الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصناف الرعاة:
والرعاة على صنفين: رعاة الإبل، وهم الممعنون في البوادي، والذين يبيتون مع الإبل في المرعى لا يأوون إلى بيوتهم، ولا يرعون غيرها، وهم: الجشر" أو هم الذين يرعون الإبل، ويقيمون معها في المرعى، ولا يرعون معها غيرها من بقية الحيوانات1. وهم جل الأعراب، بل كلهم؛ لأن حياة الأعرابي هي حياة رعي إبل، يرعاها عند بيته أو على مبعدة منه. بات مع الإبل بعيدًا عن بيته أو أهله أيامًا أو موسم الربيع، أو أقام عند خيمته مع إبله، فهو راعي إبل في الحالتين.
وراعي الإبل، هو الأعرابي الأصيل، ابن البادية جواب بيداء، لا يأكل البقل والخضر، هو كما قال الراجز:
جواب بيداء بها غروف
…
لا يأكل البقل ولا يريف
ولا يرى في بيته القليف2
ويقال للأعرابي الذي ينشأ في البدو والفلوات لم يزايلها: المقحم3.
ويكون هؤلاء الرعاة الأعراب من أبعد الرعاة عن "المصانع"، أي القرى والحضر، ومن أهلها، لا يذهبون إليها ولا يتصلون بها4. فهم يعيشون في عالم خاص بهم بعيد عن القيود والتكاليف، والتنويع في المأكل والمشرب.
ورعاة يرعون إبلًا ويرعون غيرها معها من بقر وخيل وغنم. وهم لعدم استطاعة البقر والغنم من التوغل في البادية والتعمق في طياتها، لا يستطيعون الابتعاد عن الماء كثيرًا، لعدم استطاعة تلك الحيوانات الصبر على العطش كثيرًا ولهذا فهم على اتصال بالحضر وبالحضارة، وهم مرحلة وسطى بين الحضارة وبين
1 تاج العروس "3/ 100 وما بعدها"، "جشر"، قال الأخطل:
تسأله الصبر من غسان إذ حضروا
…
والحزن كيف قراه الغلمة الجشر
"وإنما قالوا له ذلك؛ لأنه كان يقول لهم: أنتم جشر، أي رعاة إبل"، تاج العروس "9/ 174"، "حزن".
2 تاج العروس "6/ 123"، "تريف"، "6/ 227"، "قلف".
3 تاج العروس "9/ 17"، "قحم".
4 تاج العروس "5/ 422"، "صنع".
الأعرابية، وهم الجرثومة التي نبتت منها المجتمعات العربية الحضرية في العراق وفي بلاد الشأم وفي جزيرة العرب، وهم من أهل الخيام السود المنسوجة من شعر الماعز، أو من صوف الأغنام، وقد أشير إليهم في التوراة، وقد كانوا يسكنون شرق العبرانيين وفي أرض فلسطين.
وكانوا يتنجعون أيام الكلأ فتجتمع منهم قبائل شتى في مكان واحد، فتقع بينهم ألفة، فإذا افترقوا ورجعوا إلى أوطانهم ساءهم ذلك، وقد عرف هؤلاء بـ"الخلطاء". كما كانوا يتشاركون في الرعي، وذلك أن يستأجروا راعيًا أو رعاة، ويقدم كل واحد من الشركاء ما يريد تقديمه من الإبل أو الشياه، ويحتمل كل واحد من المتشاركين أجر الرعي، حسب عدد إبله أو شياهه1.
ولا يشترط في الراعي، أن يكون أجيرًا لغيره يرعى إبل وماشية غيره، فقد يكون راعيًا، وهو مالك لإبله ولبقية الماشية التي يرعاها، وهو إنما سمي راعيًا؛ لأنه اتخذ الرعي وسيلة للحياة يعيش عليها، ويجوز أن يكون قد ورثها عن آبائه وأجداده، ويجوز أن يكون قد اختارها هو حرفة له، كما يجوز أن يكون راعيًا لمال غيره من أهل قبيلته أو من الأبعدين، وقد يكون هؤلاء من أهل الحواضر المستقرين، يسلمون ما لهم للرعاة، لترعى في البوادي، وليكثر نسلها وتصح أجسامها، فإذا أرادوا بيعها طلبوا من الرعاة إعادتها إليهم.
ويقوم الأبناء في العادة برعي إبل الأب والعائلة، ونجد في القصص إشارات إليهم، لطمع الرجال في الإبل، وازدراءهم شأن الراعي لصغر سنه، فيستاقون إبله، مما يتسبب عن ذلك تعقب السراق، ووقوع حوادث بينهم وبين أرباب الإبل.
ولا يربي الرعاة الدجاج والبط والحمام والأوز والطيور المختلفة والخنازير، إنما يربيها أهل الريف. والريف ما قارب الماء من أرض العرب وغيرها، وأرض فيها زرع وخصب، أو حيث تكون الخضر والمياه والزروع2. وتربية الدجاج حرفة ينظر العربي إليها نظرة ازدراء واستهجان، فلا يليق برجل حر يحترم نفسه، أن يخدم طيرًا أو حيوانًا صغيرًا كالدجاجة، ولذلك كانت من حرف
1 تاج العروس "5/ 132"، "خلط".
2 تاج العروس "6/ 123"، "تريف".