الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشعر في الإسلام، هذَّبوا تلك الأشعار حتى جعلوها بهلجة واحدة، هي اللهجة التي وصلت إلينا، وإذا كان هذا هو ما جرى، فما هي نسبة التحوير التي أوقعها العلماء على ذلك الشعر؟
الْقَدِيمُ وَالْحَدِيثُ:
مشكلة القديم والحديث، وتصادم الحديث مع القديم، وتفضيل الناس القديم على الحديث، من المشاكل التي شغلت الإنسان منذ ظهوره على سطح الأرض حتى اليوم. فالحديث ينافس القديم، ليحل محله، والقديم يصر على حقه في البقاء وفي جدارته في الخلود. والجيل الجديد يريد أخذ القيادة من الجيل القديم، والجيل القديم لا يريد إعطاءها لأحد إلا إذا كان من جيله، لأنه أقدر في نظره على إدراك الأمور، وأكثر تجاربًا وخبرة وحكمة من الأحداث جماع الجيل الجديد، مع أن كل قديم هو محدث في زمانه الإضافة إلى من كان قبله، وكل جديد سيصير قديمًا بالنسبة إلى من يأتي بعده، ولسبب آخر، هو أن القديم، هو الحاكم المتنفذ، فلا يهون عليه التنازل عن حقه لمستجد.
وقد شغلت هذه المشكلة أذهان الجاهليين ولا شك، كما شغلت أذهان الإسلاميين، فشعراء العصر الأموي، كانوا يرون في شعرهم إبداعًا لم يكن عند من سبقهم من المخضرمين والجاهليين غير أن الناس في أيامهم، لم يكونوا يعطون شعرهم من التقدير ما أعطوه للشعر القديم، كانوا يرونه مولدًا بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين، وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين1.
وكان الشعر القديم، هو الشعر الممتاز المقدم عند علماء الشعر واللغة، فكان أبو عمرو بن العلاء يقول:"لقد أحسن هذا المولد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته" لكنه لم يستشهد به، ولم يجعل الجيد الممتاز من الشعر المولد في منزلة الشعر القديم، لسبب واحد هو قدم الشعر الجاهلي. وقال الأصمعي: جلست إليه ثماني حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامي، وسئل عن المولدين، فقال: ما كان من حسن فقد سبقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم،
1 العمدة "1/ 90".
ليس النمط واحدًا، ترى قطعة ديباج، وقطعة مسيح، وقطعة نطع. هذا مذهب أبي عمرو وأصحابه: الأصمعي، وابن الأعرابي، أعني أن كل واحد منهم يذهب في أهل عصره هذا المذهب، ويقدم مَنْ قبلهم، وليس ذلك الشيء إلا لحاجتهم إلى الشاهد، وقلة ثقتهم بما يأتي به المولدون ثم صارت لجاجة"1.
وقد رجع الجاحظ سبب هذا الركض وراء الشعر الجاهلي إلى لجاجة علماء اللغة في البحث عن كل شعر يستفاد منه في الشواهد، إذ يقول:"ولم أَرَ غاية النَّحْويين إلا كل شعر فيه إعراب، ولم أَرَ غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل"2. ويقول: "طلبت علم الشعر عند الأصمعي، فوجدته لا يعرف إلا غريبه، "الألفاظ والمعاني العربية"، فسألت الأخفش، فلم يعرف إلا إعرابه، فسألت أبا عبيدة فرأيته لا ينفذ إلا فيما اتصل بالأخبار، ولم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب، كالحسن بن وهب وغيره"3.
لقد كان القدم، هو المقياس الأول في تقدير الشعر في ذلك الحين. فالشعر القديم محبوب مطلوب مقدم على الحديث، مهما كان في الشعر الحديث من إبداع في المعنى وفي القالب. قال عبد الله التميمي، "كنا عند ابن الأعرابي، فأنشده رجل شعرًا لأبي نواس أحسن فيه فسكت. قال له الرجل: أما هذا من أحسن الشعر؟ قال: فقال: بلى، ولكن القديم أحب إلي"4.
وقد بلغ من تعظيم بعضهم للقديم، أنهم كانوا يرون المعاني على مقادير أصحابها من الشعراء، فالمعنى الذي يكون لامرئ القيس يكون كامرئ القيس في اعتباره وإجلاله وتحاميه أن يتلقى بالرد والمواجهة، ولذا فشا الغلط بينهم في تفسير الشعر وأخذ منه التصحيف كل مأخذ5.
فالقدم وحاجة العلماء إلى الشعر القديم للاستشهاد به، والبحث عن الغريب، كانت كلها من العوامل التي أعطت للشعر القديم منزلة لم ينلها شعر المعاصرين،
1 العمدة "1/ 90 وما بعدها"، الخزانة "1/ 3 وما بعدها".
2 البيان "4/ 24".
3 الرافعي "1/ 421"
4 الموشح، للمرزباني "384".
5 الرافعي "1/ 420".
فأغاظ ذلك الشعراء المحدثين، وجعلهم يحنقون على علماء اللغة، ويسخرون منهم ومن عروضهم ونحوهم، ولم يخفف من غلواء هؤلاء العلماء إلا تغير الزمن، وبروز الأدباء الذين نظروا إلى الأدب نظرة أخرى، نظرة تقدر الجيد من الشعر من غير نظر إلى زمانه أو قائله.
ولابن قتيبة رأي في الشعر يخالف رأي أبي عمرو بن العلاء وأصحابه، رأيه في قيمة الشعر رأي الجاحظ الذي ذكرته، وقد عرضه بقوله: "رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه في متخيره، ويرذل الشعر الرَّصين، ولا عيب له عنده إلى أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله.
ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص به قومًا دون قوم، بل جعل ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثًا في عصره، وكل شرف خارجية في أوله".
وقال: "ولم أسلك، فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختارًا له سبيل من قلد، أو استحسن باستحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلا حظه، ووفرت عليه حقه"1.
قال خلف الأحمر: قال لي شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت من الشاعر قال:
أنبت قيصومًا وجثجاثا
…
فاحتمل له، وقلت أنا
أنبت إجاصًا وتفاحًا
…
فلم يحتمل لي؟ "2
ومن شدة عجب الناس بالشعر الجاهلي أنهم جعلوه أنموذجًا لشعرهم ودليلا لهم
1 الشعر والشعراء "1/ 10 وما بعدها"، "دار الثقافة".
2 الشعر والشعراء "1/ 22".
وهاديًا في أصول نظم الشعر، من محافظة على مظهر القصيدة وعلى "عمود الشعر". وجعلوا الشكل الخارجي، الذي رسم للقصيدة من ذكر الديار والدِّمن والآثار إلى آخر ما قالوه عن ترتيب المراحل التي يجب أن تمر بها القصيدة، ثم عمود الشعر مقياسين، قاسوا بموجبهما الشعر الجيد من الشعر الرديء، وميزوا بينهما بهذين المقياسين. "فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعلوا واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيمل السامعين، ولم يقطع وبالنقوس ظمأ إلى المزيد"1.
وكان "الجاحظ" وهو من شيوخ الأدباء، يرى مذهب الأديب في تقدير الشعر وتثمينه، يرى أن الشعر بمواضع الحسن منه، وبالمعاني الجليلة التي فيه، وعلى الألفاظ العذبة التي تشتمله، وفي ذلك يقول: "وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين، ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصفة فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة. ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الأحاديث والقصائد والفقر والنتف من كل شيء، ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب عباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب، فصار زهدهم في نسيب العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب، ثم رأيتهم منذ سنيات وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر أو فتياني متغزل.
وقد جلست إلى أبي عبيدة والأصمعي ويحيى بن نجيم وأبي مالك عمرو بن كركرة مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدًا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده، وكان خلف يجمع ذلك كله.
ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب، ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل، ورأيت عامتهم -فقد طالت مشاهداتي لهم- لا يقفون على الألفاظ المتخيرة والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك
1 الشعر والشعراء "1/ 21".
الجيد وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إن صارت في الصدور عمَّرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حِسَانِ المعاني. ورأيت البصر بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعر أظهر، ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعارًا من أفواه جلسائه ليدخلها في باب التحفظ والتذاكر، وبما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أن يقولوا شعرًا جيدًا، لمكان إغراقهم في أولئك الآباء، ولولا أن أكون عيابًا ثم للعلماء خاصة، لصورت لك في هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبي عبيدة، ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة"1.
وكانت نظرة المبالغة هذه في تقدير الشعر القديم من جملة العوامل التي حملت جهابذة العلماء الخبراء بأساليب الشعر الجاهلي المتقنين له على وضع الشعر على ألسنة الجاهليين وعلى إذاعته ونشره بين الناس. فقد وجدوا أن سوقه رائجة، وأن ما يقدمونه منه لطلابه يقدر تقديرًا عظميًا، وأن ما ينظمونه هم وينشرونه باسمهم لا ينال مثل ذلك التقدير. وقد يحفل به. وأن بعض خلفاء بني أمية كان لهم عشق خاص بشعر الجاهلية، وأنهم كانوا يبحثون عنه، وإذا سمعوا بوجود راوية عرف بحفظه ذلك الشعر، أرسلوا إليه، ليتحفهم بما عنده، ثم يجزلون له العطاء، على حين كانوا لا يعطون على الشعر الذي ينظمونه أو ينظمه الشعراء الأحياء إلى قليلا، وإلا إذا كان مدحًا لهم وتزلفًا إليهم. فدفعهم حرصهم المادي هذا على صنع الشعر وإسناده إلى الشعراء الجاهليين. وهم لو نسبوه إليهم لصار فخرًا لهم، يثمنه لهم من يجيء بعدهم، ولكنهم ما كانوا ليحصلوا عليه شيئًا مغريًا، ففضلوا المادة على الشهرة التي تأتي إليهم بعد الموت.
وقد اتخذ بعض علماء الشعر ورجال الأدب موقفًا وسطًا بين المحدثين، من الشعراء الذي قيل لشعرهم: المولد، وبين الشعراء المتقدمين، فقال "ابن رشيق": "ليس التوليد والرقة أن يكون الكلام رقيقًا سفسافًا، ولا باردًا غثًّا، كما ليست الجزالة والفصاحة أن يكون حوشيًا خشنًا، ولا أعرابيًّا جافًّا، ولكن حال بين حالين.
1 البيان والتبيين "4/ 23 وما بعدها". الرافعي "1/ 423 وما بعدها".
ولم يتقدم امرؤ القيس والنابغة والأعشى إلا بحلاوة الكلام وطلاوته، مع البعد من السخف والركاكة، على أنهم لو أغربوا لكان ذاك محمولا عنهم، إذ هو طبع من طباعهم، فالمولد المحدث -على هذا- إذا صح كان لصاحبه الفضل البين بحسن الاتباع، ومعرفة الصواب، مع أنه أرق حوكًا، وأحسن ديباجة1.
1 العمدة "1/ 93".