الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني
حكم الزواج عبر وسائل الاتصال الحديثة
مما سبق يتبين لنا أن حكم الزواج عبر وسائل الاتصال الحديثة (الإنترنت) لا يخلو من حالات:
الحالة الأولى: أن يكون عقد النكاح عن طريق الكتابة
(1).
وقد اختلف العلماء فيه، فهي مسألة بحثها العلماء قديمًا، والجديد فيها السرعة فقط.
صورة المسألة التي ذكرها بعض المعاصرين:
الصورة الأولى: أن يكتب الولي إيجابه على النكاح، ثم يرسله عبر البريد الإلكتروني إلى القابل، فيصدر قبوله كتابة، ثم ترسل هذه الورقة عبر البريد إلى اثنين حتى يشهدا عليها (2)،
أو يكون عنده
(1) هناك من يرى أن هناك فرقًا بين الكتابة والرسالة، وهو أنه في الكتاب يستطيع المكتوب إليه إذا لم يقبل في المجلس الأول أن يقبل في مجلس آخر، ثانٍ أو ثالثٍ، ما دام الكتاب موجودًا ويم؟ ؟ ؟ العقد، وأما في الرسالة فلا يصح القبول إلا في المجلس الذي بلغت فيه. الزواج وموجباته، لفيض الله، ص 39، وقال بدران أبو العينين:"وهذا الفرق غير مقبول؛ لأن فيه إعطاء الكتاب أثرًا أقوى وأدوم من أثر مرسله". أحكام الزواج والطلاق في الإسلام، لأبي العينين، ص 63، 64.
(2)
عقد الزواج عبر الإنترنت، للمزروع، ص 14، على موقع صيد الفوائد:
http://www.saaid.net/book/open.php? cat=83&book=5257.
شاهدان فيقرؤها عليهما، ثم يصدر قبوله، ويرسله إلى الولي.
الصورة الثانية: أن يكون الإيجاب والقبول بالتخاطب بين أطراف العقد كتابةً، فيقوم أطراف عقد النكاح بإبرام العقد، ثم يقوم اثنان من المتواجدين بالشهادة على هذا العقد (1).
أقوال العلماء في المسألة:
القول الأول: جواز عقد النكاح بالكتابة بين غائبين. وهو مذهب الحنفية (2)(3)، وقول عند الشافعية (4)، ورواية عند الحنابلة (5).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أم حبيبة رضي الله عنها، أنها كانت تحت عبيد الله بن
(1) المرجع السابق، والأحكام الفقهية للتعاملات الإلكترونية، للسند، ص 222.
(2)
الفتاوى الهندية (1/ 269)، وحاشية ابن عابدين (4/ 73)، وفتح القدير، لابن الهمام (2/ 345).
(3)
واشترط الحنفية:
1 -
أن يكون العاقد غائبًا عن مجلس العقد.
2 -
أن يُشهد العاقدُ شاهدين على ما في الكتاب عند إرساله.
3 -
أن يصرح المرسل إليه بالقبول لفظًا لا كتابة.
4 -
أن يشهد الغائب حين يأتيه الكتاب، ويعرفهم بما في الكتاب، ويصرح لهم بالقبول. حاشية ابن عابدين (4/ 73، 74)، ومختصر شرح الأحكام الشرعية، للأبياني بك، ص 13، 14، ومصادر الحق في الفقه الإسلامي، للسنهوري (1/ 77، 78).
(4)
روضة الطالبين (3/ 195)، وقال النووي:"وليس بشيء؛ لأنه كتابة".
(5)
المبدع، لابن مفلح (7/ 18)، والإنصاف، للمرداوي (20/ 103).
جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حَسَنة (1).
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى النجاشي يخطب أم حبيبة رضي الله عنها، فزوجها النجاشي منه، وكان النجاشي وليها بالسلطة (2).
الدليل الثاني: أن الكتاب من الغائب ينعقد؛ لأن الكتاب من الغائب يعتبر خطابًا (3).
الدليل الثالث: كما أن النكاح ينعقد بألفاظ بطريق الأصالة، فكذلك ينعقد بطريق النيابة بالوكالة والرسالة (4).
القول الثاني: عدم جواز عقد النكاح بين غائبين. وهو قول المالكية (5) والشافعية (6) والحنابلة (7).
(1) رواه أبو داود في سننه (3/ 31)، كتاب النكاح، باب الصداق، ح (2100)، والنسائي في سننه (6/ 428، 429)، كتاب النكاح، باب القسط في الأصدقة، ح (3350). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/ 588).
(2)
المبسوط، للسرخسي (5/ 15).
(3)
بدائع الصنائع، للكاساني (2/ 346)، والمبسوط (5/ 16).
(4)
بدائع الصنائع (2/ 346).
(5)
مواهب الجليل، للحطاب (5/ 43)، والقوانين الفقهية، لابن جزي، ص 329، وبداية المجتهد، لابن رشد (3/ 947).
(6)
روضة الطالبين، للنووي (3/ 195)، ومغني المحتاج، للشربيني (3/ 190).
(7)
المغني، لابن قدامة (9/ 463 - 464)، وكشاف القناع، للبهوتي (11/ 242).
الدليل الأول: وقولهم هذا مبني على اشتراطهم اجتماع الإرادتين، حيث يُجرى العقد في وقت واحد، ويعبرون عنه بالإيجاب والقبول، وهذا محل اتفاق بينهم، واختلفوا في المدة، فأجاز مالك التراخي (1)، وفرق بين الطويل والقصير، وقال الشافعية بوجوب الفورية (2)، ولم يشترط الحنابلة الفورية، وقالوا: يصح التراخي ما داما في مجلس العقد ولم يتشاغلا عنه بغيره؛ لأن حكم المجلس حكم حالة العقد (3).
وهم بهذا القول يقيسون النكاح على البيع، بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه، وثبوت الخيار في عقود المعاوضات (4).
ويمكن أن يناقش استدلالهم بأنه قياس مع الفارق، فقد ثبت دليل في هذه المسألة، وهو زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أم حبيبة (5).
الدليل الثاني: لا ينعقد النكاح بالكتاب؛ لعظم خطر النكاح، فيُحتاط له ما لا يحتاط لغيره (6).
مناقشة الدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتبليغ الرسالة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} (7)، وقد بلغ
(1) بداية المجتهد (3/ 947)، والقوانين الفقهية، ص 329.
(2)
المرجعين السابقين، وروضة الطالبين (3/ 195).
(3)
المغني (9/ 463).
(4)
المرجع السابق.
(5)
سبق تخريجه ص 120.
(6)
المبسوط (5/ 16).
(7)
سورة المائدة، آية:67.