الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث
حكم زواج "الفرند
":
اختلف العلماء في حكم زواج الفرند على قولين:
القول الأول: يجوز زواج "الفرند" بشرط ألَاّ يُنصّ في العقد على تأقيته، أو يكون بنية الطلاق. وهو قول عبد المجيد الزبداني، وعبد المحسن العبيكان، المستشار بوزارة العدل في المملكة العربية السعودية وعضو مجلس الشورى، وعبد الحميد حمدي، عضو المجلس الإسلامي بالدانمارك، والشيخ علي أبو الحسن، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر، والدكتور سليمان عبد الله الماجد، القاضي في محكمة الأحساء (1).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أنه زواج مكتمل الأركان والشروط، من إيجاب وقبول وولي وشاهدين والزوجين الخاليين من الموانع (2).
مناقشة الدليل:
صحيح نسلم لكم أن العقد صحيح، ولكن بما أنه مشابه لنكاح
(1) الزواج العرفي، لدريويش، ص 122، وزواج "الفرند"، للمطلق، ص 22، والزواج العرفي، للمطلق، ص 449، وعقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 74، وعقود الزواج المستحدثة، للنجيمي، ص 79.
(2)
عقود الزواج المستحدثة، للنجيمي، ص 79.
الأخدان (1)، فأخشى أن يُستغل ويعمل به كالأخدان المُحرَّم إن لم توضع له ضوابط تحفظه (2).
الدليل الثاني: أن النفقة والسكن وإن كانا من واجبات الزواج، إلا أنهما ليسا من العقد، وعدم توافرهما لا يبطله (3)، فللمرأة حق التنازل عنهما ما دامت تستطيع أن تسكن إلى جانب أبيها وأسرتها (4).
الرد على الدليل من وجوه:
الوجه الأول:
قولكم محل نظر وإن كان صحيحًا؛ لأننا كأننا نخفف من الواجبات الزوجية، ونجرده من مقاصده لنزوة جنسية بحتة، وعقدٍ مشبوهٍ لا يوفر المودة والرحمة لكلا الزوجين، لأن كلا الصديقين يدرك في قرارة نفسه أن هذا الزواج لا يدوم (5).
مناقشة الوجه الأول:
ويمكن الرد عليه بأننا لا نسلم لكم بأنه نزول إلى رغبة جنسية بحتة، وأنه ليس فيه مودة ورحمة؛ لأن الإنسان قد يكون فقيرًا
(1) متخذات الأخدان: هن المتسترات اللاتي يصحبن واحدًا واحدًا، ويزنين خفية، وهو من زنى الجاهلية. المحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 17).
(2)
ولهذا قال سيد طنطاوي- شيخ الأزهر- بعدما أجازه: "ينبغي علينا مراعاة ما بعد الزواج ومشكلات". الزواج العرفي، لدريويش، ص 125.
(3)
عقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 74.
(4)
عقود الزواج المستحدثة، النجيمي، ص 79.
(5)
عقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 81.
ويعمل لجمع المال لتوفير سكن لعائلته، وقد تصيبه فاقة في أثناء الزواج، فيجعل زوجته عند أهلها مدة قد تطول، ويأتيها على فترات عند أهلها إلى أن تتيسر أموره، ولم يقل أحد بحرمة هذه الصورة كزواج النهاريات والليليات.
الوجه الثاني:
لو لم يكن في منع هذا الزواج إلا سد الذريعة، وقطع دابر التحايل، للزم من هذا المنطلق تحريمه وذمه؛ حتى لا يفتح به الباب لأصحاب الأهواء والنزوات الذين استهوتهم المتع، ولعبت بهم الميول الدنيئة (1).
مناقشة الوجه الثاني:
يمكن مناقشة أن الحيل لا ترد كلها، بل فيها تفضيل كما سبق في تقسيم الحيل (2)، ولا يمكن أن نحكم أنه للمتعة والشهوة؛ لأنه قد يكون لحاجة وفقر، ويريد مخرجًا للعفة والتحصين لنفسه ولغيره، لاسيما إذا كان في بلد غربي منحل أخلاقيًّا.
الوجه الثالث:
لا يلزم من كون الواجبات الزوجية ليست من أركان العقد حِليَّة النكاح، وإن صححنا العقد فقد يكون عقدُ النكاح مستوفيًا ظاهريًّا للأركان والشروط المطلوبة، ويعتريه التحريم من نواح أخرى؛ كالصلاة في الدار المغصوبة، فإن الفقهاء جميعهم يقطعون بالصحة مع الحرمة (3).
(1) المرجع السابق.
(2)
انظر، ص 141 وما بعدها.
(3)
عقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 81
مناقشة الوجه الثالث:
ويمكن مناقشته بأننا نسلم لكم بأنه إن اعتراه أمر ينافي مقاصد الزواج أو الغاية منه، أنه قد يحرم، ولكن لا نرى أنه اعتراه شيء يؤدي إلى حرمته، مع أن مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة غير مسلم بها، فمِن العلماء من يرى أن الصلاة غير صحيحة (1)، فلا نسلم لكم بهذا الدليل.
الدليل الثالث:
يؤدي هذا الزواج في الغرب بين أبناء المسلمين إلى اتقاء شرور الفتن الأخلاقية، إذ من الممكن أن يرتبطا بعقد زواج شرعي من دون أن يمتلكا بيتًا في البداية، إلى أن يتم لهما تنظيم حياتهما (2).
الرد على الدليل من وجوه:
الوجه الأول: أن اتقاء الفتن لا يكون في تغريب الإسلام، بل في أسلمة الغرب، وتطويع المغتربين من شبابنا لمفاهيم الإسلام؛ لقوله تعالى:{وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (3).
وفي الحديث: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء» (4)(5).
(1) مطالب أولى النهي، للرحيباني (1/ 369)، والكافي، لابن قدامة (1/ 239).
(2)
عقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 74.
(3)
سورة النور، آية:33.
(4)
سبق تخريجه ص 43.
(5)
عقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 78.
الرد على الوجه الأول:
أن إسقاط المرأة حقها لا ينافي حقها من الزواج، وتشملها عموم الأدلة الدالة على طلب الزواج، مع أن الأولى الصبر والصوم إنْ قُدِر عليه، وإلا لا نستطيع تحريم نوع من أنواع الزواج لم ينص دليل صريح على تحريمه (1).
الوجه الثاني:
أن القواعد تدفع هذا العقد المشبوه؛ لمنافاته المقاصد الإسلامية من الزواج، وأن الشيخ الزبداني، الذي أفتى بهذه الفتوى، ذكر أن الولد يأتي إلى بيت أبيه ومعه صديقته ويعاشرها، والأب والأم يعلمان أنها صديقته، فرأى حل المشكلة بالعقد الشرعي، أي بدل أن تكون العلاقة آثمة تكون علاقة شرعية (2).
الرد على الوجه الثاني:
ويمكن الرد عليه بأننا لا نسلم لكم بأن العقد مشبوه إذا استكمل الأركان والشروط، وكذلك لا يوجد مانع يمنع أن تحول المعاملات أو العلاقات من محرمة إلى شرعية، بل الشرع يأمر بأن يكون كل أمر موافقًا للشريعة، وهذا هو الفقه، بأن ينظر العالم صاحب الأهلية في المعاملات أو العلاقات ويجعلها موافقة للشريعة، وإلا لم تسلم لنا كثير من المعاملات ولا العلاقات، والشريعة صالحة لكل زمان ومكان.
(1) زواج الفرند، للمطلق، ص 31.
(2)
عقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 78.
الوجه الثالث:
أن واقع هؤلاء الطلبة المغتربين يدل على أنهم لا يتزوجون غالبًا إلا بنية الطلاق عندما تنقضي مهامهم (1).
الرد على الوجه الثالث:
ويمكن الرد عليه بأن هذا خارج محل النزاع، فنحن نتكلم على زواج "الفرند"، وأما الزواج بنية الطلاق فقد اختلف فيه العلماء، ومع ذلك فقد صححه بعضهم، فلا حجة في هذا الوجه.
الوجه الرابع:
أن هذه المرأة الصديقة ربما تكون غير مسلمة؛ كالمرأة الغربية مثلاً، وإن كانوا نصارى اسمًا، إلا أنهم آل بهم الأمر في هذا العصر إلى الإلحاد المطلق والإباحية (2).
الرد على الوجه الرابع:
الأصل أن الكتابية يجوز نكاحها، وذكر الفقهاء شروطًا (3) لذلك، ولكن لا نسلم لكم أنهم كلهم ملحدون، كما أن ليس كلهم متمسكين بدينهم، فمنهم من هو ملحد، ومنهم العاصي، ومنهم متمسك بدينه، كما هو حال المسلمين، والله المستعان، فإن خالفت شروط العلماء المذكورة، فنحرم نكاحها لا لزواج "الفرند"، بل لمخالفتها الشرع بعدم توفر الشروط والأركان التي هي الأصل عندنا.
(1) عقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 79.
(2)
المرجع السابق.
(3)
المحرر الوجيز، لابن عطية (4/ 359)، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (3/ 455)، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير (3/ 330).
الدليل الرابع:
أن هذا الزواج يتوافق مع ظروف الشباب المسلم الذي يعيش في الغرب، ويجنبه الوقوع في العلاقات الجنسية المحرمة، وهذا يوافق ظروف حياة الأقليات المسلمة (1).
الرد على الدليل الرابع من وجهين:
الوجه الأول:
الأصل أن الشباب المسلم يجب عليه أن يذعن للأحكام الشرعية الصافية في أي بلد، وتحت أي ظرف، وألَاّ يتتبع الرخص؛ لأنها تدفع الإنسان المسلم إلى ظلمات المهالك، حتى قال أهل العلم: من تتبع الرخص فقد ضل وهلك (2)(3).
الرد على الوجه الأول:
نسلم لكم بأنه يجب على كل مسلم أن يتبع تقاليد الإسلام، ومن وجهة نظرنا أنه لم يخالف تعاليم الإسلام إن تنازل أحد عن حقه، فهو صاحب الشأن، وأما تتبع الرخص، فالمقصود به التلفيق عند العلماء، بأن يأخذ من كل مذهب ما يوافق هواه، وهذا غير وارد على مسألتنا؛ لأننا لم نتتبع الرخص، بل الأركان والشروط موجودة في هذا العقد، وكل ما في الأمر أن المرأة تنازلت عن حقها، وإن سلمنا لكم بأنها من باب تتبع الرخص، فقد اختلف فيه
(1) عقود الزواج المستجدة، للسهلي، ص 74.
(2)
الآيات البينات على شرح جمع الجوامع، للعبادي (4/ 383)، والرخصة الشرعية، لكامل، ص 165.
(3)
عقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 81.
العلماء كذلك بين مجيز ومانع (1).
الوجه الثاني:
علينا أن نطوع الشباب المسلم لتعاليم الدين الحنيف، فكله محاسن وأخلاق ورحمة، وألَاّ نطوع القواعد الفقهية للشباب ليحصلوا على ما يبتغون ولو كان فيه خدش للمقاصد (2).
الرد على الوجه الثاني:
ويمكن الرد عليه بأنه صحيح، بل يجب على الشباب وغير الشباب أن ينقاد إلى تعاليم الإسلام، وأن هذا الدين جاء بجلب المصالح، ودفع المفاسد، ومصلحة المسلم أن يقصد أحد مقاصد الشريعة، وهو أن يُعفَّ نفسه عن الحرام، لاسيما أنه لم يخالف نصًّا، ولم يترك ركنًا ولا شرطًا من النكاح، فلذلك لا نُسلِّم أن فيه خدشًا للمقاصد إذا كان عن رضًا، ولا أننا نكيف لهم قواعد الشريعة على هواهم.
القول الثاني:
أن زواج "الفرند" حرام، وهو قول الدكتور نصر فريد واصل، مفتي مصر السابق، والدكتور محمد الطبطباني، عميد كلية الشريعة في الكويت سابقًا، وغيرهما (3).
(1) الآيات البينات، للعبادي (4/ 383)، والرخصة الشرعية، لكمال، ص 165.
(2)
عقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 82.
(3)
زواج "الفرند"، للمطلق، ص 27، والزواج العرفي، لدريويش، ص 125، والزواج العرفي، للمطلق، ص 454، وعقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 76، وعقود الزواج المستحدثة، للنجيمي، ص 80.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن هذا الزواج فيه مخالفة لما حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم، الشباب من الزواج الكامل بكافة التزاماته الشرعية، والعاجزُ عليه الاستعفافُ؛ لقوله تعالى:{وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (1). وعليه أن يصوم؛ لحديث: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم» (2)، ولا وسط بين هذين التوجيهين (3).
الرد على هذا الدليل:
سبق الرد على هذا الدليل في الرد على الدليل الثالث من القول الأول (4).
الدليل الثاني: شرع الله الزواج ليكون رباطًا وثيقًا بين الرجل والمرأة يقوم على المودة والرحمة، ومن مقاصده الأساسية السكن والمودة، فإذا لم تتحقق هذه المقاصد فقد الزواج قيمته الأساسية، وأصبح مجرد شهوة (5).
الرد على الدليل:
لا نسلم لكم بعدم تحقق السكن إلى بعضهما البعض ولا المودة؛ لأنها أمور قلبية قد توجد وإن لم يوجد سكن، وإن سلمنا لكم بتقصير في المقاصد مع توفر الأركان والشروط، فيكون
(1) سورة النور، آية:33.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
عقود الزواج المستحدثة، للسهلي، ص 76.
(4)
انظر: ص 177 وما بعدها.
(5)
عقود الزواج المستجدة، للسهلي، ص 77، وعقود الزواج المستجدة، للنجيمي، ص 80.
غاية ما فيه الكراهة لا التحريم (1).
الدليل الثالث: لا يوجد في الإسلام زواج موصوف بصفة خاصة، وإنما ورد لفظ الزواج في القرآن والسنة غير مقيد بأي صفة، كقوله تعالى:{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (2)(3).
الرد على الدليل الثالث: ليس من المهم أن يقيد أو يطلق لفظ الزواج بصفة أو غيرها طالما أنه استوفى أركانه وشروطه، ولا مشاحَّة في الاصطلاح إذا عرف المعنى والمراد (4).
الدليل الرابع: أن هذا النوع من النكاح سيكون مدخلاً للفساد والإفساد، فإنه من السهل أن يتزوج، وسهل عليه أن يطلق، ويؤدي ذلك إلى استغلال الرجل للمرأة لمجرد أن يلبي رغباته الجنسية (5).
الرد على الدليل الرابع: صحيح هذا، وأنه محتمل أن يقع الفساد، وليس متيقنًا، والأحكام الشرعية تبنى على صحة أركانها وشروطها ليس إلَاّ (6).
والقول المختار- والله أعلم- القول الأول القائل بالإباحة،
(1) عقود الزواج المستجدة، للنجيمي، ص 80.
(2)
سورة النور، آية:32.
(3)
عقود الزواج المستجدة، للنجيمي، ص 80.
(4)
المرجع السابق.
(5)
عقود الزواج المستجدة، للنجيمي، ص 81، وعقود الزواج المستجدة للسهلي، ص 77.
(6)
عقود الزواج المستجدة، للنجيمي، ص 81.
ولو قيد بالضرورة والحاجة لكان أحسن، وقد أجازه المجمع الفقهي الإسلامي (1)، وذلك لما يلي:
1 -
أنه استوفى شروطه وأركانه- وهو المهم-.
2 -
أن فيه تيسيرًا على المسلمين، لاسيما في الغرب.
3 -
أن أصحاب القول الثاني ليس لديهم دليل صريع لنحمله على الحرمة.
(1) موقع رايطة العالم الاإسلامي.