الحنفية (1)، وقول عند الشافعية (2)، وقال بعض الحنفية: لا يصح الرجوع إلا بتراضيهما، أو بحكم حاكم (3).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرجل أحق بهبته ما لم يُثبْ منها» (4).
وجه الدلالة: أن هذا الحديث نص في الباب، وأنه جعل الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض (5).
الرد: ويمكن الرد أن هذا الحديث ضعيف ولم يصح.
الدليل الثاني: الرجوع في الهبة مذهب عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر وغيرهم
(1) بدائع الصنائع، للكاساني (6/ 193)، والاختيار لتعليل المختار، للموصلي (2/ 541). واشترطوا خلوها من موانع سبعة:
1 -
الزيادة المتصلة.
2 -
موت أحد المتعاقدين.
3 -
العوض.
4 -
خروج الهبة من ملك الموهوب.
5 -
الزوجية.
6 -
القرابة.
7 -
هلاك العين الموهوبة.
انظر: حاشية ابن عابدين (8/ 505، 513).
(2)
كفاية الأخيار، للحصني (1/ 309).
(3)
نتائج الأفكار تكملة فتح القدير مع الهداية، لقاضي زاده (7/ 135).
(4)
سنن ابن ماجه (3/ 130)، كتاب الهبات، باب من وهب هبة رجاء ثوابها، وقال البوصيري:"إسناده ضعيف؛ لضعف إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع". تعليقات مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه. مطبوع مع السنن.
(5)
بدائع الصنائع، للكاساني (6/ 193).
(رضي الله عنهم أجمعين) ولم يُعلَم لهم مخالفٌ، فكان إجماعًا (1).
الرد: لا نسلم لكم بأنه إجماع؛ لأن علماء الأصول اختلفوا على الإجماع السكوتي؛ هل يعتبر إجماعًا أم لا؟ (2).
القول الثاني: لا يجوز الرجوع في الهبة إلا الوالد (3). وهو مذهب المالكية (4) والشافعية (5) والحنابلة (6)(7).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس
(1) بدائع الصنائع، للكاساني (6/ 1193).
(2)
الفصول في الأصول، للجصاص (3/ 303)، والمستصفى، للغزالي (1/ 358)، وشرح مختصر الروضة، للطوفي (3/ 78).
(3)
ليس على إطلاقه، بل جعل له المالكية شرطين:
1 -
ألَاّ يتزوج الابن.
2 -
ألَاّ يكون عليه دين.
بداية المجتهد (4/ 1542)، وجعل له الحنابلة شروطًا:
1 -
أن تكون عينًا باقية في ملك الابن.
2 -
أن تكون العين باقية في تصرف الولد
3 -
ألَاّ تزيد زيادة متصلة.
كشاف القناع، للبهوتي (10/ 151)، والكافي، لابن قدامة (3/ 599، 601).
(4)
بداية المجتهد، لابن رشد (4/ 1542)، وحاشية الخرشي، للخرشي (7/ 427) ويسمونه الاعتصار.
(5)
مغني المحتاج (2/ 518)، وكفاية الأخيار (1/ 309).
(6)
المغني، لابن قدامة (8/ 277)، والإنصاف مع الشرح الكبير، للمرداوي (17/ 81).
(7)
وهناك قول للمالكية والحنابلة أن للأم أن ترجع في هبتها. بداية المجتهد (4/ 1542)، وقال بعض الحنابلة ترجع المرأة مطلقًا، وقيل: إن وهبت مخافة غضبه أو إضرار بها، بأن يتزوج عليها ونحو ذلك. شرح الزركشي (4/ 311، 312).
لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه» (1).
وجه الدلالة من الحديث:
وجه الدلالة ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة (2).
الرد على وجه الدلالة من وجهين:
الأول: شبه بالكلب لخسة الفعل، ولدناءة الفاعل (3).
الثاني: أن فعل الكلب لا يوصف بالحرمة الشرعية، بل بالقبح (4).
مناقشة الوجهين:
الوجه الأول: يناقش بأنه تأويل بعيد ومنافرة لسياق الحديث (5).
الوجه الثاني: أن هناك أحاديث وردت في النهي عن أمور، ولم يفهم منها إلا التحريم، مثل في الصلاة نهْيٌ عن إقعاء الكلب ونقر الغراب ونحوهما (6).
(1) صحيح البخاري (3/ 192)، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، ح (2622)، ومسلم (5/ 64)، كتاب الهبات، باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده وإن سفل، ح (4261)، واللفظ للبخاري.
(2)
شرح صحيح مسلم، للنووي (11/ 54)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (6/ 333).
(3)
الاختيار لتعليل المختار، للموصلي (2/ 542).
(4)
بدائع الصنائع، للكاساني (6/ 194).
(5)
فتح الباري، لابن حجر (5/ 279)، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري (6/ 332).
(6)
تحفة الأحوذي، للمباركفوري (6/ 332).
الدليل الثاني: عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يحل للرجل أن يعطي عطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه» (1).
وجه الدلالة:
وجه الدلالة من الحديث ظاهر في التحريم (2)، وأنه نص في المسألة.
الرد: يحمل على نفي الحِلِّ من حيث المروءة والخلق، لا من حيث الحكم، ويحتمل أنه رجع إليه بلا قضاء ولا رضاه (3).
المناقشة:
سبق مناقشتهم في الدليل السابق من وجهين (4)، ويضاف هنا أن هذا نص واضح في عدم الحل، فلا يحتمل تأويلاتهم.
(1) سنن الترمذي، ص 619، كتاب الولاء والهبة، باب ما جاء في كراهية الرجوع في الهبة، ح (2131)، وأبو داود (4/ 194)، كتاب البيوع، باب الرجوع في الهبة، ح (3533)، والنسائي (6/ 576)، كتاب الهبة، باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك، ح (3692)، وابن ماجه (3/ 126)، كتاب الهبات، باب من أعطى ولده ثم رجع فيه، ح (2377) دون زيادة:"ومثل الذي يعطي .. ". صححه الترمذي، وقال الألباني: صحيح. إرواء الغليل (6/ 65)، كتاب الوقف، باب الهبة، ح (1624).
(2)
تحفة الأحوذي، للمباركفوري (6/ 333).
(3)
بدائع الصنائع، للكاساني (6/ 194).
(4)
انظر ص 90.
القول الثالث: وهو القول بالتفصيل: إن كان الرجوع من قبل الخاطب، فلا تسترد الهدايا، وإن كان الرجوع من قبل المخطوبة؛ فللخاطب استرداد الهدايا إلا لعرف أو شرط (1).
أدلة القول الثالث:
لم تذكر المراجع أدلة لهذا القول، وأدلة القولين السابقين لا تتكيَّف مع هذا التفصيل، وقد علل بعض العلماء لهذا القول فقال:"حتى لا يجمع على المهدى إليه بين ألم العدول وألم الاسترداد، إن لم يكن هو الذي عدل عن الخطبة"(2).
الرد على الدليل:
ويمكن الرد أن هذا تعليل في مقابل أدلة ثابتة صريحة الدلالة، فلا يصرف إلا بأدلة مثلها.
الترجيح:
الذي يظهر لي- والعلم عند الله- القول الثاني، وهو قول الجمهور القائل بعدم الرجوع إلا الوالد لولده، لأمور:
1 -
صحة أدلة القول الثاني.
2 -
ضعف أدلة القول الأول.
(1) حاشية الدسوقي (2/ 219 - 220)، وقال:"الأوجه الرجوع عليها إذا كان الامتناع من جهتها إلا لعرف أو شرط". والشرح الصغير لدردير مع حاشية الصاوي (2/ 348)، وقال:"وقيل: إن كان الرجوع من جهتها فله الرجوع عليها؛ لأنه نظير شيء لم يتم".
(2)
الأحوال الشخصية، لأبي زهرة، ص 39، 40.