الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن
باب: ما يقرأ بعد التكبير [
82/أ]
(من الصحاح)
[543]
حديث أبي هريرة- رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة) هي إفعالة من السكوت، ومعناها سكوت يقتضى بعده كلاما، أو قراءة مع قصر المدة؛ ألا ترى الراوي يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ما تقول في إسكاتك فقال .... : اللهم باعد بيني وبين خطاياي
…
الحديث وإنما أراد بهذا السكوت ترك رفع الصوت بالكلام؛ ألا تراه يقول ما تقول في إسكاتك، أي: سكوتك عن الجهر دون السكوت عن القراءة والقول.
وفيه (اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد)؛ قلت: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها؛ تبيانا لأنواع المغفرة التي لا تخلص من الذنوب إلا بها، أي طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس والأوضار ورفع الجنابة والأحداث. ويحتمل أنه يسأل الله تعالى أن يغسل خطاياه بهذه الأنواع التي يستعملها المتطهرون لرفع الأحداث؛ والمعنى: كما جعلتها سببا لحصول الطهارة فاجعلها سببا لحصول المغفرة؛ وبيان ذلك في حديث أبي هريرة- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر (معها) بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء
…
) الحديث
[544]
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث علي- رضي الله عنه: (سبحانك وبحمدك) أي: أنزهك يا رب من
كل سوء، وبحمدك سبحتك ووقفت لذلك، ونصب سبحانك على مذهب المصدر أراد سبحتك تسبيحا فوضع سبحان موضع التسبيح.
وفيه (لبيك وسعديك) ألب بالمكان إذا أقام به ولزمه، قال الخليل: ولب لغة فيه، قال الفراء: ومنه قولهم لبيك: أي أنا مقيم على طاعتك ونصب على المصدر كقولك: حمدا لله وشكرا وقال الخليل: هو من قولهم: دار فلان تلب داري: أي تحاذيها، أي أنا مواجهك بما تحب وإنما ثنى على التأكيد، أي إلبابا بك بعد إلباب، وإقامة بعد إقامة أو مواجهة إليك بما تحب بعد مواجهة. وسعديك: أي إسعادا بعد إسعاد، والمعنى ساعدت طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة.
وفيه (والشر ليس إليك) أي: ليس مما يتقرب به إليك، هذا كقول القائل: فلان إلي بني أسد، إذا كان عداده فيهم أو صفوه معهم أي ليس انتماء الشر إليك.
قلت: وليس المعنى على ما يأوله القدرية ولقد علمنا [82/ب] أهل الدين أن الله خالق كل شيء وإنما المعنى: أنك تملك الخير كله وكل ما تخوله وتنعم به على عبادك فهو خير كله، والشر ليس انتماؤه إليك؛ لأنك تخلق الأشياء على ما تقتضيه الحكم فلا ينتمي إليك الشر، فإنك وإن خلقته فقد نهيت عنه ولا يصح نسبة الشرية إلى أفعالك التي هي جارية على سنن الرشاد متضمنة للحكمة البالغة متعالية عن نسبة القبح إليها، وإنما يضاف ذلك إلى اكتساب العباد إضافة مختصة بهم.
وفيه (أنا بك وإليك) أي أستجير وإليك ألتجى أو بك أحيا وأموت وإليك المرجع والمصير ونحو ذلك من التقديرات.
وفيه (لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك) أي لا مهرب ولا مخلص منك ولا ملاذ لمن طالبته إلا إليك. ومنجا مقصور لا يجوز أن يمد ويهمز والأصل في الملجأ: الهمز ومن الناس من يلين همزه؛ ليزدوج الكلمة التي قبله.
[545]
ومنه قول أنس- رضي الله عنه في حديثه (لقد حفزه النفس) أي اشتد به، والحفز حثك الشيء من خلفه.
قال الراجز:
يريح بعد النفس المحفوز
يريد النفس الشديد المتتابع الذي كأنه يحفز: أي يدفع من سباق.
(ومن الحسان)
[546]
حديث عائشة- رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك
…
) الحديث.
قد مر تفسير (سبحانك وبحمدك). وفيه (وتبارك اسمك) تبارك هو تفاعل من البركة وهي الكثرة والاتساع وتبارك هي بارك مثل: قاتل وتقاتل إلا أن فاعل يتعدى وتفاعل لا يتعدى، ومعناه: تعالى وتعظم وكثرت بركاته في السموات والأرض إذ به تقوم وبه تتنزل الخيرات وفي كتاب الله {فتبارك الله أحسن الخالقين} ، {تبارك الذي نزل الفرقان} ، {تبارك الذي بيده الملك} وكل ذلك تنبيه على اختصاصه سبحانه بالخيرات الإبداعية والبركات المتوالية.
وفيه (وتعالى جدك) أي عظمتك؛ ومنه قول أنس- رضي الله عنه: (كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا) أي عظم وهذا الحديث نجده في كتاب المصابيح وقد رماه المؤلف بالضعف وليس الأمر على ما توهمه إذ هو حديث حسن مشهور أخذ به من الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه. والحديث مخرج في كتاب مسلم عن عمر رضي الله عنه وقد أخذ به عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-
وغيره من فقهاء الصحابة، ولم يكن هؤلاء السادة ليأخذوا [83/أ] بذلك من غير أسوة ولهذا ذهب إليه الأجلة من علماء الحديث كسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم فالظاهر أن هذا اللفظ- أعني: ضعيف- تزيد من بعض الناس، وإن يكن من قبل المؤلف فأراه إنما دخل عليه الداخل من كتاب أبي عيسى؛ لأنه روى هذا الحديث في جامعه بإسناده عن أبي سعيد الخدري مع زيادة على حديث عائشة ولفظ حديثه: أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول: الله أكبر كبيرا ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه. ثم قال أبو عيسى: كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي.
قلت: وعلي بن علي الرفاعي هو الراوي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، ثم قال أبو عيسى وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث ثم روى أبو عيسى بعد ذلك حديث عائشة- رضي الله عنها عن الحسن بن عرفة عن أبي معاوية عن حارثة بن أبي الرجال عن عمره عن عائشة ثم قال هذا حديث لا نعرفه من هذا الوجه وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه فظن المؤلف أن هذا الكلام من أبي عيسى طعن في متن هذا الحديث وليس الأمر على ما ظن فإن الذي ذكره أبو عيسى في علي الرفاعي في إسناد حديث أبي سعيد لا يكون حجة على ضعف هذا الحديث؛ لأن سياق حديث أبي سعيد غير سياق حديث عائشة على ما بينا؛ ألا ترى أنه قال: وقال أحمد لا يصح هذا الحديث، وأحمد قد انتهى إليه حديث عائشة- رضي الله عنها بإسناد موثوق به فأخذ به كما ذكرناه عن مذهبه، وأما ما ذكره الترمذي من أمر حارثة بن أبي الرجال فإنه تكلم في إسناده الحديث من الوجه الذي ذكره ولم يقل أن إسناده مدخول فيه من سائر الوجوه مع أن الجرح والتعديل يقع في حق أقوام على وجه الاختلاف، فربما ضعف الراوي من قبل أحد الأئمة ووثق من قبل آخرين. وهذا الحديث رواه الأعلام من أئمة الحديث، وأخذوا به ورواه أبو داود في جامعه عن الحسن ابن علي عن طلق بن غنام عن عبد السلام بن حرب الملائي عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوزاء عن عائشة وهذا إسناد حسن. رجاله مرضيون، فعلمنا أن أبا عيسى لم يرم هذا الحديث بالضعف على الإطلاق، وإنما تكلم في الإسناد الذي أورده.
ثم إني لا أستطيع القول في بيان؛ إلا حذرا من أن يتسارع طالب علم بالطعن إلى هذا الحديث من غير روية وبصيرة اتكالا على ما يجده في كتاب المصابيح؛ فيتأثم به وأعوذ بالله أن أنصر عصبية أو أدعو إلى عصبية والله حسيبي على ذلك.
[546]
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبير بن مطعم- رضي الله عنه:نفخه ونفثه وهمزه، أرى والله أعلم أن النفخ كناية عما يسوله الشيطان للإنسان من الاستكبار والخيلاء فتتعاظم في نفسه كالذي نفخ فيه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي رآه وقد استطار غضبا:(نفخ فيه الشيطان).
وأما النفث فقد فسر في الحديث أنه الشعر قيل: وإنما سمي الشعر نفثا؛ لأنه كالشيء ينفثه الإنسان من فيه كالرقية، قلت: إن كان هذا التفسير من متن الحديث، فلا معدل عنه، وإن كان من قول بعض الرواة، قلنا أن نقول: لعل المراد منه السحر؛ فإنه أشبه لما شهد له التنزيل، قال الله تعالى:{ومن شر النفاثات في العقد} .
وأما همزه، فقد ذكر أيضا في الحديث أنه الموتة، قال أبو عبيد: والموتة: الجنون؛ سماه همزا، لأنه جعله من النخس والغمز، وكل شيء دفعته فقد همزته، قلت: ولو صح أن التفسير من المتن فلا محيد عنه ولا مزيد عليه وإلا فالأشبه أن همزه ما يوسوس به، قال الله تعالى:{وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} .
وهمزاته: خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان، وهي جمع المرة من الهمز، وقد قيل: في معنى الآية أن الشياطين يحثون أولياءهم على المعاصي، ويغرونهم عليها كما يهمز الراضة الدواب بالمهماز حثا لها على المشي.
[550]
ومنه: حديث أبي هريرة- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى صلاة ولم يقرأ فيها
بأم القرآن فهي خداج) سميت الفاتحة أم القرآن لكونها مبدأ الكتاب يفتتح بها القرآن يبتدأ بها في الصلاة.
قال الخليل: كل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى أما.
ولهذا الذي ذكرناه قال ابن عرفة: سميت أم القرآن وأم الكتاب؛ لأن السور تضاف إليها ولا تضاف هي إلى شيء من السور.
وقوله: (فهي خداج): أي ناقصة، تقول العرب: خدجت الناقة إذا ألقت بولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان تمام الحمل، فالخداج مصدر خدجت الناقة، أقيم المصدر مقام الفعل [84/أ]، والمعنى فهي مخدجة أي ناقصة.
وقال ابن الأنباري: فهي خداج، أي ذات خداج، وقد استدل بهذا الحديث من قال بوجوب قراءة فاتحة
الكتاب في الصلاة على سبيل التعيين، واستدل به أيضا من ذهب إلى خلاف ذلك، وقال إضافة النقصان إلى الصلاة التي لم يقرأ فيها بأم القرآن، دليل على أنها جائزة غير مضمحلة.
وفيه: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين). قيل: أراد بالصلاة القراءة، وقد يسمى القراءة صلاة؛ لوقوعها في الصلاة وكونها جزءا من أجزائها قال الله تعالى:{ولا تجهر بصلاتك} قيل: بقراءتك، وقيل: إنه على سبيل الحذف والإضمار أي بقراءة صلاتك، وقد عرف المراد من هذا اللفظ في الحديث بما أردفه من التفسير والتفصيل.
وقد علمنا بذلك أيضا أن المراد من القراءة قراءة فاتحة الكتاب. قوله نصفين، قيل فيه: حقيقة هذا التقسيم راجعة إلى المعنى لا إلى الألفاظ المتلوة؛ لأنا نجد الشطر الآخر يزيد على الشطر الأول من جهة الألفاظ والحروف زيادة بينة؛ فيصرف التنصيف إلى المعنى؛ لأن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها دعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله:{إياك نعبد} وباقي الآية من قسم المسألة؛ فلهذا قال: هذه الآية بيني وبين عبدي.
وقد ذكر هذا الوجه أبو سليمان الخطابي. وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة، ونصفها سفر، يراد به انقسام أيام السنة مدة للسفر ومدة للإقامة لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء لا يزيد أحدهما على الآخر.
قلت: والأظهر أن التنصيف منصرف إلى آيات السورة؛ وذلك أنها سبع آيات: فثلاث منها ثناء وثلاث مسألة، والآية المتوسطة بين آيات الثناء وآيات المسألة، نصفها ثناء ونصفها دعاء. وهذا التأويل إنما يستقيم على مذهب من لم يجعل التسمية آية من الفاتحة، فأما من عد التسمية آية منها؛ فلا يستصوب هذا التأويل، وهو بين واضح والحديث يحكم على من خالفه.
قلت: يحتمل أن يقال: إن المراد من الصلاة في هذا الحديث الدعاء، ثم بين حقيقة القسمة بهذه الصورة المشتملة على طرفي الثناء والمسألة، لا يتعدى الدعاء عن هذين القسمين.
[559]
ومنه: حديث جابر- رضي الله عنه كان معاذ بن جبل- رضي الله عنه يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم
…
الحديث. الرجل الذي كان يصلي خلف معاذ فانحرف هو حزام بن أبي كعب [84/ب] الأنصاري السلمي
…
الأنصاري السلمي- رضي الله عنه، ويقال حزم بن أبي كعب.
وفيه: (أفتان أنت يا معاذ)؟! استفهام على وجه التوبيخ؛ ينبه على كراهة صنيع معاذ وهو إطالة الصلاة؛ لأن طول الصلاة كان الباعث للرجل على مفارقة الإمام، وترك الجماعة، فافتتن به. وقد كان صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء
الصبي، فيخفف مخافة أن يفتن أمه، فإن قيل: إضافة معاذ النفاق إلى رجل من الصحابة لم يعرف منه قط، أطم وأعظم من صنيعه ذلك فلم جعلت علة التوبيخ إطالة الصلاة دون قوله ذلك.
قلت: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه إطالة الصلاة دون قوله، وبين ذلك في بعض طرق هذا الحديث: أفتان أنت يا معاذ؟! ألا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها.
وإنما لم يتعرض لقوله ذلك، ولم يوبخه عليه؛ لأن الصلابة في الدين تحمل على ذلك القول، بعد أن رأى التشابه بين صنيع الرجل وصنيع المنافقين، فعذره فيه ولم يعذره في إطالة الصلاة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بين لهم معالم الدين وعلمهم كيفية إقام الصلاة، وأمرهم بالاقتداء به، ولم يكن فيما شرع لهم أن يصلي الرجل بالقوم على وجه يفضي بهم إلى ترك الجماعة، وقول معاذ للرجل إنه منافق نظير قول عمر- رضي الله عنه لحاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين بمكة: إنه منافق، فقال صلى الله عليه وسلم: (كلا إنه من أهل بدر
…
) الحديث. ولم ينه عمر- رضي الله عنه عن مقالته تلك، ولم يؤنبه عليها، فكأنه عذره؛ من حيث وجد صنيع حاطب شبيه صنيع المنافقين.
وفيه (نقى بنواضحنا)، الناضح: البعير يستقى عليه، والأنثى ناضحة وسانية، والنضاح الذي يسوق السانية.
وفيه (فتجوزت)، تجوز في صلاته خفف بها وأسرع بها، وهو من الجوز الذي بمعنى القطع.
وأما قولهم: تجوز في كلامه أي تكلم بالمجاز؛ فالتجوز في الكلام غير التجوز في الصلاة؛ لافتراق المأخذين.
[564 - 569] ومنه: حديث أبي هريرة- رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة بـ {آلم* تنزيل} في الركعة الأولى، وفي الثانية {هل أتى} .
قلت: قوله: (كان) لا يقتضي أنه كان يقرأ بهما في صلاة الفجر من يوم الجمعة على الدوام والاستمرار؛ وإنما الوجه أن يقال: كان يقرأ بهما وقتا دون وقت أو كان يقرأ بهما على الأغلب من أحواله.
وعلى هذا الوجه يفسر حديث أبي واقد الليثي- رضي الله عنه: (سأل عمر بن الخطاب- رضي الله عنه أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ 85/أرسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر؟ .. الحديث)؛ لئلا يقع التضاد بينه وبين حديث النعمان بن بشير- رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ {سبح اسم ربك الأعلى} و {هل أتاك حديث الغاشية} وبين حديث النعمان وحديث بن عباس وأبي هريرة- رضي الله عنهم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين. وعلى هذا الوجه يأول حديث ابن عباس: (كان يقرأ في ركعة الفجر {قولوا آمنا}
…
الحديث) وحديث أبي هريرة قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركعتي الفجر: {قل يا أيها الكافرون} ، {قل هو الله أحد} .
(ومن الحسان)
[570]
حديث ابن عباس- رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته بـ {بسم الله الرحمن الرحيم}).
إن سأل سائل عن هذا الحديث ووجه التوفيق بينه وبين حديث عائشة- رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ {الحمد لله رب العالمين} قلنا: حديث ابن عباس- رضي الله عنه لايعدل بحديث عائشة- رضي الله عنها؛ لما في إسناده من الوهن، تفرد أبو عيسى بإخراجه عن أحمد بن عبدة عن المعتمر عن إسماعيل بن حماد أبي سليمان، وهو مجهول ولو ثبت فلا تنافى بين الحديثين؛ فيكون ابن عباس حدث بما علم من افتتاح النبي صلى الله عليه وسلم بالتسمية، وعائشة حدثت بما سمعت من افتتاحه بالقراءة حالة الجهر.
[572]
ومنه: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي زهير النميري- رضي الله عنه: (أوجب أي: أوجب لنفسه الجنة أو المغفرة أو الإجابة فيما سأل).
[573]
ومنه: حديث عائشة- رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف). وكذلك رواه زيد بن ثابت- رضي الله عنه.
ووجه هذا الحديث، أن نقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يبين للناس معالم دينهم بيانا يعرف به الأتم
والأكمل والأدنى والأفضل، ويفصل تارة بقوله وتارة بفعله ما يجوز عما لا يجوز. ولما كانت صلاة المغرب أضيق الصلوات وقتا؛ اختار فيها التجوز والتخفيف ثم رأى أن يصليها في الندرة على ما ذكر في الحديث؛ ليعرفهم أن أداء تلك الصلاة على تلك الصيغة جائز، وإن كان الفضل في التجوز فيها، ويبين لهم أن وقت المغرب يتسع لهذا القدر من القراءة.
[574]
ومنه: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن عامر- رضي الله عنه: (ألا أعلمك خير سورتين قرأئتا)؟ قلت: القرآن كله خير، ولا يأتي إلا بخير؛ وإنما أشار صلى الله عليه وسلم بقوله هذا إلى الخيرية في الحالة التي كان عليها عقبة، وذلك أنه كان في سفر وقد أظلم عليه [85/ب] الليل ورآه مفتقرا إلى تعلم ما يدفع به شر الليل وشر ما أظلم عليه الليل ولم ير له ما يستفيد به ويسهل عليه تعلمه في الزمان اليسير كهاتين لما فيهما من وجازة اللفظ والاشتمال على المعنى الجامع من سهولة حفظهما فلم يفهم هو المعنى الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم ون أن الخيرية إنما تقع على مقدار طول السورة وقصرها؛ يدل عليه قوله (فلم يرني سررت بهما جدا) ثم إنه صلى الله عليه وسلم صلى بهما الصبح ليعرفه أن قراءتهما في الحال المنصوص عليها والزمان المشار إليه أمثل وأولى من قراءة غيرهما وبين له أنهما يسدان مسد الطوليين.
[577]
ومنه حديث أبي هريرة- رضي الله عنه (ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان) قيل المعنى بفلان هو عمر بن عبد العزيز ولم يبلغني ذلك من طريق يعتمد عليه وقد ذكر مثل هذا الحديث عن أنس فذكر ابن أسلم- وهو الراوي- عن أنس أن الإمام الذي ذكره هو عمر بن عبد العزيز.
[582]
ومنه: حديث عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله عنه (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا
…
الحديث) معنى قوله هذا: أي لا أستطيع أن آخذ من القرآن حزبا أتقرب بتأويله إلى الله في آناء الليل وأطراف النهار ولم يرد به القدر الذي يصح به الصلاة؛ لأن من المستبعد أن يعجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم مقدار ما يصح به الصلاة كل العجز، وأنى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص له في الاكتفاء بالتسبيح على الإطلاق من غير أن يبين ما له وعليه، ولو كان الأمر على ما يقتضيه ظاهر اللفظ لعلمه الآية والآيتان مكان هذا القول ولو قدر مقدر أن الرجل أدركته الفريضة
ولم يتسع له الوقت أن يتعلم ما يجزئه فأمره بذلك فالجواب أن لو كان الأمر على ذلك لأعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بما يلزمه بعد ذلك إذ لا يجوز عليه أن يسكت عن البيان عند الحاجة إليه.
[583]
ومنه: حديث ابن عباس- رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى، قال سبحان ربي الأعلى) فحمل هذا الحديث وما يتلوه إلى آخر الباب عندنا؛ أن يكون ذلك في القراءة في غير الصلاة ومن جملة المحذور فيه أن الصلاة يحضرها الأمي والأعجمي والجاهل بأحكام الشرع، وإذا سمع أحد منهم شيئا من ذلك ظن أنه من كتاب الله أو توهم أن رد القول فيما سوى ذلك جائز في الصلاة وكفى بهذا مانعا. ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم فاعلا [86/أ] ذلك في الصلاة لبينة الراوي ولنقله غيره من الصحابة مع شدة حرصهم على الأخذ منه والتبليغ عنه وقد كان فيهم من هو ألزم لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه وأقدم صحبة، ولم ينقل عن أحد منهم ذلك.
ولو زعم زاعم أنه في الصلاة ذهابا إلى ظاهر الحديث؛؟ قلنا: يحتمل ذلك في غير الفرائض على ما في حديث حذيفة فيما حدث به عن صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم بالليل وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ. ولم ينقل شيء من ذلك فيما جهر به من الفرائض مع كثرة من حضرها والله أعلم.