المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ باب الغسل - الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي - جـ ١

[التوربشتي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المصنف

- ‌كتاب الإيمان

- ‌ باب: إثبات عذاب القبر

- ‌ باب الاعتصام بالكتاب والسنة

- ‌ كتاب الطهارة

- ‌ باب ما يوجب الوضوء

- ‌ باب آداب الخلاء

- ‌ باب السواك

- ‌ باب الوضوء

- ‌ باب الغسل

- ‌ باب أحكام المياه

- ‌ باب تطهير النجاسات

- ‌ باب التيمم

- ‌ باب الغسل المسنون

- ‌ باب المستحاضة

- ‌ كتاب الصلاة

- ‌ باب المواقيت

- ‌ باب تعجيل الصلاة

- ‌ باب الأذان

- ‌ باب فضل الأذان، وإجابة المؤذن

- ‌ باب المساجد ومواضع الصلاة

- ‌ باب الستر

- ‌ باب السترة

- ‌ باب صفة الصلاة

- ‌ باب: ما يقرأ بعد التكبير [

- ‌ باب الركوع

- ‌ باب السجود وفضله

- ‌ باب التشهد

- ‌ باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ باب الذكر بعد الصلاة

- ‌ باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه

- ‌ باب السهو

- ‌ سجود القرآن

- ‌ باب أوقات النهي

- ‌ باب الجماعة وفضلها

- ‌ باب تسوية الصف

- ‌ باب الموقف

- ‌ باب الإمامة

- ‌ باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق

- ‌ باب من صلى صلاة مرتين

- ‌ باب صلاة الليل

- ‌ باب ما يقول إذا قام من الليل

- ‌ باب التحريض على قيام الليل

- ‌ القصد في العمل

- ‌ باب الوتر

- ‌ باب القنوت

- ‌ باب قيام شهر رمضان

- ‌ باب صلاة الضحى

- ‌ باب التطوع

- ‌ صلاة التسبيح

- ‌باب الجمعة

- ‌ باب وجوب الجمعة

- ‌ باب التنظيف والتبكير

- ‌ باب الخطبة والصلاة

- ‌ باب صلاة الخوف

- ‌ باب صلاة العيدين

- ‌ فصل الأضحية

- ‌ باب العتيرة

- ‌ باب صلاة الكسوف

- ‌ باب صلاة الاستسقاء

الفصل: ‌ باب الغسل

وفي كتاب المصابيح عدة أحاديث عن عبد الله بن مغفل رأيت كثيرا من المحصلين يتخبطون في اسم أبيه فتارة يروون بالعين والقاف وتارة يزيدون فيها الألف واللام ويروونه بالفاء ظنا منهم؛ لأن لام التعريف فارق بين ما هو بالفاء وبين ما هو بالقاف وهم غير مصيبين في الصورتين وكل ما في المصابيح على هذا الرسم فهو عبد الله بن مغفل بالغين المعجمة والفاء المشددة. وعبد الله بن معقل بالعين والقاف غير موجود في الصحابة وإنما هو في التابعين.

[274]

ومنه: حديث أبي بن كعب- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان

الحديث) الولهان على مثال الوحدان. مصدر قولك وله يوله ولها، وولهانا، وهو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد فسمي به شيطان الوضوء والله أعلم بحقيقته إما لشدة حرصه على طلب الوسوسة في الوضوء وإما لإلقائه الناس بالوسوسة في مهواة الحيرة حتى يرى [50/ب] صاحبها حيران ذاهب العقل لا يدري كيف يلعب به الشيطان.

ومن‌

‌ باب الغسل

(من الصحاح)

[277]

حديث أبي هريرة- رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها. شعبها الأربع قيل: هي اليدان والرجلان، وقيل: بين رجليها وطرفي يديها، وأرى هذا أشبه التأويلين وأقربهما؛ لأنه يتناول سائر الهيئات التي يتمكن بها المباشر عن إربه، وإذا فسر [بيدين] والرجلين اختص بهيئة واحدة، والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عدل إلى الكناية بذكر شعبها الأربع لاجتنابه عن التصريح بذكر الشفرتين، ولو أراد بها اليدين والرجلين لصرح بها.

ص: 149

وفيه (ثم جهدها) بفتح الهاء أي: جامعها على قول ابن الأعرابي؛ لأنه قال الجهد من أسماء النكاح وقيل حفزها ودفعها، وأرى أصل الكلمة من الجهد الذي هو الجد في الأمر وبلوغ الغاية؛ لأن إذا انتهى الأمر به إلى ذلك فقد جد وبلغ الغاية، وإنما عبر عنه بهذا اللفظ المبهم؛ لأنه كان يتنزه عن التفوه بما يفحش ذكره صريحا ما وجد إلى الكناية سبيلا، إلا في صورة تدعو الضرورة إلى التصريح على ما ذكر في حديث ما عز ابن مالك وغيره لتعلق الحد بذلك، وقد اعتمد في هذا الحديث على فهم المخاطبين فعبر عنه بالجهد، والمراد منه: التقاء الختانين عرفنا ذلك بحديث عائشة- رضي الله عنها حيث سألها أبو موسى الأشعري- رضي الله عنه عن ذلك فقالت: على الخبير سقطت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل) وهو حديث صحيح.

ومنه حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماء من الماء) أحد الماءين هو المني والآخر هو الغسول الذي يغتسل به أي وجوب الاغتسال بالماء من أجل خروج الماء الدافق، وقد صح أنه منسوخ، ومن جملة الأحاديث التي تصرح وتحكم بنسخ هذا الحديث حديث أبي بن كعب- رضي الله عنه هو أنه قال: إن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال منه.

قلت: والذي ذكره المؤلف عن ابن عباس أن الماء من الماء في الاحتلام، فإن قول قاله ابن عباس من طريق التأويل والاحتمال، ولو انتهى الحديث بطول إليه لم يكن ليأوله هذا التأويل [51/أ]، وذلك أن أبا سعيد الخدري قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين إلى قباء حتى إذا كان في بني سالم وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب عتبان فصرخ به فخرج يجر إزاره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعجلنا الرجل) فقال عتبان: يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء) وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه.

[278]

ومن حديث أم سلمة- رضي الله عنها قالت أم سليم: يا رسول الله إن الله لا يستحى من الحق

الحديث. أي لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيى منا، وإنما قدمت هذا الكلام بين يدي حاجتها على وجه الاعتذار عن تصريحها بما تنقبض عنه النفوس البشرية وتتوقى عن ذكرها سيما بحضرة الرسالة، والمعنى أن الله بين لنا أن الحق ليس من جملة ما يستحيا منه، وحثنا على الاستفادة بذكره وترك التنزه

ص: 150

عنه، وسؤالها هذا كان من الحق الذي ألجأتها الضرورة إلى السؤال عنه، وكانت عائشة رضي الله عناه تقول:(نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) وأم سليم هذه بنت ملحان الأنصارية أم أنس بن مالك ويقال لها الغميصاء والرميصاء كانت من عقلاء النساء.

وفيه (نعم تربت يمينك) ترب الشيء بالكسر أصابه التراب ومنه ترب الرجل أي: افتقر كأنه لصق بالتراب يقال: تربت يداك هو في الأصل على الدعاء، أي لا أصبت خيرا، وليس المراد منه الدعاء بل هي كلمة من جملة الكلمات التي يطلقها العرب في مخاطباتهم عند التعجب والحث على الشيء والتنبيه عليه والتلزم به وغير ذلك ولا يريدون بها وقوع الأمر، وقد ذكر أبو عبيد اختلاف أهل العلم في معنى تلك الكلمات، واستشهد عليها بالشواهد والقول الجامع بين تلك المعاني أن نقول: اختلاف أقاويلهم يتعلق باختلاف مواضع الاستعمال وذلك مثل قولهم للرجل: قاتله الله ما أفطنه وما أعقله، والآخر: قاتله الله ما أخبثه، فقولهم هذا على معنى الدعاء عليه والذم له، والأول على معنى المدح والتعجب من فطنته وعقله، وذلك يقع موقع قولك: لله دره.

وقوله صلى الله عليه وسلم (تربت يمينك) كلمة لم يرد بها الدعاء عليها وإنما خرجت مخرج التعجب من سلامة صدرها، وقد روى حديث أم سليم هذا من طريق صحيح أيضا وفيه [51/ب] فغطت عائشة وجهها، وذكر فيه مثل حديث أم سلمة، ووجه التوفيق بينهما أن عائشة وأم سلمة- رضي الله عنهما حضرتا حينئذ عنده، وتكلمت كل واحدة منهما مثل كلام صاحبتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تربت يمينك) جوابا لمن سبق منهما القول أو لصاحبتها وحسبت كل واحدة منها أنها هي المعنية بهذا القول فنقلته على ما سمعته.

[280]

ومنه حديث ميمونة- رضي الله عنها (وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا) الحديث. الغسل بضم الغين كالمغسول والمغتسل، وهو الماء الذي يغتسل به كالأكل لما يؤكل والغسل أيضا الاسم من غسلت الشيء غسلا بالفتح، والغسل الذي هو الاسم من غسلت يقال بتسكين السين وتحريكه بالضم، ووجدت كثيرا من الناس يكسرون الغين من قول ميمونة- رضي الله عنها صلى الله عليه وسلم غسلا وهو خطأ، وإنما الغسل بكسر الغين ما يغسل به الرأس من خطمى وغيره، وفيه (ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه) أفرغ أي: صب، والحفنة ملء الكفين من طعام وغيره، وقلما يستعملونها إلا في الشيء اليابس كالدقيق ونحوه، ولعلها استعملتها في الماء على طريق الاتساع وقالت ملء كفيه والحفنة لا يكون إلا ملء الكفين على وجه التأكيد، ويمكن أنها قالت: ثلاث غرفات ملء كفيه فعبر عنها بعض الرواة بما تيسر له من اللفظ.

وفيه (وهو ينفض يديه) أي يحركهما، يقال: نفضت الثوب والشجر أنفضه إذا حركته لينتفض، وليس المعنى أنه نفض يديه لينفض منهما ما بقى عليهما من الطهور، فإن ذلك منهى عنه في الوضوء

ص: 151

والغسل، وإنما أريد به في هذا الحديث تحريك اليدين في المشي كما في المعهود من مشية أولى القوة وذوي الصلابة.

[281]

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته عائشة- رضي الله عنها (خذي فرصة من مسك فتطهري بها) الفرصة بالكسر قطعة قطن أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض، وقد أشكل قوله (من مسك) فإن الفرصة لا تكون من مسك، الاحتمال أن هناك حذفا، وتقديره: مطيبة من مسك، وزعم بعضهم (من مسك) أنه بفتح الميم وليس بشيء.

وهذا الحديث وإن كان صحيحا فقد ورد أيضا في الصحاح: (فرصة ممسكة) وهذه الرواية أكثر وقد فسرها بعض أهل العلم فقال: أي مطيبة مأخوذ من المسك فكأنه [52/أ] اختار ذلك للتوفيق بين اللفظين، وقد أنكر بعض أصحاب المعاني هذا التفسير وقال: متى كان المسك عندهم بالحال التي تمتهن هذا الامتهان فيستعمل في المحيض؟! وقد فسر بعضهم فقال: هو من التمسك باليد فقال القتيبي: ممسكة أي: محتملة يقول: تحملينهما معك تعالجين بها قبلك، قال: والعرب تقول مسكت كذا بمعنى: أمسكت وتمسكت، وذكر الزمخشري في كتاب الفائق أن الممسكة الخلق التي أمسكت كثيرا، كأنه أراد أن لا يستعمل الجديد للارتفاق به في الغزل وغيره، ولأن الخلق أصلح لذلك وأوفق، وهذا القول أمتن وأحسن وأشبه بصورة الحال، هذا وقد نظرنا في اختلاف اللفظين فوجدنا الرواية فيهما مسندة إلى عائشة- رضي الله عنها ووجدنا القضية قضية واحدة والتي سألت عن ذلك أسماء الأنصارية ولم تنسب في الحديث، وقد عرفنا كونها من الأنصار من متن الحديث وهو أن عائشة- رضي الله عنها قالت: (إن أسماء سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم

الحديث). ثم قالت بعد سياق الحديث (نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) وقد وجدنا هذا الحديث أيضا في مسند أسماء بنت أبي بكر فقالت (سألت امرأة عن غسلها من المحيض الحديث). ولابد وأن يكون اختلاف اللفظين في حديث واحد في قضية واحدة من بعض الرواة لروايته الحديث بالمعنى، فالظاهر أن بعض الرواة سمع (فرصة ممسكة) ففهم منه التطيب ولم يضبط اللفظ، فرواه المعنى على هذا اللفظ، وإنما نصرنا هذه الرواية لأنها أكثر، واخترنا المعنى الذي ذكرناه؛ لأنه أوجه وأقرب، ومن الدليل على صحة ذلك أن (الفرصة) في كلام العرب ما تستعمله الحائض وتمسح به الدم على ما نقلناه من كتب اللغة ثم ما في هذا الحديث من قوله (فتطهري بها) ولو كان المعنى على ما ذهبوا إليه لكان (فتطيبي بها) ولأنه صلى الله عليه وسلم أمرها بذلك لإزالة أثر الدم عن التطهر، ولو كان لإزالة الرائحة الحاصلة من المحيض لأمر بعد إزالة أثر الدم، ثم إن هذا اللفظ أعنى:(فرصة من مسك) هو ما تقضية طرق النظم على ما ذكرناه. والله أعلم.

ص: 152

[282]

ومنه حديث أم سلمة- رضي الله عنها (يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي) الضفر بفتح الضاد وسكون الفاء نسج الشعر وإدخال بعضه في بعض [عريضا](52/ب) ومنه قيل للبطان المعرض ضفر وضفير، وللذؤابة ضفرة.

وفيه (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات) الحثو والحثى الإثارة يقال: حثا يحثو حثوا وحثى يحثى حثيا، يقال أحثت الخيل البلاد وأحاثتها: إذا دهمتها وأثارتها، ومعنى الحثيات الثارات التي يثير فيها الماء بيديه ويفيضها على رأسه، فإن كان المراد من الحثيات هذا الذي ذكرناه في تفسير ظاهر اللفظ فإنما نص فيه على الثلاث؛ لأن الكفاية في إفاضة الماء على سائر الجسد يحصل به في غالب الأحوال، ويمكن أنه أراد بالحثية الفيضة الواحدة التي تعم سائر البدن، وهذا المعنى أقرب وعلى هذا فالحثيات في معنى الغلات الثلاث، وحينئذ يكون التنصيص فيها على الثلاث على وجه الاستحباب لا على الوجوب.

[258]

ومن الحسان قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ترويه أم سلمة رضي الله عنها (إن النساء شقائق الرجال) أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع كأنهن شققن منهم، ولأن حواء خلقت من آدم عليه السلام وشقت منه. يقال: فلان شق نفسي وشقيق نفسي أي كأنما شق مني لمشابهة بعضنا بعضا، وشقيق الرجل أخوه لأن نسبة شق من نسبه، وكثيرا يستعملون ذلك في بني الأب والأم كقولهم في عبد الرحمن بن

ص: 153

أبي بكر- رضي الله عنه هو شقيق عائشة- رضي الله عنها، وذلك باعتبار أنهما شقا من ماء واحد بالنسبة إلى كل واحد من الأبوين في رحم واحد، قال الشاعر:

يا بن أمي ويا شقيق نفسي .... أنت خليتني لأمر شديد

[288]

ومنه حديث على رضي الله عنه (فمن ثم عاديت رأسي) عبر عن تعرية الرأس عن الشعر واستئصال ذلك بالجز ليصل الماء بالمعاداة على وجه الاتساع إلى عاملت مع رأسي معاملة المعادى، وقد ذهب بعض أهل العلم في معناه إلى الاستقصاء في إيصال الماء إلى أصول الشعر، وقد تعمق في تحقيق قوله (عاديت) حتى كان أن يفضى به إلى التكلف بل أفضى (

) هو الذي ذكرناه، ومما حملنا على اختيار هذا القول بعد مراعاة الظاهر ما رواه أبو محمد (

) الدرامي في كتابه من الزيادة بعد حديث علي رضي الله عنه هذا وكان علي- رضي الله عنه يجز شعره، فأورد هذا القول مورد البيان لقول علي- رضي الله عنه وقد روى مثل ذلك عن حذيفة- رضي الله عنه وذلك (53/أ) أنه خرج وقد طم رأسه فقال (إن تحت كل شعرة لا يصيبها الماء جنابة فمن ثم عاديت شعري كما ترون) قال شمر: معناه أنه طمه واستأصله ليصل الماء إلى أصول شعره، ولم يفسر قوله (عاديت) وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى:(عاديت شعري) أي رفعته وعاديت الشيء أي باعدته، وهذا التفسير قريب مما ذكرناه في حديث علي- رضي الله عنه ولو قدر معنى الرفع والمباعدة في حديث علي رضي الله عنه لم يستقم معناه إلا إذا قيل إنه حذف المضاف، وتقدير الكلام (فمن ثم عاديت شعر رأسي) ولو زعم زاعم أن المراد من الرفع في تفسير حذيفة رفع الشعر؛ لإيصال الماء في أصوله فقد أحال، وكذلك الذي فسر عاديت رأسي بالاستقصار في إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ لأن في حديث حذيفة (وقد طم رأسه) أي استأصل شعره، وفي كتاب الدرامي (وكان يجز شعره) فأني يصح معنى الحديثين على قدر من الاستقصاء والمبالغة بعد استئصال الشعر بالجز.

[290]

ومنه حديث عائشة- رضي الله عنها (كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه بالخطمى وهو جنب) الحديث. الخطمى بكسر الخاء الذي يغسل به الرأس، ومعنى الحديث أنه كان يكتفى بالماء الذي يغسل به الخطمى عن رأسه، ولم تبينه كل التبيين؛ لأن من المعلوم أن الذي يغسل رأسه بالخطمى لابد وأن يغسله بالماء حتى يزيل عنه أثره.

ص: 154

ومنه حديث يعلى- رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حيى ستير) الحديث. المعنى: إن الله تبارك وتعالى تارك للمقابح ساتر للعيوب والفضائح يحب الحياء والتتر من العبد؛ لأنهما خصلتان تفضيان به إلى التخلق بأخلاق الله، ويعلى راوي هذا الحديث هو يعلى بن أمية أبو صفوان التميمي وقد ينسب أيضا إلى أمه فيقال يعلى بن منية.

[289]

ومنه حديث ابن عباس- رضي الله عنه (خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الخلاء فأتى بطعام فذكر له الوضوء فقال: أريد أن أصلي فأتوضا) المعنى: أريد أن أصلي حتى أفتقر إلى الوضوء، حذف عنه همزة

ص: 155

الاستفهام إيثارا للتخفيف، والفاء في قوله (فأتوضأ) هي الناصبة بعد الاستفهام أشار بقوله هذا إلى أن الوضوء شرع لإقام الصلاة لا لأكل الطعام، وإنما قال لذلك لئلا يشق على الأمة، وليفتح عليهم باب التيسير والرخصة، ولم يرد به نفي الفضيلة كيف وقد علمنا بأصل السنة (53/ب) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يذكر الله على طهر، ومن سنته أن يبدأ عند الطعام بذكر الله ويختم الأمر فيه الحمد الله وثنائه، فعرفنا بذلك استحباب الطهارة حالة الأكل، وأنها من أبواب العزيمة، وأن الثواب مرجو فيها والبركة مغتنمة.

[299]

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ميمونة- رضي الله عنها (إن الماء ليس عليه جنابة) معناه: إن الماء إذا غمس فيه الجنب يده لم ينجس، وإنما قال ذلك؛ لأن القوم كانوا حديثي عهد بإسلام، وقد أمروا بالاغتسال عن الجنابة كما أمروا بتطهير البدن عن النجاسة، فربما يسبق إلى فهم أحدهم أن العضو الذي عليه الجنابة في سائر الأحكام كالعضو الذي عليه النجاسة فيحكم بجنابة الماء من غمس عضو الجنب فيه كما يحكم بنجاسته من غمس العضو النجس، فبين لهم أن الأمر بخلاف ذلك.

[300]

ومنه حديث عائشة- رضي الله عنها (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجنب فيغتسل ثم يستدفئ بي قبل أن أغتسل) جنب الرجل وأجنب واجتنب وتجنب إذا صار جنبا، ورجل جنب وامرأة جنب وقوم جنب، وربنا قالوا في جمعه أجناب وجنبون، وسميت جنابة لكونها سببا لتجنب الصلاة؛ ولأن الجنب نهى أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، فتجنبها وأجنب عنها أي: تباعد منها تقولها يجنب بضم الياء وكسر النون، ويجوز أن يفتح منه الياء ويضم النون.

وقولها (يستدفئ بي) الدفء السخونة يقال منه دفئ الرجل دفاءة مثل كره ودفأ مثل ظمئ ظمأ واستدفأ به وهو افتعل أي لبس ما يدفئه، ومعنى اللفظ أنه كان يجعلها من نفسه مكان الثوب الذي يستدفئ به ليجد السخونة من يديها، وإنما ذكرت ذلك في استدفاء الرجل بامرأته وهي جنب في حالة التعري بحيث تمس بشرتها- وهي جنب- بشرته، وقد اغتسل؛ لأن استدفاءه بها بن البشرتين ما يمنع عن الامتساس مما لا حاجة إلى بيانه.

ص: 156

[301]

ومنه حديث علي- رضي الله عنه (وكان لا يحجبه أو يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة) يعني إلا الجنابة، وقد يستثنى بليس تقول: جاءني القوم ليس زيدا بضم اسمها منها وبنصب خبرها كأنك قلت: ليس ما جاءني زيدا مكان قولك: جاءني القوم ليس زيدا، وقد زعم بعض المعتبرين من علماء البيان وأهل المعرفة بالحديث (54/ب). أن ليس ههنا بمعنى: غير وهي تجر ما بعدها كما تجر غير فروى الجنابة مجرورة، ولم نجد لقوله هذا سنادا في كتب علماء العربية.

[303]

ومنه: حديث علي- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا تدخل الملائكة بيتا) الحديث. ظاهر اللفظ يقتضى عموم الملائكة، وقد عرفنا بنص الكتاب أن كتبة الأعمال غير داخلين في جملتهم، وذلك قوله سبحانه {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} في آيات أخر، وقد بينها قوله صلى الله عليه وسلم (فإن معكم من لا يفارقكم فاتقوا الله واستحيوا منهم) وأن المرادين بذلك هم الذين ينزلون بالبركة والرحمة ويطوفون على عباد الله المؤمنين ويستمعون الذكر ويؤمنون على دعاء المؤمنين ويزورون عباد الله الصالحين فإذا رأوا في موضع منكرا أو شيئا لا يناسب حالهم امتنعوا عن دخول ذلك الموضع.

ويحتمل أن يكون المعنى: لا يدخله بالخير، وامتناعهم عن دخول البيت الذي فيه الصورة لما في الصورة من التشبه بخلق الله والإقدام على المنكر الفظيع الذي منع منه الشرع، وظاهر هذا اللفظ يقتضى تناول سائر التصاوير المنصوبة القائمة التي لها شخص والتي لا شخص لها من المنقوشة في الجدر والمصورة فيها وفي الفرش والأنماط، وقد رخص من التصاوير فيما لا شبح لها وكان منبوذا توطأ وتداس لأحاديث دلت على الرخصة لمن كانت في بيته، فأما في حق المصور فلا، وأما البيت الذي فيه الكلب؛ فلأن الكلب نجس خبيث بلغ في المرتبة الحيوانية إلى النهاية في الخساسة، والملائكة أشراف خلق الله، وهم المكرمون المتمكنون من أعلى مراتب الطهارة، وبين الحالين تضاد كما بين النور والظلمة، ثم إن الذي يؤوى الكلب في بيته من غير حاجة إنما يتخذه للهو والاستئناس به مع ترك الاحتراز عن رجسه وتسامحه في أمر في بيته من غير حاجة إنما يتخذه للهو والاستئناس به مع ترك الاحتراز عن رجسه وتسامحه في أمر الدين. ومن سوى نفسه بالكلاب ولم يمتنع عن مقاربتها بالزاجر الشرعي فحقيق أن ينفر الملك عن منزله

ص: 157

ويأنف عن إتيانه وزيارته، وقد استثنى من جملتها ما دعت المصلحة إليه ككلب الزرع والماشية والصيد، وأما الذي فيه الجنب فلأن الجنب ممنوع عن معظم العبادات، وهذا الجنب هو الذي يتهاون بإزاحة العلة عن نفسه بعد أن يتجاوز الوقت فيها عن الحد المحدود مع الإمكان عرفنا ذلك بأصل السنة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم (55/ب) كان يطوف على نسائه بغسل واحد وفي هذا تأخير الاغتسال، وقد صح عن عائشة- رضي الله عنها أنها قالت (كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب) فعلمنا أن المراد من الجنب في هذا الحديث هو الذي يتخذ ترك الاغتسال دأبا وديدنا حتى يمر عليه وقت صلاة مفروضة.

[304]

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمار- رضي الله عنه (والمتضمخ بالخلوق) التضمخ التلطخ والإكثار منه حتى يكاد يقطر، والخلوق: طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره، وإنما استحق أن لا يقربه الملائكة؛ لأنه توسع في الرعونة وتشبه بالنساء مع أنه خالف الرسول صلى الله عليه وسلم فلم ينته عما نهاه.

[306]

ومنه حديث ابن عمر- رضي الله عنهما (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول) الحديث. التوفيق بين هذا الحديث وحديث علي- رضي الله عنه (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من الخلاء فيقرأ بنا القرآن) هو أن نقول: النبي صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا بالحنيفية السهلة: بحب التيسير على الأمة فلو أخذ في هذه القضية ونظائرها بالعزيمة لشق على الأمة وتعذر اتباعه بما شرع على أكثر الناس، فشرع لهم الرخصة فيما رواه على- رضي الله عنه، وبين لهم سبيل العزيمة بما رواه ابن عمر- رضي الله عنهما ليأخذ كل منهم بحظه، ويحتمل أن يكون آخر الأمرين ما رواه ابن عمر- رضي الله عنه والمسلم به قيل: هو المهاجر بن قنفذ بن عمير جذعان القرشي التيمي، وهو من مسلمة الفتح وعلى هذا فحديث ابن عمر غير حديث أبي

ص: 158