الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخَلْطُ بينَ الأَشْعَارِ:
وبسبب اعتماد الرواة على الذاكرة في حفظ الشعر وروايته، وأنفة المتقدمين منهم من تدوينه، ومن الرجوع إلى الصحف وقع الخلط في شعر الشعراء، فصاروا ينسبون شعرًا لشاعر، بينما هو من شعر شاعر آخر. ونجد في كتب الأدب أشعارًا تنسب إلى شاعر، ثم تنسب إلى شاعر آخر، أو إلى شاعر ثالث في موضع آخر من الكتاب، أو في كتب أخرى. وما كان ذلك ليقع، لو كان القدماء قد أخذوا العلم بطريق الكتابة والتدوين. من ذلك مثلا الشعر:
تلك المكارم لا قعبان من لبن
…
شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
فإنه ينسب لأبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، وينسبه بنو عامر للنابغة الجعدي1. ومن ذلك قصيدة:
تَطاوَلَ لَيلُكَ بالأَثمدِ
…
ونامَ الخَليُّ ولم تَرقُدِ
فقد نسبت لامرئ القيس الكندي، ونسبت لعمرو بن معدي كرب، ونسبت لامرئ القيس بن عانس2.
وللسبب المتقدم وقع خلط في عدد أبيات الشعر، فقد زاد بعض الرواة في قصيدة شاعر، بينما نقص رواة آخرون عدد أبياتها، وقد يدخلون في القصيدة ما ليس منها بسبب اختلاط الشعر على الراوية، وما كان هذا ليقع لو ورد الشعر مدونًا منذ أيام الجاهلية.
ومن ذلك أيضًا ورود الشعر بروايات وبأوجه مختلفة، فقد ورد الشعر المنسوب لأفنون التغلبي:
لَو أَنَّني كُنتُ مِن عادٍ وَمِن إِرَمٍ
…
غذى سخل ولُقمانا َوذا جَدَنِ
بروايات مختلفة، كما قرئت بعض ألفاظه بأوجه مختلفة من أوجه الإعراب3،
1 الْمُزْهِرُ "1/ 183".
2 السيوطي، شرح شواهد "2/ 731".
3 مجالس العلماء "42 وما بعدها".
وما كان ليقع هذا الاختلاف لو كان الشعر قد ورد مدوَّنًا أولا ومَشْكُولا ثانيًا، فلما جاء رواية بالألسن وقع فيه هذا الاختلاف. ونجد العلماء يغلط بعض بعضًا في إعراب ألفاظ الشعر، تتغير معانيه بقراءتها بأوجه متعددة من الأعراب، كما غلط بعضهم بعضًا وهاجم بعضهم بعضًا هجومًا عنيفًا خرج على حدود الأدب والياقة بسبب الإعجام، كما في "تعتر" و"تعنز" في بيت الحارث بن الحلِّزة:
عنتا باطلا وظلمًا كما تعـ
ـتر عن حجرة الربيض الظباء1
ونجد علماء الشعر والأدب يروون شعر شاعر بصور متباينة في كتبهم، فتجد الجاحظ مثلا، يروي أبيات شعر لشاعر، ثم يرويها بشكل يختلف عما ذكره لذلك الشاعر في موضع آخر من كتابه وذلك إما سهوًا، وإما باختلاف رواية، وإما من وقوع الزلل في اللسان. وتجد وقوع مثل ذلك في كتب اللغة، فقد ذكر ابن منظور بيتًا للأعشى هو:
فأصبح لم يمنعه كيد وحيلة
…
بساباط حتى مات وهو محرزق
ثم ذكره بعد سطرين إلى هذه الصورة:
هنالك ما أغنته عزة ملكه
…
بساباط، حتى مات وهو محرزق2.
وقد يقع ذلك عن تعمد، بسبب الاستشهاد في تأييد مسألة نحوية أو لغوية، فقد روي أن سائلا سأل أبا عمرو بن العلاء عن جمع يد من الإنسان، فقال: أيد، وأنكر أن تكون الأيادي إلا في النعم، وقال الأخفش: "أما إنها في علمه، غير أنها لم تحضره، ثم أنشد بيت عدي بن زيد العبادي:
أنكرت ما تبينت في أياديـ
…
نا واشناقها إلى الأعناق
بينما يروي:
ساءها ما بنا تبين في الأيدي
…
واشناقها إلى الأعناق3
1 مجالس العلماء "18"
2 اللسان "7/ 311"، "سبط".
3 مجالس العلماء، للزجاجي "162".
وقد كان العلماء يتحذلقون في مثل الأمور، ويبحثون جهدهم عن الشاذ والغريب في الشعر، بل أخذ بعضهم يفتعل الغريب، ويضع الشاذ، فينسبه إلى المتقدمين لإفحام الخصم، ولإظهار مقدرته العلمية وبراعته في علوم اللغة أمام الخلفاء والحاكم وهذا مما أساء بالطبع إلى العلم، إذا أدى إلى دخول المصنوع في الشعر، وإلى الإساءة إلى سمعة العلماء. وتجد في "مجالس العلماء" للزجاجي، مجالس فيها من استهتار كبار العلماء بعضهم ببعض، ومن وضع أحدهم على
الآخر، ما يبعث على الشفقة على حال قسم منهم، لما بلغوه في كلامهم وفي تصرفاتهم من الإسفاف بسبب محاولتهم التقدم عند الحكام، بالمنزلة والجاه ونيل المال.
على كل حال، فقد خفت فوضى الرواية، بعد إقبال الناس على التدوين، وتحبير الشعر وأمالي المجالس وأقوال العلماء وآرائهم على القراطيس، خاصة بعد شيوع الاستنساخ وظهور جملة نسخ للكتاب الواحد، فضبطت بهذه الطريقة الرواية بعض الضبط، وصرنا أمام روايات متعددة للقطعة أو للقصيدة، وقد سدد هذه الطريقة وزاد في تثبيتها إقبال العلماء على نشر المخطوطات نشرًا حديثًا بواسطة الطباعة فوفرت هذه الطريقة نسخ المخطوطات القديمة للباحثين، ويسرت لهم بذلك الوقوف عليها مما مكنهم من إبداء نظرهم على ما جاء فيها من روايات عن الشعر العربي القديم.