الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولم تبق منه إلا بقية، هي بيت أو أبيات دون مرتبة القصيدة، لعدم تمكن الذاكرة من حفظ أكثر من ذلك لتقادم العهد.
والشعراء الجاهليون كثيرون، "لأنه قل أحد له أدنى مسكة من أدب، وله أدنى حظ من طبع، إلا وقد نال من الشعر شيئًا، ولاحتجنا أن نذكر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلة التابعين، وقومًا كثيرًا من حملة العلم"1، ويكاد يكون قول الشعر سجية في نفوس الجاهليين، ولهذا كثر عدده، فصعبت الإحاطة بهم، واكتفى علماء الشعر بذكر النابهين البارزين منهم، "الذين يعرفهم جل أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب وفي النحو، وفي كتاب الله، وحديث رسول الله"2. وقال: "ابن قتيبة": "والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام، أكثر من أن يحيط بهم محيط، أو يقف من وراء عددهم واقف، ولو أنفد عمره في التنقير عنهم واستفرغ جهده في البحث والسؤال. ولا أحسب أحدًا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعر إلا عرفه، ولا قصيدة إلا رواها"3. وقال "أبو عمرو بن العلاء":"ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير"4.
1 الشعر والشعراء "1/ 10".
2 الشعر والشعراء "1/ 7".
3 الشعر والشعراء "8".
4 ابن سلام "23".
تنقل الشعر وانتشاره بين القبائل:
ذكر "أبو عبد الله محمد بن سلام" الجمحي، وغيره من المؤلفين أن الشعر كان في الجاهلية في ربيعة، ثم تحول في قيس، ثم استقر في "تميم"1. ومعنى هذا على لغة أهل الأنساب وعلماء الشعر، أن الشعر بدأ في ربيعة، ثم انتقل منها إلى "مضر"، فقيس من مضر، و "تميم" من مضر كذلك، وعن مضر نافست ربيعة في الشعر، وصار الحيان الشقيقان: ربيعة ومضر، أصحاب الشعر
1 ابن سلام، طبقات "13"، العمدة "1/ 86 وما بعدها"، "باب الشعر في القبائل"، المزهر "2/ 476"، "تنقل الشعر في القبائل".
وموجدوه، أما "اليمن"، فإنهم قد ساهموا فيه أيضًا، حسب زعم أهل الأخبار والأنساب، لكنهم لم يبلغوا فيه مبلغ ربيعة ومضر.
ويزعم أهل الأخبار، أن من شعراء ربيعة:"المهلهل"، والمرقشان، وسعد بن مالك، وطرفة بن العبد، وعمرو بن قميئة، والحارث بن حلزة، والمتلمس، والأعشى، والمسيب بن علس. وأن من شعراء "قيس" النابغتان، وزهير بن أبي سلمى، وابنه كعب، ولبيد، والحطيئة، والشماخ، وأخوه مرزد. وأن من شعراء "تميم""أوس بن حجر" شاعر مضر في الجاهلية، ولم يتقدم منه أحد منهم، حتى نشأ "النابغة"، و "زهير" فأخملاه، وبقي شاعر "تميم" في الجاهلية غير مدافع1.
ولا يمثل هذا التنقل المزعوم ترتيبًا زمنيًّا، بمعنى أن الشعر بدأ بربيعة أولا، ثم انتقل منها إلى قيس، ثم انتقل بعدها إلى تميم، إذ يتعارض ذلك مع ما يرويه أهل الأخبار وعلماء الشعر من تعاصر أكثر الشعراء، ومن نبوغ معظمهم في وقت واحد، وإنما هو قول من أقوال أهل الأخبار المألوفة، أصله رأي رجل واحد، حمل عنه بالنص بذكر اسمه أحيانًا، وبدون ذكره أحيانًا أخرى، فلما توافر في الكتب، صار في حكم الإجماع، يقال دون نقد ولا مناقشة على هذا اليوم.
وما ذكرته عن تنقل الشعر يمثل رأي الرواة العدنانيين، أما اليمانية، فترى "تقدمة الشعر لليمن: في الجاهلية بامرئ القيس، وفي الإسلام بحسان بن ثابت". "وقال آخرون: بل رجع الشعر إلى ربيعة فختم بها كما بدئ بها"2. وهو رأي يتعلق بالنسبة إلى النسب الأكبر للقبائل، وترى في الرأيين أثر العصبية للعدنانية أو لليمانية، فقد صعب على القحطانية المناهضة للعدنانية، الاعتراف بالتفوق عليها حتى في الشعر، فزعمت أن الشعر بدأ بها، وأنه كان من مكارمها القديمة، وكل مكرمة إنما بدأت بقحطان، وما عدنان إلا مستعربة أخذت عربيتها من "يعرب بن قحطان"، وهي دون القحطانية في كل شيء.
وحكم مثل هذا لا يمكن إصداره بالطبع إلا بسند علمي، وليس في يد أحد حتى يومنا هذا سند جاهلي، يؤيد رأي هذا أو ذاك، وقد لا يأتي يوم يمكن
1 ابن سلام، طبقات "13"، العمدة "1/ 86"، المزهر "2/ 476".
2 العمدة "1/ 89".
إعطاء رأي علمي فيه. أما ما ذكرته، فهو نقل لآراء أهل الأخبار، ورأينا في آرائهم في هذه الأمور معروف، فنحن لا نأخذ آراءهم مأخذ الجد، ولا نثق بها، وكلها في نظرنا حاصل عصبية، وقد لعبت العاطفة القبلية دورًا خطيرًا في ظهرها، ونحن لا نستطيع تقديم ربيعة على مضر في الشعر، ولا تقديم مضر على ربيعة فيه، لعدم وجود دليل لدينا نتخذه سندًا ومستمسكًا في أيدينا لإثبات أي رأي من هذه الرأيين. أما أن يكون قد بدأ باليمن، فالمسند، يعارضه ويناقضه، إلا إذا اعتبرنا اليمن، القبائل الساكنة في الشمال، أي خارج العربية الجنوبية، والتي يرجع النسابون نسبها عادة إلى اليمن، وهي قبائل كانت تتكلم بلهجات عربية شمالية، فذلك أمر آخر، وأمرها عندنا حينئذ مثل أمر ربيعة ومضر، لا نستطيع تقديمها على ربيعة ولا على مضر، ولا نستطيع تقديم ربيعة أو مضر، للسبب المتقدم، وهو عدم وجود أدلة لدينا تعيننا في الحكم بتقديم فريق على فريق، وإعطائه الأولية في قول الشعر.
والشعر في نظرنا موهبة إنسانية عامة، لم تختص بقوم دون قوم، ولا بأمة دون أمة، وهي على هذه السجية بين العرب، لم تختص بربيعة، حتى نقول إن الشعر بدأ أول ما بدأ بها، ولا بمضر حتى نقول إنه ظهر أول ما ظهر عندها ولا باليمن، حتى نقول إنه بدأ بها وختم بها. وإنما هو نتاج قرائح كل موهوب وذي حس شاعري من كل القبائل والعشائر. والشعر كما قلت مرارًا شعور وتعبير عن عواطف تخالج النفس، فكل إنسان يكون عنده حس مرهف، واستعداد طبيعي، وذوق موسيقي، يمكن أن يكون شاعرًا من أي حي كان، ولهذا كان الشعراء من قبائل مختلفة، وإذا تقدمت قبيلة على أخرى في كثرة عدد شعرائهم، فليس مرد ذلك أن تلك القبيلة كانت ذات حس مرهف واستعداد فطري لقول الشعر، وأن بقية القبائل كانت قبائل غبية بليدة الحس والعواطف، فلم ينبغ بينها مثل ذلك العدد من الشعراء، فقد تكون هنالك أسباب أخرى نجهلها في هذا اليوم جعلتنا نتصور أنها كانت متخلفة في الشعور، كأن تكون منازل تلك القبائل بعيدة منعزلة، لم يتصل بها أحد من جمّاع الشعر ورواته. وهم بين كوفي وبصري، فلم يصل شعرها إليهم، فانقطع نتيجة لذلك عنا، أو أن تلك القبائل كانت قبائل صغيرة، لم يكن لها شأن يذكر، فانحصر شعرها في حدودها ولم يخرج عنها، فخمل ذكره ولم ينتشر خبره بين القبائل الأخرى، فلما ظهر
الإسلام، كان قد خفي ومات.
ودليلنا أننا إذا دققنا في هذا الشعر الجاهلي الواصل إلينا في الكتب، نجد أنه شعر قبائل كبيرة، لعبت في الغالب دورًا خطيرًا في مجتمع ذلك اليوم، مثل: كندة وبكر، وأسد، وتميم، وتغلب، ثم هو شعر شعراء كان لهم اتصال وثيق بالعراق في الدرجة الأولى، أي بملوك الحيرة، الذين كان نفوذهم يشمل أرضين واسعة، مثل البحرين ونجد واليمامة في بعض الأحيان، فكان لقبائل هذه الأرضين اتصال بحكام الحيرة، ولها مواقف معهم: حسنة أحيانًا وسيئة أحيانًا أخرى، وفي مثل هذ المواقف، يكون للشعراء دور خطير فيها، فهم بين مادح، أو ذام قادح، أو رسول قوم جاء إلى الملوك في وفادة لفك أسير، أو لإصلاح ذات بين، أو جاء لنيل عطاء، ونحن لا نكاد نجد شاعرًا من الفحول أو من الشعراء المشهورين، إلا وله صلة بملك أو أكثر من هؤلاء الملوك، حتى لا يكاد يفلت منهم شاعر. أما ملوك الغساسنة، فلهم بعد أولئك الملوك صلة بالشعراء، بل هم دونهم اتصالًا بالشعراء ومرجع ذلك في نظري أن حكم الغساسنة لم يتجاوز بادية الشام وحدود مملكة البيزنطيين، فلم يكن لهم لذلك اتصال بقبائل البادية البعيدة عن منطقة نفوذهم، ولا بقبائل الحجاز ونجد واليمامة والبحرين، فتقلص مجال اتصالهم بالشعراء، ولم يصل إليهم إلا الشعراء من أصحاب الحاجات، الذين كانوا يطوفون البلاد، ويقصدون الموسرين الكرماء أينما كانوا لنيل صلاتهم ثمنا لمدحهم لهم، وإلا الشعراء الذين غضب ملوك الحيرة عليهم، أو لم ينالوا منهم تحقيق مطمع وحل مشكل، أو فك أسير، فجاءوا لذلك إلى الغساسنة خصومهم نكاية بهم، وإلا بالشعراء الذين أغار قومهم على أرض الغساسنة، فوقع نفر منهم في أسرهم، فأرسلهم أهلهم وسطاء ورسلًا عنهم، للتوسل إليهم بفك أسراهم.
ونحن لو ثبتنا أسماء مواطن شعراء الجاهلية على صورة جزيرة العرب نرى أنها كانت في الحجاز ونجد واليمامة، والبحرين والعراق. أما بلاد الشأم فقد كانت فقيرة جدًّا بهم، بل لا نكاد نجد فيها شاعرًا لامع الاسم، ترك أثرًا في الشعر. ويلفت هذا الجدب في الشعر النظر إليه حقًّا، فقد عاشت ببلاد الشأم قبائل كبيرة كان لها شأن كبير في تلك البلاد قبل الإسلام وفي الإسلام، مثل غسان، وبهراء، وكلب، وقضاعة، وتنوخ، وتغلب، وقبائل أخرى لعبت دورًا خطيرًا في الحروب مع عرب الحيرة، وفي مساعدة الروم، كما لعبت دورًا خطيرًا في
الفتوحات الإسلامية، فقد ساعدت الروم أولًا، ثم انضمت إلى المسلمين في قتالهم مع البيزنطيين، وقبائل هذا شأنها لا يعقل ألا يكون لها شعر وألا ينبغ من بينها شعراء لكثرة عددها ولمنافستها لعرب العراق، ولكون لسانها هذا اللسان العربي الشمالي، فهل كان عند تلك القبائل شعراء، لم يصل اسمهم إلى علماء الشعر، فلم يذكروهم لجهلهم بهم في عداد شعراء الجاهلية؟ فصرنا لذلك لا نعرف من أمرهم شيئًا! أو أنها كانت مجدبة حقًّا لأنها كانت بمنأى عن الشعر والشعراء، لتحضرها وتأثرها بالنصرانية وبثقافة بني إرم، فلم توائم تربتها الشعر، لذلك أجدبت فيه، ولم ينبت فيها شاعر لامع الاسم!
يقول علماء اللغة: والذين عنهم نقلت العربية وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعد الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم.
بالجملة، فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، لا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطرافها بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم؛ فإنه لم يؤخذ من لخم، ولا من جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسان، وإياد، لمجاورتهم أهل الشأم، وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب1. فالقبائل المذكورة، وإن كانت من القبائل العربية الكبيرة المرموقة، إلا أن إقامتها ببلاد الشام إقامة طويلة ومجاورتها أهل الشأم، وتأثرها بلسانهم، واعتناقها النصرانية، وأخذها ديانتها بالسريانية التي سماها أهل الأخبار العبرانية، وتحضرها وقرارها والتهائها بالزرع والرعي، صيرت كل هذه الأمور ومثالها لسانها عربيًّا مشوبًا برطانة، ولهذا عرفت ب "العرب المستعربة" وب "مستعربة الشأم"، عند المسلمين، حتى صارت تلك الرطانة سببًا لإعراض علماء اللغة عن الاحتجاج بلغتها في شواهد القرآن والشعر على نحو ما رأيت.
وقد يكون لتلك القبائل شعر، غير أن علماء اللغة قاطعوه للسبب المذكور، ولكني لا أستطيع الجزم بذلك، لعدم ورود إشارة إلى هذه الناحية في كتب أولئك
1 المزهر "1/ 211 وما بعدها"، الشعر والشعراء "1/ 154".
العلماء ولا في كتب أهل الأخبار. ثم إني لاحظت أن أخبار فتوح الشأم لا تذكر شيئًا من شعر القبائل المستعربة التي حاربت مع الروم المسلمين، أو التي حاربت مع المسلمين الروم، وحيث إننا نعرف أن من عادة العرب الاستعانة بالشعر والرجز أثناء غزوها وقتالها، لذلك تلفت هذه الملاحظة الأنظار، وتحمل المرء على البحث في سبب وجود هذا الفقر في شعر القتال في فتوح الشأم، بينما نجد شعرًا غزيرًا وافرًا أنتجته قرائح المتقاتلين في حروب العراق نظمه المحاربون المسلمون، ومحاربو القبائل العراقية الوثنية والمنتصرة التي حاربت مع الفرس، أو التي حاربت مع المسلمين أو تلك التي انضمت إلى المسلمين فيما بعد.
وسبب هذا الفقر في نظري، أن قبائل بلاد الشأم، كانت قد تأثرت بلغة وبثقافة أهل الشأم، وبالنصرانية المتأثرة بالسريانية وبالرومية وقد غلبت عليها نزعة الاستقرار، فاستقرت في حواضر حضرية كبيرة مثل دمشق وحمص وحلب، وقنسرين1، وغيرها، وهي حواضر معظم سكانها من السوريين والروم، لا من العرب، وكانت نصرانية، صلواتها بالسريانية، وثقافتها سريانية يونانية فتأثرت بثقافة من عاش بينهم، وانصرفت إلى الزراعة ورعي الماشية، وشابت لهجتها رطانة إرمية، ولم تحفل بالشعر احتفال بقية العرب به. لذلك لم يظهر من بينها شاعر فحل.
أما عرب العراق، فقد كانوا عربًا وأعرابًا، عربهم في قرى عربية، حكامها من العرب ورجال دينها نصارى، ولكنهم نصارى عرب أو مستعربة، علموا العربية في كنائسهم، ونشروا الخط العربي في خارج العراق، وتفقهوا في علوم العربية، وفي جملة هذه العربية الشعر. وأما أعرابهم، فقد كان قوم منهم نصارى والباقون على الشرك وعلى سمة الأعراب منذ وجدوا من الميل إلى الاستقلال وعدم الخضوع لحكم أحد، ومن الاعتزاز بالنفس والتعبير عن الأحاسيس المرهفة بقول الشعر، وأما حكامهم، وهم ملوك الحيرة، فكانوا على سنة كبار سادات القبائل من استقبال الشعراء والاستماع إلى إنشادهم، وتلبية طلباته، وكان من صالحهم اصطناع الشعراء لامتداد ملكهم إلى نجد واليمامة أحيانًا وإلى البحرين وهي من أهم مواطن الشعر في الجاهلية، والشعراء أبواق الدعاية في ذلك العهد، وقد
1 فتوح البلدان "150".
كان ملوك الحيرة شعراء، ينظمون الشعر، ولهم اطلاع ووقوف على شعر الشعراء، وكان من اتصل بهم من سادة الحيرة شعراء كذلك، لهم شعر مدوّن في كتب الأدب، وفيه ما قالوه في فتوح المسلمين للعراق، فمن هنا ظهر الشعر في العراق، على حين خمل في بلاد الشأم.
ولم تكن القبائل سواء في الشعر وفي عدد شعرائها، وهذا شيء طبيعي، لا يختلف فيه اثنان. وقد لاحظ ذلك علماء الشعر، فأشاروا إلى أسماء قبائل أنجبت في الشعر وأخصبت في الشعراء، وكان "الجاحظ" الكاتب الذكي ممن لاحظ ذلك، فقال: "وبنو حنيفة مع كثرة عددهم، وشدة بأسهم، وكثرة وقائعهم، وحسد العرب لهم على دارهم وتخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكرًا كلها، ومع ذلك لم نر قبيلة قط أقل شعرًا منهم. وفي إخوتهم عجل قصيد ورجز، وشعراء رجازون. وليس ذلك لمكان الخصب وأنهم أهل مدر، وأكالو تمر، لأن الأوس والخزرج كذلك، وهم في اشعر كما قد علمت. وكذلك عبد القيس النازلة قرى البحرين، فقد تعرف أن طعامهم أطيب من طعام أهل اليمامة.
وثقيف أهل دار ناهيك بها خصبًا وطيبًا، وهم وإن كان شعرهم أقل، فإن ذلك القليل يدل على طبع في الشعر عجيب، وليس ذلك من قبل رداءة الغذاء، ولا من قلة الخصب الشاغل والغنى عن الناس، وإنما ذلك عن قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز، والبلاد والأعراق مكانها.
وبنو الحاث بن كعب قبيل شريف، يجرون مجاري ملوك اليمن، ومجاري سادات أعراب أهل نجد، ولم يكن لهم في الجاهلية كبير حظ في الشعر. ولهم في الإسلام شعراء مغلقون.
وبنو بدر كانوا مفحمين، وكان ما أطلق الله به ألسنة العرب خيرًا لهم من تصبير الشعر في أنفسهم.
وقد يحظى بالشعر ناس ويخرج آخرون، وإن كانوا مثلهم أو فوقهم. ولم تمدح قبيلة في الجاهلية، من قريش، كما مُدحت مخزوم، ولم يتهيأ من الشاهد والمثل بالمادح في أحد من العرب، ما تيهأ لبني بدر.
وقد كان في ولد زرارة لصلبه، شعر كثير، كشعر لقيط وحاجب وغيرهما
من ولده. ولم يكن لحذيفة ولا لحصن، ولا عيينة بن حصن، ولا لحمل بن بدر شعر مذكور"1.
وقال "يونس بن حبيب" الضبي، "ليس في بني أسد إلا خطيب أو شاعر، أو قائف، أو زاجر، أو كاهن، أو فارس، وليس في هذيل إلا شاعر أو رام أو شديد العدو"2. وذكر "الجاحظ" أن "عبد القيس" بعد محاربة "إياد" تفرقوا فرقتين، ففرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين، وهم من أشعر قبيلة في العرب. ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي عدن الفصاحة3. ولابن سلام رأي في هذا الموضوع إذ يقول: "وبالطائف شعر وليس بالكثير، وإنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء. والذي قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم نائرة ولم يحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان"4.
وجاء أن أفصح الشعراء ألسنًا وأعربهم أهل السروات، وهن ثلاث، وهي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن، فأولها هذيل، وهي تلي السهل من تهامة، ثم بجيلة السراة الوسطى، وقد شركتهم يقيف في ناحية منها، ثم سراة الأزد. أزد شنوءة، وهم بنو الحارث بن كعب بن الحارث بن نضر بن الأزد5. وذكر أن قبيلة "هذيل" هي في طليعة القبائل عددًا في الشعراء، فقد روى العلماء لأربعين شاعرًا منهم في الجاهلية والإسلام، وهو عدد قياسي بالنسبة إلى عدد الشعراء الذين أنجبتهم القبائل الأخرى6، وقيل عنها إنها أعرقت في الشعر7. وروي أن سائلًا سأل "حسان بن ثابت": "من أشعر العرب؟ فقال: "أراحلًا أم حيًّا؟ قيل: بل حيًّا: قال: أشعر الناس هذيل"8. وكان "الشافعي" يحفظ
1 الحيوان "4/ 381 وما بعدها".
2 الرافعي "3/ 20".
3 الرافعي "3/ 19".
4 ابن سلام "217".
5 الرافعي "3/ 18"، المزهر "2/ 483".
6 الرافعي "3/ 19".
7 تاج العروس "8/ 166"، "هذل".
8 المزهر "2/ 483".
عشرة آلاف بيت من شعر هذيل بإعرابها وغريبها ومعانيها"1. وقد عدت "هذيل" أشعر القبائل في رأي بعض العلماء2.
وذكر الأخباريون أن العرب كانت تقر لقريش بالتقدم في كل شيء إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقر لها به، حتى كان عمر بن أبي ربيعة، فأقرت له الشعراء بالشعر أيضًا ولم تنازعها3. وقالوا: إن قريشًا كانت أقل العرب شعرًا في الجاهلية، فاضطرها ذلك أن تكون أكثر العرب انتحالا للشعر في الإسلام4.
وروي عن "معاوية" أنه كان يقول: فضل المزنيون الشعراء في الجاهلية والإسلام. وكان يقول: أشعر أهل الجاهلية زهير بن أبي سلمى، وأشعر أهل الإسلام ابنه كعب، و "معن بن أوس". و "معن" شاعر مجيد من مخضرمي الجاهلية والإسلام5.
فبعض العرب مخصبين في الشعر، وبعضهم أقل خصبًا، وقد رجع "الجاحظ" سبب ذلك إلى الموهبة والطبع، فكما أن النبوغ يتفاوت بين إنسان وإنسان، كذلك يتفاوت الشعر بين قبيلة وقبيلة، ورجع "ابن سلام" ذلك إلى عامل البداوة، والحضارة، فالأعراب متشاجرون مكثرون من الغارات بغزو بعضهم بعضًا، والشعر يكثر بالحروب التي تكون بين الأحياء، أما الحضر، فإنهم لا يميلون إلى الحروب والمعارك، ولذلك يقل شعرهم على رأيه. ولهذا السبب قل شعر قريش لأنه لم يكن بينهم نائرة ولم يحاربوا. فالحرب تهيج العواطف، وتحمل الناس على التحمس لها والدفاع عن أنفسهم وتكديس كل القوى للتغلب على العدو، والشعر من أهم وسائل تسعير نار الحرب.
وقد أشار أهل الأخبار إلى بيوت ذكروا أنها اشتهرت بقول الشعر، وبظهور المعرقين فيها. وضربوا أمثلة عليها ببيت "أبي سلمى". فقد كان شاعرًا واسمه ربيعة، وابنه زهير بن أبي سلمى، وله خؤولة في الشعر: خاله بشامة بن الغدير، وكان كعب وبجير ابنا زهير شاعرين، وجماعة من أبنائهما.
1 المزهر "1/ 160".
2 بلوغ الأرب "3/ 140".
3 الأغاني "1/ 35".
4 طبقات الشعراء "10".
5 الإصابة "3/ 475"، "رقم 8452".
وضربوا المثل ببيت "حسان بن ثابت"، فقد كان أبوه وجده وأبو جده شعراء، وابنه عبد الرحمن شاعر، وسعيد بن عبد الرحمن شاعر.
ومن البيوت التي عرفت بالشعر: بيت "نهشل بن حري بن ضمرة بن جابر بن قطن"، ستة ليس يتوالى في بني تميم مثلهم شعرًا، وكذلك بيت "النعمان بن بشير"، وكانت أمه "عمرة بنت رواحة" شاعرة، وخاله "عبد الله بن رواحة" أحد شعراء الرسول1.
ومن بيوتات الشعراء المعرقة في الجاهلية والإسلام، "آل الحارثي"، منهم "عبد يغوث بن الحارث بن وقاص" الحارثي. وكان شاعرًا من شعراء الجاهلية، فارسًا سيد قومه من "بني الحارث بن كعب"، وهو الذي كان قائدهم يوم "الكلاب" الثاني فأسرته "تيم" وقتلته. ومنهم "اللجلاج" الحارثي، وهو طفيل بن زيد بن عبد يغوث، وأخوه "مسهر" فارس شارع، وهو الذي طعن "عامر بن الطفيل" في عينه يوم "فيف الربح". ومنهم ممن أدرك الإسلام "جعفر بن علبة بن ربيعة بن الحارث بن عبد يغوث" وكان شاعرًا صعلوكًا، أخذ في دم فحبس في المدينة ثم قتل صبرًا2.
وقد تعرض "جرجى زيدان" لموضوع تنقل الشعر في الأقاليم، فقال:"وإذا أحصبت شعراء الجاهلية الذين بلغنا خبرهم بالنظر إلى المواطن، رأيت نحو خمسيهم من نجد، والخمس الثالث من الحجاز، والرابع من اليمن والباقي من العراق، وفئة قليلة من البحرين واليمامة وتهامة"3، وذلك على اعتبار أن القبائل:
"كندة"، و "أسد"، و "مزينة"، و "عبس"، و "سلم"، و "عامر"، و "طيء"، و "جشم"، و "ضبيعة"، و "سعد"، و "ضبة"، و "جعدة"، و "باهلة"، و "تميم"، و "عكل"، و "بكر"، و "مرة"، و "نبهان"، من قبائل نجد، وأن "ذبيان"، و "هذيل"، و "الأوس"، و "الأزد" من الحجاز، وأن "يشكر"، و "تغلب"، و "العباد"، و "تميم"، و "بكر"، و "إياد"،
1 العمدة "2/ 306".
2 الخزانة "2/ 202 وما بعدها".
3 تأريخ آداب اللغة العربية "1/ 74".
من العراق، وأن "بكرًا"، و "ضبعًا"، من البحرين، وأن "بني ثعلبة" من اليمامة، وأن "فهمًا"، و "مزينة" من تهامة1. وهو تقييم لا يمكن الأخذ به في هذا اليوم، وفيه أخطاء، وقد بني على روايات لأهل الأخبار، تعارضها روايات أخرى لهم، لم يقابلها أو يطابق بعضها ببعض، فوقع لذلك في أوهام.
ونلاحظ أنه سار على رواية أهل الأخبار في تنقل الشعر في القبائل، فجعل "ربيعة" أول من نبغ في الشعر، ثم حوله على قيس فتميم. ثم ظهر اشعر بعد ذلك على رأيه في بطون مدركة من مضر، وهي: هذيل، وقريش، وأسد، وكنانة، والدئل وغيرهم. وكلهم من أهل البادية، وأما أهل المدن، فقلما نبغ بينهم شاعر فحل، وأشعرهم "حسان بن ثابت"2.
ومن أهم قبائل ربيعة وبطونها: بكر، وتغلب، وعبد القيس، والنمر بن قاسط، ويشكر، وعجل، و "جشم"، وحنيفة، وقيس بن ثعلبة، وضبيعة، وشبيان، وذهل، وسدوس. ومن أشهر شعراء هذه المجموعة المرقشان الأكبر والأصغر، وطرفة بن العبد، وعمرو بن قميئة، والحارث بن حلزة، والمتلمس، خال طرفة، والأعشى، والمسيب بن علس وآخرون. وقد جعل "زيدان" عددهم "21" شاعرًا3.
وقد نزل بنو قيس بن ثعلبة وبنو حنيفة اليمامة. ومن بطون قيس بن ثعلبة: سعد بن ضبيعة، رهط الأعشى، ومن ديارهم "منفوحة". وكانوا بين الحياة الحضرية والحياة الأعرابية، يرعون الإبل والغنم، إلا أنهم أصحاب نخيل. أما حنيفة، فكانت تزرع وترعى، وقريتهم الكبرى "حجر"، وكانوا يزرعون الحبوب، ويمونون الأعراب ومكة بها. وكانت النصرانية قد وجدت سبيلها بينهم، وقد افتخر "الأعشى" بقومه على "إياد"، لأنهم أصحاب مال، أما "إياد"، فأصحاب زرع ينتظرون حصاد حبهم، وذلك في هجائه لهم بقوله:
1 راجع "الصفحة 80 فما بعدها إلى انتهاء 84" من الجزء الأول.
2 تأريخ آداب اللغة العربية "1/ 74 وما بعدها".
3 العمدة "1/ 86 وما بعدها"، تأريخ آداب اللغة العربية "1/ 74 وما بعدها"، "تنقل الشعر في القبائل".
لسنا كمن جعلت إياد دارها
…
تكريت تنظر حبها أن يحصدا
جعل الإله طعامنا في مالنا
…
رزقا تضمنه لنا أن ينفدا
مثل الهضاب جزارة لسوفنا
…
فإذا تراع فإنها لن تطرد
ضمنت لنا أعجازهن قدورنا
…
وضروعهن لنا الصريح الأجردا1
وقيس قبيلة كبيرة من بطونها: عبس، وذبيان، وعطفان، وعدوان، وهوازن، وسليم، وثقيف، وعامر بن صعصعة، ونمير، وجعدة، وقشير، وعقيل. وكانت هذه القبائل في نجد وأعالي الحجاز، وقد نبغ فيها جماعة من فحول الشعراء، منهم النابغتان، وزهير بن أبي سلمى، وكعب بن زهير ابنه، ولبيد، والحطيئة، والشماخ، وأخوه "مزرد"، وخداش بن زهير، وعنترة العبسي وغيرهم. وعندهم أن أشعر قيس الملقبون من بني عامر والمنسوبون على أمهاتهم من غطفان2. وقد جعل "زيدان" عدد شعراء الجاهلية بالنظر إلى القبائل، كانت قيس أكثرها شعراء، تلبها اليمن فرييعة، فمضر فقريش فقضاعة فإياد"3.
وأما "تميم"، فقبائل كثيرة من مضر، وأشهرها: مازن، ومالك، وسعد، ودارم، وبهدلة، ويربوع، وكعب، ومجاشع، وزرارة. وكانت منازلها في القديم تهامة، ثم نزحت إلى مواضع أخرى من جزيرة العرب، فسكن بعض منها في اليمامة، وبعض في العربية الشرقية، وقسم بنجد، ونزح قوم منهم إلى العراق، وأقاموا في البادية. وقد لعبت تميم شأن القبائل الكبيرة دورًأ خطيرًا في أحداث الجاهلية القريبة من الإسلام. ومن شعرائها: أوس بن حجر4.
وجعل "زيدان" عدد شعرائها "12" شاعرًا5. ولكنك لو سجلت أسماء الشعراء الذين وردت أسماؤهم في كتب الأدب والتأريخ، لوجدت أن عدد شعراء تميم
1 ديوان الأعشى. القصيدة رقم 34، العصر الجاهلي "325".
2 الأغاني "2/ 92"، زيدان، تأريخ آداب اللغة العربية "1/ 75"، العمدة "1/ 88".
3 تأريخ اللغة العربية "1/ 75".
4 العمدة "1/ 88".
5 تأريخ آداب اللغة العربية "1/ 75".
يزيد على العدد المذكور بكثير. فتميم من القبائل المخصبة بالنثر وبالنظم ولكلامها رأي ومقام عند علماء اللغة.
ومن مضر أيضًا: هذيل: وأسد، وكنانة، وقريش، والدئل. وهذيل من القبائل الساكنة في هضاب وجبال غير بعيدة عن مكة، وقد عد لسانها من الألسنة العربية الجيدة، واشتهرت بكثرة شعرها وبجودته، وقد جمعت في دواوين، وعني العلماء بجمعه وبشرحه، وبقيت منه بقية طبعت1.
وأما القبائل التي يرجع النسابون نسبها إلى اليمن، فهي: كندة، وطيئ، والأشعر، وجذام، والأزد، ولخم، ومذحج، ،وخزاعة، وهمدان، وغسان والأوس والخزرج2. ولبعض منها شعر وشعراء وردت أسماؤهم في ثنايا هذا الكتاب.
أما ميزات لغاتهم وخصائص نحوهم وصرفهم، فلا نعرف عنها غير قليل. لعدم تطرق علماء اللغة إلى هذه الميزات، خلا ما ذكروه من تفردهم في تفسير معاني بعض الألفاظ، مثل "التخوف" بمعنى التنقّص في لغة أزد شنوءة3.
ولدراسة شعر هذه القبائل، دراسة لغوية مقارنة، أهمية كبيرة بالنسبة للباحث في لغة العرب، إذ يستطيع بها الوقوف على مزاياها ومفارقاتها بالنسبة إلى العربية المعهودة، ومن الوقوف على الروابط اللغوية التي تجمع بين هذه اللغات التي يرجع أهل الأنساب والأخبار أصل المتكلمين بها إلى اليمن.
وأما مجموعة قضاعة، فجهينة، وضجعم، وتنوخ، وكلب4. وهي مجموعة لم تنجب عددًا كبيرًا من الشعراء، ولم يحفل علماء اللغة بلغتها، إذا لا نجد للهجتها ذكرًا خطيرًا في كتب اللغة، فلم يشيروا إليها في جملة القبائل التي ركنوا إلى الأخذ بلسانها للاستشهاد به في شواهد اللغة والنحو والصرف. ويظهر أن احتكاكها
1 بروكلمن، تأريخ الأدب العربي "1/ 82 وما بعدها، 104".
2 تأريخ الآداب اللغة العربية "1/ 76".
3 تفسير الطبري "14/ 77"، "بولاق".
4 تأريخ آداب اللغة العربية "1/ 76".
بالنبط وبالآراميين وأمثالهم، قد عرض لسانها إلى الأخذ من ألسنتهم وإلى التأثر بهم، حتى بان ذلك عليه، وهذا ما حمل علماء اللغة على عدم الاستشهاد به في جملة الشواهد. وأنا لا أستبعد احتمال وجود خصائص به، ميزته عن العربية القرآنية، بدليل أن أعراب الصفا "الصفاة"، وهم من أعراب بلاد الشأم، كانوا يتكلمون ويكتبون بعربية مباينة لعربيتنا، وقد تكلمت عن عربيتهم في الجزء السابع من كتابي القديم: تأريخ العرب قبل الإسلام، وأرض الصفا هي من مواطن تلك المجموعة.
وذهب "جرجي زيدان"، كما سبق أن قلت، إلى أن قيسًا أكثر القبائل عددًا في شعرائهم، تليها اليمن، فربيعة، فمضر، فقريش، فإياد. وقدر عدد شعراء الجاهلية الذين وصلتنا أخبارهم ب "125" شاعرًا، وزعهم على هذا النحو: ثلاثين شاعرًا في قيس، وثلاثة وعشرين شاعرًا في اليمن، وواحد وعشرين شاعرًا في ربيعة، وستة عشر شاعرًا في مضر، واثني عشر شاعرًا في تميم، وعشرة شعراء في قريش، وأربعة شعراء في قضاعة، وشاعرين في إياد. وشاعر واحد من أصل غير عربي، أي مولى1.
وقد سمى "أبو الفرج" لمضر سبعة وستين شاعرًا، ولليمن أربعين، وربيعة ثلاثة عشر: وسمى شعراء آخرين، منهم من يتصل بجديس، ومنهم من يتصل بجرهم2.
نرى مما تقدم أن الشعراء كانوا من مضر، ومن ربيعة، وهما من عدنان، كما كانوا في القبائل القحطانية ويذكر أهل الأخبار أن حظ القبائل المضرية من الشعر، كان أحسن حالًا من حظ ربيعة وقحطان، وأن حظ قبائل كل مجموعة من هذه المجاميع الثلاث كان متفاوتًا، فبينها المكثر، وبينها المقل. ولا نستطيع إرجاع سبب تفوق القبائل المضرية على قبائل ربيعة أو قحطان إلى اللغة، لأننا لا نملك حتى الآن صورة واضحة علمية عن اصل اللغة العربية التي نظم بها الشعر والتي نزل بها القرآن، حتى نستطيع البت بموجبها في موضوع هذا التفوق. وإذا جارينا أهل الأنساب في تقسيمهم العرب إلى عدنانيين وقحطانيين، جاز لنا حينئذ
1 تأريخ آداب اللغة العربية "1/ 75".
2 طه حسين: في الأدب الجاهلي "256".
القول، بأن شعر القبائل القحطانية قد قل عن شعر عدنان من مضر وربيعة، بسبب استعراب هذه القبائل، أي أخذها لغة العدنانيين لغة لها، وتركها لغتها الأصلية لغة أهل اليمن، بسبب اتصالها بالقبائل العدنانية، فمن ثم قل شعرها بسبب هذا الاستعراب. ولكن ماذ يكون جوابنا عن تخلف ربيعة في الشعر عن مضر، وربيعة أخت مضر، في عرف النسابين، ولغتها مثل لغة مضر؟
والذي أراه، أن البت في مثل هذه المشكلات، هو أمر لا يمكن أن يكون علميًّا في الوقت الحاضر، فقد رأيت أن الأنساب حاصل تكتلات سياسية، وتجمعات قبلية، وأنها لم تكن حاصل نسب بالمعنى المفهوم من لفظة "نسب"، بمعنى الانحدار من صلب والدين، ورأيت أن العرب كانوا يتكلمون قبل الإسلام بلهجات متباينة، حصرناها في مجموعات استنبطناها من الكتابات الجاهلية، ولكننا لا نستطيع أن نقول إنها تشمل كل لهجات العرب، فقد عثر حديثًا على كتابات جديدة لم تدرس بعد دارسة علمية كافية حتى نقول رأينا فيها، وقد يعثر في المستقبل على كتابات أخرى، قد تزيد في عدد ما نعرفه من المجموعات اللغوية العربية الجاهلية، وفي ظروف كهذه يكون من الصعب علينا الموافقة على ما يذهب إليه أهل الأخبار وما يذهب إليه التابعون لهم من المحدثين من تنقل الشعر في القبائل ومن توزع الشعراء بين مضر وربيعة وقحطان. والرأي عندي أن من الواجب علينا في الوقت الحاضر لزوم إجراء مسح عملي دقيق للهجات العرب في جزيرة العرب، بالبحث في كل مكان عن الكتابات الجاهلية وعن كتابات صدر الإسلام، وبدارسة كل ما كتبه علماء اللغة عن اللغات العربية في الكتب المعروفة وفي الكتب التي قد تكون مؤلفة بلهجات أهل العربية الجنوبية أو غيرها في الإسلام، وبدراسة اللهجات الباقية، ولا سيما اللهجات المنعزلة المتميزة بمميزات خاصة، واستنباط مزاياها وعلاقتها باللهجات القديمة، ثم غربلة كل هذه الدراسات لاستخلاص المجاميع اللغوية منها، وتحديد المواضع التي كانت تتكلم بهذه المجموعات، وبذلك نستطيع تكوين رأي عن لغة الشعر، وعن القبائل التي كانت تتكلم بها، وصارت لهجتها لهجة الشعر عند ظهور الإسلام.
وأغلب شعراء الجاهلية من أهل الوبر، أما شعراء أهل المدر فأقل منهم عددًا. ولم يظهر بين شعراء أهل المدر شاعر رفعه علماء الشعر وعشاق الشعر الجاهلي إلى
مرتبة الشعراء الفحول من رجال الطبقة الأولى1 من طبقات الشعراء الجاهليين. وهم يقدمون شعراء البادية على شعراء الأرياف، ولا سيما شعراء الريف المتصل بالنبط والأعاجم، ولهذه النظرة التي تحمل طابع الغمز في صحة ألسنة عرب الأرياف، تحفظ أكثر علماء العربية في موضوع جواز الاستشهاد بشعر شعراء الحيرة مثلًا، لاتصال أهلها بالنبط ولاختلاطهم بالأعاجم.
1 زيدان، تأريخ آداب اللغة العربية "1/ 75".