الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومقيدًا على حجر، لما ضاع هذا الضياع، ولما اعتوره هذا التغيير، الخطير، فحوّر فيه وغيَّر، وقد أدرك أثر هذا المرض على الشعر، شاعر إسلامي، هو ذو الرمة، فقال: لعيسى بن عمر: اكتب شعري، فالكتاب أحب إلي من الحفظ لأن الأعرابي ينسى الكلمة وقد سهر في طلبها ليلته، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلامًا بكلام"1.
وقد كان للشعراء الذين ظهروا في أيام الأمويين رواة، يروون شعرهم، كما كانوا يهذبونه وينقحونه ويدخلون بعض التغيير عليه، بعلم الشاعر وبموافقته، لعلة فاتت عليه، فقد كان لجرير رواته، وكان للفرزدق رواته، وكانوا يقوّمون ما انحرف من شعرهم وما قد يكون فيه من سناد وعيوب، خفي أمرها على الشاعر، فأدرك أمرها الرواة2.
1 الحيوان "1/ 41"، "عبد السلام محمد هارون".
2 الأغاني "4/ 256 وما بعدها".
رُوَاةُ الشِّعْرِ:
وقد ذكر علماء الشعر أن الشعراء في الجاهلية كانوا يتخذون لهم رواة يحفظونهم شعرهم حفظًا ويروونه رواية. ومعنى هذا أن أولئك الرواة كانوا يلازمون الشعراء، فإذا نظم الشاعر شعرًا تلاه على راويته ليحفظه فلا ينساه، وإذا غيّر الشاعر في شعره أو عدل فيه أشار على راويته بما غير وعدل حتى يعدل هو ويغير في الذي حفظه. فراوية الشاعر، هو نسخة ثانية حافظة لشعر الشاعر، أما النسخة الأولى، فهو الشاعر نفسه. وقد يتهيأ للشاعر جملة رواة، ويقال لمن يحفظ الكثير من الشعر، وللكثير الرواية هو "راوية للشعر"1.
وأولئك الرواة، هم دواوين شعر ناطقة، تحفظ المتون، أي أصول الشعر، كما تحفظ المناسبات، أي الظروف التي قيل فيها الشعر. وهم أنفسهم ذوو حس مرهف، وفهم عالٍ للشعر. إذ لا يقبل على رواية الشعر وحفظه إلا أصحاب الحس المرهف الموهوبون، الذين لهم طبع شاعري، وميل غريزي فيهم إليه. ولهذا تنتهي الرواية بالراوية في الأغلب إلى قول الشعر ونظمه، فيكون في
1 تاج العروس "10/ 158"، "روى".